هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

في ذكرى وفاة هيجل




عادل العمري
14 نوفمبر 2012

اليوم تحل ذكرى وفاة فيلسوف ألمانيا العظيم: هيجل. وهو نفس يوم ميلاد ابنتي الوحيدة.
لن أقول ما يكتب في العادة عن هيجل فكله معروف، بل سأتكلم عن انطبعاتي الشخصية عنه.
في فترة ما كنت هيجليا – ماركسيا، متحفظا على ما اعتبرته ثغرات في مذهب هيجل سأعالجها في يوم ما. وما أن حاولت معالجتها جاهدا حتى وجدت أن المذهب كله ثغرات ولا يمكن تبريره على الإطلاق فأعلنت الطلاق إلى الأبد من الميتافيزيقا كلها. فالفلسفة – كما أعتقد - عموما هي محاولة فاشلة لتنسيق العالم في قوانين أو كشف حقيقة عقلية للوجود الذي هو في الواقع مجرد شيء غامض: فالوجود ورطة وليس أكثر من عبث في عبث على رأي سارتر، بلا أيِّ حقيقة نهائية وعلى رأي سارتر أيضا: الحقيقة شيء في طريقه إلى أن يوجد.

- حاول هيجل تلخيص الوجود بأسره في نسق فكري مغلق يفسر نفسه بنفسه ولا يحتاج لأيِّ براهين من خارجه، ليقدم لنا العالم كمجرد فكر وليجعل وجود الأشياء الجزئية وجودا غير حقيقي؛ بمعنى أنه غير ضروري عقليا، فالعالم هو فكر محض وهو عقل صرف يحدد نفسه بنفسه ولا يحتاج للجزئيات، فيكون الفكر المجرد هو علة العالم، أيْ علة نفسه.

 - رفض هيجل المادية التي اعتبرها مجرد لحظة منطقية في فلسفته والتي يسميها "الفلسفة" بألف لام التعريف؛ معتبرا أنَّ المادة لا تخلق الفكر ، كما أنَّ العكس ليس ممكنا أيضا، فالفكر بالإضافة إلى أنه نشاط ذاتي هو في نفس الوقت ماهية موضوعية مستقلة عن الإنسان. فالوجود هو نفسه فكر وما النشاط الذاتي هذا إلا تماهيا مع هذا الفكر الموضوعي.

- الفكرة الجوهرية هي أنَّ العالم معقول (دون أيِّ تبرير "معقول" لهذه الفكرة نفسها) أيْ له علة لا تحتاج لتبرير من خارجها، وهو "الله" نفسه في الفكر الديني. وقد قال هيجل: الله هو الحقيقة God is Truth، وكان كل هدف فلسفته هو الوصول إلى هذه الحقيقة؛ إلى علة العالم المعقول حسب تصوره، أو الذي يجب أنْ يكون معقولا. والله في ذاته ليس كائنا بل عقل محض غير مدرك لذاته، أو "عقل متحجر"، أيْ موضوعي وغير واع، وهو في تحققه يصبح هو "الروح" أيْ الكائن البشري. فالعقل يتحول منطقيا إلى ضده: الطبيعة ثم يعود إلى ذاته في "الروح" التي تمثل وحدة العقل الخالص والطبيعة. وفي مرحلة الروح يصير عقلا لذاته، وفي النهاية، في آخر مفهوم في فلسفة هيجل؛ مفهوم "الفلسفة" يصبح العقل مدركا لذاته. فالفلسفة تكون "في بيتها".

لذلك لا يمكن القول بالجدل الذي يسير على رأسه ثم جعله ماركس –زعما - يسير على قدميه؛ فالجدل هو "حوار العقل الخالص مع نفسه"، فهو "رأس" محض - إنْ صح التعبير- ولم يشرح ماركس كيف جعله يسير على قدميه. وكل ما فعله هو استخدام الديالكتيك كطريقة عرض، خصوصا في "رأس المال".

باختصار حاول هيجل أن يقدم العالم كعقل يتحقق.

- كانت فلسفة هيجل – في تصوري- هي أقصى محاولة للوصول بالميتافيزيقا إلى منتهاها وقد حقق ذلك بالفعل ولكن في اللحظة نفسها أثبتت الميتافيزيقا عجزها النهائي، فالمحاولة الجبارة للكشف عن حقيقة العالم العميقة قد فشلت بوضوح. وحين نقرأ هيجل نصاب بالدوار من الجهد الهائل الذي بذله للكشف عن الحقيقة النهائية وفي نفس الوقت لا نجد أنه قد نجح في إقناعنا بهذه المذهب، فهو يزعم أنه قد استنبط العالم من مقولة وحيدة بسيطة: الوجود الخالص، ثم سار من مقولة لأخرى زاعما أنه يستنبط استنباطا عقليا بحتا، فإذا به يضطر إزاء استحالة ذلك إلى اللجوء لضرب الأمثلة من الأحداث المادية العادية، وكثيرا ما كتب شروحات إضافية جانبية اعتبرها – ضمنا- تقع خارج النسق الذي قدمه كما لم يلتزم طول الوقت بالثلاثية الشهيرة. من أبرز الأمثلة على ضعف وتفكك المنهج استنباطه لكل شيء من الوجود الخالص، فإذا كان الوجود الخالص مجردا تماما فكيف يمكن له أنْ يحتوي على أيِّ شيء آخر؟!! ولذلك نشعر في مفهوم الصيرورة أنَّ هيجل قد تورط في هذه المحاولة كلها ولذلك راح يكتب فقرات طويلة أسماها: "إضافات" و"ملاحظات" لتبرير هذه الثلاثية العجيبة، أول مكونات منهجه ومذهبه: الوجود – العدم – الصيرورة.

أما فلسفة الطبيعة؛ نفي المنطق والمكون الثاني من ثلاثيته الكبرى فكتابة بدائية لا تقنع حتى تلميذا صغيرا.

 كما لجأ إلى استخدام لغة شديدة التعقيد رغم جمالها الواضح حيث استخدم البلاغة على نطاق واسع إلى درجة تشبه لغة الشعر، ولهذا السبب يكون فهم كثير من عباراته مستحيلا (مثل لغة الصوفيين الكبار عموما) ويمكن للمرء فقط أنْ يتذوقها كبلاغة أو "يتمثلها" على الأكثر .من أمثلة ذلك مثلا:

The concept of the spirit has its reality in the spirit- This concept of philosophy is the self-thinking idea- Pure Being and pure nothing are, therefore, the same- Being and nothing are the same; but just because they are the same they are no longer being and nothing, but now have a different significance. In becoming they were coming-to-be and ceasing-to-be

- ورغم اختلال المنهج وتفكك المذهب تم عرضهما في صورة رائعة الجمال، كما لو كانا سلسلة من المفاهيم التي تستخرج من بعضها وتتجاوز بعضها، كسلسلة تبدو منطقية وعقلانية، وهي تشبه لوحة فنية معقدة وجميلة تثير الانتباه وتدغدغ المشاعر.

- الصوفية الهيجلية ليست قشرة ولا مجرد جانب من ديالكتيك هيجل كما ذهب ماركس بل هي لحم وعظم فلسفة هيجل كلها، فهو من أكبر منظري وحدة الوجود (يعادله ابن عربي لدى العرب). فالعالم لديه ليس شيئا آخر سوى الله نفسه والله في وجوده لذاته هو الروح. ولأنه يتعامل مع العالم كفكر لجأ إلى التجريد الشديد واستخدام مفردات غريبة على من يفكر تفكيرا عينيا، فهو محلق في عالم الميتافيزيقا ولا يهبط إلى العالم المادي إلا لشرح أفكاره للقارئ غير المتفلسف. ولأنه يستنبط المفاهيم من بعضها بشكل متعسف وغير مقنع لا يستطيع شرح أفكاره بوضوح، وهذه الصعوبة اللغوية ليست إلا دليلا على عجزه عن إقناع القارئ. وهنا أستدعي كلمات منسوبة لأينشتين: "إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره 6 أعوام فأنت نفسك لم تفهمها بعد!"

- لم يعتبر هيجل أنَّ هناك فلسفات متعددة بل فلسفة واحدة فقط راحت تتطور على نحو منطقي يعبر عن تطور الروح وقد اكتملت على يديه هو؛ فـ"الفلسفة" هي فلسفة هيجل لا غير، وكل ما سبقها كانت لحظات منطقية فيها وقد شرح ذلك في تناوله لتاريخ الفلسفة.

- ورغم الصوفية ووحدة الوجود، واعتبار الله هو علة العالم بل هو العالم نفسه، ورغم موقفه من البروتستانتية؛ فهيجل ملحد بلا شك، فالله عنده ليس كائنا متعاليا صنع العالم ولديه ملائكة وجنة ونار..إلخ، بل هو عقل الوجود غير المدرك لذاته، ولا يصبح موجودا لذاته إلا في الروح؛ أيْ في العالم البشري، ففي النهاية يكون الإنسان هو الله نفسه متحققا كوجود لذاته. وإذا ترجمنا القصة بلغة مبسطة نقول إنَّ التاريخ البشري ما هو إلا تحقيق للعقل، بمعني قوانين الوجود التي يستلهمها الإنسان أو التي تشكل عقله، وهو في تشكيل وعيه لا يصنع المنطق بل يكتشفه في العالم المحيط ويكتشف الوحدة بين "عقله" الذاتي والعقل الموضوعي، متجاوزا بذلك "الشيء في ذاته" الكانتي، شكليا فحسب كما سأشرح بعد.

- الهيجلية وقفت في النهاية عاجزة أمام العالم الموجود أمامنا، فالموجودات المادية ليست حقيقية، أيْ ليست معلولة، وبالتالي فهي ليست موضوعا للفلسفة ولا تعتبر بذلك شيئا قابلا للفهم.. فالوجود المادي على هذا الأساس هو عبث في عبث، بلا أيِّ معني. فإذا اعترفنا أنَّ الفكر ليس إلا نتاجا بشريا يكون الوجود كله عبث بلا أيِّ علة ولا غاية. وقد شعر هيجل نفسه بالورطة حين طالبه "كرودج" بأن يستنبط له قلمه، فعلق تعليقا لا معنى له: "الفلسفة لديها ما يشغلها عن قلم كرودج". والرد غير المنطقي يتضمن اعترافا بأنَّ الأشياء المادية هي "الشيء في ذاته" الكانتي الذي كرس هيجل جهدا كبيرا لتجاوزه، وبذلك وقع في شباك كانت! ولكنه لم يستسلم، بل اعتبر أنَّ تناول الموضوعات المادية هو موضوع العلم وليس الفلسفة. ولكن هذا "الحل" غير مقنع أيضا، لأنَّ العلم لا يعلل الماديات عقليا بل يتبع المنهج التجريبي، وبذلك تظل مشكلة الشيء في ذاته.

- هيجل حكيم كبير؛ ففي سياق عرضه للفلسفة أطلق الكثير من الحكم التي لا يمكن اعتبارها حقائق مطلقة. من ذلك إبراز وحدة المتناقضات والطابع الديناميكي للموجودات وأثر التراكمات الكمية في التحولات الكيفية وعلاقة الشكل بالمضمون..إلخ. وهي حِكَم ترصد أغوار الواقع ولكن لا يمكن التدليل على ضرورتها العقلية وشمولها لكل شيء.

- هيجل كان رجعيا وثوريا في نفس الوقت: فرغم موقفه المؤيد للدولة البروسية القمعية وأفكاره التي تعتبر أنَّ التاريخ قد اكتمل، ظهرت له مواقف أخرى متعاطفة مع ثورة الفقراء باعتبارها حق، كما انتقد النظام الرأسمالي مبشرا بالثورة البروليتارية.

- تتسق فلسفة هيجل مع الفكر الحديث عموما الذي وضع الإنسان في مركز العالم، فقد اعتبر هيجل أنَّ العقل البشري هو نفسه عقل العالم والروح هي نفسها عقل الوجود متحققا، لذاته، فالإنسان هو الإله الحقيقي لهذا العالم وقد عرض هذه الفكرة عرضا وافيا طوال فلسفته.

- رغم أني لم أعد مقتنعا لا بمنهج ولا بمذهب هيجل إلا أنه مازالت تشدني لهذا العملاق علاقة قوية وأعتبره أبي الروحي الذي استلهمت منه الكثير والكثير.

ما يشدني إلى هيجل أنه تصرف مع الوجود كأنه ملكه الخاص وراح يحلله كما لو كان إلها، فرسمه في لوحه من خيال شديد الخصوبة ويتضح من عرضه أنه يمتلك أفقا واسعا لأقصى حد، كما أنَّ لديه إصرارا قويا على تنسيق العالم في مقولات، زعم أنها تستنبط من بعضها البعض في سلسلة تبدو منطقية وجميلة.

كما أن فكر قد اتسم بتبجيل العقل وبنزعة عقلية صارمة، كما بذل جهودا جبارة للبرهنة على صحة ما قدمه من أفكار، وقدم محاولة مضنية لتبرير كل ما يقول تبريرا عقليا. هذا بغض النظر على إذا ما كان قد نجح في تبرير ما يقول. كما أن منهجه كطريقة عرض أعتبره جيدا جدا، ولكن ليس "صحيحا" ولا مثاليا؛ فهو منهج ضمن مناهج أخرى ممكن استخدامها، ولكنها بالفعل طريقة تقدم الموضوعات بشكل يسهل استيعابه وتحليله، وتتلخص في الانتقال من الكلي إلى الجزئي إلى الفردي، من الموضوع ثم نقيضه ثم نفي النفي... وهو ما فعله ماركس في كتابه "رأس المال"، خصوصا الفصل الأول منه. وقد أقر هيجل نفسه أن منهجه يمكن أنْ يسير بالعكس: من العيني إلى المجرد، ولكنه بذل جهدا خارقا في "علم المنطق" لتبرير البدء من مفهوم الوجود ولم يحاول قط أن يبدأ من "الفلسفة"؛ آخر مفهوم في مذهبه.


يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل