هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الاثنين، 28 فبراير، 2011

المجلس العسكرى هو العدو الرئيسى للثورة المصرية





عادل العمرى





مازال البعض يرى في العسكر ممثلين للثورة، رغم مرور أكثر من أسبوعين على استلامهم السلطة دون اتخاذ أيّ قرار فعال لترسيخ الديموقراطية حتى الآن. ولا أفهم سبب تقديس الجيش أبدا وهو الجيش المهزوم في 1948 و1956 و1967، والذي لم يحقق نصرا واضحا في 1973؛ الحرب التي توجت باتفاقية كامب ديفيد المهينة، والذي شارك في الحرب القذرة المسماة حرب تحرير الكويت مقابل إعفاء مصر من جزء من ديونها. وهذا الجيش سبق له قمع عمال كفر الدوار بالمدرعات وبالرصاص عام 1952 وقرر إعدام اثنين منهم (مصطفى خميس ومحمد البقري) وهو الجيش الذي قام بانقلاب 1952 وأقام النظام الناصري العسكري الشمولي الذي قامت ضده ثورة 2011 الحالية، والذي تشكلت منه المحاكم العسكرية سيئة الصيت،  والذي يشكل حاليا مجرد فرقة في الجيش الأمريكي، والذي يرتع قادته في فساد شامل منذ تكوينه وحتى الآن ويشكلون جزءا من عصابة مبارك مثلما كانوا جزءا من عصابات عبد الحكيم عامر ثم السادات. هذا الجيش لديه السجن الحربي حيث مورست فيه ألوان التعذيب، والذي يتم فيه إذلال المجندين وتعليمهم دروسا في كراهية الحياة العسكرية واحتقارها، والذي يخرج منه اللواءات على المعاش ابتداء من انقلاب 1952 ليتحكموا في مختلف المؤسسات الحكومية بعقلية بدائية.. فأيُّ شرف لدى هذا الجيش الذي خلق نظام الفساد منذ 1952؟
لاشك أنَّ قواعد الجيش تختلف عن قياداته، فأغلبهم متعاطفون بلا شك مع الثورة ولذلك سيكون من الصعب للغاية أنْ يصدر المجلس العسكري أوامر بقتل المتظاهرين بالجملة، رغم أنَّ هذا وارد من قبل فرق خاصة وعناصر شديدة الولاء للنظام موجودة بالفعل ولكن هناك خطورة انقسام الجيش في هذه الحالة. وربما هذا هو ما سيدفع الجيش لتقديم مكاسب متكررة للثوار والتضحية بأكباش فداء متوالية.

والواقع أنَّ السلطة في يد المجلس العسكري والذي أقال مبارك وقدم هذا "التنحي" لتهدئة الجماهير بعد محاصرة القصور الرئاسية وبعد فشل وهزيمة النظام في موقعة الجمل القذرة، أما الوزارة فمثل كل الوزارات في النظام الناصري طوال تاريخه وحتى اليوم: مجرد خيال مآتة لا أكثر ولا أقل.. ولكن طبعا اختيار العسكر لوزراء بأعينهم له مغزى ويعبر عن ميولهم المحافظة. والواضح أنَّ العسكر مصرون على تعيين وزراء على شاكلتهم من أنصار النظام الشمولي رغم أنه من السهل تعيين غيرهم من عناصر أفضل شكليا على الأقل، مما لايعكس فقط الإصرار على المحافظة على النظام بل يعبر أيضا عن غباء بيولوجي لدى العسكر، فشخص مثل أبي الغيط لا يصلح حتى لتمثيل أسرة يحمل حقيبة الخارجية ويسيء حتى للنظام نفسه، ووزير الداخلية الإرهابي يكشف بوضوح عن سوء نية العسكر ويسيء لسمعتهم الملوثة أصلا. ورئيس الوزراء التافه يخاطب الشعب على أنه أبله على شاكلته.

والأمر لا يقتصر على اختيار الوزراء، فهناك العديد من الملاحظات على سياسة العسكر حتى الآن:

1- الإصرار على اختيار وزارة موقعة الجمل. وهذا الأمر لا يجد أيَّ اعتبار من العسكر ببساطة لأن قائدهم كان مشاركا في هذه الموقعة بالتواطؤ وإرهاب المتظاهرين بالطائرات.. إلخ.
2- الإبقاء على رجال الحزب الوطني في كل المؤسسات مثل الإعلام.
3- الإبقاء على الدستور مع اختيار "مفكر" ضيق الأفق لوضع تعديلات محدودة.
4- عدم إطلاق سراح أسرى الثورة وهو ألف باء أيّ ثورة، فليس من المعقول أنْ تعتقل حكومة تزعم أنها تمثل مبادئ الثورة أبناءها. بل ويمارس الجيش بنفسه عمليات اعتقال وخطف وتعذيب إجرامية موثقة ومنشورة،  دون خجل.
5- استمرار حالة الطوارئ وحظر التجول وسجن البعض بتهمة خرق حظر التجول.. دون أيّ مبرر سوى رغبة العسكر في السيطرة وإرهاب السكان.
6- ترك عائلة مبارك والمقربين من أنصاره أحرارا حتى الآن بل وحراستهم.
7- محاولة استمالة جماعة الإخوان المسلمين لامتصاص قطاع من الجماهير والالتفاف على مطالب الثورة، وهي جماعة لا تملك أيَّ فكر ديموقراطي ولا آفاق تقدمية من أيِّ صنف بل لا تملك أيّ مشروع سياسي محدد الملامح، وإنما تعتمد على طرح أوهام وأحلام لتبرر تسلطها على الناس باسم الدين.
8- عدم إطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية وعدم تحرير النقابات والجمعيات الأهلية من سيطرة الدولة وأجهزة الأمن وعدم حل المجالس المحلية خوفا من سيطرة قوى الثورة من أسفل على السلطة.
9- استمرار جهاز الأمن كما هو بل ومحاولة إعادة بناء ما هُدم منه على نفس الأسس؛ فوزير الداخلية ضابط إرهابي وجهاز أمن الدولة مازال موجودا ولم يتخذ قرارا بمصادرة أجهزة التعذيب من مراكز الشرطة والسجون ولم يحاكم رجال الشرطة المجرمين، بل يدعو إعلام العسكر الجماهير إلى العفو عما سلف!!
10- مازال البلطجية موجودون بكثرة وهم معروفون جيدا وبالاسم لدى أجهزة الأمن وكان من الواجب على أيّ حكومة تزعم ثوريتها أنْ تعتقلهم فورا والتهم موجودة: حمل أسلحة غير مرخصة – إرهاب وقتل الثوار- ترويع المواطنين وقتل بعضهم واغتصاب البعض. . إلخ. والواقع أنَّ الجيش قبض على أعداد محدودة وكثير منهم تسلمهم من ثوار التحرير واللجان الشعبية. لم نسمع عن أحكام رادعة ضد القتلة والمجرمين من رجال الشرطة بل صدرت أحكام تافهة على بعض أمناء الشرطة بالسجن مدد محدودة لا تتناسب مع استعمال الأسلحة النارية والقتل والشروع في القتل.. إلخ. والشيء المعقول في الثورات أنْ تتشكل محاكم فورية قاسية لتصفية أعداء الثورة لحماية السكان ومكتسباتهم.
11- تسلم قضايا الفساد النائب العام وهو نفسه يستحق المحاكمة لضلوعه في التواطؤ مع العصابة الحاكمة التي تورط بعض أفرادها في قضايا فساد عديدة وقضايا تعذيب وقتل مثل قضية خالد سعيد وقضية سيد بلال. كما يستحق كبير الأطباء الشرعيين الشيء نفسه.
12- لم يتم تنفيذ حكم المحكمة برفع الحد الأدنى للأجور ولا طرد الحرس الجامعي (هناك فقط وعد بتنفيذ الحكم الأخير مثلما وعدت حكومة نظيف).
13- عدم محاكمة ضباط الجيش الذين قمعوا المتظاهرين المسالمين واكتفى العسكر بالاعتذار.  



لا بأس من رفع شعار إسقاط الوزارة واستمرار الضغط على العسكر بالمظاهرات المليونية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أنَّ العدو هو المجلس العسكري وليس الوزراء الذين يعملون مجرد خدم لدى السلطة الحقيقية. فالعسكر يمارسون سياسة استيعاب الثورة ولو كان لديهم المال اللازم لاشتروا قطاعات شعبية واسعة مثلما تفعل حكومات الخليج الآن ولكنهم يفتقدون إلى المال خصوصا أنَّ مطالب الشعب ضخمة.
إن التطهير مطلوب في كل المؤسسات على مستوى المجتمع كله ولم يحدث حتى الآن تغير جذري رغم تنحية مبارك. لذلك لن أمل من دعوة الجماهير لتحرير المجتمع المدني،  أي الثورة من أسفل وتصعيد المطالب الفئوية والاقتصادية وتشكيل مجالس محلية جديدة وعدم التساهل مع تجاوزات الأمن ومع البلطجية في كل مكان. 
إنَّ مليون مظاهرة سلمية لن تفعل الكثير، وإنما التغيير باليد: بانتزاع الحقوق المسلوبة وليكن لنا أسوة تستحق الاتباع في نجاح موظفي البنك الأهلي حتى الآن ونجاح بعض عمال الصناعة والنقابات المستقلة ونجاح الصحفيين والأطباء في طرد النقيبين عميلي الحزب الوطني. وليتم الآن تشكيل حزب ديموقراطي بأسرع ما يمكن دون حكم محكمة بل في الواقع، وليسرع الجميع بتشكيل نقابات مستقلة.
على قوى الثورة أيضا أنْ تضع في الاعتبار أنَّ تقديم المطالب للسلطة ليس هو الأسلوب الذي يضمن نجاح الثورة، فالسلطة هي العدو وهذا ُيواجه ولا يُطلب منه، يجبر ولا يُناشد. فلتكن انتفاضات من حين لآخر وثورات صغيرة في مؤسسات وأحياء مختلفة وليتم تنفيذ أهداف الثورة باليد بقدر الإمكان وليكن العنف – دفاعا عن النفس وعن الثورة - أمرا واردا أيضا خاصة أنَّ النظام لن يتورع عن محاولة استخدامه.

إنَّ الثورة المضادة في السلطة فعلا وهي تعمل على استيعاب هدر الثورة وتسكين الجماهير ولكن لا أظن أنها ستنجح.

من المحتمل طبعا بل من المؤكد أنَّ العسكر سيضطرون إلى تقديم موجات من أكباش الفداء لتسكين الثورة المستمرة حتى الآن بل ومن الممكن جدا أنْ يعتقلوا عائلة مبارك لإرضاء الناس خصوصا بعد سقوط القذافي وفشل العنف في قمع الثورة الليبية، ولكن كل هذا لا يعني تفكيك النظام الشمولي، فالعبرة بتغيير المؤسسات والسياسات لا بتغيير الأفراد أو الأسماء.

ولنتوقف عن تعاطي الخرافة المسماة بثورة الشباب (هذا مفهوم ترسخه السلطة الآن)؛ فهذه ثورة شعبية ولنتوقف عن اعتبار ميدان التحرير هو محور الثورة (هذا أيضا مفهوم ترسخه السلطة وإعلامها)، فقد انتهت فعلا هذه المرحلة والآن يجب العمل على الاستيلاء على السلطة في كل البلاد وهو ما يحدث فعلا ولكن ببطء.

قد تتعطل المصالح وينهار الاقتصاد ويخسر الناس ولكن علينا مخاطبة الجماهير بلغة الثورة: هذه الأزمات متوقعة في كل ثورة ولابد من دفع ثمن التغيير.  وعموما يقول المثل المصري: وجع ساعة ولا كل ساعة.


الأربعاء، 16 فبراير، 2011

نحو الحلقة الثانية من الثورة المصرية

عادل العمرى
16 فبراير 2011

1- ذهب مبارك وتمت تصفية الجناح الأكثر فسادا في النظام ودمر الحزب الذي حكم مصر منذ 1954 أخيرا، ولكن لم يذهب النظام الشمولي الفاسد بعد. فعلى رأس المجلس العسكري مبارك آخر هو حسين طنطاوي التلميذ النجيب للرئيس المخلوع. كما أن أعضاء المجلس العسكري منهم مستفيدون من النظام الشمولي. وحتى الآن لم يتخذ هذا المجلس أي خطوة لتقنين الديموقراطية في مصر، بل احتفظ بالوزارة المسؤولة عن موقعة الجمل؛ أحط هجوم شنه النظام المصري على الشعب ربما على مدى التاريخ، ومازالت وجوه مكروهة شعبيا في موقع المسؤولية، كما يقبع في السجن مئات المعتقلين من صانعي الثورة في ظل سلطة تدعي كذبا أنها تنفذ أهداف الثورة. بل لم يتم تقديم عائلة مبارك للمحاكمة بتهم منها الفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتم استثناؤه هو وعائلته من طلب الدول الغربية التحفظ على أموال كبار رجالات النظام.
لم يجرؤ المجلس العسكري حتى الآن على إلغاء الدستور ربما خوفا من إثارة موضوع المادة الثانية منه، بل وكلف مفكرا إسلاميا طائفي النزعة بالإشراف على تعديل بعض مواده وهو طارق البشري، اليساري التائب، ومعه الآن لجنة تتكون من ممثلين للنظام والإخوان المسلمين، فيما يبدو أنه قمع مبكر للمعارضة الليبرالية وإدماج الإخوان في بقايا النظام الشمولي.
الواضح أن المجلس العسكري يريد إنقاذ نفسه أولا من تهمة الانتماء للنظام، وثانيا يريد تقليل مكاسب الثورة بقدر ما يستطيع حفاظا على مكاسب رجالة الفاسدين، وهو بالطبع لا يملك أيَّ رؤية تحديثية أو تقدمية على الإطلاق. وينطبق الشيء نفسه على وزارة موقعة الجمل. ولا يمكن تصور أن يتطوع العسكر بتسليم مقاليد الأمور لمن يقدر على تحقيق ما أرادته قوى الثورة، ففاقد الشيء لا يعطيه والطيور على أشكالها تقع.

2- الخطوة المنطقية الآن بعد الانتصار الكبير بطرد مبارك هيَ أن تتمكن القوى الثورية (والتي لا يجوز أن تبقى في المعارضة إلى الأبد!) من السلطة. أما من غيروا مواقفهم من معسكر الثورة المضادة إلى المعسكر المنتصر فلا يستحقون التمتع بأيِّ ثقة. فالنائب العام مثلا لم يتصرف لصالح الشعب في كثير من قضايا التعذيب والقتل، وكبير الأطباء الشرعيين زور تقارير قتل خالد سعيد وسيد بلال وغيرهما، وهؤلاء يستحقون المحاكمة بتهمة خيانة الشعب والتزوير والتواطؤ في قضايا تعذيب وقتل المعارضين. بل تواطأت قيادات الجيش مع رئيس الدولة المخلوع وبقية عصابته في معركة الأربعاء الدموية المسماة بموقعة الجمل[1].

3- للأسف ليس للآن لمعسكر الثورة تنظيم محدد بل جماعات بلا قيادة، وكان هذا ميزة في الحلقة الأولى من الثورة وساهم في انتصارها بسهولة. أما الآن فالحلقة الثانية وهي مرحلة استلام السلطة فتحتاج إلى تنظيم ما وهو يتشكل الآن ببطء. وليس من الضروري الآن أنْ يكون هناك مقرات وجهاز حزبي بل يكفي أنْ يكتب برنامج عمل وتحديد قيادات وتكليف شخص ما بالتحدث باسم جبهة الثورة. ومن المهم إطلاق قناة فضائية لمعسكر الثورة. ولتتشكل أحزاب الثورة على مهلها.

4- مشروع برنامج مقترح لتصفية النظام الشمولي والانتقال للديموقراطية الآن، يمكن تنفيذه بالضغط على المجلس العسكري سواء بالمظاهرات أو الإضرابات وغيرها من الوسائل:
- تسريح الوزارة الحالية وتكليف ممثل لقوى الثورة (ليكن البرادعي مثلا) بتشكيل وزارة مؤقتة.
- الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين من أنصار الثورة وتعويضهم ماديا وتعويض أسر الشهداء فورا.
- إلغاء قانون الطوارئ، كافة القوانين المقيدة للحريات والرقابة على المطبوعات والأعمال الفنية ورفع حظر التجول.
- القبض على كافة عناصر النظام الشمولي المتهمين بالفساد وممارسة القمع ضد الشعب وكل من ساهم أو تواطأ في قمع الثورة وتقديمهم إلى محاكمات فورية.
- فتح باب النقاش العام حول الدستور مع تكليف لجنة من كافة الجماعات والمنظمات الديموقراطية لوضع دستور جديد.
- تنفيذ أحكام القضاء مثل رفع الحد الأدنى للأجور.
- حل جهاز الأمن المركزي وأيِّ تشكيلات عسكرية تابعة لوزارة الداخلية.
- حل جهاز مباحث أمن الدولة وإعادة بناء جهاز للأمن الداخلي مخصص لمكافحة الإرهاب.
- إلغاء الحرس الجامعي على أنْ تتولى إدارات الجامعات تعيين عناصر غير بوليسية لتأمين منشآتها وأفرادها.
- حل الحزب الوطني الديموقراطي ومصادرة مقاره وأمواله ووثائقه.
- إطلاق حرية تشكيل الأحزاب بمجرد الإخطار.
- تتولى الحكومة المؤقتة الإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، على أنْ يكون الانتخاب بالرقم القومي وبمشاركة المصريين بالخارج.
- مصادرة أموال عناصر الفساد وتصفية الاحتكارات الكبرى بطرح أسهمها للبيع في البورصة.
- تقديم عائلة مبارك للمحاكمة الفورية ومصادرة كافة ممتلكاتها.
- تطهير أجهزة الإعلام الحكومي من أنصار النظام الشمولي وحل وزارتي الثقافة والإعلام، كخطوة مبدئية تسبق خصخصة الإعلام بالكامل فيما بعد.

5- سلطة الثورة ليست متعلقة بالسلطة السياسية فقط، بل على قوى الثورة أنْ تهتم بتحقيق استقلال النقابات وتحرير الجمعيات الأهلية من سلطة الدولة وليتم تحقيق ذلك دون انتظار إصدار قوانين بل يجب انتزاع هذه الحقوق. من الضروري أيضا أنْ يعلن عن تشكيل أحزاب جديدة مع تسجيلها في الشهر العقاري دون انتظار حل لجنة شئون الأحزاب سيئة السمعة. ويستطيع الطلاب والأساتذة طرد الحرس الجامعي وطرد المسؤولين الموالين للنظام الشمولي من مواقعهم بالقوة، وتطوير نظام ومناهج التعليم بالجامعات دون انتظار قرارات من الدولة. كذلك الحال في كافة مؤسسات الدولة، وهو ما يحدث بشكل جزئي الآن. يمكن أيضا أصدار لستا سوداء بأنصار النظام الشمولي وعناصر الفساد في كافة المواقع لتنبيه المواطنين. هذه الإجراءات مهمة للغاية، أولا لتثبيت أقدام الثورة وثانيا لتدعيم المجتمع المدني، وثالثا للضغط على المجلس العسكري وتقليص سلطاته.

6- ليس من المتوقع أنْ يتم إدخال تعديلات دستورية جذرية إلا فيما يتعلق بانتخاب رئيس الدولة، فلن يتم الإعلان عن دولة علمانية، ولا إطلاق حرية الاعتقاد بشكل مطلق، ولا تحويل مصر إلى جمهورية برلمانية. وبالتالي فعلى قوى الثورة أنْ تعد مشروع دستور ديموقراطي حقيقي وتطرحه على الرأي العام للنقاش دون انتظار.

 بعد ذلك تكون هناك حلقة ثالثة للثورة: الدستور الجديد والجمهورية البرلمانية.  




[1] فى البدء أصدر الجيش بيانا يدعو المتظاهرين للعودة إلى بيوتهم، مدعيا أنه تمت الاستجابة لمطالبهم، ثم راحت الطائرات ترهب الثوار فى ميدان التحرير، ثم تم فتح ثغرة لدخول الجمال والفرسان للميدان ثم سكت الجيش على المذبحة التى استمرت 16 ساعة وتم منع مذبحة أكثر دموية فى نفس الليلية بفضل تهديد أحد الضباط الشرفاء بقتل نفسه بالرصاص إذا سمح بها الجيش.

الخميس، 3 فبراير، 2011

قراءة مختلفة لانتفاضة 18 و19 يناير 1977



نشرت فى 3 يناير2011 على موقع البوصلة : http://elbosla.org/?p=1920


وأعيد نشرها هنا بعد تعديل لغوي محدود



عادل العمري

(1) الانتفاضة
1- في 17 يناير 1977 أصدرت الحكومة المصرية قرارا برفع الدعم عن 25 من السلع الضرورية بشكل مفاجئ وبناء على طلبات صندوق النقد الدولي، فانتفض المعدمون والمهمشون وسكان العشوائيات والعاطلون والعمال في أنحاء عديدة من البلاد، وخاصة المدن، وانطلقوا مدمرين كل ما استطاعوا مما وجدوه أمامهم، من أملاك دولة وأملاك خاصة مهمة وقوات الأمن نفسها. كانت المباني الحكومية ومراكز الشرطة والمحلات الفخمة وأماكن الترفيه الخمس نجوم هي الهدف الرئيسي للمتمردين الذين أعملوا فيها التكسير والحرق واستولوا على كل ما طالت أيديهم حتى ملابس وعصي وخوذ جنود وضباط الأمن، كما حاول بعضهم قطع السكك الحديدية، وبالطبع قُطعت الطرق الرئيسية. وقد بلغ عدد المشاركين عدة ملايين في أنحاء البلاد، لتشهد مصر أعنف انتفاضة في تاريخها الحديث.
استمرت الانتفاضة حتى تم سحب قرار رفع الأسعار، فخفَّت حدتها، بينما استمرت بعض الجماهير في القتال طوال ليلة 20 يناير، رغم نزول الجيش إلى الشوارع وفرض حظر التجول. كذلك خرج البعض من الطلاب والمثقفين وأنصار اليسار الماركسي والناصريين وقليل من الإسلاميين إلى الشارع في مظاهرات سلمية.
2- كتب المفكر الراحل أحمد صادق سعد دراسة بعنوان “نحو استراتيجية اشتراكية جديدة.. قراءة ثانية في أحداث يناير1977[1]، حلل فيها دوافع الانتفاضة وطابعها الثوري وفضح موقف القوى المنظمة، شاملة منظمات اليسار السرية، التي راحت الواحدة تلو الأخرى تدين ما أسمته وقتها “التخريب”. لذلك لم يجد من ينشر له الدراسة[2] سوى مجلة “الراية العربية” التي كان يصدرها في ذلك الوقت كاتب هذا المقال مع شريف يونس. في الواقع لن أستطيع أنْ أضيف الكثير على ما قدمه الراحل العظيم من تفاصيل الأحداث، ولكن سأقوم هنا بإبراز استنتاجات معينة.
3- الغالبية العظمى مما كُتب حول الانتفاضة كُتب من وجهة نظر المثقفين الماركسيين والناصريين وغيرهم، باعتبار أنَّ بعضهم كان مشاركا فيها بدرجة أو بأخرى، وكانت لهم تصوراتهم عن أهدافها أو ما يجب أنْ تكون عليه أهدافها، وعن صيرورتها وآلياتها كما يجب أنْ تكون من وجهة نظرهم. لذلك اهتمت هذه الكتابات بإبراز الشعارات التقليدية لهذه التوجهات في ذلك الوقت وإبراز دور الطلاب والعمال، في مقابل دور عناصر الأمن وعناصر الإجرام فيما سُميَ بالتخريب.
أدانت منظمات المعارضة، العلنية والسرية منها، “التخريب”. وكان حزب التجمع ، الذي يعتبر نفسه حزب اليسار، هو الأكثر حماسا؛ وضمن ما أعلنه حسب دراسة صادق سعد: “يدين التجمع أعمال الشغب والتخريب. فالتخريب ليس إلا وسيلة منحطة وغير متحضرة للتعبير”، و”عمليات تخريب قامت بها عناصر مختلفة من عملاء المخابرات المركزية الأمريكية والرأسمالية الطفيلية طبقا لمخطط يستهدف إلصاق هذه العملية بالقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية”؛ “إننا ندعو كل القوى السياسية في مصر وجميع الأطراف إلى التمسك بالشرعية واحترام القانون”؛ وقد “ساهم أعضاء التجمع في بعض المحافظات في المحافظة على سلمية المظاهرات وكان ذلك بترتيب مع الأجهزة المسئولة التي رحبت بذلك”[3].
وعلى درب حزب التجمع سارت كل منظمات اليسار، ولكن بلغة أقل قسوة وأكثر تأكيدا على أهدافها الراديكالية، زعما، شاملة الحزب الشيوعي المصري وحزب العمال الشيوعي المصري. لقد حاول اليسار- حفاظا على ماء وجهه وحتى لا يدين الشعب علنا – إعفاء المتمردين من تهمة العنف او “التخريب” وإلصاق التهمة بقوات الأمن وعناصر مندسة من عملاء السلطة. وهو ما يذكرنا بنفس الموقف من حريق القاهرة في يناير 1952 حين قامت الجماهير بحرق محال وسط القاهرة واضطرت الحكومة إلى استدعاء الجيش لقمع الانتفاضة، وعزا معظم مؤرخي الفترة التخريب لعناصر مندسة.
وقد تنصل اليسار من المسؤولية عن هذا “التخريب” وأدانه بوضوح. وفي النهاية قرروا أنَّ الانتفاضة فشلت وقُمعت لأنها لم تنته بإسقاط النظام وإقامة نظام آخر، كان المتصور أنْ يكون اشتراكيا. ولكن واقع الأمر أنَّ هدف الجماهير كان إعادة الأسعار إلى ماكانت عليه وقد استجاب السادات بسرعة، وكان هذا هو ما أعاد الجماهير من الشوارع دون أنْ تواجه الجيش وربما حال هذا الإجراء دون تمرد جنود الجيش أيضا. لم يكن المتظاهرون يطمحون إلى إسقاط النظام أو حكم السادات حتى نحكم عليهم بالفشل. ولو لم ينتبه السادات إلى ضرورة تنفيذ مطلب الجماهير لربما انضمت وحدات من الجيش إلى المتمردين، ولعل تحسبه لهذا هو ما دفعه للاستسلام لمطلب الانتفاضة[4]. بالمقابل لم يكن للمنظمات اليسارية أيُّ هدف محدد أثناء الانتفاضة وكانت فعليا في ذيل انتفاضة الجماهير شبه البروليتارية.
لقد برأت المحكمة كل المثقفين الذين رحبوا بالحكم وأطلقوا عليه: الحكم التاريخي، بينما لم يهتم أحد تقريبا بإدانة أحكام السجن، التي بلغ بعضها عشر سنوات، على المتمردين، طبعا باعتبارهم مخربين، وبالتالي مجرمين مخالفين للقانون. والحال أنَّ أيَّ ثورة أو هبة هيَ بطبيعتها ضد القانون، فالتمرد الشعبي يكون موجها ضد الدولة وقانونها. فوق ذلك، لم تكن منظمات اليسار السرية قانونية أيضا، ومع ذلك تم إعفاؤها من العقاب.
4- في مقابل هذا الموقف من جانب المثقفين اليساريين، أود في هذا المقال أنْ أعيد الاعتبار للطرف الذي لم يجد كثيرين يتكلمون باسمه: الجماهير شبه البروليتارية التي شكلت الجسم الرئيسي في الانتفاضة، والتي سحقت قوات الأمن وأجبرت السادات على الفرار من استراحته بأسوان بطريقة مهينة إلى القاهرة، حيث اقتربت منها المظاهرات مما أصابه بالذعر[5]. كما أجبرته على سحب قرار رفع الأسعار والتي دخل أفراد منها السجن بتهمة التخريب.
5- في الحقيقة كانت هناك انتفاضتان في وقت واحد، حدثتا في عدد كبير من المحافظات وبنفس الأسلوب: تمرد شديد العنف من قبل الجماهير من الطبقات الدنيا والتي راحت تهاجم وتضرب الشرطة وتدمر كل ما في طريقها من مؤسسات تمثل الطبقة المسيطرة ومظاهرات سلمية من جانب الطلاب والمثقفين.
كانت الانتفاضة الأولى هي التمرد الرئيسي قامت به الجماهير من مهمشين وأطفال شوارع وعمال تراحيل وباعة جائلين وعمال صناعة.. إلخ. وكانت هذه الانتفاضة العنيفة هي التي هزمت الدولة ونزعت شرعية النظام. لم يرفع أغلب المتمردين شعارات أو هتافات، وإنما مارسوا التمرد بالأعمال، وربما ردد البعض شعارات اليسار والإسلاميين، ولكن ما طرحته الانتفاضة الشعبية من شعارات كانت أكثر حدة وقسوة، وبالألفاظ التي يستخدمها المشاركون فيها في حياتهم اليومية، فكانت “مبتذلة” و”ركيكة” و”غير مهذبة”، شملت ألفاظا “خادشة للحياء”، وشهرت “بشرف” بعض أفراد النخبة الحاكمة بل وبزوجة السادات. ولم تكن هناك أيُّ قيادة لهذه الجماهير ولا أيُّ فئة محركة لها، بل قامت بتمرد تلقائي وعشوائي يتلاءم مع طبيعة تكوينها الاجتماعي وحالتها النفسية وميلها للعنف وطريقتها في الاحتجاج. وقد ذكر صادق سعد في دراسته أنه “في أحوال، كان المثقف المشترك في المظاهرة ينصح من كان يحرق أتوبيسا أو يحطم واجهة محل بالامتناع عن هذا فكان الرد القائل أنَّ هذه هي الكيفية التي نعبر بها عن مشاعرنا”.
لم يكن من قام بمعظم أعمال “التخريب” عناصر محترفة الإجرام، برغم وجودها ومشاركتها، بل الجماهير شديدة الفقر التي كانت في حالة استفزاز بالغ، ليس من قرارات رفع الأسعار فحسب، بل قبل أيِّ شيء آخر من تراكمات من الإهانة والاعتداء المستمر على ما تعتبره حقوقها بتخلي الدولة عن السياسة الإصلاحية الناصرية، وعلى الفساد الشديد والزيادة السريعة للتفاوتات الاجتماعية خلال السبعينات، وبالذات بعد اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي بشكل عشوائي.
تعجز أيُّ كلمات عن وصف قوة المتمردين في ذلك اليوم ومدى العنف والاستبسال الذي قاتلوا بهما قوات الأمن وكادوا أنْ يقاتلوا مصفحات الجيش. وقد بدأ الأمن بمهاجمة المتمردين بقسوة وبالأسلحة النارية ولكن بعد ساعات أصبح معظم رجال الأمن يبحثون عن مهرب من عنف الجماهير التي أصبحت في موقع الهجوم وحققت نصرا ساحقا عليهم، مما اضطر الدولة إلى استدعاء الجيش لفرض حظر التجول، بينما أسرع الرئيس المذعور بسحب قرارات رفع الأسعار وإعلان ذلك في كافة وسائل الإعلام، كما هددت الدولة بإطلاق الرصاص “في المليان” على كل من يستمر في التمرد. وجدت هذه الجماهير نفسها بلا معين ولا قدرات تنظيمية ولا فكر سياسي متقدم، فلم يكن أمامها إلا التمرد العشوائي العنيف، وهذا هو أسلوبها دائما تقريبا حتى في الصراع فيما بين أفرادها، وكان هذا العنف هو الذي أصاب الدولة بالفزع وجعلها تسرع بالتراجع.
أما الانتفاضة الثانية فقام بها المتعلمون والطلاب وبعض أعضاء الأحزاب السرية والعلنية وبعض عمال المصانع المتقدمة، وكانوا يريدون القيام بأشكال احتجاج سلمية تطلق فيها الشعارات التقليدية لليسار، وتوجه بعضهم إلى مجلس الشعب لتقديم مذكرة احتجاج. كانت هذه التحركات محدودة الأثر في المواجهات الدموية التي حدثت.
لكن هذه الانتفاضة الثانية لم تكن الحدث الرئيسي، فلم يكن قيامها يتطلب استدعاء المصفحات وقوات الصاعقة وإطلاق الرصاص، وبالتالي سقوط شرعية النظام. كان العنف والقسوة في التعامل مع رموز الطبقة الحاكمة والشرطة هو العامل الرئيسي في انتصار الانتفاضة، وربما لو طالت لسبب أو لآخر لابتدعت الجماهير أساليبا لفرض سيطرتها على البلاد والممتلكات، وربما تمكنت القطاعات الشعبية الأكثر تقدما من الناحية الاجتماعية أنْ تقود الجميع وتمارس عملا أكثر تنظيما وأطول مدى كما حدث في هبَّة 1919 في بعض المناطق. ولكن لم يستمر التمرد سوى أقل من 48 ساعة.
6- بعد رصد هذا التباين بين الانتفاضتين يصعب إدانة الانتفاضة الأولى على طريقة اليسار آنذاك. فقد كان هدفها محدودا ومحددا ومشروعا بالنسبة للفقراء والمعدمين، وإلا ماذا كان “يجب” أنْ يفعلوا؟ كيف يمكن تصور أنْ تقوم جماهير شبه بروليتارية بانتفاضة وهي تشعر بالمهانة والانسحاق دون عنف وتخريب؟ فضلا عن ذلك، قد تكون بعض أشكال التخريب مفيدة في بعض الحالات، حيث تشل قدرات النظام وتجعله عاجزا على تنظيم قواته وإصدار الأوامر وتهز أفراده معنويا وتصيبه بالتخبط. وكان ضمن أهداف تخريب تمرد 1977 منع القوات من التقدم وضرب المتمردين. كما يمكن أنْ يكون التخريب وكافة أعمال العنف والفوضى خلاقة في حالات كثيرة، كما حدث في ثورات سابقة، منها الثورة الفرنسية؛ وقد شهدت تخريبا أشد وقتلا وإعداما عشوائيا… إلخ.
7- ماذا إذن عن سياق الانتفاضة؟ كان موضوع رفع الأسعار المفجر المباشر للأحداث، ولكن سبقه الكثير من الوقائع. فقد انهارت الناصرية، وكانت اشتراكيتها قد ظهرت كمجرد وهم في سنواتها الأخيرة، ثم راح السادات يلعنها. كذلك انتهت حرب أكتوبر التي اعتبرها السادات آخر الحروب ووعد الجماهير بناء عليه بعصر الرخاء، ليفاجأ الناس ببروز طبقة من الطفيليين محدثي النعمة الذين راحوا يستهلكون بنهم فاضح[6] وبتباهٍ مستفز. في نفس الوقت انتشرت البطالة وازداد الفقراء فقرا بشكل لم يكن معهودا خلال العصر الناصري وظهرت أشكال لم يسبق لها مثيل من الفساد دعمتها السلطة نفسها، وصنع السادات بطانة خاصة من عناصر شديدة الفساد والثراء والطفيلية من محدثي النعمة، بل وزوج ابنته في حفل أسطوري من ابن المقاول العملاق عثمان أحمد عثمان. بذلك كانت الانتفاضة العنيفة نتاجا لتراكمات من الشعور بالمهانة والذل[7].
وبالفعل كان ثمة إرهاصات واضحة لأحداث العنف في يناير 1977، فقد سبقتها مئات من أعمال التمرد العنيفة المصحوبة بإتلاف ممتلكات حكومية ومراكز أمنية[8].يضاف إلى ذلك، كتفسير لحدة التمرد والعنف البالغ ضد الشرطة، وجود ثأر تاريخي بين الجماهير شبه البروليتارية ورجال الأمن الذين لا يتركون فرصة لإهانتها إلا واستغلوها، فجاءت الانتفاضة كفرصة مناسبة للانتقام. وأخيرا تصرفت الدولة باستهتار شديد في موضوع رفع الأسعار، فقبل القرار بأيام صدرت تصريحات كثيرة متوالية مطمئنة حول تثبيت الأسعار ورفع الأجور والمعاشات وتوفير وجبه غذائية جاهزة رخيصة، وحين صدر القرار ادعت الصحافة الحكومية أنه مجرد اقتراح للحكومة بينما فوجئ الناس بالأسعار الجديدة.

(2) نتائج الانتفاضة
من حيث الخسائر البشرية قُتل 160 شخصا (حسب ما ذكر محمد حسنين هيكل[9]) وجُرح مئات آخرون معظمهم من الانتفاضة الأولى وقبض على 1250 – 2000 شخص وفقا لصادق سعد. وقد وُزع المتهمون على نوعين من القضايا: نوع للمشاركين في الانتفاضة الأولى (قضية “الشغب”) التي حُكم فيها بالسجن على 114 من المتهمين بالتخريب وكثير منهم حبس حبسا مطلقا أيْ حتى صدور الأحكام، وصدرت الأحكام بعد 6 شهور فقط. والنوع الثاني للمعتقلين من الانتفاضة الثانية، في قضيتين: 100، و101، وقد برأتهم المحكمة جميعا من شرف قيادة الانتفاضة، واستمرت المحاكمة 3 سنوات بينما كان المتهمون أحرارا. كما تم أيضا أسر البعض من رجال الأمن بشكل مؤقت وأصيب البعض الآخر، وعددهم غير معروف، وربما سقط بعضهم قتلى[10].
وقد حققت الانتفاضة هدفها وهو إلغاء قرار رفع الأسعار، واستطاعت الجماهير بدون سلاح أنْ تهزم الأمن عسكريا رغم أنها قدمت عددا من القتلى والجرحى والأسرى، ُأفرج عن غالبيتهم العظمى فيما بعد. ولم تكن أول مرة تنهزم فيها الشرطة فقد انتصر الطلاب والعمال وغيرهم عليها في فبراير1968[11]. ولا شك أنَّ الجماهير شبه البروليتارية قد تعلمت خبرات قتالية هامة ظهرت بعد ذلك في أحداث أخرى والأهم أنها تعلمت أنها تستطيع أنْ تهزم قوات الأمن المدججة بالسلاح. كذلك خسرت الدولة والطبقة المترفة نحو مليار جنيه (تعادل أكثر من خمسين مليار جنيه في وقتنا هذا).
          وقد تركت الهبَّة آثارا أخرى بعيدة المدى، فقد شكلت شبحا مخيفا للسادات ظل يؤرقه حتى مقتله وعقدة نفسية للسلطة المصرية ككل لم تزُل أبدا. وترتب على ذلك أنه حتى الآن لم ينجَز برنامج الخصخصة الفاسد الذي أعلنت عنه الحكومات المتتالية، بل ُقطعت خطوات بطيئة وبكل الحذر الذي يعبر عن رعب الدولة من انتفاضة أخرى، بجانب عوامل أخرى بالتأكيد. كما صارت السلطة تتحسس الطريق قبل قرارات رفع الدعم وتتدرج فيه تحسبا لانتفاضة جديدة. فحتى الآن لم يتم إلغاء الدعم على السلع الضرورية رغم ما تمثله من عبء كبير على موازنة الدولة وعرقلة لنمو اقتصاد السوق، وتتعثر كافة خطط الحكومة لتقديم دعم نقدي كبديل أو تغيير طريقة تقديم الدعم. وأصبحت الدولة تلجأ للتحايل قبل رفع الأسعار وتقوم غالبا برفع الأجور في نفس الوقت (مع تقديم الاعتذار المناسب) بحيث يتمكن الناس من امتصاص تغير الأسعار.
أما النتيجة الأبعد مدى فهي رفع الشرعية عن النظام. فقد أدى رد فعل السادات باستدعاء الجيش وإصدار أوامر صريحة بإطلاق النار “في المليان” وفرض حظر التجول على “شعبه” ووصف الجماهير المتمردة بالدهماء والحرامية إلى قيام حالة عداء مباشر مع تلك الجماهير، كما أصبح السادات مضغة في أفواه الناس بل مادة للسخرية وتعرض للتحدي العلني من كافة معارضيه، بل وتعرض للإهانات الشخصية على الملأ عدة مرات[12]، ومهد سقوط شرعيته لاغتياله فيما بعد، بغير أنْ يحصل على أيِّ تعاطف، بل استمر عموم المواطنين المصريين في احتفالهم بعيد الأضحى كالمعتاد، ولم يسر في جنازته سوى رجال الحكم والمسؤولين الأجانب (ولكن الإنتليجنسيا ادعت أنَّ ذلك بسبب القبض على المعارضة).
كذلك كانت الهبة ضمن الدوافع المهمة لمبادرة السلام التي بدأها السادات. فقد أفشلت الانتفاضة خطته لتحميل الجماهير فاتورة الإصلاح الاقتصادي في ذلك الوقت، بينما كان الاقتصاد المصري متدهورا، وكانت حالة الاستنفار العسكري مكلفة، ولم يستطع النظام الحصول على دعم عربيٍّ فعال رغم ابتزاز الإعلام المصري لهذه الدول وبرغم وعود الأخيرة التي لم ينفذ بعضها. وبالمقابل اضطر النظام لقمع اليسار والإسلاميين بعنف لتمرير مشروع السلام بدون عراقيل مهمة.
وعلى المستوى الإقليمي أصابت الانتفاضة الأنظمة العربية بالرعب، فقدمت دول الخليج بعض المساعدات للسادات وفتحت أسواقها للعمالة المصرية على نطاق واسع، الأمر الذي أدى إلى انخفاض معدل البطالة والفقر وارتفاع أجور العمال اليدويين. واستمر فتح هذه الأسواق برغم الخلافات مع السادات التي تلت رحلة القدس في نفس عام الانتفاضة.
وكان ثمة نتائج أخرى تتعلق بالنضالات المطلبية الخاصة بالمعيشة. فبعد انتهاء الانتفاضة بدأت الأسعار ُترفع من جديد وبشدة متزايدة، فصار من الواضح أنَّ التغيير لابد أنْ يكون أكثر جذرية. وهكذا ارتفعت أصوات عالية في الآونة الأخيرة، خصوصا من جانب عمال الصناعات الكبرى، تنادي بوضع حد أدنى للأجور يناسب الأسعار، على أنْ يكون متغيرا مع كل ارتفاع في الأسعار، وهو مطلب أقوى وأعمق من مطلب هبَّة 1977. وفي السنوات الأخيرة أصبحت فئات عدة من المهنيين والعمال المهرة تمارس احتجاجات أطول نفسا وأهدأ، محققة بعض المكاسب.
أما أبناء الفئات شبه البروليتارية، أبطال 18 يناير، فلم يتخلوا عن أساليبهم العنيفة وميلهم إلى التدمير. فقد تعلمت تلك الفئات أنَّ العنف الشديد يرعب جنود الأمن الذين ليسوا مستعدين للتضحية بحياتهم من أجل النظام، ويجبر الدولة على تلبية مطالبهم أو جزء منها مثلما حدث مرارا. وقد رأينا ذلك مثلا في الانتفاضة المسلحة لجنود الأمن المركزي عام 1986، والتي قمعها الجيش بقذائف الدبابات والطائرات وغيرها (وأدانتها الأحزاب المعارضة الرئيسية ومنها حزب اليسار[13]!). كما رأيناه في الانتفاضة المروعة والظافرة في المحلة يوم 6 أبريل 2008، والتي اتبعت نفس أسلوب هبة1977[14]، ثم معركة الإسكندرية في 12 يونيو 2010، بمنطقة السيوف، بين الباعة الجائلين والشرطة، حيث حقق هؤلاء انتصارا عسكريا باهرا على الأمن، وأخيرا في معركة العمرانية بين الأمن وشبان مسيحيين حول مشروع لبناء كنيسة، حيث قامت الجماهير- ومعظمها فقراء من قرى الصعيد - بقصف الأمن بقنابل المولوتوف واقتحمت مبنى المحافظة وأعملت فيه التدمير ردا على اعتداءات الشرطة.

(3) الرؤية اليسارية لانتفاضات الفقراء، إعادة تقييم:
يمكن القول بأن من أهم الدروس غير المستفادة من انتفاضة 1977 هو عجز المثقفين، بما في ذلك مثقفي اليسار، عن إدراك، ناهيك عن فهم واستيعاب، أنَّ جمهورا آخر، أكبر وأقوى بكثير من الجمهور المفضل لديهم، حاضر بقوة، وقادر على أنْ يفرض أسلوبه في معارضة الدولة بل النظام كله. لا يجدي إنكار أنَّ هذه الجماهير شبه المهمشة لا تنتفض رافعة اللافتات النظيفة، ولا تتفهم هذا الأسلوب في الاحتجاج. لقد شهدنا بالفعل عشرات الاحتجاجات من قبل هذه الجماهير بنفس الطريقة لأبسط المطالب، بداية بحوادث قطع الطرق الرئيسية وإلقاء الحجارة على السيارات المارة وإحراق سيارات الشرطة بشكل متكرر، كما تذكر وسائل الإعلام، وحتى انتفاضة المحلة. لماذا إذن يفضل المثقفون المرور بهذه الظاهرة المهمة مرور الكرام مكتفين بمواقف الإدانة؟
لعل جوهر المشكلة يكمن في التصور التقليدي لمنظمات اليسار بخصوص العمل الثوري، الذي يتلخص في عمل تقوده منظمات تستلهم نظرية ثورية وتتبنى برنامجا محددا، يتم تنظيم النضال من أجله بالإضرابات والاعتصامات والتظاهر السلمي. الأمر الذي لا يدع مكانا لتصور إمكان التعامل مع التمرد العنيف وقسوة الشعارات وحدة الصدامات وإسالة الدماء ومناظر الحرائق وأعمال التدمير الواسع. باختصار، حطم التمرد النسق النظري المقدس لليسار حول العمل النضالي، وأشعره بعدم قدرته، سواء على قيادة الانتفاضة أو توجيهها، وبأن كل جهوده منذ الستينات قد ذهبت هباء.
كان تحليل اليساريين للموقف بمثابة محاولة لإعادة الاعتبار لأنفسهم وتقديم تصوراتهم كما لو كانت سيدة الموقف، وأن الجماهير قد خرجت أولا وأساسا بالطريقة التي تناسبهم لأيِّ هبة شعبية، وأن الشرارة الأولى والقيادة كانت للجمهور المتقدم سياسيا. بهذا المنطق، أعاد معظم المثقفين بناء صورة الانتفاضة، لتصبح صورة محورها الاحتجاج السلمي والعمل المنظم. فمن جهة نفوا عنها “تهمة” التخريب، الذي نسبوه لعناصر مندسة من اللصوص ورجال الأمن. ولكنهم بذلك تبنوا منطق السلطة حين تدعي دائما أنَّ القاعدة الشعبية “سليمة”، بينما المعارضون والمعادون للنظام هم عناصر “مندسة”. ومن جهة أخرى أشاعت أبواق اليسار، على خلاف الواقع، أنَّ الهبة بدأها طلاب الجامعات؛ معقل اليسار وقتها، وعمال حلوان والترسانة البحرية بالإسكندرية، وهم زبدة الطبقة العاملة المصرية آنذاك، التي يعتبرها اليسار ملكيته الخاصة نظريا. كما اهتمت بالتأكيد على حماية العمال للمصانع وعلى الطابع الاحتجاجي السلمي لمظاهراتهم هم والطلاب، وذكرت وقائع حول قيام عناصر من الأمن بالتخريب لتشويه الانتفاضة (ربما شارك بعض الجنود في الانتفاضة نفسها وبنفس أسلوبها العنيف[15])، وأن الجامعات والمصانع لم تدمر، وركز البعض على استفزاز الأمن للمتظاهرين المسالمين مما دفعهم للرد. ولكن بالإضافة إلى أنَّ الانتفاضة لم تكن كذلك كما رأينا، جدير بالملاحظة أنَّ كثيرا من عمال الصناعة قد شاركوا في تخريب منشآت أخرى غير مصانعهم، منها كمثال عمال مصنع الشوربجي وشركة الشرق بغرب القاهرة، حيث توجهوا إلى هيئة المطابع الأميرية فلم يخرج عمالها، فقذفوا المبنى بالأحجار كما قذفوا مركز إمبابة بشكل متكرر. وأطلق البوليس عليهم النار، فوضع المتظاهرون العوائق على السكة الحديدية في المنطقة وأشعلوا النار في أحد القطارات وتروللي باص[16].
يهدف هذا التزييف للوقائع بشكل غير واع إلى تهميش دور الجماهير شبه البروليتارية، لصالح إبراز دور متميز للطلاب وعمال الصناعات الكبرى؛ الجمهور المفضل لليسار. كما راح بعض المثقفين، بعد مرور شهور، يرصدون بحق عودة الأسعار للارتفاع من جديد وبمعدلات كبيرة للإيحاء أنَّ الانتفاضة كانت عبثا وأن الجماهير غير الواعية لم تنجز شيئا وأن مصر ما زال عليها أنْ تنتظر تحرك الإنتليجنسيا اليسارية المؤدلجة.
ولكن في النهاية فرضت الحقائق نفسها، فأخذت المنظمات اليسارية السرية تتحلل وسط اتهامات متبادلة بالفشل في قيادة الجماهير. وبرغم أنَّ “التجمع” أدان العنف للمحافظة على مشروعية وجوده الرسمي ضمن أحزاب النظام، تعرض لمضايقات أمنية أكثر من ذي قبل في سياق محاولات السلطة تسكين المعارضة لمبادرة السلام التي بدأت في نوفمبر 1977. وهكذا لم يُجدِ دفن الرءوس في الرمال اليسار كثيرا.
                                          ****
لن تكون هبة 1977 آخر ما في جعبة الشعب المصري لاستعادة كرامته. وبصفة خاصة تطرح الأوضاع الحالية بشدة إمكانية مواجهة نفس الموقف أو موقف مشابه بدرجات مرة أخرى. فقد شهدت السنوات الأخيرة تدهورا شديدا في مستوى معيشة الأغلبية ومعدل فساد أسطوري أصبح علنيا وشبه رسمي، وانهيارا شاملا في قطاعات الخدمات وبلطجة حكومية واضحة (= خروج علني على القانون والدستور وأحكام القضاء)، وتخريبا شاملا لبنية المجتمع من جانب الطبقة المسيطرة، والأدهى أنَّ قطاعا من الأخيرة يحاول فرض ابن الرئيس الحالي رئيسا جديدا ضد إرادة الناس، وهو ما ينبئ بمزيد من الفساد والخراب، علاوة على إقرار مبدأ مكروه بشدة هو توريث السلطة.
فوق ذلك، تبذل الغالبية العظمى من “المعارضة” الرسمية وشبه الرسمية محاولات مستمرة لأخذ نصيبها من التورتة. وقد أثبتت الإنتليجنسيا اليسارية في مجملها مرارا، وعلى مدار عقود، أنَّ معارضتها للنظام لم تذهب بعيدا. ومن أكبر الأدلة على ذلك عجزها المزمن عن الارتباط بالشعب، كما كانت كل محاولاتها لاستقطاب الجماهير الفقيرة بغرض استخدامها كوقود في صراعاتها المحدودة مع الدولة، والأهم امتصاص معظم أفرادها داخل مختلف مؤسسات الدولة الرسمية ومنظمات مدنية تعارض النظام في أضيق الحدود بحكم تكوينها نفسه وشرعيتها[17].
هذا كله يعني أنَّ ظهر الجماهير الفقيرة قد صار إلى الحائط، الأمر الذي يطرح بقوة احتمال أنْ تشهد البلاد هبات كبرى، مثلما تبين بروفات المحلة والإسكندرية والعمرانية كما أسلفنا، بالإضافة إلى أعمال عنف متزايدة التكرار على نطاق أصغر. طبعا لا يمكن التنبؤ بالمستقبل جيدا. والواضح أنَّ الهبة القادمة إذا حدثت في مستقبل قريب لن تجد أيضا من يقودها، ومن المؤكد أنها ستكون أشد عنفا، ستسفر عن أنهار من الدماء وحالة من الفوضى الشاملة، خصوصا لأن نسبة ضخمة من الجماهير الشعبية المصرية تتكون من أشباه بروليتاريين وحتى أغلب عمال الصناعة هم أيضا كذلك[18].
في هذه الحالة، ربما يضطر النظام لاستدعاء الجيش للتدخل. وقد ثبت في 18 يناير وغيرها أنَّ الجماهير تستطيع أنْ تلحق الهزيمة العسكرية بقوات الأمن، ولكن لم يُجرَّب الصدام الفعلي مع قوات الجيش حتى الآن.. فهل تستطيع الجماهير أنْ تستميل الجيش؟ أم ستنجح خطط الحكومة في تفتيت الجماهير شبه البروليتارية؟ فمن الملاحظ مثلا أنَّ الأمن المصري يستخدم البلطجية بشكل منهجي وشبه رسمي في أعمال التجسس على المواطنين وقمع المعارضة. فالظروف المعيشية الصعبة وتبعثر أفراد هذه الفئات يجعل بعض أبنائها قابلا للاستخدام بواسطة الدولة.
هذا كله يستدعي إعادة تقييم الجماهير المهمشة وبحث إمكانية تنظيمها بشكل أو بآخر، وقبل كل شىء أخذها بعين الاعتبار كعامل جوهري في البنية القائمة، وقد يكون حاسما في لحظات معينة. والمشكلة أنه من الصعب للغاية تصور أنْ تستطيع قطاعات واسعة من الجماهير شبه البروليتارية أنْ تمارس عملا سياسيا منظما طويل النفس بحكم تباين وعدم استقرار أوضاعها الاجتماعية، ولكن من المتصور أنَّ عنفها واستبسالها يمكن أنْ يكون أكثر فاعلية على مدى أطول في حالة بروز دور ملموس لقطاعات جماهيرية أخرى مثل عمال الصناعة الكبيرة والمهنيين ومنظمات سياسية معارضة جذرية ومستعدة لمواجهة النظام حتى النهاية بعنف أكثر تنظيما وعقلانية، خصوصا إذا حدث تفاعل بينهما. ولدينا هنا نموذج سابق. فمن الأمور الجديرة بالملاحظة أنَّ من ضمن عوامل قوة الجماعات الإسلامية المسلحة في التسعينات اختباؤها داخل العشوائيات واحتماؤها بأبنائها بل ومن المؤكد أنَّ بعض أعضائها كانوا من المهمشين وأشباه البروليتاريا[19].
أضف إلى ذلك أنَّ الصورة التقليدية التي تصور أشباه البروليتاريين كمجرد جماعات من الجهلاء والسوقة والأميين والطفيليين أصبحت في حاجة إلى مراجعة. فقد انضم لهذه الفئات في العقود الأخيرة عشرات الألوف من المتعلمين ومنهم خريجو جامعات يقومون بالعمل كعمال تراحيل ويومية وباعة جائلين وسائقي ميكروباس غير مرخص وحتى بلطجية ومختلف خدمات الدعارة وغير ذلك، بالإضافة إلى جنود الأمن المركزي الذين لديهم حس ما بالنظام ويجيدون استخدام الأسلحة الخفيفة ويلعبون دورا مهما في آلة القمع ولديهم سابقة تمرد شديد العنف في 1986 (وذُكرت تمردات أخرى لاحقة)، وكثير منهم ينتمون للفئات المذكورة.
كذلك، لا شك أنَّ عددا من أبناء هذه الفئات المهمشة يطالع أخبار العالم وحتى الانترنت برغم أوضاعهم الحياتية المتدنية للغاية وعدم انتظامهم في عمل مستقر وعدم تمتعهم بأيِّ نوع من الأمان أو الضمان الاجتماعي. كما أنَّ هذه الفئة ككل تساهم في إنتاج ضخم يسمى اقتصاد الظل[20]. يبدو إذن أنَّ ثمة حاجة ماسة لدراسة هذه الفئات الضخمة للغاية للوقوف على تأثيرها على مجمل الوضع الاجتماعي، شاملا تأثيرها الثقافي والاقتصادي ودورها المحتمل في تحديد مستقبل البلاد السياسي والاجتماعي.
تبدو هذه الأفكار الأخيرة احتمالية وتأملية، ولكن الغرض منها هو إثارة الموضوع للنقاش، وبالذات تجنب الموقف السلبي المحتمل من الانتفاضات المقبلة لصالح تصورات أكثر عقلانية وتماسكا وإنسانية.





[2]  ذكر ليَ ذلك شخصيا قبل نشر الدراسة.
[3]  التشديد من عندي.
[4]  علق محمد حسنين هيكل على هذه المسألة، وهو معلق له وزنه في هذا السياق، كالتالي: “ويشير التزامن الواضح بين هذا الإعلان وبين نزول الجيش إلى الشوارع إلى نقطة شديدة الدلالة. كان ذلك التزامن يشير – ولو بطرف خفي – إلى أنَّ صناع القرار لم يكونوا واثقين من موقف الجنود إذا هم نزلوا إلى الشوارع للتصدي للمظاهرات بينما قرارات رفع الأسعار ماتزال سارية. ومن المؤكد أنَّ بعضهم – بعض صناع القرار- راودهم الشك في أنَّ الجنود والضباط – وهم جزء من الشعب يعانون ما يعانيه ويقاسون ما يقاسيه – قد يرفضون أوامر التصدي للمظاهرات وقد تتطور الأمور إلى ما هو أسوأ”: خريف الغضب، ص 189، سلسلة جدران المعرفة، 2006.
[5]  كان السادات في استراحته بأسوان لا يدري شيئا عما حدث، وفجأة حضر إليه محافظ أسوان مذعورا يرجوه أنْ يغادر المدينة فورا، محذرا إياه من الجماهير الزاحفة تجاه استراحته، حيث قطعت منتصف الطريق والبوليس عاجز عن مقاومتها، فاضطر السادات إلى الفرار تاركا وراءه كل شيء حتى أوراقه إلى بيته في الجيزة، حيث كانت تنتظره طائرة هليكوبتر جاهزة للإقلاع الى مطار أبو صوير، حيث كانت تنتظره طائرته الخاصة الجاهزة للطيران إلى إيران. وكان الشاه مستعدا لاستقباله. وقد رد السادات هذا الجميل لشاه إيران فيما بعد، فاستقبله بالقاهرة بعد أنْ رفضت استقباله عواصم العالم، حيث مات ودفن بها عام 1980.
[6]  البعض كان يشتري أجهزة لا يعرف اسمها ولا فيم ُتستخدم! والكاتب شاهد عيان على ذلك.
[7]  أتذكر مثلا أنَّ بعض محدثي النعمة في تلك الفترة كانوا يأخذون كلابهم معهم في السيارات الفخمة وتراها الجماهير التي كانت تكتظ بها محطات الحافلات العامة! والكاتب شاهد عيان على ذلك.
[8]  نقلا عن صادق سعد. وقد ذكر نقلا عن إحصائية شبه رسمية لحوادث العنف التلقائي الجماهيري فيما بين 1966و 1974، أنَّ مجموعها قد بلغ 392 حادثة (وقد أطلقت الصحافة الرسمية عليها اسما مخففا للاطمئنان هو “الحوادث المؤسفة”). ويتضح من بحث “المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية” لها أنها كانت متزايدة طوال هذه الفترة واشتملت على هجمات على الشرطة وحرق مباني أقسامها ومقار للاتحاد الاشتراكي وبعض المصالح الحكومية ومنشآت القطاع العام. وكأنها كانت تجارب تمهيدية متناثرة لأحدات يناير 1977: نفسه
[9]  خريف الغضب، نفس الموضع.
[10] وفقا لصادق سعد أصيب من قوة قسم الشرابية فقط 14 فردا: نفسه.
[11] في ذلك الوقت كان الأمن الداخلي جهازا محدود القدرات وغير مجهز لمواجهة مظاهرات كبرى، وبعد هزيمته أنشأ عبد الناصر جهاز الأمن المركزي عالي التدريب والتسليح والقادر على مواجهة المظاهرات، ونجح فعلا في قمع مظاهرات نوفمبر 1968 وما بعدها.
[12]  اتهمه عبد المنعم أبو الفتوح بالتستر على الفساد، واتهمه كمال أحمد بالخيانة الوطنية، وحمدين صباحي بتهم عديدة في لقاءات أذيعت على الهواء مباشرة.
[13] استعرض إبراهيم الصحاري أحداث الانتفاضة بعنوان: عشرون عام على انتفاضة الأمن المركزي، www.e-socialists.net/node/3390
 وهناك تفاصيل أخرى وصور منشورة على:  http://4flying.com/showthread.php?p=792711
[14]  يمكن الاطلاع على كثير من تفاصيل الأحداث في مقال بعنوان أحداث المحلة ما لها وما عليها بقلم شاهد عيان من أبناء المدينة: http://forums.m7la.net/t27311/
[15]  كانت الدولة في ذلك الوقت منهارة تماما ولم يكن هناك من يستطيع وضع خطة لممارسة التخريب ثم اتهام المتمردين به، ولم يشر أحد فيما بعد إلى حدوث ذلك، كما كان عدد المشاركين في التخريب هائلا لا يتصور أنهم من رجال الأمن.
[16]  صادق سعد، نفسه.
[17]  سبق انْ حللت تكوين الإنتليجنسيا المصرية والحركة الشيوعية المصرية في: وضع الإنتليجينسيا في البناء الاجتماعي المصري الحديث، http://modernization-adil.blogspot.com/2008/09/blog-post_16.html
؛ تحليل عام للحركة الشيوعية المصرية: http://modernization-adil.blogspot.com/2008/09/blog-post_18.html
[18]  قدر رئيس إتحاد الجمعيات الاقتصادية المصرية عدد العمال الجائلين بخمسة ملايين، http://forums.fatakat.com/thread686926 كما بلغت نسبة العمال الأفراد (اليومية) إلى 18% من قوة العمل،حيث بلغ أكثر من 3 مليون عامل طبقا لتقرير التنمية البشرية لعام 1996):نقلا عن سامح سعيد عبود، انحطاط الرأسمالية.. مصر نموذجا، :، http://fasail.blogspot.com/2008_08_01_archive.html.
ولا يعرف بالضبط عدد عمال التراحيل. ومنهم متعلمون وخريجو جامعات، بالإضافة إلى أعداد هائلة من الخدم والحراس والبلطجية المحترفين ومنظمي وقوف السيارات والعاملين في صناعات بئر السلم وأعمال طفيلية متعددة.. كل هؤلاء يقدر عددهم أيضا بالملايين.
[19]  ضُبط في مناطق عشوائية بعض أعضاء تنظيم جماعة التكفير والهجرة التي اختطفت الشيخ الذهبي عام 1977م، وكثير من أعضاء تنظيم الناجون من النار، وكثير من المشاركين في أعمال إرهابية أخرى، منها اغتيال المحجوب وفرج فودة، وأحداث مهاجمة سياح بالقاهرة، وأحد المشاركين في قتل السادات، وغيرهم كثيرون.
[20] أنقل الفقرة التالية حول اقتصاد الظل من دراسة سامح سعيد عبود المشار إليها في هامش 18: “وهناك خلافات حول تقديرات هذا الاقتصاد السري.. فالحكومة تقدره بما يتراوح ما بين 60 إلى 80 مليار جنيه، في حين أنَّ هناك تقارير صادرة عن عدد من مراكز الأبحاث تشير إلى أنَّ حجم هذا الاقتصاد يصل لنحو 95 مليار جنيه، وهناك من يرى أنه يزيد على ذلك ويصل لنحو 200 مليار جنيه إذا أضيف إليه حجم الأنشطة غير المشروعة كتجارة المخدرات وغيرها. ولهذا فإن نسبة ما يمثله الاقتصاد السري من الناتج المحلي تختلف أيضا، فالنوع الأول من هذا الاقتصاد وهو الشرعي يمثل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي ولكن النسبة تزيد إذا أضيف إليها النشاط غير الشرعي”: نقلا عن جريدة الوطن: إحصاءات عن الاقتصاد السري في مصر الجمعة 04 جماد أول 1429 هـ 09 مايو 2008 – 09
















يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل