هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

مأزق الفكر العربي الجديد

       
       

   (رد على عادل حسين)

   عادل العمري وشريف يونس
   
 (نُشرت في مجلة "الراية العربية" – العدد الأول – 1986 – رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 7232/86)  
  
  مقدمة:
  يستهدف هذا المقال نقد كتاب عادل حسين: نحو فكر عربي جديد، والذي صدر حديثا عن دار المستقبل العربي. 
  ليس معنى هذا أنَّ المؤلف هو المستهدف من هذا النقد. يعرف القارئ أنَّ عادل حسين هو أحد المساهمين في تيار ثقافي حديث اشتهر باسم "التراثيون الجدد".. وربما لا ُيعد المؤلف أهم أو أبرز المتحدثين باسمه، غير أنَّ كتابه يحوي خصوصيات تستدعي أنْ يفرد لنقده، مقال خاص، ففيه اختلطت "الاشتراكية الناصرية" بـ"التنوير الجديد"، مع حملة شعواء شنت لا ضد الماركسية فحسب وإنما ضد العلوم الاجتماعية بصفتها كذلك. 
  ويختتم عادل حسين كتابه بدعوة للتأليف بين تيارات متصارعة في الواقع، من أجل تحقيق تنمية مستقلة ترتكز على مشروع بعث حضاري مستقل. وليست الإشكالية في التأليف (أو التوليف) في حد ذاته، وإنما في ارتكازه على مبدأ شمولي عقلي يبرر نفسه بنفسه (عن طريق الإيمان)، ألا وهو نفي أيِّ قيمة علمية لمنجزات العقل البشري في مجال العلوم الاجتماعية، وما يترتب عليه من رفض أيِّ تصور عام لحركة التاريخ العام، أو استخدام مثل هذا التصور كإطار للتنظير للواقع المحلي، وما يترتب على هذا الأخير من مشاريع سياسية عملية. فعلي عكس محاولة هيجل الفلسفية العملاقة، وحد هذا المبدأ بين المطلق والنسبي لصالح الأخير توحيدا تاما، وفي إطار.. هو في التحليل الأخير براجماتي تجريبي وذلك بتوحيده المبادئ العامة لحركة التاريخ والفكر البشريين، مع الأوضاع المحلية في إطار منظور محلي للعالم مرتكز على أسس شكلية "حضارية". وبدلا من أنْ يجزع عادل حسين من خطورة الأزمة النظرية العالمية الراهنة، مثلما يتوقع المرء من كل من يبدي رغبته في الإسهام في تغيير العالم، يعتبرها فرصة يهتبلها من أجل تدعيم منطلقاته النظرية اللاعقلانية جاعلا من الضرورة –الأزمة فضيلة مطلوبة لذاتها!
  وأهم ما يعنينا في هذا المقال، كشف تناقضات محاولة عادل حسين إضفاء طابع ثيولوجي (ديني) على الحركة القومية العربية المعاصرة في مشروعها المستقبلي، وكشف الأسس النظرية لهذه المحاولة، ألا وهي ليّ مفاهيم الحركة التاريخية – الاجتماعية للبشرية ليا عنيفا، على حساب العقلانية والمنطق ولصالح أيديولوجيا معادية للتفكير العلمي. 
  وكيلا يساء فهم هذا النقد، نشير منذ البداية إلى أنَّنا نتفق مع الفكرة القائلة بمحورية الشعار القومي في أيِّ مشروع يستهدف إنهاء حالة التخلف - التبعية في الوطن العربي، وأنَّنا نرحب - في حدود معينة- بسعي المؤلف وغيره من التراثيين الجدد لإضفاء طابع "عقلاني" على الحركة السلفية المعاصرة، ودفعها لبلورة أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية تتفق مع مصالح الشعب الكادح. قد تكون ثمة أهداف مشتركة، إلا أنَّ الطرق تختلف.. وإذا كانت الطرق كلها تؤدي في زمن مضى إلى روما، فإنَّ طريق عادل حسين وصحبه متشعب، ويؤدي –كاحتمال مرجح- إلى جهنم، رغم كل النوايا الحسنة. 
  أخيرا.. لا نملك إلا أنْ نشكر للكاتب مطالبته ناقديه عدم الركون إلى المسلمات، بل فحصها ومناقشتها، الأمر الذي لن يعفيه طبعا من المسلمات الباطنة ضمنا في تحليلاته ونقدها. 
  1-المنطق الداخلي لـ"الفكر العربي الجديد":

  إذا جاز لنا أنْ نُجمل "الفكر العربي الجديد" في كلمات قليلة، قلنا إنه فكر يستهدف وضع الحركة التاريخية للتحرر من سيطرة الإمبريالية في الوطن العربي في إطار عربي – إسلامي "حضاري"، بوصفه إطارا حتميا ضروريا.. الأمر الذي لا يعكس في نظر الكاتب “جو الهزيمة الحالية، ولكن يعكس اكتشاف مفهوم أعمق لمضمون للتنمية الاقتصادية المستهدفة" (ص83)1 وقد تضمن طريق الكاتب نحو هدفه، تمزيق أوصال مفهوم التخلف- التبعية، أيْ اعتبارهما مفهومين مختلفين تماما، الأمر الذي أدى إلى إغفال بُعد الصراع الاجتماعي كبعد محوري في تحليل ظاهرة التبعية، وفي مشروعه للتحرر منها على حد سواء. ومن ثم قام الكاتب بإحلال مفهوم الاستقلال الحضاري محل الصراع الاجتماعي الفعلي، الأمر الذي أدي بدوره إلى إنكار وحدة التاريخ والفكر البشريين، وبالضرورة كانت محصلة “الفكر العربي الجديد" إنكار إمكان وجود نظرية علمية قادرة على تفسير الظواهر البشرية على امتداد التاريخ في الزمان والمكان. لقد صارت الحضارة هيَ وحدة التحليل التاريخي.. وكل وحدة (حضارة) متفردة بذاتها، ومغلقة على ذاتها وتحوي كل منها تاريخها الخاص المتفرد، وبالتالي نظريتها وعقلانيتها، ومشروعها الحضاري. 
  لقد استخدم الأستاذ عادل حسين منهجا معينا لعرض فكره الجديد، ينتقل بصفة عامة- مع بعض التشتت- من البسيط إلى المركب، غير أنَّ منهج العرض يختلف عن منهج الفحص والنقد، ومن ثم اضطررنا إلى إعادة عرض أفكار الأستاذ عادل حسين بشكل أكثر ترابطا ووضوحا، بترتيب مقولاته من المركب إلى البسيط - أيْ بطريقة التحليل- بهدف فحص المنطق الداخلي لأفكاره ككل والكشف عن المسلمات الباطنة فيها. لنشرع في ذلك2
  ربما تجدر الإشارة إلى أنَّ الحقبة الناصرية تعد من أهم مصادر إلهام مشروع الاستقلال الذي يطرحه الفكر العربي الجديد، وبالتالي كان لها تأثير كبير في تحديد مفاهيم التبعية والاستقلال، فالتجربة الناصرية رغم”قصوراتها.. كانت في خطابها العام توجها جادا باتجاه الاستقلال وباتجاه البعث القومي العربي" (ص121). 
  غير أنَّ الحقيقة الكبرى التي تخيم –دون شك- على الناصرية هيَ سقوطها، رغم الاختلاف في تحديد تاريخ هذا السقوط. ولما كانت الحقبة الناصرية توجها جادا، إلخ، لم يعتبر عادل حسين سقوطها حتميا: "فأيُّ ثورة يمكن أنْ تنتكس لأسباب من خارجها أو من داخلها" (ص193). صحيح أنَّ كاتبنا ينعي على الناصرية عدم كفاية ما أحدثته من تغيرات اجتماعية، الأمر الذي أدى لتبديد الفائض ونمو لاحق للأنشطة غير المنتجة (ص189)، وأنَّ الطبقة المالكة كانت "أكثر ترهلا وأقل تجانسا مما تتطلبه المهام الثورية" (ص181)، إلا أنَّه عاد وتحفظ ممتدحا إبقاء الناصرية على قطاع خاص يحصل على “نسبة كبيرة من الدخل المحلي الإجمالي… لانعكاساته الإيجابية) على الديمقراطية السياسية" (181). وفي كل الأحوال لم يعط عادل حسين انتقاداته على التركيب الاجتماعي للمجتمع في ظل الناصرية دلالة هامة في تفسير سقوطها. 
  ولعل مما يلقي الضوء على توجهات ”الفكر العربي الجديد" أنْ نورد “القصورات" التي أخذها على الناصرية دون تحفظات واستدراكات.. أنَّها لا تزيد عن نقد موقفها المعادي للديمقراطية والنخبة والسياسية المؤيدة لأهداف "الثورة" (ص247، 254)- دون إجراء أيِّ محاولة لفحص أسباب هذا الموقف- وأنَّها "لم تسلط الضوء على (البعد الإسلامي الحضاري للاستقلال) بدرجة كافية، ولم تتولد عنه بالتالي كل النتائج الكبيرة المتوقعة" (ص202). وهذا الأمر الأخير وحده- وليس طبيعة النظام الاجتماعية- هو الذي استحق أنْ يوصف بأنَّه: ".. عنصر ضعف خطير في التجربة الناصرية" (ص203). وسنرى كيف سيطور الأستاذ عادل حسين الناصرية بعد تطعيمها "بعنصر الضعف الخطير"، تطويرا "خلاقا" على حساب أيِّ مفهوم علمي لحركة التاريخ. 
  وأول ما يعنينا في دراسة هذا التطوير، تصور الكاتب عن التبعية. أما عن عملية نشوء التبعية، فهي "عملية انهيار العلاقات القديمة بغير انتظام أمام زحف السلع ورءوس الأموال المستوردة، بمعنى أنَّ تصفية العلاقات القديمة لا تتزامن ولا تتسق – في الأساس – مع نمو وإبداع قوى الإنتاج المحلية " (ص93). ولا يعتقد عادل حسين أنَّ حالة الدول المتخلفة " مجرد حالة تخلف زمني، فقد تحولت حالة مركبة بفضل الاستعمار الأجنبي …فعملية استنزاف الموارد من الدول (النامية) ما زالت مستمرة، ومعدلات التنمية وأنماطها مازالت مشروطة بقرارات المركز (دول الشمال المتقدمة) ووفقا لمصالحه، وتطلب هذا تحوير الأبنية المحلية على نحو يرسخ التبعية ويعوق التنمية المستقلة"3 (ص53). 
  ومن ثم يعين عادل حسين قانون التبعية: "إنه بقدر اختلال العلاقة بين نمط الإنتاج وبين القدرة الذاتية على إشباع هذا النمط، يفتح الباب أمام التشوهات الهيكلية والتبعية..." 4. ويستطرد موضحا أبعاد هذا الاختلال: “هذه السيطرة (سيطرة الشركات الأجنبية العملاقة) من خلال فرض نمط الاستهلاك، قد تكون أعمق في نتائجها من مشاركة أصحاب الأعمال المحليين.. وحتى رأسمالية الدولة (يقصد حالة تأميم بعض قطاعات الإنتاج) تستمر خاضعة لنفس الضغوط التي تولد التبعية، إذا لم يتغير نمط الاستهلاك المستورد تغيرا جذريا" 5  (ص65). ولا ينسى كاتبنا أنْ يشير إلى دور البنية الاجتماعية في البلدان المتخلفة نفسها: “الطبقة المسيطرة في الدول النامية وقطاعها الحديث ليست مستقلة ولا تقود تنمية" (ص63). ومن ثم "يستلزم الاستقلال بناء هيكل صناعي متكامل داخليا ومتكامل مع قطاعات الاقتصاد القومي الأخرى وفي مقدمتها الزراعة ومتسق مع أهداف المجتمع الاجتماعية والحضارية… فهذا الهيكل الذي يبنى على أساس من الاعتماد على السوق الداخلية التي تفتحها إستراتيجية الوفاء بالاحتياجات الأساسية (أيْ احتياجات القطاع العريض الكادح من الشعب)، يتضائل اعتماده على التجارة الدولية غير المتكافئة مع الدول الرأسمالية، ويمكن أنْ يخرج من قبضة الشركات المتعددة الجنسية"6. ما معنى هذا ككل؟ معناه ببساطة تبني إستراتيجية فك الارتباط – على حد تعبير سمير أمين – وتحديد الفئات الاجتماعية المسيطرة عدوا رئيسيا، كأداة للإمبريالية، لابد من أنْ تجابهه أيُّ حركة سياسية تستهدف الاستقلال، وإنهاء وضعية التخلف – التبعية. ورغم اختلافنا حول مدى دقة استخدام بعض المصطلحات في هذه النصوص التي أوردناها، إلا أنَّ هذا كله حسن. 
  يصيح بنا الأستاذ عادل حسين قائلا: أيها المزورون.. ليس هذا هو “الفكر العربي الجديد"! هذا صحيح! ولكنه ليس خطؤنا.. فما ذنبنا إذا كان منطق “الفكر العربي الجديد" يناقض نفسه، وينقض في المساء ما غزله في الصباح؟ وإليك كيف اقتفى عادل حسين خطواته عائدا من حيث أتى!!7.
  أولا: إفراغ التبعية من محتواها الاجتماعي: يميز الكاتب بين التخلف والتبعية ويعتبرهما ظاهرتين مختلفتين تماما: "...رغم التسليم بقوة الرابطة بينهما. فالتخلف الاقتصادي قد ينشأ في بلد ما بدون استعمار أو سيطرة خارجية" (ص5). وأوضح أنَّ هذا الفصل يتناقض مع تقريرات الكاتب السابقة بصدد تحليل التبعية، واعتبار التخلف "ليس مجرد تخلف كمي …إلخ" عائدا بذلك إلى تصورات البنك الدولي والدوائر الإمبريالية في العالم عن طبيعة التخلف.. الأمر الذي يبرر نموذج التنمية بالانتشار الذي تطرحه هذه الدوائر والذي يرفضه عادل حسين. ليس هذا التناقض من قبيل الصدفة أو زلة القلم، وإنما كان ضروريا لإفراغ ظاهرة التبعية من محتواها الاجتماعي، تمهيدا لتحويلها إلى ظاهرة "تسلط حضاري"8، الأمر الذي يتفق مع أهداف الكاتب. 
  كذلك سمح هذا الفصل لعادل حسين يطرق بجدية "احتمال استمرار التبعية بأشكال  أخرى داخل مجموعة دول اشتراكية" (ص54).. فلما كانت ظاهرة التبعية مفرغة من أيِّ محتوى اجتماعي، صار تغير علاقات الإنتاج عديم الدلالة بالنسبة لها، إلا من حيث تغير “الأشكال"9. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أنَّ ظاهرة التبعية التي يفحصها الكاتب لا تعني بالنسبة له سوى الهيمنه السياسية، مضافا لها على أكثر تقدير النهب الاقتصادي، ودمتم!
  ثانيا: إعادة الاعتبار للملكية الخاصة: فيتحفنا عادل حسين بالآتي: "إنَّ  مسألة اعتبار الملكية الفردية لوسائل الإنتاج مصدرا للشرور والاستغلال بطبيعتها، وينبغي تصفيتها بالضرورة …ليست من المسلمات" (ص84). وعليه: “لا يشترط بالضرورة من أجل تنمية مستقلة تصفية فئة رجال الأعمال الزراعيين وإهدار كفاءتهم كمنظمين، بل إنَّ دورهم إيجابي ومهم إذا كانت دخولهم الأعلي تعتمد على المركز الداخلي ومؤسساته وسياساته (ص200). ولا يرى عادل حسين في ذلك ما يناقض استراتيجة إشباع الحاجات الأساسية، حيث قرر أنَّ الأخيرة "لا تعني المساواة في الدخول أو ملكية الأصول" (ص74). هذا إذن هو المحتوى الاجتماعي لمشروع “الفكر العربي الجديد". 
  لاشك أنَّنا بإزاء طبعة منقحة "حضارية" من نظرية البورجوازية الوطنية غير المأسوف عليها، ويكمن التنقيح في أنَّنا لسنا بإزاء بورجوازية قومية معطاة سلفا- لا تنسى إشارة عادل حسين إلى تبعية الطبقة المسيطرة- وإنما نحن بإزاء افتراض مؤداه أنَّه يمكن إعادة "تربية" هذه الطبقة المسيطرة بحيث تنحاز إلى نموذج التنمية المستقلة.. لسنا بصدد بورجوازية مستقلة و أخرى تابعة، وإنما بإزاء عملية تحويل "حضاري" لبورجوازية تابعة إلى بورجوازية وطنية: “ كل الطبقات والفئات الفاعلة داخل النسق (المستقل)، وخصوصا أصحاب الدخول العليا ينبغي أنْ تنقطع روابطها العضوية بالخارج، أيْ ينبغي أنْ تعتمد اعتمادا مطلقا في دخلها وامتيازاتها ومصالحها على الداخل. هذا هو القيد الأول على أصحاب الدخول الأعلى في نسق مستقل. والقيد الثاني هو أنَّ التفاوت المسموح به بين الدخول ينبغي أنْ يخضع لضرورات الحرب المتواصلة والتنمية.. تحكما في انماط الاستهلاك وتحديدا لمعدلات الزيادة في الاستهلاك" (ص180). ويعترف كاتبنا بأنَّ ذلك لا يعدو أنْ يكون مطالبة لهذه الفئات بضبط النفس والصبر؛ الأمر الذي لا يضمن النتيجة إزاء الضغوط الخارجية، ومن ثم ماذا يا ترى؟ لابد من طرح سؤال عويص على هذه الفئات بكل جدية، ألا وهو: “لماذا نستهلك (س) (أيْ المنتجات الغربية)؟" هذا هو الحل المعجز! هذا السؤال- على ألا ننسى أنْ نطرحه بكل جدية – سيتيح “جوا يسمح بالصبر وقبول التضحية" (ص74)! من أجل هذه التوقعات المتفائلة بصدد رقي الروح العربية – الإسلامية للفئات المالكة يقترح الأستاذ عادل حسين على الجماهير العربية أنْ تواصل حمل نير هذه الفئات على أعناقها وأنْ تحافظ لها على امتيازاتها، ويتعهد لهذه الجماهير – من جانب آخر – بأنَّه سيطرح على هذه الفئات بدورها "السؤال  المناسب" الذي سيقنعها بعدم تقويض مشروع الاستقلال الحضاري المنتظر!
  ثالثا: تجاهل المحتوى الاجتماعي للدولة: يؤكد لنا الأستاذ عادل حسين أنَّ “دور الدولة في البلدان التابعة أساسي لحماية تجربتها في التنمية من العالم الخارجي (لأنَّها تواجهه) من موقف الدفاع الاستراتيجي … ويتطلب ذلك أنْ تعمل الدولة كمؤسسة مركزية تستخدم استخداما أمثل الكفاءات البشرية النادرة في المجالات العلمية والفنية والاقتصادية والإدارية، بنفس منطق الحاجة إلى تركيز الكفاءات العسكرية في مؤسسة واحدة … ويعني ذلك أنَّ منطق الاستراتيجية (أيْ استقلال) يؤدي بالضرورة إلى سيطرة السلطة المركزية على مفاتيح الاقتصاد القومي… دون أنْ يعني ذلك دعوة لتصفية القطاع الخاص، بل لعلنا ندعوه إلى عكس ذلك في إطار المحددات المفروضة" (ص ص58-59). لدينا إذن دولة تتحكم في الكفاءات البشرية النادرة والهامة، في نفس الوقت الذي تنمي فيه القطاع الخاص، وتضع محددات معينة تحد من دخله كما وأوجه صرفه كيفا، ولا "يتورع" هذا القطاع الخاص رغم كل هذا عن دعمها! 
  وحتى نفهم أصول هذه التناقضات لابد من إلقاء نظرة على تعريف عادل حسين للدولة: يرى الكاتب أنَّ الدولة هيَ “ )                                                                                                                               المجتمع محكوما مركزيا" وهذا الحكم “                                                                                                                                 ضرورة موضوعية".. هكذا بشكل مطلق فوق تاريخي  Transhistarical  متجاهلا أنَّ البشرية عاشت أغلب تاريخها على سطح هذا الكوكب بدون هذه الضرورة الموضوعية المزعومة. كذلك يرى كاتبنا أنَّ النخبة الحاكمة" تضع مصالح الطبقة الحاكمة في المرتبة الأولى من اهتمامها، ولكن دون أنْ تتخلى عن النظرة الأبعد"، الأمر الذي يوحي بأنَّ هذه النظرة الأبعد تختلف عن مصالح الطبقة الحاكمة (من حيث المفهوم)، أيْ أنَّها مصالح غير طبقية من حيث الجوهر. ومعنى هذا أنَّ الدولة جهاز للتوازن الاجتماعي. وتؤكد الجملة التالية أنَّنا لم نسيء  الفهم: “الصراع بين الأقلية والغالبية ليس السمة الأساسية والغالبة للمجتمع …وأنَّ الدولة بالتالي (ليست) مجرد جهاز مؤسسي للقمع" (ص ص229-230). لاشك أنَّه يمكن تدبيج آلاف الصفحات في تعداد وظائف الدولة في المجتمع عبر التاريخ، ولكن هل معنى هذا أنَّ الدولة من حيث الجوهر ليست جهازا مؤسسيا للقمع لصالح الطبقة المسيطرة؟ ومن الواضح أنَّ مفهوم القمع عند عادل حسين بالغ الضيق. ليست الدولة بالقطع مجرد أداة للقمع العسكري والسياسي ولكنها أداة للقمع بوجه عام: القمع الاجتماعي، شاملا كافة ألوان التحكم والسيطرة، والذي قد يتضمن القمع العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي.. إلخ، والتي تستند جميعا –  في التحليل الأخير- إلى احتكار العنف المسلح المنظم. فالدولة هيَ أداة للهيمنة لصالح طبقة معينة: مصالحها قصيرة المدي والأبعد مدى أيضا. 
  رابعا: إبدال مضمون اقتصادوي- قومي – أيديولوجي بالمضمون الاجتماعي للتحرر:
   يجزم عادل حسين باستحالة إنجاز واستكمال مشروع التحرر من الإمبريالية في أيِّ قطر عربي على حدة، الأمر الذي يتضمن أنَّ الصراع الاجتماعي في حد ذاته لا يكفي لإنجاز مشروع التحرر:”إنَّ الهيكل الاقتصادي الموروث يحتم على أيِّ قطر أنْ يعتمد اعتمادا أساسيا على علاقاته الخارجية في إشباع الحاجات الأساسية لمواطنيه ولتنميته. وهذا هو الأساس الموضوعي لاستمرار التبعية، والذي لا ينفيه مجرد تغير في ملكية مفاتيح الاقتصاد والمتاح على مستوى قطري هو أنْ يعتمد على الكتلة الأخرى (الكتلة الشرقية أو الاشتراكية) في حل مشاكل هيكله الاقتصادي المشوه والعاجز … من موقف الضعف … وهو ما نسميه عودة إلى تبعية من نوع آخر" (ص84). فلنلق نظرة متفحصة على هذا "الأساس الموضوعي":
   يحدد عادل حسين أسباب عجز الأقطار العربية، كل منها على حدة، عن إنجاز التنمية المستقلة بـ" التشوه الكامن في كل هيكل …والنقص الموضوعي في الموارد الطبيعة والبشرية اللازمة للجهد التنموي الشامل …فضلا عن أنَّ مشروع التنمية المستقلة يلقي حربا من كل القوى المسيطرة على النظام الدولي (بدرجة أو ب أخرى) ولا ننسى إسرائيل" (ص85). 
  هكذا صارت قضية الاستقلال قضية موارد اقتصادية لا أكثر، أو بالأكثر يضاف إليها بُعدٌ استراتيجيٌّ (مواجهة القوى المسيطرة على النظام الدولي). صحيح أنَّ الكاتب يعود فيؤكد: " إنَّ المشروع المطروح لدينا (أيْ الوحدة العربية) ليس تكاملا في تجمع إقليمي، وإنما توحيد قومي يستند إلى مشروعية (تاريخية) ويتم من خلاله ولدعمه توحيد قومي اقتصادي، وباتجاه الاستقلال الحضاري" (ص87)، ولكن السياق يجعل هذه المشروعية مجرد صدفة أو حظ حسن للمنطقة العربية لا أكثر، ما دام مشروع الاستقلال يستند أصلا – أو أساسه الموضوعي بتعبير عادل حسين – إلى قضية كفاية الموارد، يرافقها من غير ضرورة واضحة، بعد قومي في حالة المنطقة العربية. 
  ومما يثير الدهشة أنْ يعتبر كاتبنا دولة مثل اليابان دولة غير تابعة، وهي التي تعتمد إلى أقصى حد على البلدان الأخرى وعلي السوق الدولي في الحصول على احتياجاتها من الموارد الطبيعية! وإذا قمنا بمد فكرة كفاية الموارد على استقامتها لوجدنا أنفسنا نتجاوز فورا الفكرة القومية، فلتتحد كل الأقطار فورا لتحقيق أكبر قدر ممكن من كفاية الموارد.. فلنتحد مع بورما أو البرازيل أو أيِّ بلد تابع آخر من أجل الاستقلال. 
  ويقرر عادل حسين: "إنَّ الإسلام وحضارته هو أساس العقيدة التي تذيب الحدود (بين الأقطار العربية) وتبرر الوحدة، بل هو أساس العقيدة التي تجعل الجهاد من أجل الوحدة جهادا مقدسا" (ص91). هكذا استبعد الكاتب الصراع الاجتماعي من جدول أعمال حركة التحرر العربية، وأعطانا قاطرة قومية – حضارية تستند إلى الدين. 
  بهذه الخطوات الأربع، استكمل عادل حسين تراجعه المنتظم نحو مشروعه العربي – الإسلامي للتحرر، بثمن فادح: تفريغ ظاهرتي الاستقلال والتبعية من المضمون الاجتماعي. 
   ويمكن إيجاز المشروع العربي الجديد كالأتي: توحيد الأمة العربية على أساس العقيدة الإسلامية بهدف إحداث تنمية مستقلة، ونشر الرسالة الروحية للأمة العربية التي هيَ الإسلام. وسيتم ذلك في مواجهة الغرب المعادي لنا بطبيعته الحضارية. أما طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي الذي سيقام في ظل الاستقلال، فأمر يحدده هدف الاستقلال نفسه، مع التركيز على الإبقاء على المشروع الفردي، وبالتالي العمل على تحجيم الصراع الاجتماعي والسيطرة عليه. 
  لم يكن ممكنا أنْ يعرض لنا عادل حسين تراجعه، بوصفه " اكتشاف أعمق لمضمون التنمية المستهدفة" (ص83)، دون الهجوم المركز على النظرية الماركسية، التي حملت لواءها كل الأحزاب – تقريبا – التي نجحت في تحقيق الاستقلال لبلادها في مواجهة الإمبريالية. وكان لابد له أيضا من أنْ يعيد تفسير نجاحاتها هذه في ضوء تفسيره "الحضاري" للتاريخ. 
  أولا: الهجوم على نظرية القيمة – العمل: “إنَّ تحدد القيمة بالعمل الاجتماعي وحده ودون إدخال للأرض أو الطبيعة في الحساب، يعكس المبالغة في دور الإنسان داخل العقيدة الدنيوية"10،  ولم يكن صدفة أنَّ ابن خلدون وصل إلى تصور مختلف للقيمة يتحدد بما يقدمه العمل الاجتماعي والطبيعة معا.. فهذا بدوره يعكس مفاهيم العقيدة الإسلامية" (ص37). ليس هناك – إذن- مفهوم موضوعي للقيمة، فقط هناك وجهات نظر حضارية! ويرى الكاتب " إنَّ هذا الاعتماد لفرض القيمة - العمل أوقع التحليل الريكاردي والماركسي في ارتباكات ومفارقات يصعب الخلاص منها. ولكن ما يعنينا (أيْ عادل حسين) هنا هو ملاحظة العلاقة بين هذا الفرض (الذي يبدو لدينا خاطئا وغير واقعي) وبين العقيدة الدنيوية" (ص37). ولا ندري حقا ما المقياس الذي يعتمده، الكاتب في تقرير خطأ هذا المفهوم، ما دام المفهوم لا ينظر إليه إلا من حيث كونه متسقا أو غير متسق مع عقيدة ما؟!
  ثانيا: إعادة تفسير نجاحات الأحزاب الماركسية في ضوء النظرية الحضارية: يقرر عادل حسين "إنَّ الاشتراكية في بلد متخلف اقتصاديا كان ضد المنطق الداخلي في نظرية ماركس …إنَّ الاشتراكية في نموذج ماركس كانت حلا حتميا (وبالتالي علميا) للتناقضات الناشئة عن الرأسمالية وما حققته من تصنيع وليست أسلوبا بديلا في التنمية، يحقق ما حققته الرأسمالية من تصنيع وفق منهج مخالف" (ص43). ومن الناحية التطبيقية: ” ما نلح في إثباته هو أنَّ هذا النمط (أيْ النمط السوفيتي) وما شاكله) لا يمكن تبريره وفق النظرية العامة لماركس. بل إنَّ التجارب التي تحمل اسم الاشتراكية (العلمية) في آسيا وأفريقيا، وليس في أوروبا الغربية أو اليابان أو الولايات المتحدة يعتبر تحديا نظريا وتاريخيا خطيرا لنظرية ماركس. والاشتراكية العلمية التي تمارسها هذه التجارب تمثل مفهوما مختلفا تماما للمفهوم الغربي الذي حدده ماركس للاشتراكية العلمية" (ص45). 
  إلى هنا لا غبار، فما زلنا في إطار المناقشة العلمية لقضية التحرر في البلدان المتخلفة. ولكن أنْ يقفز عادل حسين من هذه الانتقادات ليقرر أنَّ “ محاولة ماوتسي تونج كانت.. تهدف إلى بعث مركز حضاري مستقل، وصراع التجربة الصينية مع الغرب بشكل عام، ومع التجربة السوفيتية بشكل حاد وخاص، كان في جانب منه صراعا حول قيم حضارية …11" (ص75) فأمر غير مبرر منطقيا على أيِّ وجه، وإنما هو استنتاج متعسف لا أكثر، وينطوي على تجاهل شديد للصراع الطبقي السياسي الذي دار على أرض الصين لمدة نصف قرن دون انقطاع تقريبا، حتى تحقق ما أسمه عادل حسين – دونما تعليل – الاستقلال الحضاري، فضلا عن الأسس الموضوعية العديدة للصراع الصيني – السوفيتي. أما لماذا نجحت هذه التجارب دون أنْ ترفع شعار التنمية المستقلة إياه، فأمر يفسره الكاتب بأنَّ الإصرار على هذا المفهوم لدى الثوريين في روسيا والصين لم يكن مهما “ لأنَّ كلا البلدين قارة بأكملها تحكمها سلطة سياسية واحدة. وهذه الحقيقة كافية تماما لضمان أنْ تكون التنمية مستقلة، أيْ متمحورة حول نفسها، ومعتمدة على النفس في إشباع الحاجات الأساسية، والتركيز عندهم على أسلوب هذه التنمية عند تعريفها، لم يكن مسببا لأيِّ لبس، طالما أنَّ الأسلوب الذي يسمونه اشتراكيا تحقق، أو يتحقق فعليا في إطار أوسع مما يعنيه هذا الأسلوب"12 (ص86). فهذه البلدان حققت إذن تنمية مستقلة دون أنْ تدري تحت راية الثورة الاشتراكية. 
  ما هيَ محصلة كل هذا؟ إننا بإزاء بلدان حققت التنمية المستقلة بأسلوب معين في التنمية يرفض الكاتب أنْ يسميه “اشتراكيا" (ص84-86)، ويرفض أيضا أنْ يسميه شيئا آخر. حسنا، ماذا عن البنية الاجتماعية القائمة في هذه البلدان؟ لا شيء. مثل هذا التجاهل سمح للكاتب أنْ يقفز من التنمية المستقلة، التي نعتقد أنه يمكن تفسيرها بآليات الصراع الاجتماعي إلى الاستقلال الحضاري. هذا التجاهل سمح لعادل حسين أنْ يقرر ببساطة متناهية: " إنَّ الاستقلال الاقتصادي والتنمية الاقتصادية المستقلة، يعنيان أنْ يوجه الجهد التنموي بقرارات من الداخل، وبهدف إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين التي لا تحدد وفق مستوى القدرة الاقتصادية فقط، ولكن تتحدد أيضا وفق المفاهيم الحضارية الحاكمة. إنَّ التنمية الاقتصادية المستقلة – بهذا المضمون – هيَ المكون الاقتصادي الملائم لمشروع الاستقلال الحضاري" (ص85). 
  وكالعادة، يرافق هذا الإنجيل الحضاري نظرة اقتصادوية للتحولات الاجتماعية الجارية في هذه  البلدان مفرغة من محتواها الاجتماعي: “ فمصطلحات التنمية الاشتراكية أو البناء الاشتراكي وفق مضمونها السائد، لا تعني أكثر من أسلوب بالغ الأهمية فعلا في تعبئة الفائض الاقتصادي وفي تنمية الموارد بقدر كاف من التوازن والاتساق، وبمعدلات مرتفعة ومنتظمة (إلى حد كبير) من خلال التخطيط المركزي … ولا يتضمن (بحد ذاته) بالضرورة إنهاء التبعية" (ص84). ليس مهما من وجهة نظر الفكر العربي الجديد ما إذا كانت هذه تنمية اشتراكية فعلا أم لا. فليست هذه التجارب في نظره سوى “أساليب ناجحة في تعبئة الفائض “بصرف النظر عن البنية الاجتماعية التي تتم من خلالها ولصالحها هذه التعبئة، وطبيعة الطبقة أو المرتبة الاجتماعية السائدة.. يرافقها بعد حضاري هبط عليها من السماوات، أو بالأحرى وفرته لها مساحتها الشاسعة. بهذه الطريقة يعتبر الكاتب أنَّ النظرية الماركسية كانت عديمة الدور في نجاح هذه التجارب، بل لعله يعتبرها كذلك لافتة معوقه.. لأنها خاطئة لا تسمي الاستقلال الحضاري باسمه “الحقيقي" خدمها الحظ الحسن!!
  ثالثا: تنحية مفهوم نمط الإنتاج: يبدي الكاتب احتراما لفظيا كبيرا إزاء هذا المفهوم “ كان ماركس محقا إذ اعتبر أنَّ علاقات التوزيع هيَ الوجه الآخر لعلاقات الإنتاج (بشرط ألا يقتصر مفهوم علاقات الإنتاج على ملكية وسائل الإنتاج كما يحدث أحيانا. ولكن يشمل المفهوم سيطرة فئة اجتماعية على وسائل الإنتاج دون ملكيتها، وأيضا القوة النسبية لأطراف العلاقة في العمل الاجتماعي)" (ص63). ونحن نؤيده فيما ذهب إليه حول مفهوم هذا المصطلح13. كذلك يقول الكاتب: “إنَّ مقولة قوى الإنتاج وتمفصلها مع علاقات الإنتاج مقولة أقبلها في تحليلي … وعلى مستوى مجتمع – أمة معين، تلعب العلاقة بين قوى وعلاقات الإنتاج دورها البناء في نموذج التقدم المستهدف من خلال مشروع متمحور حول نفسه. ومضمون التمحور حول النفس – في تحليل النهائي – هو القدرة على الإبداع الذاتي، وينعكس ذلك على المستوى الاقتصادي في القدرة على تحديد نمط الاستهلاك الملائم بمعايير مستقلة... " (ص ص26-27). ومن جانبنا.. نوافق على هذا التصور لوضع مفهوم نمط الإنتاج على مستوى مجتمع معين على حدة.. أيْ كونه يتحقق على هذا المستوى فقط في حالة وجود تنمية مستقلة، وكما سبق أنْ اكتشفنا أنَّ التنمية المستقلة لا تعني عند عادل حسين سوى الجانب الاقتصادي من الاستقلال الحضاري. هذا يعني أنَّ مفهوم نمط الإنتاج تال لمفهوم الحضارة – الذي لم يوضحه الأستاذ عادل حسين أصلا – وهذا هو ما نعترض عليه. ومن الناحية العملية قام عادل حسين بتنحية هذا المفهوم جانبا، فهو لم يعن لا بتوضيح نمط الإنتاج السائد في البلدان المسماة اشتراكية، ولا في حالة البلدان المتخلفة، ولا حتى في مشروعه المستقبلي.. بحيث يبدو الأمر وكأنه يمكن أنْ نختار قوى وعلاقات الإنتاج التي تناسب “حضارتنا"، لأنَّ هذه “الحضارة" هيَ التي ستحدد نمط استهلاكنا: “ إنَّ هدف الاستقلال الحضاري … شرط مهم لصياغة النمط الاستهلاكي على نحو ملائم، وهو بالتالي شرط مهم لمجرد إحداث تنمية اقتصادية اجتماعية مستقلة (دون أنْ يعني هذا طبعا أنه الشرط الوحيد)" (ص75). والشرط الآخر بالطبع هو "كفاية الموارد الطبيعية والبشرية". 
  ورغم قبوله لفكرة تمفصل قوى وعلاقات الإنتاج، فمن الواضح أنه ينكر تماما فكرة التعاقب التاريخي لانماط الإنتاج (ليكن واضحا أننا لا نقصد أبدا فكرة المراحل الخمس الستالينية) ولهذا يعطي نفسه حق اختيار نمط الإنتاج الملائم للحضارة المنشودة وهذا القبول والإنكار ينمان عن تناقض منطقي خطير. 
  رابعا: إعلان النظرية الماركسية نظرية معادية: وهو قد تحفظ قليلا في إعلان ذلك مكتفيا بأدراج الماركسية ضمن إطار المدارس الدنيوية الغربية كما مر بنا14، وهي المدارس التي يعتبرها دون تمييز مدارس معادية للعرب وحضارتهم الإسلامية.. بل إنه يدين مباشرة نظرية نمط الإنتاج الآسيوي (ص ص24-25)، معتبرا إياها ضمن النظريات التي تقوم على فكرة التفوق الأوروبي والتي تعبر عن مضمون عنصري من حيث الجوهر، وأنْ كانت في الشكل أقل فجاجة، رافضا أصلا أنْ يناقش مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي.. صحته من خطئه. والكاتب في الحقيقة يتخذ موقفا معاديا للغرب ككل، سواء الاتجاه المعادي لنا بالفعل أم الاتجاه الإنساني العالمي، وهو موقف لا يقوم على أيِّ أساس موضوعي – منطقي ومن الواضح أنه منطلق من نزوع عصبي وعنصري. 
  كما أشار إلى محاولات التوفيق بين الوظيفية والماركسية في الغرب، ناسيا أنَّ هناك محاولات مضادة أيضا. ثم دعم رأيه بالإشارة إلى خفوت حدة الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية، الذي وصل بالشيوعيين في فرنسا – بعد مائة عام من الكميونة - إلى دخول حكومة فرنسا (ص20)، مغفلا الأسباب التي أدت لذلك والتيارات الراديكاية المعادية لهذا الموقف ثم اعتبر الكاتب هذه الأشياء التي أوردها مبررا كافيا للزج بالماركسية والوظيفية سويا وعلي قدم المساواة في إطار الدنيوية إياها!
  لاحظ القارئ أنَّ المعول الرئيسي الذي استخدمه عادل حسين في محاولته هدم النظرية الماركسية هو حصرها في نطاق إقليمي- حضاري. جوهر فكرة الكاتب إذن هو أنَّ النظرية "لا تلزمنا". إنها نظرية دنيوية وغربية ومعادية ضمنا وتستند لمعايير لا قيمة لها خارج إطار الأيديولوجيا الغربية، ومنجزات معتنقيها لا يمكن فهمها أو تعقلها إلا في إطار نظرية الاستقلال الحضاري.. هذا هو مربط الفرس.. هذا ما يحقق للأستاذ عادل حسين تأكيد استنتاجاته الرئيسية حول التاريخ. علينا أنْ نفهم من هذه المحاكمة لا أنَّ النظرية الماركسية خاطئة بحد ذاتها فحسب، وإنما هيَ أيضا – بل وأساسا –أيديولوجيا غير علمية.. لأنَّ علم الاستقلال والتبعية عند "الفكر العربي الجديد" يستند إلى التمايز الحضاري، فالتاريخ صراع حضارات وليس صراع طبقات، والأخير موظف لمصلحة الأول. وكان يجب على من اقتنع بهذه الفكرة أنْ يبحث عن نظرية علمية لمنشأ الحضارات وصراعها.. ولكن الفكر العربي الجديد مشغول عن هذه “السفاسف“ بالدعوة لأهدافه المباشرة: الإحياء العربي الإسلامي. وقد تطلبت هذه الأهداف جعل الحضارة وحدة تحليل التاريخ. ولما كان الفكر العربي عاجزا عن التأصيل النظري لهذه الفكرة اكتفى برصد اختلافات بين الحضارة الدنيوية الغربية والحضارة الإسلامية، عازلا هذه الاختلافات عن المحتوى الاجتماعي، وتنصيبها ظاهرة مطلقة – علوية- فوق تاريخية. 
  ولما كان "الفكر العربي الجديد" عاجزا عن تأصيل أفكاره، كان مجبرا على أنْ يعيد خلق كل النظريات المخالفة له والأكثر منه تماسكا على صورته ومثاله، ومن ثم شرع في الإجهاز على فكرة العلم الاجتماعي نفسها: “ لاشك أنَّ العلم عالمي. ولكن هل تشكل الدراسات الاجتماعية ونظرياتها بوضعها الحالي علما؟" (ص12). ثم خصص بقية الفصل الأول للإجابة بالنفي على هذا السؤال. فلنتبع الآن منطق عادل حسين بشيء من التفصيل. 
  يقول عادل حسين عن الدنيوية، إنها “وضعت الإنسان في مركز المجتمع (والكون في الحقيقة) … وأصبح (الفرد أو الجيل)- بجسده واحتياجاته المادية – معيار كل الاختيارات والسلوك، وعن هذا نشأت القيم الملائمة، فازدهرت مفاهيم المنفعة واللذة الحسية والفردية والتنافس المحموم، وقد انعكس هذا كله في نوع ما من الحياة الاجتماعية وفي أنماط ما من النظم الاجتماعية، وعبرت النظريات عن ذلك كله"15 (ص30). ثم اندفع لإدانة العقلانية الغربية بأكملها: " فهل العقلانية (أيْ عقلانية الغرب الأوروبي) تقاس بمواجهة محدودة مع تزمت كنيستهم، أم يقاس مفهوم عصر العقل هذا بما قدمه من نظريات وعلوم اجتماعية صبت في خدمة التعبئة الأوروبية العامة للسيطرة على العالم واقتسامه، وأسهمت في تدمير الشعوب وحضاراتها وقيمها وتراثها؟" (ص23). وهو يعزو هذا "الدور" للعقلانية الغربية : “ مجمل الظروف التي شكلت المشروع الأوروبي كانت قمينة بإفراز مقولات ومفاهيم وأبنية نظرية تعبر (بشكل أو بآخر، صراحة أو ضمنا) عن مخطط السيطرة الغربية على النظام الدولي" (ص 22). وصل الأمر بعادل حسين إلى حد وضع نظرة “طرفية المركز –  إنْ جاز التعبير – محل النظرة أوروبية المركز التي يفترض أنَّ الدنيوية تروج لها.. فمن وجهة نظره لم يكن “تحرير الأقنان (من أجل خدمة) متطلبات داخلية (الصناعة) فقط، ولكن كان خدمة للهجرة (أيْ الاستعمار) ولتعبئة الجيوش. وكذلك لم يكن دعم الدولة المركزية استجابة للتطورات الداخلية وحدها، ولكن كان ضرورة لبناء الإمبراطورية أيضا. وكذلك الصناعة، أنها لم تمول من التراكم الداخلي وحده، فالنهب واستعباد مئات الملايين في الخارج كان موردا لا يقل أهمية". إلى هنا لا غبار ما دمنا في إطار تعداد آثار هذا الفعل أو ذاك، الداخلية منها والخارجية.. ولكن أيها الحاسم؟ أيها محرك التاريخ ومفجر هذه التطورات؟ يستكمل عادل حسين عبارته: "إنَّ الثورات البورجوازية لم تكن إذن حصادا للتطورات الداخلية وحدها، وكذلك لم تنحصر نتائج نجاحها في المسرح الداخلي، ولكن كانت النتائج الداخلية بمثابة إعادة ترتيب للبيت وحشد أكفأ للإمكانيات المحلية من أجل تثبيت ما فُرض من سيطرة خارجية وتوسعية" (ص23). هكذا حسم عادل حسين موقفه.. ليقدم لنا صورة كاريكاتيرية لتاريخ أوروبا نكون نحن محوره.. فإذا مددنا فكرته على استقامتها قلنا إنَّ الثورة البورجوازية ومجمل التقدم العلمي والتكنولوجي، فضلا عن العقلانية نفسها.. كلها لم تقم وتنشأ أصلا إلا من أجل استئناف الحروب الصليبية بشكل أكثر نجاحا! والغرب إذن لا هم له إلا السيطرة علينا وتحطيم حضارتنا.. كل هذا يقال دون ذكر مبرر واضح لهذه العداء “الطبيعي".. إنه منطق “الفكر العربي الجديد". والملاحظة الأخرى أنه يعمم الدور التبريري الذي لعبته بعض النظريات الأوروبية لصالح الغزو الاستعماري على كل نتاج الفكر الغربي! وكان عليه أنْ يراجع – بموضوعية ونزاهة – موقف المفكرين الثوريين الأوروبيين، ومنهم ماركس ولينين وروزا لوكسمبورج وعشرات آخرين، بدلا من أنْ يصور لنا كل مفكري الغرب على أنهم جميعا (سيسيل رودس) يلبسون قناعا نظريا. والملاحظة الأخيرة، أنه ينفي للمرة الألف أيَّ أهمية للصراع الطبقي الداخلي في تلك المجتمعات؛ فلا فرق عنده بين البورجوازية والبروليتاريا الأوروبيتين. وربما يوضح الاقتباس التالي هذه المسألة أكثر: “مفهوم أنْ يحتفي الغربيون بمراحل النهضة والتنوير، فهي بالفعل مراحل تقدم في تاريخهم، ولكن كيف نحتفل نحن أيضا بهذه المراحل باعتبارها مراحل نهضة عالمية أو تنويرا عالميا، رغم أنَّ شعوبنا من ضحايا هذه المراحل؟" (ص24). إنه صراع أمم وحضارات دون لبس.. صراع جعله ينسى أنَّ عمال الغربيين وفلاحيهم دفعوا هم أيضا ثمنا فادحا في هذه المراحل، الثمن الذي لا يمكن بدون إدراكه فهم سلسلة الثورات والحروب الأهلية في أوروبا في القرنين السادس عشر والتاسع عشر. 
  لما كانت الدنيوية عند عادل حسين هيَ أساس المشروع الحضاري الغربي، الذي هو من حيث الجوهر استعماري، استنتج مؤلفنا بالتالي أنَّ استقلالنا لابد أنْ يستند إلى ما يسميه “بنية نظرية مستقلة “ والدعامة الجوهرية لهذه البنية الموعودة هيَ “الإقرار بحقيقة المفهوم المحوري عندنا هو الإيمان بالله الواحد الخالق …حسبي أنْ أثبت أنَّ هذا هو المفهوم المحوري في العقيدة السائدة التي تملأ عقول الناس ووجدانهم“ (ص30). وأهميتها أنها “ستلعب الدور نفسه الذي لعبته العقيدة الدنيوية في الغرب في انشاء مدارس اجتماعية مستقلة (أيْ إسلامية عربية)" (ص30). في هذه العقيدة “يهتم الإنسان الفرد والجيل الاجتماعي بالحياة الدنيا … مع إيمان بأن الحياة الدنيا ليست كل شيء وأن بعدها حسابا" (ص31)، “هناك احترام لقدرات الإنسان ودوره ولكن مع وضع قدرة الإنسان ودوره في إطار الكل الأشمل الخاضع لله تعالى"، ومن ثم كان المفكرون الإسلاميون عموما – وفقا لأصول عقيدتهم – يرون الإنسان معمرا للطبيعة في إطار التعاون والتناغم معها وليس في إطار الصراع معها"16 (ص37) هكذا يرصد الكاتب اختلافات حادة ومطلقة وفوق تاريخية بين الحضارتين، جاعلا هذه الاختلافات المحور الذي يتحرك حوله التاريخ، فيرى أنَّ كل متغيرات واقعنا وتاريخنا – سواء ما كان منها له نظائر عالمية كالأمة والطبقة (ولكن مع صبغها بالصبغة الإسلامية) أو خاصة بنا، كدور الطوائف والقبائل والنفط …إلخ.. هذه المتغيرات “في مضمونها وفي أوزانها النسبية وفي علاقاتها المتبادلة وفي تشكيلها عبر كل ذلك للنسق النظري – تتحدد أو تتحور وفق ارتباطها مع العقيدة السائدة وقلبها الإسلامي" (ص33). 
  المسألة إذن ليست مجرد أخذ خصوصيات تاريخنا بعين الاعتبار؛ إنها مأساة فكرية.. فالمطلوب بوضوح كامل أنْ يتمحور الإنجاز العلمي حول صيغة ميتافيزيقية غير مبررة، وأنْ يكيف نفسه تبعا لها، إنها ببساطة دعوة لا عقلانية. والكاتب لم يتورع عن إثبات هدفه صراحة: ” لنبدأ باستيعاب أصول عقيدتنا (إسلامنا) وتاريخ أمتنا (بالمعنى الواسع للتاريخ)، وظروفها الموضوعية الحالية، ولنبحث في مناهج التجدد الذاتي وفق منطق هذه العقيدة وهذا التاريخ وهذه الظروف، ولتتعدد بعد ذلك المدارس" (ص35). وإذا تساءلنا عن العلاقة بين هذه المحددات الثلاثة فالأمر واضح جلي.. فليس معقولا أنه سيسمح لنا “بأنْ نبحث تاريخ أمتنا أو ظروفنا الموضوعية بالمفاهيم العقلانية الغربية، وإنما فقط في حدود “أصول عقيدتنا".. هكذا يفتح باب الحكم الثيوقراطي (الديني) إلى أقصي مداه باسم “الفكر العربي الجديد" ويتم التبرير لسيطرته على الفكر والعلم. 
  وحتى يقطع علينا " الفكر العربي الجديد" كل المسالك الجانبية نحو العقلانية الغربية يظهر لنا بوضوح أنَّ هذا التحديد لنطاق الفكر " المسموح به " ليس له أساس علمي وإنما هو صيغة ميتافيزيقية.. حتى لا يملك أحد الاعتراض أو المناقشة. يقرر عادل حسين بوضوح أنه لا مفاضلة بين الدنيوية والإسلامية، فكلتاهما صيغتان ميتافيزيقيتان وليستا علما في مواجهة ميتافيزيقا.. ثم يعزينا قائلا إنَّ كل ميتافيزيقا منهما لها عقلانيتها: عقلانية إسلامية عربية مقابل عقلانية دنيوية غربية.. “ لقد وجهت الدنيوية العقلانية الغربية الحديثة فوصلت إلى نتائج معينة، والإسلام وجه العقلانية عندنا فوصلت إلى نتائج مغايرة، وبوسع العقلانية الإسلامية أنْ تجتهد وتطور هذه النتائج"17 (ص31). 
  بهذه الطريقة حاول عادل حسين أنْ يُجهز على الأساس الوحيد للتفكير العلمي، ألا وهو مبدأ وحدة العقل الإنساني. وهنا بالذات كان عادل حسين متسقا مع نفسه، فمد فكرته على استقامتها دون معونة منا.. فنفى وجود العلوم الاجتماعية أصلا. صحيح أنه أقر – دون أنْ ندري على أيِّ أساس فعل – بأنه “في وسعنا أنْ نكشف بعض الاتجاهات العامة التي تحكم المجتمع البشري في كل شموله وأعماقه التاريخية" (ص15)، الأمر الذي لم يحدث في رأيه حتى الآن على نحو مرض، ولكنه يعود فيتحفظ على هذا الكلام ثلاث مرات في نفس الصفحة – فضلا عن عدم اهتمامه بتوضيح ماهية هذه الاتجاهات العامة، "فارق كبير بين أنْ نكتشف قواعد اللعبة (في المجتمع)، وبين أنْ نتنبأ بنتائج المباراة أو أنْ نتحكم فيها: "إنَّ إخضاع العقيدة لمتطلبات العلم الوضعي أو غير الوضعي مسألة مستحيلة" .. " إنَّ القوى الفاعلة في المجتمع الحي لا تخضع – في ظروفها وفي قياسات إمكانيات دورها – لوحدات نمطية (من قبيل الطبقة والنخبة …إلخ)، ولا لعلاقات نمطية بين هذه الوحدات" (ص15). ولكن ألم يقدم لنا “الفكر العربي الجديد" مشروعا للاستقلال؟ على أيِّ أساسٍ يتنبأ الأستاذ عادل حسين بإمكان تحقق هذا المشروع؟ كيف سيحدد “القوى الفاعلة في المجتمع الحي" التي ستنجز هذا المشروع؟ إنها تناقضات “الفكر الجديد" والتي تنحل كلها في رصد واحد غير دقيق.. ألا وهو تأثير الأيديولوجيا الإسلامية. يعترف عادل حسين بأن " الغرب أنشأ مدارس ممتازة بمعايير بيئتها وظروفها، ولكنا نواجه من موقع التبعية والتخلف الاقتصادي أسئلة غير أسئلة الغرب ويتطلب هذا أنْ ننشئ مدارس  تختلف عن مدارسه" (ص22). ليس هناك إذن سوى أسئلة تتطلب مدارس!! ولكن حتى بفرض صحة هذا.. كيف سنحدد الأسئلة ونجيب عليها ما دام “ليس هناك وحدات نمطية.. إلخ "؟ إنها معجزة العقيدة الإسلامية التي ستغنينا عن كل شيء آخر. 
  ولكن عادل حسين – برحمته  – أبى أنْ يتركنا في هذه الحالة المذرية، فواسانا قائلا: ” إنَّ الاقتراب من نموذج فعال للتنمية يتحقق حاليا بقدر الجرأة على تحدي النظريات الأوسع، إنَّ الثورة الصناعية بدأت في إنجلترا وتواصلت دون نموذج نظري للتنمية" (ص151). ياله من عزاء براجماتي! فليذهب العقل البشري ووحدته إلى الجحيم، فكل شيء سيسير على ما يرام في ظل “عقيدتنا المباركة "، بإذن الله. 
  لابد أنَّ القارئ يتساءل، ما الذي دفع الأستاذ عادل حسين في هذه المنزلقات الفكرية؟ إنَّ التفسير بسيط.. لقد انطلق الكاتب من فرضية – أوحي له بها في الغالب المد الإسلامي في العالم العربي – مؤداها أنَّ المنظور الحضاري الإسلامي هو وحده الكفيل بدفع الجماهير للفعل الثوري والتغيير، في إطار بعث قومي أصيل.. (ص67). " ينبغي أنْ نعترف أنَّ الإحساس بالدونية يتملكنا تماما.. والقدرة على اتخاذ قرار مستقل فيما يتعلق بحاجاتنا المعيشية اليومية ثورة بالغة العمق في نفسية المجتمع والأفراد …وساعتها سنعتز بقدرتنا على الابتكار وعلى التوصل إلى التشكيلة التكنولوجية التي نراها ملائمة لصنع احتياجاتنا وما ارتحنا إلى استهلاكه …وهذه الثورة البالغة العمق، لا يولدها ولا تشمل آثارها، مجرد التمرد على نمط الاستهلاك السلعي المفروض، فهيَ بالضرورة في إطار نظرة أشمل إلى نمط الحياة، أو هيَ في إطار ثورة فلسفية، أو في إطار ثورة في تشكيلة الأفكار والمعتقدات الموجهة، أو في النسق القيمي للأفراد … وحين ننطلق … في اتجاه التجدد الذاتي والحضاري، سيكون الجو مهيئا للسيطرة على نمط الاستهلاك الملائم، ولبناء قوة اقتصادية مستقلة، ويصبح الصبر على ضريبة التكافل الاجتماعي، أيْ تحديد دخول الملاك كما وكيفا كما مر بنا، كما في استرتيجية إشباع الحاجات الأساسية – أمرا محتملا" (ص75). إنه يحتاج الإسلام أيضا لأنَّ مشروعه نظرا لما يكتنفه من تحديات وصعوبات – يتطلب " قدرا هائلا من الإيمان بعقيدة مقدسة تدفع الأمة إلى قبول التضحية، بل وطلب الشهادة" (ص88). إنه مشروع للانتفاع بالإسلام  لصالح مخطط مرسوم في الذهن سلفا. 
  هذا هو منطق "الفكر العربي الجديد". لقد حرر نفسه أولا من العلوم الاجتماعية، فأنكر وجودها واستبدلها بنظرية حضارية. ولما فعل هذا أمكنه أنْ يعيد النظر للتاريخ، فيعتبره صراعا حضاريا بالدرجة الأولى وليس اجتماعيا، الأمر الذي ترتب عليه اعتبار خلافات مختلف المدارس الفكرية من حيث هيَ اختلافات حضارية، وإهمال الأسس الاجتماعية لهذه المدارس. ومن هذا المنطلق انتقل لمناقشة قضية الاستقلال والتبعية.. فصارت التبعية مسألة حضارية وليست بنية اجتماعية محددة الخصائص، وبالتالي أمكن استنتاج أنَّ قضية الاستقلال هيَ قضية بعث حضاري إسلامي في مواجهة الهيمنة الحضارية الغربية العلمانية (الدنيوية)، وجعلها قضية كل الطبقات والفئات الاجتماعية. ويبدو لنا أنَّ هذا الأمر الأخير هو مربط الفرس والدافع وراء كل هذا الضجيج النظري. 
  وإذن، ارتكز منطق “الفكر العربي الجديد" على الهجوم على العلوم الاجتماعية وعلي التفسير العلمي – الموضوعي للتاريخ. ولكن هذا الفكر في حركته كان يفرز بالضرورة تناقضاته في كل خطوة، ليست تناقضات مع الواقع فحسب، ولكن حتى تناقضات داخلية بين أفكاره نفسها. هذه التناقضات الفكرية تتبلور فيما يمكن تسميته “منهج الفكر العربي الجديد" والذي سنختتم به نقدنا.
  
  2- أعلم اجتماعي موضوعي أم ذاتية حضارية؟
  حينما قام الفيلسوف الألماني العملاق كانط بمحاولته لتحديد قدرات العقل البشري المعرفية، توصل إلى أنَّ الإنسان يستطيع – بواسطة التجربة العلمية ومجموعة من المقولات العقلية التي افترض وجودها في الذهن البشري بشكل مسبق – أنْ يتعرف على هذه الحقيقة الجزئية أو تلك بالنسبة لشيء معين، فيمكن أنْ يعرف أنَّ السكر – مثلا – حلو المذاق، قابل للاحتراق، صلب، قابل للذوبان في الماء.. إلخ، ولكنه يعجز عن معرفة ماهية هذا الشيء، ناهيك عن ماهية الوجود أو الكون. وقد أسمي هذه الماهية غير القابلة للمعرفة باسم الشيء في ذاته. هذا الشيء في ذاته مثل عند كانط نهاية المعرفة البشرية. ولما كان كانط يبحث في قدرات العقل البشري عامة، يمكن القول إنَّ هذا الشيء في ذاته موضوعي18. وهو الشيء الوحيد الموضوعي في نظرية المعرفة عند كانط، لأنَّ دلالة النظرية أنَّ الإنسان عاجز عن معرفة ماهية أيِّ شيء. ولكن معرفة هذا الشيء في ذاته فضلا عن المعرفة الجزئية، هيَ معرفة موضوعية أو ذاتية بالنسبة للعقل البشري "بما هو كذلك " أيْ تنطبق على البشر جميعهم. 
  لكل هذه الأسباب اشتهرت فلسفة كانط باسم المثالية الذاتية. ويمكن – بغرض تقريب منطق الأستاذ عادل حسين إلى الأذهان – تلمس جذور النظرية الحضارية في هذه المثالية الذاتية، وهو قياس مع الفارق.. الهائل. فبدلا من الشيء في ذاته العالمي لدي هذا المفكر العملاق، يستنتج لنا عادل حسين "شيئا في ذاته “فيما يخص كل “حضارة" على حدة. ويتمثل هذا الشيء في ذاته “الحضاري" في قيمة أو مجموعة من القيم تعتبر غير قابلة للإخضاع للبحث العلمي من جهة، وتهيمن من جهة  أخرى على مصائر الشعوب والمجتمعات، لأنها تحدد مجريات الصراع داخلها ومع الخارج. واذا كان الشيء في ذاته عند كانط العظيم نهاية العلم وبداية الجهل، فهو في طبيعته “الحضارية" الجديدة بداية العلم، فالعقلانية تتحدد بمفاهيم حضارية غير عقلانية، وعلي الأولى أنْ تخضع للأخيرة. ومن أجل هذا الفارق “البسيط" نستطيع القول إنَّ خطوة كانط في التعرف على العقل البشري كانت خطوة جوهرية في تاريخ الفلسفة؛ كانت نقطة انطلاق أمام كل الفلسفات التالية، بينما لن يلعب “الفكر العربي الجديد" سوى دور وحيد مؤهل له تماما، وهو محاولة ضرب العقلانية والتنوير وحرية الفكر؛ هذا من جانب. ومن جانب آخر لن تفلت هذه الفلسفة الحضارية الجديدة من السمة التي تعم كل نظرية ذاتية في المعرفة، وهي اللا أدرية. فما دمنا عاجزين عن اكتشاف ماهية الشيء أو الكون فهذا معناه أننا عاجزين عن اكتشافه بصفته كذلك، أيْ لا ندري عنه شيئا محددا يقينا. لدينا إذن قضيتان مركبتان مطروحتان: هل المعرفة ذاتية أم موضوعية أم أنَّ الصفتين ممكنتان؟ القضية الخطيرة الثانية المطروحة والتي تدين "للفكر العربي" بطرحهما هيَ قضية وحدة التاريخ والعقل البشريين، وجودا أوعدما. 
  هل المعرفة ذاتية؟ إنَّ العالم موجود حولنا دون شك، وهناك تصوران ممكنان بصدده.. أننا نعرفه أو أننا لا نعرفه، وإنما نعرف عنه أشياء تقع في حدود معينة، وتختلف عن "حقيقة وجوده". فلنفحص هذا الفرض الثاني: إذا قلنا إننا نعرف العالم معرفة موضوعية فمعنى هذا أنه ينطوي على حقيقة  أخرى، أكثر جوهرية واصالة لا نعرفها. ولكننا قلنا الآن توا أننا نعرفها – رغم ادعائنا العكس – فقد قلنا إنها حقيقة ومختلفة، وأكثر جوهرية وأكثر اصالة. هذه كلها معرفة لا شك في هذا، نظرا لما تحمله هذه المعاني من دلالات محددة في ذهننا. فإذا أضفنا بعد ذلك أننا (لا نعرفها) – أيْ كل هذه المعاني نفسها – وأردنا أنْ نشرح ذلك، قلنا – مثلا  –  أنَّ المعرفة التي نعرفها سطحية، أما المعرفة الجوهرية، فعميقة وتحددها ماهية الشيء ومفهومه ومصيره وطبيعته … إلخ. ومعنى هذا – عكس ما يبدو – أننا عرفنا أكثر عن الشيء في ذاته المزعوم، وهكذا، فكلما  حاولنا أنْ ندافع أكثر فأكثر عن ذاتية المعرفة توغلنا – رغم عنا – في إثبات موضوعيتها19. لا مفر أمامنا سوى تقرير موضوعية المعرفة. 
  يقول لنا عادل حسين إنَّ العلم عالمي (أيْ ينطبق عليه قانون وحدة العقل البشري) بينما لا تشكل العلوم الاجتماعية علما.. (فلا ينطبق عليها القانون المذكور). كما يقول لنا – من جهة  أخرى – أنه بالنسبة لهذه العلوم الأخيرة، أنها تخضع للمفاهيم الأيديولوجية، غير العقلانية باعترافه. إنَّ القضية المطروحة إذن هيَ وحدة العقل البشري في التاريخ، وبمعنى آخر، إمكان وجود نظرية عقلية تفسر حركة المجتمعات البشرية من عهد الإنسان البدائي حتى وقتنا هذا. مثل هذه النظرية إذا وجدت – ولابد في رأينا أنْ توجد – تضع تصورا معينا للعلاقة بين مختلف مستويات وأنماط الفعل البشري، وبالتالي بين مختلف التنظيمات الاجتماعية المعبرة عن والمنظمة لهذه الأنشطة البشرية. ومنطقيا لابد وأنْ يقتنع كل من يعتقد في موضوعية المعرفة بإمكان وجود مثل هذه النظرية، لأنَّ تصور استحالة قيامها لا يعني فحسب أنَّ الإنسان عاش ويعيش أبدا مغتربا عن تاريخه وفعله الخاص، لأنه غير قابل للمعرفة. بل وأيضا معناه أنَّ هذا التاريخ بالذات، تاريخ الإنسان الخاص، يمثل شيئا منفصلا – كجوهر وماهية – عن الإنسان نفسه، ولا يمكن إدخاله إذن في إطار المعرفة العلمية، أيْ أنه ينتمي لمجال "المعرفة الذاتية". ولا يمكن للإنسان أنْ يتبنى هاتين الفكرتين المتناقضتين معا باتساق: أيْ أنَّ معرفة الإنسان بالعالم الخارجي (الطبيعة) موضوعية، بينما تعتبر معرفته بنفسه – ككائن له تاريخ – معرفة ذاتية. 
  إلا أنَّ هذا التصور الشاذ قد تبناه بالفعل بعض المفكرين الغربين، وأشهرهم على الإطلاق الفيلسوف الألماني شبنجلر. لقد ذهب الأخير إلى أنَّ المقولات الأساسية للعلوم الطبيعية تختلف اختلافا جذريا عن مقولات العلوم الإنسانية. وأهم مقولات الأولى هيَ العلية بينما أهم مقولات الثانية هيَ مقولة المصير. 
  وقد رتب هذا الفيلسوف على فكرته هذه أنَّ المنهج العلمي (الاستقرائي والاستنباطي) لا يصلح للتطبيق على العلوم الإنسانية وأهمها التاريخ. ويدعي المدافعون عن هذا المنهج أنَّ العلية تستند لفكرة الحتمية والأخيرة في رأيهم غائبة في التاريخ. وهم لا يذهبون إلى أنه لا يمكن تعليل أفعال الإنسان، كل منها على حدة، وإنما إلى أنه لا يمكن استنباط أحكام كلية (أيْ شاملة، حتمية، عامة) تحكم منطق حركة التاريخ. ومن ثم لا مجال للتنبؤ بالتاريخ والتحكم في مساره، نظرا لأنه لا يمكن استنباط قانون كلي يستند إليه هذا التنبؤ والتحكم. والحجة الكبرى التي يستندون إليها أنَّ الذات والموضوع (المؤرخ مثلا مقابل الوقائع والأحداث في التاريخ) ينتميان لمقولة واحدة هيَ الإنسان على عكس العلوم الطبيعية حيث الإنسان (عامة) يبحث موضوعا خارجه. هذا الأمر يفسر في نظرهم كل ما ذكرناه من خصائص حول منهج العلوم الإنسانية. 
  كل هذه الحجج تبدو قوية متماسكة (يكمل بعضها البعض) لسبب وحيد؛ أنها جميعا لا تعترف إلا بمنهج واحد للدراسة العلمية: المنهج الاستقرائي. ولاشك أنَّ هذا المنهج يعجز تماما عن استخلاص قوانين عامة للحركة التاريخية – مما يعطي وزنا كبيرا للنظرية الحدسية – فأقصى ما يستطيع الوصول إليه – على حد تعبيرهم – أنْ يصل إلى تقرير وقائع واحداث جزئية بهذه الدرجة من الدقة أو تلك. 
  ونحن نعتقد أنَّ المنطق الجدلي هو الوحيد الذي يضع أساسا متينا لنظرية في المعرفة، تصلح خصيصا لدراسة العلوم الإنسانية المتعلقة بذات الإنسان، أيْ العلوم التي تدرس نوعا من العمليات إلى تحدث مرة واحدة ولا تتكرر. وهذا المنطق هو الذي يضع أساسا قويا للوحدة المطلقة بين الذات والموضوع، وهو يضع هذا الأساس بطريقة منطقية – موضوعية، متجاوزا الشيء في ذاته". وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة طويلة نرجو أنْ تمكننا الظروف من طرحها في دراسة خاصة. 
  على أنَّ الأستاذ عادل حسين لا يتبنى هذه "المعرفة الحدسية" بشكل عام – ولا حتى صراحة – وإنما يتبنى نوعا معينا منها.. وهو ذاك الذي يقيم معرفته الحدسية على مبدأ "روح الحضارة"، باعتبار الأخيرة ظاهرة روحية لها تصور واضح متميز عن العلم يتبلور في دين وفن وفلسفة وسياسة وعلم، أيْ شخصية حضارية معينة – على حد تعبير شبنجلر، بل إنها – في رأي الأخير – تنظم ما حولها من فوضى وتفرض عليها طابعها فتطبع الإنسانية بطابعها. الحضارة إذن هيَ التي تفسر التاريخ، لأنها هيَ التي تحدد البنية الاجتماعية ككل، ولأنها هيَ الوحدة الحقيقية لدراسة التاريخ. ويلعب الدين دورا محوريا في تحديد هذه الشخصية الحضارية عند شبنجلر وتوينبي على حد سواء، فمن أهم معالم شيخوخة الحضارة عند الأول سيطرة الاتجاهات اللادينية، بينما تقوم الديانة عند الثاني بدور القابلة للحضارة الجديدة بنقل مقومات الحياة والإبداع لها، كما يرى أنَّ وراء كل حضارة قائمة ديانة عالمية. ويحدد شبنجلر مقولة المصير، التي تحكم عنده حركة التاريخ – باعتباره تاريخ حضارات – بأنه تعبير عن "جزع الروح" لما يهدد وجودها أو كيانها (أيْ أنها تحدد بعامل خارجي)، وتفاعلها من أجل إثبات الذات، وهذه هيَ نفسها نظرية التحدي والاستجابة عند توينبي، والتحدي عنده، نوعان، طبيعي: بيئة صعبة، وبشري: غزو أو ضغط خارجي متواصل. والاستجابة هيَ بالطبع الاستجابة الدينية التي تحشد الهمم وتقيم الحضارة التي ترد ردا ناجحا على هذه التحديات20. باختصار، نحن لسنا إزاء نظرية، وإنما مجموعة التشبيهات البليغة، تعتمد على تطبيق مقولات السلوك الفردي ـ أو بالأحرى مجموعة مختارة منها – على الأمم والشعوب، لا مجال هنا لصراع طبقي داخلي إلا كتعبير عن انهيار الحضارة، كسمة من سمات هذا الانهيار، الناتج – كما يقول توينبي – عند فقدان الأقلية الحاكمة "لطاقاتها المبدعة". وجدير بالذكر أنَّ هذا الفقدان، يفتقر لأيِّ تعليل سببي متماسك عند توينبي. أما شبنجلر، فلم يناقش القضية أصلا معتبرا أنَّ كل حضارة تمر بمراحل النشأة والشباب والنضج والكهولة كقدر محتوم. ما هو منشأ الحضارة وما تفسيره؟ التحدي.. أيْ عامل خارجي. وما هو منشأ هذا التحدي؟ حضارة شاخت تقوم بالتوسع على حساب غيرها أو ظروف طبيعية عسيرة. وهكذا ندور في حلقة مفرغة؛ فالتحدي هو سبب الاستجابة، التي هيَ بدورها – عند مرحلة الشيخوخة - سبب نشوء التحدي عند شعوب  أخرى وهكذا. وفضلا عن ذلك لا تفسر النظرية الحضارية حدود كل حضارة، أيْ حدودها الجغرافية، ولماذا لاتستكمل انتشارها عند شعوب  أخرى مجاورة لتندمج بدورها في نفس الحضارة، الأمر الذي يفتح أوسع الأبواب للنظريات العنصرية.. بحيث يصير كل شعب أو مجموعة بعينها من الشعوب مؤهلة لاكتساب حضارة معينة دون غيرها من الشعوب لأسباب مجهولة تخص "طبيعتها". هكذا تعجز نظرية الحضارة عن تفسير الحضارة نفسها. ولما كانت الحضارة التي تفسر كل النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها بالنسبة لكل الشعوب التي تتقبل هذه الحضارة (وأساسها الدين)، نقول إنَّ هذه النظرية لا تفسر شيئا على الإطلاق، اللهم سوى طبيعة الذهنيات التي أنتجتها21
  ولما كان الأستاذ عادل حسين مفكرا ذاتيا حدسيا حضاريا مخلصا، فقد امتنع عن تقديم مبررات موضوعية لفكرته عن البعث الحضاري العربي على أساس إسلامي. فحسبه أنْ يثبت – على حد تعبيره – أنَّ العقيدة التي يدعو إليها "تملأ قلوب الناس ووجدانهم". ليس لنا أنْ نناقش ونعترض، وإنما علينا أنْ نؤمن ونعتقد، وننحني إجلالا للميتافيزيقا قدرا يكتنفنا، إذا ما كنا حقا مؤمنين برسالة البعث الحضاري لأمتنا ونرغب في تخليصها من التبعية! من الغريب حقا أنْ يستهل مفكر ينتمي للمدرسة الحضارية كتابه بالحديث عن ضرورة مناقشة المسلمات، بينما يدافع في نفس الوقت عن مسلمة كبرى تعرض بصفتها غير قابلة للنقاش. 
  لقد نقدنا فكر عادل حسين حتى الآن – في هذا الفصل – باعتباره خطأ منهجيا جسيما. ولما كان المنهج الذاتي الحدسي غير قابل للنقاش العقلاني – من وجهة نظره – لأنه يعرض نفسه باعتباره حقيقة واقعة فهمناها أم لم نفهمها، كان علينا بالمقابل أنْ نستكمل نقدنا بتبيان عدم واقعيته نفسها. ولن يكون هذا إلا بمناقشة وحدة العقل البشري في التاريخ من حيث أسسها الواقعية ومرتكزاتها. 
  بالإضافة إلى وحدة التكوين التشريحي والنسيجي للدماغ البشري، تستند وحدة العقل البشري إلى وحدة الممارسة الإنسانية على سطح المعمورة. وليس المقصود بذلك أنَّ التجارب العلمية للبشر متطابقة تماما في كل مكان وزمان، فهيَ تختلف حتى من شخص لآخر، وإنما نقصد أنها جميعا تمارس في أطر معينة واحدة. فالإنسان يعيش في كل مكان ككائن اجتماعي، وتشكل اللغة الكائن الجماعي لكل وحدة بشرية. هذه اللغة هيَ خطاب الإنسان الاجتماعي عن خبرته، أيْ تاريخه. والملاحظ أنَّ كل لغات البشر متماثلة من حيث الجوهر في تركيبها، فهيَ تتكون من تجريدات من قبيل: تفاحة – أكل – هذا … إلخ، وإنَّ تركيب هذه المجردات هو وسيلة التعبير عن العيني الجزئي، كذلك يلاحظ أنَّ قابلية اللغات للترجمة بعضها لبعض فائقة.. ولعل الاختلاف يكمن فقط في ظلال الكلمات، الناشئة عن تعدد معاني الكلمة وطبيعة اشتقاقها، الأمر الذي يشكل صعوبة تواجه مترجمي الأدب. هذا الاختلاف يعود في جانبه الأكبر – لا ننكر – إلى اختلافات حضارية وإن كان يمكن تلمسه حتى ضمن إطار القومية الواحدة، كما يلاحظ في اللهجات المختلفة والتركيبات اللغوية المحلية. والحال أنَّ اللغة هيَ أداة العقل البشري، بل هيَ محتواه إذا شئنا الدقة، فقد برهن العلم على أنه لا يوجد تفكير دون لغة. 
  والبشر بصفة عامة، وعلى اختلاف حضاراتهم، يمارسون نوعين من العلاقات، علاقات مع الطبيعة، و أخرى اجتماعية فيما بينهم. والعلاقة الأولى تتم بتوسط الثانية، أيْ أنَّ الإنسان الاجتماعي (المجتمع) هو الذي يستخدم الطبيعة ويعيش عليها – بتحويلها – وليس الإنسان الفرد. والعلاقة الأولى هيَ العلاقة الأكثر جوهرية لأنها هيَ الهدف الأول للتنظيم الاجتماعي. هذا التحديد يمكن البرهنة عليه بحقيقة  أخرى، أنَّ الإنسان الاجتماعي، بحكم تكوينه، مضطر لأنْ يأكل ويحمي نفسه من الأخطار كهدف أول، حتى يمكنه أنْ يحيا ويحقق ذاته. ولتحقيق هذا الهدف الأول ابتدع الإنسان تقنيات وأدوات متزايدة التعقيد أتاحت له اشباع حاجاته، التي لا تنفك هيَ بدورها تتزايد، بطريقة أيسر وبعمل أقل. على أنه لا يجب الظن بأن الإنسان مجرد عامل في ورشة الطبيعة، بل هو على وجه الدقة ليس كذلك إلا بقدر ما يطور من علاقاته الاجتماعية بجوانبها المختلفة. 
  ولما كان الإنسان كائنا اجتماعيا، كان لابد وأنْ تمثل العلاقات الاجتماعية بالنسبة لكل فرد الشرط المسبق الضروري للحياة. وبالتالي ينشأ ميل في ذهن الإنسان الفرد – ميل يعبر عن واقع موضوعي – لاعتبار الجماعة كائنا أعلى، منفصلا عنه. إنَّه يدرك بسهولة أنَّ الجماعة ستستمر بقيَ هو أو ،َ                                                                                                                              انتهيَ، بينما يستمد هو نفسه كل مقومات وجوده من المجتمع. وباختصار، تبدو الجماعة دائما أكثر حقيقية من أفرادها. هذه الحقيقة الأولى العليا، تدفع العقل البشري لأنْ ينسج تصورا معينا عن طبيعة هذه الجماعة، وأنْ يكتسب الأعراف (أو القوانين) التي تعبر عن هذه الروابط الاجتماعية – أيْ عن الجماعة بصفتها كذلك – طابعا مقدسا، ومن هنا منشأ الأخلاق. وحيث إنَّ التعامل اليومي إزاء الطبيعة هو الجانب المحوري من حياة الجماعة بصفتها كذلك، تنحو روابط الجماعة المقدسة لأنَّ تكتسب قدسيتها من تصور عن الطبيعة، وهذا هو منشأ الدين، والعلاقة التي تربط بين الأخلاق والدين. وربما كانت عبادة الأسلاف والتوتمية22 التي ترتبت عليها، أولى الأديان التي اعتنقها البشر، وأن اتخذت مظاهر مختلفة.  ونظرا لقدم هذه العبادة فهيَ قمينة بأنْ تكشف بأعلى شفافية ممكنة العلاقة بين الجماعة بما هيَ كذلك والدين. فواضح هنا العلاقة بين تقديس الجماعة ونشأة الدين، وبين كل ذلك والطبيعة. وتنحو العلاقات بين البشر في هذه الحال لأنَّ تتخذ شكل علاقة بين التواتم (الأرباب)، فاعتداء جماعة على أرض جماعة أو على أفرادها لا يشكل اعتداءا ماديا فحسب، وإنما أيضا اعتداءا على التوتم، أيْ على مقدسات العشيرة، والخارجون على الجماعة هم خارجون على السلف المقدس وسيحل بهم عقابه. أما في حقيقة الأمر، فكل هذه الأمور المدانة أخلاقيا ودينيا هيَ من حيث الجوهر إضرار بالجماعة وبأسسها الاقتصادية – الاجتماعية. 
  والخلاصة أننا حين نقرر أنَّ النشاط الاقتصادي هو محور الحياة الاجتماعية، وأن الأخيرة هيَ أساس التصورات الإنسانية الاجتماعية شاملة الدين، فإننا لا نعبر بذلك عن أيديولوجيا دنيوية مزعومة وإنما نقرر حقيقة موضوعية. أما الحدسية الحضارية فهيَ ترفض هذه الحقيقة، وتتقبل معتقدات الجماعة عن نفسها دون تمحيص. إنها ترفض النظر إلى ما يكمن وراء التوتم وتتشبث به بعناد حرون. ولما كان منطقها ضعيفا، كان عليها أنْ تمنع الآخرين من استخدام المنطق، ليست هناك علوم اجتماعية، فلتؤمنوا جميعا بتوتمكم وتشبثوا به حتى ولو كنتم لا تفهمون، ألا ترون كيف أنَّ أعضاء عشيرتكم تحركهم فكرة الدفاع عن كرامة توتمهم! وحتى إذا افترضنا جدلا أنَّ هذا المنطق جائز حين ندرس التوتمية، التي تعتنقها غالبا مجتمعات مشاعية، إلا أنه غير جائز في حالة المجتمعات التي عرفت الانقسام الطبقي والدولة، لأنَّ الجماعة لم يعد لديها توتم واحد وإنما تفسيرات عديدة لهذا التوتم، وطبيعته، والأخلاق التي يدعو لها، أيْ أنه يصير أيديولوجيا.. يصير متناقضا. 
  والفكرة التوتمية – من جهة  أخرى – لصيقة الصلة بالعنصرية، لأنها تعزو وجود الجماعة إلى جد مقدس، تعتبر قدسيته أساس تقديس مبادئ الجماعة. ويعتبر هذا التقديس – في فكر الجماعة التوتمية – أساس الحفاظ على بقاء المجتمع واستمراره. هذه القدسية تتجسد في مجموعة من العادات والطقوس، التي تمثل مظاهر طاعة الجماعة للجد المشترك (الأخلاق) وتقديسه (الدين). ويترتب على ذلك أنْ ينظر لعقيدة الجماعة (ومظهرها الطقوس) والعلاقات الاجتماعية (ومظهرها العادات الاجتماعية)، كمنشأ لوحدة الجماعة. ونظرا لأنَّ هذا المنشأ متميز في آلاف التفاصيل عن أيِّ جماعة  أخرى، فهو كفيل بفصل الجماعة عن غيرها من الجماعات وتمييزها. وهنا نلج باب العنصرية، لأنَّ عقيدة كل جماعة غير مبررة ولكنها مقدسة، ومن ثم تصر كل جماعة على الأفضلية المعنوية (الحدسية) وليست المعرفية (العلمية) لعقيديتها. وماذا تكون نظرية الحضارة غير طبعة جديدة من هذه الفكرة؟ ففي الأزمنة الحديثة صارت القومية، وليست القبيلة، هيَ الوحدة الاجتماعية الثقافية، ودينها  – من وجهة نظر حضارية – أفضل دين، وإن اقتضت الصياغة العلمية أحيانا أنْ تستبدل هذه الفكرة الفجة: إنه ديننا وشخصيتنا الحضارية. 
  وصلنا إلى أنَّ الحضارة هيَ تصور معين لأعضاء المجتمع عن أنفسهم والعالم، أيْ أنها ظاهرة تنتمي لما نسميه البناء الفوقي للمجتمع. وبصفتها كذلك، تمارس الحضارة تأثيرا على البنية التحتية أيضا. ولكن هذه الأخيرة هيَ المحدد الأول والحاسم للتطور التاريخي للمجتمع. وهنا سيقول لنا "الفكر العربي الجديد": إنَّ كل ما قيل لا ينفي أهمية الشكل الحضاري وقدرته على بعث أمة معينة، ونحن (أيْ "المفكرون العرب الجدد") لم ننكر أنَّ الحضارة ميتافيزيقية.. صحيح أنَّكم ترجعونها للبناء التحتي ولكن هذا الأمر لاينفي مطلبنا العربي – الإسلامي. 
  كل هذا حسن. ولكننا نضيف أيضا أنَّ الفكرة الحضارية أو الشكل الحضاري يتطور ويتغير بالنسبة لنفس الأمة. فهو ليس معطى ثابتا تخضع له كل البنى الاجتماعية. وأهم أشكال تغير الشكل الحضاري هو تغير قالبه. وعلى سبيل المثال أبدل الفتح العربي لمصر إطارها الثقافي السابق بالإطار الإسلامي.. ولم يمنع ذلك أنْ تستمر عناصر كثيرة من التراث الفرعوني القديم ضمن هذا الإطار الجديد، وحتى وقتنا هذا. ولا يقتصر الأمر على مجرد عادات الدفن والاحتفال وبعض الأعياد، بل يمتد حتى يشمل العقيدة نفسها مثل استمرار الاعتقاد بوجود المحكمة الباطنية وغير ذلك23. كما نضيف أنَّ رصد أهمية الإطار الحضاري شيء، واتخاذه إطارا مرجعيا لتفسير حركة التاريخ شيء آخر، فهذا الأمر الأخير ينطوي على إنكار أهمية اكتشاف القوانين العامة لحركة المجتمع البشري، فضلا عن رفض فكرة التفسير من أساسها. إنَّ إنكار القوانين العامة لحركة التاريخ يعجزنا حتى عن فهم ظاهرة الحضارة نفسها. 
  على أنَّ الملحوظة الأكثر جوهرية هيَ أنَّ الجماعة البشرية ليست مجرد هوية، حضارية كانت أو غير ذلك، وإنما هيَ هوية في تناقض. وفي ظل المجتمع الطبقي يكون التناقض هو الجانب المحوري من حياة الجماعة، وهو الأمر الذي تتجاهله النظرية الحضارية، مما يحرمها من استشراف المستقبل؛ إمكاناته وآفاقه. و"الفكر العربي الجديد" يقع في كل هذه المحاذير، فهو يبرز الوحدة الحضارية على حساب الصراع الاجتماعي، ويخلط بين القومية والحضارة ويدمج العقلانية – وهيَ بطبيعتها عالمية كما سنرى – في أطر العقيدة (الأيديولوجيا). 
  أولا: العقلانية والأيديولوجيا (العقيدة): إذا كان من الممكن رصد أطر حضارية مختلفة لأيديولوجيات الطبقات السائدة في مختلف أنحاء المعمورة، إلا أنه يصعب أنْ يقال نفس الشيء عن العقلانية. يمكن القول بوجود عقلانية دنيوية و أخرى إسلامية – كما فعل عادل حسين – بشرط واحد، هو تسطيح مفهوم العقلانية. يمكن ارتكاب هذا الخطأ إذا ما اعتبرنا العقلانية عبارة عن القدرة على استخدام مجموعة من أدوات البحث العقلية والمادية للتوصل إلى مجموعة من النتائج في أفرع المعرفة المختلفة. بهذا المعنى السطحي وحده لا تعارض مطلق بين العقلانية وبين أيِّ عقيدة24. وفي نظرنا، العقلانية هيَ في حقيقتها موقف فلسفي من العالم، يقوم على أساس أنَّ العالم مدرك أو قابل للإدراك والمعرفة الصحيحة، أيْ أنَّ المعرفة موضوعية – عكس منطق عادل حسين الذاتي – وليس من اختراع الذهن البشري، ومن ثم يكون المفهوم الذي يكونه الإنسان عن العالم منشقا من وجود حقيقي قائم لهذا العالم. ولا ننكر أنَّ المدارس الفلسفية ونظريات المعرفة التي يمكن إدراجها ضمن هذا التعريف عديدة ومتنوعة، وعلى أيِّ حال تعتبر العقلانية أنَّ المعرفة قابلية موجودة في الذهن البشري العام، ولا تختلف باختلاف الحضارات أو غيرها من التقسيمات الممكنة للمجتمعات البشرية. 
  ومنذ أنْ نشأ الإنسان الحديث Homo Sapiens على سطح الأرض، وهو يمارس حياته على أسس عقلانية، لأنَّ العالم معقول ولأنَّ البشر لا يستطيعون أنْ يفعلوا فيه إلا بوصفه كذلك، فالعقلانية موقف "طبيعي" للإنسان، إنْ جاز التعبير. وينسحب ذلك بالطبع  على المجتمعات البشرية على امتدادها في الزمان والمكان. أما الأيديولوجيا فهيَ بناء فكري – غير متجانس غالبا – يقوم على مجموعة من المسلمات غير المبررة، ويتسم بالجمود، لهذا تستدعي حركة المجتمع في التاريخ إعادة تفسيرها بشكل مستمر بحيث تواكب هذه الحركة. والحق أنَّ هذا الأمر هو منشأ تناقضات الأيديولوجيا، التي تضطر دائما لتقديم التنازل تلو الآخر أمام الحركة الجبارة للتاريخ. ومن ثم نقول إنَّ هناك دائما درجة من التعارض، قد تصل إلى حد التناقض، بين الأيديولوجيا والحركة العقلانية للتاريخ – أيْ قوانينه الموضوعية. ويمكن عادة – في حدود استمرار سيادة نفس نمط الإنتاج – أيْ قوانينه الموضوعية  أنْ يحل التعارض بإعادة تفسير الأيديولوجيا، والتحايل على نصوصها – إذا كانت تستند إلى نص مقدس. ويقدم لنا تاريخ الإسلام في العصر الوسيط مثالا على هذا، من خلال نشوء الفرق (الأحزاب) المختلفة، الشيعية والخارجية بأفرعها المختلفة،  بحيث عبرت عن الصراعات الاجتماعية الدائرة في شكل مجابهات فكرية وعسكرية (بين من يعتبرون دينيا إخوة في الإسلام)، فضلا عن الحركات والأفكار المهدوية والصوفية. 
  والنصوص الدينية المقدسة بطبيعتها تشكل أصعب العوائق أمام مطلب الحركة التاريخية الملح بإعادة تشكيل الأيديولوجيا. واذا كانت الأيديولوجيا عموما تفرض قناعا مضللا على الحركة الفعلية للمجتمع وتعوقها، فإنَّ النصوص المقدسة هيَ أصلب جزء في هذا القناع. ولعل في تاريخنا الإسلامي ما يؤكد صدق هذه المقولة. في العصر العباسي حدثت نهضة تجارية ضخمة، الأمر الذي استوجب إدخال – أو انتشار بالأصح – نظام الإقراض بالفائدة، وهيَ أمر محرم بنص قرآني صريح، فابتدع الفقهاء طرقا معقدة لتحقيق شرعية الإقراض بفائدة بحيث لا يأخذ شكل الربا مباشرة25
  وليست العقلانية كذلك؛ إنها لا تسعى لصب المجتمع ومصالحه المتناقضة في قالب محدد سلفا يفترض أنه قالب منسجم – على عكس الحقيقة. إنه مرة  أخرى الفرق بين الموضوعية والذاتية في المعرفة. إنَّ العقلانية تستند إلى أرض الواقع نفسه، ولا تفرض عليه قوانين من خارجه، ويفترض منهجها الموضوعي أنَّ الخلافات بين مدارسها يمكن أنْ تحل في إطار الاستناد للعملية التاريخية الواقعية. تنتقد المدارس العقلانية بعضها البعض من حيث أغفلت هذا الجانب أو ذاك من جوانب حركة الواقع، أو أنها لم تتنبه لكل دلالاته العميقة. أما المدارس الأيديولوجية – الدينية فلا ترى في الخارجين عليها سوى مارقين على الدين أو أنهم – في أفضل الأحوال – أغفلوا هذا النص أو ذاك لينتهي الأمر بحوار طرشان بين حملة نصوص –يعبر ولا شك عن اتجاهات متعارضة في حركة الواقع ولكن دون أنْ يأتي بجديد أو يقدر أنْ يطور نفسه. 
  الأمر الأخير الذي نود الإشارة إليه بخصوص العلاقة بين الأيديولوجيا الدينية والعقلانية أنَّ الأولى – كإطار للحضارة – ليست قابلة لتجاوز نفسها بالكامل في جميع الأحوال. فنواتها الصلبة من النصوص لا يمكن تحويرها عبر التاريخ، ويمكن أنْ تأتي لحظة يصبح فيها وجودها نفسه كنص مقدس أمرا متعارضا مع الحركة التاريخية وظروفها، وهذا ينقلنا للنقطة التالية. 
  ثانيا: الأيديولوجيا والثورة الصناعية: انتقد عادل حسين – ومعه بعض الحق – الربط المطلق بين الثورة الصناعية والثورة البورجوازية26. ولكن السؤال الذي نطرحه هو هل ترتبط الفلسفة العقلانية- العلمانية في رأينا – بالثورة الصناعية أم بالثورة البورجوازية؟ أهيَ منتج ذو صفة عالمية أم أنها مجرد منتوج دنيوي غربي ناشئ عن الظروف الأوروبية الخاصة؟
  ماذا تعني الثورة الصناعية؟ إنها تعني ضمن ما تعني – وهو الأمر الذي يخصنا في هذا المقام – تطبيق العلم على الإنتاج ؛ العلوم الطبيعية. لقد أرست العلوم الطبيعية منهجا معينا في المعرفة، يمكن أنْ نقول عليه بصفة عامة أنه منهج استقرائي. ولا شك أنَّ اكتشاف وتطبيق المنهج الاستقرائي أقدم من الثورة الصناعية بقرون. ولكن الثورة الصناعية اقترنت بمنهج استقرائي ذي خصائص بعينها: رفض المسلمات المتوارثة والتعامل مع الطبيعة على أنها مجموعة من الظواهر القابلة للمعرفة، أيْ أنها موضوع للمعرفة الإنسانية. واستخدام هذا العلم في شئون الإنتاج يعمق مفهوم الطبيعة كموضوع، لأنَّ البحث العلمي يصبح موجها بصفة أساسية لغرض إنساني مادي محدد هو الانتفاع بالطبيعة، فأينشتين لم يسهم في اكتشاف الطاقة الذرية بهدف التأمل في إعجاز الخلق – رغم إشاراته المشهورة إلى هندسة الكون – وإنما لأهمية موضوع الطاقة ومصادرها في ظروف عالمه. والمجتمع الذي يحقق ثورات تكنولوجية تصنيعية يشكل بالضرورة فكر أعضائه على نفس النمط العلمي فيصبح التفكير العلمي ظاهرة اجتماعية يمارسها البشر في شئون حياتهم اليومية. 
  من هنا تأتي ضرورة العلمانية كظاهرة فكرية مصاحبة للثورة التكنولوجية (الصناعية). وليس صدفة أنَّ انتصار العلمانية واكب كل ثورة في التاريخ الحديث استهدفت تصنيع الإنتاج الاجتماعي. لقد تغلغلت العلمانية، ليس في أوروبا الغربية والشرقية وروسيا السوفيتية فحسب، وإنما أيضا في الصين وفيتنام وكوبا. إنَّ كل تجارب التنمية المستقلة في عالمنا تدل على ارتباط العلمانية بالثورة الصناعية وليس الثورة البورجوازية. ولكن "الفكر العربي الجديد" له منطق آخر، منطق محاكمة التاريخ من منطق تعاليمه الخاصة به.. لذلك نجد الأستاذ عادل حسين يلوم ماو على تبنيه الماركسية – ومعلوم مدى ارتباطها بالعلمانية – كأيديولوجيا في كفاحه من أجل تحقيق استقلال الصين (ص 33)، ويبدو أنَّه يرى أنه كان يجب على ماو أنْ يتبنى الكونفوشيوسية! فعلى ماو أنْ يعتذر لمحكمة المنطق الذاتي الحضاري!!
  يعترف عادل حسين بعلمية العلوم الطبيعية. ولكن هذه العلوم لم تكن لتحقق ما حققته لولا وجودها في إطار فكري عقلاني علماني. إنَّ العلمانية لا تفصل الدين عن الدولة والتعليم العام فحسب، وإنما تفصله أيضا عن حركة العلم والمعرفة. وكما أنه لا يمكن تصور انتصار فكرة جاليليو عن المجموعة الشمسية في الغرب دون العلمانية، لا يمكن بالمثل تصور انتصار فكرة داروين عن أصل الأنواع في بلادنا بدونها27. هل يعتقد عادل حسين أنَّ توقف الإبداع في العلوم الاجتماعية لدينا في عصرنا هذا راجع فقط إلى التبعية للإمبريالية؟ أليس تأثر البحث العلمي بالتراث المتجمد السابق، له دور هام في هذا الصدد (دون إغفال العوامل الاجتماعية)؟ بل أليست دعوة الأستاذ عادل حسين نفسها إلى بحث المتغيرات الخاصة بواقعنا في إطار العقيدة الإسلامية وحصر الخلاف بين المدارس المختلفة بصدد منهج التجدد الذاتي في نفس الإطار، تشكل دعوة غير عقلانية بقدر ما هيَ غير علمانية؟
  إننا نقول للاستاذ عادل حسين إنَّ منهج التجدد الذاتي يعني دائما – ضمن ما يعني – تثوير البنية الإنتاجية للمجتمع وتطويرها، كشرط أولي لتحقيق الاستقلال عن الإمبريالية.. أيْ يعني ثورة أو ثورات صناعية. ومن ثم – بناء على المناقشات السابقة –  يعني العلمانية ضمن ما يعني. نقول أيضا إنَّ العقلانية لا تنفصل عن العلمانية – كمنهج – ومن ثم يصعب القول بأن العلمانية معادية لنا بالكامل باعتبارها من أصل غربي.. ولكن هذا أمر آخر، نتعرض له في الفصل التالي. 
  إننا لا ننكر وجود أزمة نظرية عالمية، ولا ننكر أنَّ الكثير – بل أغلب – المدارس الفكرية الغربية والشرقية هيَ مجرد أيديوليوجيات وليست علوما، إلا أننا نعتقد بناء على تحليلنا السابق بإمكانية وجود علوم اجتماعية عالمية. ولا يعني هذا أنه يمكن وضع نظرية نسقية كاملة عن التاريخ البشري، ولكن يمكن وضع بنية مفاهيم عريضة للغاية ودقيقة في نفس الوقت تكون مرجعا نظريا شاملا للحركة التاريخية للمجتمعات. وهذا الأمر هو ما سبق وأن قبله الأستاذ عادل حسين نفسه بتحفظ كبير (ص 15)، وعاد ينكره ضمنا عدة مرات. ونعتقد بأن هذه البنية المفهومية العلمية قد ُوضع بالفعل حجر الزاوية فيها بواسطة كارل ماركس أساسا، انطلاقا من الإنجازات العظيمة لمدارس سابقة، وخصوصا الهيجلية والاشتراكية الفرنسية. ومن البديهيَ أنه ليس ذنب ماركس وليس ذنب هذه البنية المفهومية أنها قد تشوهت إلى حد كبير على أيدي مفكري اليسار الرسمي والماركسيين المبتذلين. وهذا ينقلنا لمناقشة السؤال: هل الماركسية علم؟ وما الذي تقدمه للعلوم الاجتماعية؟
  لقد قدم ماركس إسهامات عديدة وقيمة في مختلف مسائل العلوم الإنسانية، ولكن ربما توجز عبارته التي ذكرها في مقدمة كتابه "نقد الاقتصاد السياسي" النتائج العامة الأساسية التي توصل لها. تنص هذه العبارة على أنَّ الناس يدخلون في إنتاجهم الاجتماعي في علاقات اجتماعية معينة وضرورية ومستقلة عن إرادتهم، تناسب درجة تطور قواهم المنتجة، وأن علاقات الإنتاج تحكم علاقات التبادل والتوزيع والاستهلاك، وفوقها جميعا يبرز بناء فوقي كامل من العقائد والأوهام، من قوانين وأعراف ونظم سياسية … إلخ. استنادا إلى هذا التصور للمجتمع البشري في حركة التاريخية نقدنا عادل حسين، وفي أماكن متفرقة من هذا النقد أعدنا البرهنة على صحة هذا التحليل. 
  هذه هيَ ماركسية ماركس، ولكن هل الماركسية المعاصرة ملتزمة بهذا الوضوح النظري؟ وإلى أيِّ حد ابتعدت عن أسسها العلمية للتحول إلى عقيدة جامدة (أيديولوجية) تستند إليها فرق متصارعة بشكل غير عقلاني؟ ليس بإمكاننا هنا أنْ نقدم تحليلا كاملا للماركسية المعاصرة، ولكن يمكن القول أنَّ المتغيرات العالمية على مدى هذا القرن أدت إلى فقدان الماركسية لطابعها الثوري عند كثير من معتنقيها، الأمر الذي أدى بهؤلاء إلى تبرير تحول مواقفهم الاجتماعية استنادا إلى الماركسية بشكل دوجمائي. وكانت أول هذه التحولات نشوء الأرستقراطية العمالية في أوروبا وتبني أحزاب الأممية الثانية التي ما زالت قائمة حتى الآن لفكر إصلاحي ديمقراطي بورجوازي باسم الماركسية، ثم أتى نجاح ستالين في تولي قيادة الدولة السوفيتية الناشئة – وما يعنيه هذا النجاح من تبلور الطبيعة الاجتماعية غير الاشتراكية للنظام هناك – ثم هيمنة هذه الدولة على الأممية، إلخ، ليؤدي إلى تحوير وظيفة الماركسية إلى تبرير ما نتج عن هذه التحولات من ممارسات غير برليتارية وغير أممية، مثل ممارسات الدولة السوفيتية القائمة على مصالح وطنية. هكذا أيضا كان الأمر في الصين بعد نجاح الثورة. كانت التيجة النهائية هيَ نمو أيديولوجيا ماركسية رجعية تعبر عنها الشيوعية الأوروبية والأنظمة البيروقراطية والأحزاب الشيوعية التقليدية في مختلف البلدان. 
  ولكن هل معنى هذا أنَّ الماركسية فقدت قيمتها نهائيا كنظرية ثورية؟ إننا ندفع بأن هذا غير صحيح، لأنَّ المنجزات العلمية للماركسية ما زالت هيَ أهم وأخطر أساس نظري لإجراء التحولات الثورية في العالم. والانحراف المرصود عن أسس هذه النظرية إنما يعبر عن ظروف دولية واجتماعية معينة تقلل من حدة الصراع الاجتماعي في مناطق بعينها في العالم، وبالتالي تقلل من وزن ودور حملة مشعل الماركسية الثورية. ما زال للماركسية دور خطير لتلعبه في صراع الكادحين من أجل تغيير العالم، لأنها – في نهاية المطاف – النظرية الوحيدة التي أعطت لدور الصراع الاجتماعي في تغيير العالم أهميته المحورية اللائقة به. ولكن مازال على الماركسية أنْ تطور نفسها إزاء التطورات العالمية الجارية، ما زال عليها أنْ توصل افكارها النظرية بصدد المشكلات المستحدثة وأهمها ظاهرة البلدان "الاشتراكية" وظاهرة التخلف. ولن يتأتى هذا إلا بمعاناة نظرية في استكشاف وتحليل الواقع العيني والتعامل مع نظرياته وأفكاره في هذه البلدان، الأمر الذي سيقوم به حتما المثقفون الراديكاليون وهم يواجهون مشكلات واقعهم. خاصة القول أنَّ النظرية الماركسية ما زالت هيَ المرشحة لأنَّ تكون حجر الزاوية لأيِّ نظرية ثورية في عصرنا. 
  أما بالنسبة للانتقاد الأساسي الذي وجهه الأستاذ عادل حسين للنظرية الماركسية فهو قيام الثورة الاشتراكية في بلدان متخلفة. وهو يعتقد بأن هذا الأمر يعبر عن خلل خطير في نظرية ماركس. ونحن نوافقه مبدئيا على فكرة أنَّ نظرية ماركس تتضمن بالضرورة حتمية حدوث الاشتراكية في البلدان الرأسمالية المتقدمة. ولكن كان على كاتبنا أنْ يكون أكثر "عقلانية" فلا يستند إلى المسلمة القائلة بقيام ثورات اشتراكية في بلدان متخلفة – وهو الذي دعا في البداية إلى نبذ المسلمات، وهو الذي شكك في مواضع عديدة في "اشتراكية" هذه البلدان – فمن الذي قال إنَّ هذه ثورات اشتراكية أصلا؟ إنه الفكر الماركسي الرسمي.. الماركسية الرثة. هل تضمنت النظرية الماركسية هذه الطبعة من الاشتراكية المزعومة؟ كلا. ونحن نعتقد بأن النظم الاشتراكية" الحالية ليست في الحقيقة سوى تشكيلات اقتصادية – اجتماعية طبقية (أو بمعنى اصح مراتبية) بيروقراطية، وهيَ أمر لم تطرحه أبدا الماركسية الرثة ولكن البنية المفهومية التي أشرنا إليها منذ قليل يمكن أنْ تتضمنه. وسوف نعود إلى هذه المسألة فيما بعد.
    
  3- أصراع حضاري أم صراع أمم وحضارات؟
  أصراع أيديوليوجيات طبقية أم حضارية؟
  يعرف القارئ أنَّ الأستاذ عادل حسين يدافع عن الفكرة الأخيرة؛ أيْ صراع أمم وحضارات، وبالتالي – على مستوى الفكر – صراع أيديوليوجيات حضارية. وقد سبق أنْ أوضحنا أنه عجزعن تأصيل فكرته نظريا، مكتفيا بالإشارة إلى الأمة والحضارة كظاهرة ملموسة وكفى. ولسنا الآن بصدد كشف أخطاء الأستاذ عادل حسين المنهجية وإنما بصدد مناقشة عينية تفصيلية للثنائية التي يشير إليها ويرتكز عليها: ثنائية الحضارة والأيديولوجيا الإسلامية مقابل الحضارة والأيديولوجيا الدنيوية. 
  وقبل أنْ نناقش كيف لوى الأستاذ عادل حسين عنق العلمانية والإسلام لتبرير مشروعه الحضاري، يهمنا هنا التقدم بملاحظة معينة حول علاقة القومية بالأيديولوجيا. فعادل حسين يربط بسهولة – أو قل باستسهال – بين الحضارة الإسلامية والقومية العربية، هكذا ربط الأمور بشكل مطلق دون تمحيص. وكان أدعى للاتساق مع نظريته أنْ يتبنى مشروع الجامعة الإسلامية القديم، فيدخل ضمن مشروعه للتوحيد المنطقة الممتدة من جزر المحيط الهادي التي يدين سكانها بالإسلام إلى المحيط الأطلسي. إنَّ الأيديولوجيا التي يتبناها عادل حسين تتسق مع فكرة الجامعة الإسلامية ولكنها لا تتسق مع فكرة القومية العربية، لأنَّ الإسلام ببساطة لا يعترف بالقومية، ولا يعترف بالتالي بحق تقرير المصير للقوميات التي تدين بالإسلام. إنَّ العلمانية هيَ التي قدمت تاريخيا – وهيَ كفكرة تقدم – الأساس النظري لفكرة القومية، فيمكن أنْ تتقبل فكرة العلمانية أنْ تنشأ دولة فرنسية و أخرى ألمانية … إلخ، على أساس التمايز القومي رغم أنها جميعا تدين “بالدنيوية" كما يسميها الأستاذ عادل حسين. ولا نجد تفسيرا لعدم اتساق المؤلف هنا سوى المنافع التي يتوقع الحصول عليها من نشر الفكرة الإسلامية، كما ناقشنا سابقا. 
  ننتقل الآن لمناقشة موضوع العقيدة الدنيوية التي يرفضها عادل حسين. ويهمنا أولا أنْ نناقش اعتراضاته على المفهوم "الدنيوي" لعلاقة الإنسان بالطبيعة ونظرية القيمة – العمل، نظرا لأهمية هذه المفاهيم – في رأينا – كأسس لفهم التاريخ فهما موضوعيا، ثم ننتقل بعد ذلك لكشف أبعاد الصراع الاجتماعي داخل الأيديولوجيا الدنيوية لنرى ما إذا كانت معادية لنا بكل مدارسها أم لا، وما إذا كانت الأيديولوجيا تقوم على أسس طبقية أم حضارية. كذلك سنناقش الإنجازات الايجابية للفكر الغربي ثم نختم بتبيان أخطاء عادل حسين المنهجية في نقده للدنيوية. 
  هل تحديد العلاقة بين الإنسان والطبيعة بأنها علاقة صراع أو سيطرة من جانب الإنسان على الطبيعة مجرد فكرة غربية أم هو اكتشاف علمي؟ إننا ندعي أنه اكتشاف علمي. فالثابت تاريخيا أنَّ البشر على اختلاف حضارتهم سعوا دائما لتطوير قواهم الإنتاجية، وأنَّ نهوض المجتمع ورخاءه، ارتبط دائما بتسارع هذا التطوير، على عكس فترات الركود والانحطاط التي تميزت بتباطؤ أو توقف أو تراجع تطور قوى الإنتاج. وقد سبق أنْ ناقشنا قبل ذلك كيف أنَّ السيطرة على الطبيعة كانت دائما الهدف الأول للمجتمعات البشرية. 
  ولكن الأستاذ عادل حسين يرى أمرا غربيا هو أنَّ علاقة الإنسان بالبيئة (الطبيعة) يمكن أنْ تكون علاقة تعاون وتناغم – شرط سيطرة الأيديولوجيا الإسلامية! وليسمح لنا المؤلف أنْ نتساءل عن أساس هذا التعاون والتناغم.. عن ماهية "الأهداف المشتركة" بين الإنسان والطبيعة!! واذا كان السيد عادل حسين سيتكفل – من جانبه – بتغيير نظرة الإنسان للطبيعة بفضل العقيدة الإسلامية، فهل يسمح سيادته بأنْ يذكر لنا ماهية نظرة الطبيعة للإنسان!!! فبدون هذا الأمر الأخير لن نضمن أنْ "تتفاعل" الطبيعة وتتناغم بدورها مع الإنسان، الذي سيقع في هذه الحالة فريسة لحب من طرف واحد!! غنى عن البيان أنَّ علاقة أيِّ ذات بموضوعها هيَ علاقة امتلاك أو استحواذ!!، والسبيل الوحيد لنفي استحواذ الإنسان على الطبيعة أنْ تكون الطبيعة ذاتا والحال أنَّ هذا غير وارد. لقد كان استحواذ الإنسان "كمجتمع" على الطبيعة هو الشرط الأول دائما لوجوده. وحتى حين كان الإنسان يعيش متجولا غير مستقراَ كان يستحوذ على الطبيعة استحواذا مؤقتا. ولكي يرتقي الإنسان ماديا وروحيا، كان عليه أنْ يغير الطبيعة، أنْ يزيد من طرق وفاعلية استخدامه لها. وحتى حين كان الإنسان البدائي يقدس الطبيعة أو بعض مظاهرها، لم يمنعه هذا من "الاعتداء" عليها، فيستأنس النبات والحيوان لينتج منهما كميات محددة متجانسة من أنواع بعينها ولا يظل أسيرا لعلاقة "التعاون والتناغم". وليس غزو الفضاء سوى خطوة إضافية في مسيرة الإنسان لإخضاع الطبيعة أكثر فاكثر لأغراضه البشرية المحضة. 
  هل هو صحيح ما يدعيه الأستاذ عادل حسين من أنَّ تخريب البيئة نتاج للأيديولوجيا الدنيوية إياها؟ كلا بالطبع؛ إنَّ تخريب البيئة يمكن أنْ يكون عرضا جانبيا لفعل الإنسان في الطبيعة، وهو أمر حدث في كل العصور ولا يرتبط بالضرورة بأيِّ أيديولوجيا بعينها. فالإنسان قبل أنْ يمارس الزراعة كان يعيش على الجمع والصيد، وحين كان عدد السكان يزيد كان الضغط على الموارد التي تقدمها الطبيعة تلقائيا يزداد بدوره، الأمر الذي كان يترتب عليه تخريب البيئة، مما كان يدفع الإنسان القديم إلى الرحيل إلى مناطق بكر  أخرى لم ُتستنزف بعد. إنَّ مسيرة الإنسان العلمية تعمل – على العكس – على ترشيد استخدامه للطبيعة. وفي ظل الأيديولوجيا الدنيوية يبحث العلماء، تساندهم الحكومات في الغرب، عن طرق لمكافحة التلوث الذي تمخضت عنه الثورات الصناعية، وتنفق هذه الحكومات المليارات على الأبحاث والمشاريع المخصصة لهذا الغرض، فهل هيَ تفعل هذا ياترى  – في إطار مشروع للتخلي عن الأيديولوجيا إياها؟!
  هناك أيضا جانب اجتماعي فيما يخص موضوع تلوث البيئة. ويتصل هذا الجانب بمسألة قابلة للبحث، وهيَ هل ينفق الغرب المبالغ اللازمة للتخلص من تلوث البيئة؟ ولماذا بيئته الخاصة بينما يصدر الصناعات الملوثة للبيئة إلى البلدان المتخلفة؟ في رأينا أنه لا علاقة للأيديولوجيا الدنيوية بهذا السلوك، وإنما هو مسألة مترتبة على طبيعة النظام الاقتصادي –  الاجتماعي الرأسمالي الذي يجري هذا التخريب في ظله؛ إنه امتداد لدور الرأسمالية التخريبي لأرواح وأجساد العمال في بلادها وسكان العالم المستعمر وشبه المستعمر، والذي ميز مسيرتها التاريخية. خلاصة القول إنَّ تخريب البيئة والحفاظ عليها باعتبارها شرطا جوهريا لعملية إعادة إنتاج الحياة على كوكبنا ترتبط أشد الارتباط إيجابا بالتقدم العلمي، وسلبا أو إيجابا بالصراع الاجتماعي في العالم. وليس بخاف على الأستاذ عادل حسين الأثر الذي أحدثته الحركات الشعبية المضادة لتخريب البيئة في الغرب في هذا المجال. 
  والأغرب من كل ذلك ربط فكرة "التعاون مع الطبيعة" بالإسلام تحديدا. ولعله كان من الأنسب ربطها بالديانة البراهمية (في الهند) مثلا. فهناك في القران آيات عديدة تتحدث تحديدا عن تسخير الطبيعة للإنسان، كالشمس والقمر والريح وغيرها. وفي التطبيق – إنْ جاز التعبير – شهدت فترات انحطاط الدول الإسلامية إهمال نظم الري في مصر وبلاد الرافدين وانتشار المجاعات والأوبئة بسبب ترافق ذلك مع نهب رهيب مفزع للأهالي. وعلى سبيل المثال هلك نحو ثلاثة أرباع سكان مصر بسبب المجاعات والأوبئة في عهد المماليك والعثمانيين دونما حاجة لأيِّ أيديولوجيا دنيوية. ثم أليس مشروع السيد عادل حسين نفسه يهدف لتطوير قوى الإنتاج، أيْ تقدم سيطرة الإنسان العربي على الطبيعة؟ لسنا ندري والله ماذا نقول، فليس معقولا أنَّ هذه البديهيات غائبة عن أذهان اولئك القوم المثقفين، فهل نسوها أم تناسوها؟ 
  كذلك يرفض الأستاذ عادل حسين مفهوم القيمة – العمل، لأسباب أهمها أنه نتاج للأيديولوجيا الدنيوية، ثم يتبنى مفهوم ابن خلدون الذي يحدد القيمة بما يقدمه العمل الاجتماعي والطبيعة معا – على حد تعبيره. وهو يتبناه أيضا لأسباب أهمها أنه يعكس مفاهيم العقيدة الإسلامية، كما يراها من وجهة نظره. 
  ماذا يقول ماركس في نظرية القيمة؟ إنَّه يقول ببساطة إنَّ العمل الاجتماعي المجرد هو معيار القيمة التبادلية، وأن معيار القيمة الاستعمالية هو العمل العيني، ولا نجد أنفسنا بحاجة لإعادة إثبات صحة هذه النظرية، فيمكن للأستاذ عادل حسين أو من يشاء من القراء الرجوع إلى الفصل الأول من الجزء الأول من "رأس المال". على أنَّ الكاتب يتهم النظرية أيضا بأنها خاطئة – دون أنْ يوضح أسباب الاتهام. وعادة ما يقال عن نظرية القيمة – العمل أنها خاطئة لأنها " لا تنطبق على الواقع"، فالأرض الزراعية أو أرض البناء – مثلا – لها ثمن رغم أنها ليس لها قيمة طبقا للنظرية، وغير ذلك من الأمثلة كثير. وقد أوضح ماركس في أجزاء كتابه الثلاثة رده على هذه الانتقادات. ولكننا يهمنا هنا أنْ نوضح أمرا منهجيا معينا، وهو الفارق بين مفهوم الظاهرة وتعريفها التوصيفي. إذا قارنا بين نظرية القيمة – العمل ونظرية القيمة – المنفعة والندرة نجد أنَّ الأخيرة أكثر انطباقا على الواقع من حيث الشكل المباشر. فمن الصحيح تماما أنه لا توجد سلعة ذات ثمن ليست لها منفعة ما بالنسبة لعدد ما من البشر في ظروف السوق المعينة، وتكون في نفس الوقت سلعة نادرة. بالمقابل، أيُّ شيء لا يخضع لهذين الشرطين لا يمكن أنْ يصبح سلعة فنظرية المنفعة تقدم إذن صيغة وصفية أفضل فيما يبدو.. ولكن هل معنى هذا أنها تقدم مفهوما صحيحا للقيمة؟ كلا. إنما هيَ نظرية القيمة – العمل التي تقدم لنا مثل هذا المفهوم، لأنها تفسر لنا حركة القيمة وتتيح معرفة كلية بها، قائمة على معرفة قوانين حركتها القائمة على التناقض بين القيمة الاستعمالية والتبادلية، وعلى هذا الأساس توضح لنا – مثلا – لماذا تنخفض قيمة السلعة مع إدخال التحسين التكنولوجي في صناعتها رغم ثبات منفعتها الحدية. ويمكنها – بتوسطات معينة – أنْ تشرح لنا تطور حدود التبادل بين سلع مختلفة تشبع حاجات مختلفة تماما للإنسان، فضلا عن إيضاحها ظواهر معينة من قبيل النقود والأزمات الدورية في النظام الرأسمالي … إلخ. أما الصيغة الوصفية فلا يمكنها إلا أنْ تتابع الواقع على أسس تجريبية دون أنْ تنجح أبدا في تحديد البواعث الحقيقية لحركة القيمة. وعموما، يمكن للقارئ أنْ يجد أفضل دفاع فلسفي عن حقيقية المفهوم وعينيته في كتاب علم المنطق لهيجل أو في شروحاته المختلفة. 
  والواقع أنَّ المفهوم البديل الذي يطرحه الأستاذ عادل حسين للقيمة تدافع عنه مدرسة  أخرى تنتمي بدورها إلى "الدنيوية" إياها، وهيَ المدرسة النيوكلاسيكية، التي ترفع لواء فكرة المنفعة الحدية لعوامل الإنتاج وهيَ الأرض والعمل ورأس المال، كما أنه يتفق تماما مع الانتقاد الذي أورده كولاكوفسكي، الفيلسوف الماركسي البولندي "التائب"28  بعد هجرته إلى الغرب، ذكر فيه أنه لا يفهم لماذا ُيعتبر عمل الإنسان خالقا للقيمة بيما لا ُيعتبر كذلك عمل الحمار الذي يصاحب الفلاح في الحقل مثلا (أيْ الطبيعة). ووجه الاتفاق أنَّ الاعتراضين يشتركان في رفض اعتبار مفهوم القيمة مفهوما اجتماعيا فحسب. ونحن نرد على التساؤل بتساؤل آخر: إذا كان الحمار ينتج قيمة فلماذا لا يشترك في عملية التوزيع والتبادل والاستهلاك كطرف مستقل؟ هل هذا بسبب خضوعه "لاضطهاد" من جانب الإنسان؟ هل لأنه طبقة مستغَلة؟ ربما أوضح هذا التساؤل لعادل حسين النتائج التي تترتب بالضرورة على رفض الإقرار بأن مفهوم القيمة مفهوما اجتماعيا فحسب. أما إذا ما اقر صاحبنا بأنه مفهوم اجتماعي، فلن يجد سوى معيارا واحدا للقيمة هو العمل الاجتماعي، الأمر الذي سيجره إلى الإقرار بصحة مفهوم ماركس للقيمة التبادلية والاستعمالية. 
  وأخيرا نوجه هذا السؤال أو التساؤل إلى الأستاذ عادل حسين: هل يمكن أنْ تتم عملية التبادل في السوق خارج إطار قانون القيمة – العمل؟ ليست المسألة في نظرنا مسألة اختيار تفضيلي بين هذا القانون أو ذاك، وإنما تقوم عملية التبادل نفسها بوضع قانونها الخاص، وهيَ عملية "دنيوية" بحتة – إنْ صح التعبير – لأنها عملية تبادل منافع مادية، أيْ عملية بيع وشراء، ولهذا بالذات اختارت قانونها الذي يعتبره عادل حسين قانونا دنيويا. والأمر قد يختلف إذا ما تمت عملية التبادل لا على أساس المنفعة وإنما على أساس التعاون الإنساني، وفي هذه الحالة يكف التبادل عن أنْ يكون تبادلا سلعيا ويصير مجرد عملية توزيع اجتماعي للإنتاج، وهو الأمر الذي تبنته النظريات والحركات الشيوعية، ولا يتحقق إلا في مجتمع اشتراكي (يظل مع ذلك "دنيويا" أيضا!). 
  والواقع أنَّ الأستاذ عادل حسين كان منساقا للدفاع عن هذه المفاهيم الغربية لحاجته الشديدة إلى إدراج الماركسية ضمن الفلسفة الغربية الدنيوية المعادية لنا – في رأيه- ليفسح الطريق أمام العقيدة الإسلامية. لقد كان عليه أنْ يغفل تماما، بل أنْ يهدم بُعد الصراع الطبقي الداخلي في الغرب كما انعكس في أيديولوجياته المختلفة، وكان لابد للماركسية أنْ تُحشر حشرا في سلة واحدة مع أشد النظريات الغربية رجعية. ولكن الكاتب تناسى في لهفته أشياء كثيرة، وأركبته أهدافه الفكرية الموضوعة سلفا متن الشطط – والجموح، فدفعته رغبة حارقة لا سيطرة له عليها إلى تقرير مقولة خطيرة لا يوردها إلا من يستمد معلوماته عن الماركسية عن الكراسات المبسطة والكتب الدعائية، فقرر ببساطة شديدة أنَّ مفهوم القيمة التبادلية هو أساس نموذج ماركس الاقتصادي للرأسمالية! كذا!! يمكن للسيد عادل حسين أنْ يطالع – لا نقل كتاب  رأس المال كله – وإنما الفصل الأول منه، حيث يجد عرضا رائعا لتطور التبادل ومراحل انفصال القيمة التبادلية عن القيمة الاستعمالية حتى يصل إلى حد الانفصال والتناقض الكامل بينهما مع الوصول إلى مرحلة التبادل السلعي المعمم، إلى مرحلة الرأسمالية. هذا التناقض بين القيمة الاستعمالية والتبادلية، هو الأساس الحقيقي لتحليل ماركس للرأسمالية وتناقضاتها. ولا يفوت ماركس أنْ يختتم الفصل بإيضاح نتيجة هذا التناقض، أيْ التشيؤ السلعي والاغتراب الإنساني في المجتمع الرأسمالي. يصعب حقا أنْ يجد "الإنسان الاقتصادي" الذي يعتبره المؤلف المفهوم المحوري الكامن خلف الفكر الاقتصادي الغربي. إنَّ ماركس، مثل كل المفكرين الشيوعيين، بشر بمجتمع لا مجال فيه للقيمة التبادلية، لا مجال فيه إطلاقا لهذا التشيؤ السلعي، لا مجال فيه بالتالي "للإنسان الاقتصادي". إنَّ الثورة الاشتراكية التي بشر بها ماركس ستفجر التناقض بين القيمة الاستعمالية والتبادلية، ثم تلغيه تماما في المجتمع الشيوعي، بالإجهاز على الأخيرة29
  كان لابد لـ"لفكر العربي الجديد" من أنْ يشوه الماركسية؛ ماركسية ماركس، حتى لا يواجه الحقيقة: إنَّ مفهوم الإنسان الاقتصادي أو المجتمع الاستهلاكي يمتد بجذوره الحقيقية إلى مرحلة انحطاط نمط الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي السيادة البورجوازية الاحتكارية وأيديولوجيتها السلعية المجردة، وليس إلى أيديولوجيا دنيوية مجردة فوق طبقية وفوق تاريخيه30، وفاقدة لكل تأصيل علمي. 
  على أنَّ أخطر النتائج المترتبة على إهمال البعد الاجتماعي في رصد ظاهرة "الإنسان الاقتصادي" أنها – أيْ الفكرة – تؤدي بالضرورة إلى إغفال أثر تغلغل الرأسمالية والعلاقات السلعية في إطار التبعية على ظهور واتساع نفس الظاهرة في بلادنا، لصالح التصور القائل بالتبعية الحضارية، وبالتالي إغفال أهمية القضاء على نمط الإنتاج الرأسمالي والعلاقات السلعية في بلادنا العربية في مشروع التحرر القومي. 
  ثم يقفز بنا الأستاذ عادل حسين – للتدليل على صحة تصوراته الحضارية – إلى الحديث عن محاولات التوفيق بين الماركسية والوظيفية ودخول الشيوعيين الحكومة الفرنسية. هذا في رأيه مجرد ظواهر، لا يستنتج منها سوى ميل “فصائل" العقيدة الدنيوية للتجانس والتوحد في أطر نظرية وعملية. ليست هناك أيُّ إشارة إلى متغيرات أحوال الصراع الطبقي في أوروبا، باعتبارها الأساس الموضوعي لهذه الظواهر، ولا اهتمام بإمكان حدوث هذا التأليف النظري دون القضاء على جوهر النظرية الماركسية. لا شيء من هذا فالمهم أنَّ الأيديولوجيا الدنيوية فوق الطبقية وجدت لها أخيرا سندا من الواقع وكفى!
  هذا التحليل المبتسر الذي يتجاهل حتى ظاهرة انحطاط الثقافة الأوروبية المعاصرة تترافق معه نظرة للثقافة الأوروبية على أنها شيء ثابت كلي لا يتغير، ومرفوض بالطبع لأنه معادٍ. ولكننا نرى على العكس أنَّ ثقافة البورجوازية الأوروبية في فترة صعودها – عصر النهضة حتى عصر التنوير – قدمت إنجازات عظيمة للفكر الإنساني، وكذلك الأمر بالنسبة للثقافة الثورية للبروليتاريا بعد هذ العصر. كيف يمكن إنكار القيمة الإنسانية العالمية للأدب والفن الغربيين؟ هل لوحة بيكاسو الشهيرة (جورنيكا) التي ترمز لبشاعة النظام النازي ولا إنسانيته معادية؟ هل أعمال مالرو وكافكا وسارتر الأدبية (وغيرهم) التي كشفت بشاعة ولا إنسانية حضارة الاحتكارات معادية؟ هل القيم الإنسانية الرفيعة التي تتغنى بها أعمال شكسبير وجوته وهوجو قيما عدوانية غربية وغريبة علينا؟ هل توضع كل هذه الأعمال العظيمة في سلة واحدة مع أفلام رامبو الأمريكية التي تمجد البطل الأمريكي في مواجهة "المتوحشين" الفيتناميين؟ قد يقال إنَّ كل هذه الأعمال يمكن أنْ توضع في إطار الأيديولوجيا الفردية. ولكن هل الفردية بالمعنى الواسع للكلمة، بما تعنيه من جعل العلاقات بين البشر علاقات موضوعية هيَ نفسها الفردية التي تروج لها أجهزة الدعاية الاستعمارية الحقيرة؟ هل كل القيم التي أبدعتها أوروبا في ثورتها الصناعية ذات طابع حضاري خاص فحسب؟ ماذا عن احترام قيمة العمل المنتج والوقت والنظام والانضباط؟ أليس الفكر العقلاني المستقل عن اللاهوت ذو قيمة إنسانية عامة؟ بل أليس المنهج العلمي المتطور والتقدم العلمي الحاصل من الأمور التي نسعى – أيا كان مشروعنا للتحرر – لاكتسابها؟ ثم أليست هذه كلها قيما إنسانية عامة، تستدعي منا الاحتفاء بالنهضة والتنوير الأوروبيين باعتبارهما منجزات روحية ومادية عظيمة؟ ولكن لا.. إنَّ "الفكر العربي الجديد" يذكرنا بالاستعمار الأوروبي، ثم يربط بينه – بشكل متعسف جدا – وبين كل هذه القيم الروحية والمنجزات المادية. 
  كذلك نلاحظ أنَّ الأستاذ عادل حسين لا يحدد لنا بشكل قاطع – للأسف – مفهومه للدنيوية التي صب عليها جام غضبه؛ فهو تارة يصفها بأنها اعتبار الإنسان مركز العالم وتارة  أخرى يعتبرها عقيدة تستهدف وتُعلى من شأن تحقيق المنفعة واللذة الحسية فحسب. ونحن نرى أنَّ الدنيوية بالمعنى الثاني لم تكن سائدة في الغرب دائما وإنما في عصر انحطاط الرأسمالية فحسب. أما الدنيوية بالمعنى الأول فهيَ جوهر الوجود الإنساني نفسه في كل الحضارات وفي كل زمن. أما نقيض الدنيوية بالمعنى الأول.. فهو الأيديولوجيات الدينية (إسلامية – مسيحية) التي كانت سائدة في الشرق والغرب إبان العصور الوسطى، ولكنها كانت سائدة بمعنى شكلي وسياسي أساسا. 
  هناك أخيرا ملاحظة منهجية جوهرية؛ إنَّ الكاتب رفض أصلا أنْ يقدم تحليلا متماسكا لأفكاره. ماذا لديه ضد أيديولوجية الغرب؟ لا شيء سوى مجموعة قرائن وأمثلة منتقاه، قام بتعميمها بشكل تعسفي دون مناقشة موضوعية. ففي رأيه أنَّ الوجه الآخر للعلمانية هو ما يسميه مسلمة تفوق الغرب، وتبرير مشروع سيطرته على العالم. والأمر الأخير وثيق الصلة بالطبع بنمط الإنتاج الرأسمالي كما ناقشنا. والحق أنَّ مسلمة تفوق الغرب لا تعود للفكر العلماني بقدر ما تعود لكونها حقيقة موضوعية31. حسنا، إنَّ الغرب متفوق بالطبع، وإلا كيف استطاع أنْ يحتل كل قارات العالم القديم لعقود عديدة؟ ولماذا ما زلنا نرسف في أغلال التبعية؟ بل ولماذا مشروع الاستقلال أصلا إذا لم نكن نجابه بقوة متفوقة؟
  والأهم أنَّ الأستاذ عادل حسين لم يثبت بأيِّ شكل منطقي وجود هذه الرابطة الضرورية المفترضة بين العلمانية ومسلمة تفوق الغرب، بل اكتفى بذكرها، وعلينا أنْ نصدقه، لا لشيء إلا لأنه يقول هذا! إنَّ إثبات الأفكار بالأمثلة هو حجة من ليس لديه حجة؛ فباستطاعة أيِّ مطلع على الفكر الغربي أنْ يأتي بترسانة مضادة من الأمثلة، خذ مثلا مؤلفات جيمس هنري بريستد عن الحضارة المصرية القديمة، ومؤلف توينبي الشهير فيما يختص بالحضارة الإسلامية. وعلى صعيد الحركة السياسية، لماذا يتناسى الكاتب مواقف بلنت الإنجليزي في مساندة أحمد عرابي، ومظاهرات الإنجليز ضد حرب 1956، واحتجاج الشباب الأوروبي ضد حرب امريكا في فيتنام؟ إنه نسيان متعمد، لأنه يتسق مع التصور القائل بأن كل التطورات الاجتماعية في أوروبا كانت تستهدف في المقام الأول تثبيت وفرض التوسع الخارجي. كما يفهم من ذلك – مثلا – أنَّ الثورة الفرنسية العظمي لم تقم لتصفية الصراع بين البورجوازية والإقطاع وإنما من أجل إنفاذ الحملة الفرنسية واحتلال الجزائر! أما الثورة البلشفية فلم تقم بدورها في إطار الصراع الاجتماعي الرهيب ضد البورجوازية والإقطاعيين الروس وإنما تمهيدا لمخطط توسعي جهنمي ستتكشف أبعاده لاحقا! ولا مانع – على سبيل الاحتياط – من أخذ بروتوكولات حكماء صهيون الشهيرة بعين الاعتبار!!
  مقابل هذا النموذج المظلم للأيديولوجيا الغربية الحديثة يقدم لنا الأستاذ عادل حسين أيديولوجيته الجديدة… الإسلامية المضيئة، أولا باعتبارها غير دنيوية، وثانيا باعتبارها متجاوزة للصراع الاجتماعي – مثلها مثل الدنيوية، وثالثا باعتبارها "مفيدة" في تحقيق مشروعه الحضاري، وبالطبع بوصفها تحمل عقلانيتها الخاصة. وقد ناقشنا من قبل دور الأيديولوجيا عموما في التاريخ، والعقلانية باعتبارها مفهوما علمانيا مضادا لنظرية الحضارة فلا يتبق لنا سوى مناقشة النقاط الثلاث سابقة الذكر. 
  هل الحضارة الإسلامية – وبالتالي الأيديولوجيا الإسلامية – غير دنيوية؟ لقد ناقشنا من قبل طبيعة الأيديولوجيا عامة وعلاقتها ببنى المجتمع الفعلية، كما ناقشنا الحضارة بما يُفهم منه أنها شكل للحركة الاجتماعية للبشر. والسؤال الآن، هل الحضارة والعقيدة الإسلامية استثناء من القاعدة؟ هل يمكن أنْ تكونا غير دنيويتين؟ بالنسبة للحضارة الإسلامية، يمكننا في حدود هذه المساحة مناقشة الجانب السياسي منها، نظام الحكم، أيْ الخلافة، لنرى هل هيَ دنيوية أم لا؟ يقول المواردي وابن خلدون إنَّ الخلافة هيَ "الولاية العامة الجامعة القائمة برئاسة الدين وسياسة الدنيا به" هذا هو المثال الديني. ولكن ماذا كانت الخلافة في حقيقة أمرها؟ نرى أنها كانت شكلا للحكم الوراثي المطلق المستند إلى أساس ديني (ثيوقراطي). فمنذ عهد الدولة الأموية ساد نظام الحكم الوراثي المطلق سائر أنحاء العالم الإسلامي. ويظهر الأساس الديني لهذا الحكم بوضوح في نظام "البيعة"، التي لا تقتصر على مبايعة الخليفة فحسب، بل مبايعة ولاة العهد أيضا في عهد الخليفة نفسه. هكذا كان الحال في عهد الدولة الأموية والعباسية والفاطمية وأمويو الأندلس. ليس هذا فحسب، بل اتخذ الحكم شكلا دينيا صريحا في عهد العباسيين والفاطميين، فصار نظام الحكم الملكي مقدسا، فقال المنصور – المؤسس الحقيقي للدولة العباسية – مثلا – إنما أنا سلطان الله في أرضه. وأضافت الخلافة الفاطمية إلى ذلك فكرة تقديس الإمام وعصمته، وصار توريث الخلافة من الأمور المقدسة. أننا نتكلم هنا عن عهود ازدهار الخلافة والحضارة الإسلامية عامة، وليس عن فترات  أخرى حين حكم الأتراك (الغز) وبنو بويه والمماليك باسم الخلافة دون أنْ يكون للأخيرة أيُّ نفوذ سياسي فعلي. ولعل من الأمور الملفتة للنظر أنه حتى الخوارج الذين ثاروا باسم الشورى وحق كل المسلمين في تولي الخلافة دون تمييز، أقاموا في المغرب دويلاتهم على أساس المبدأ الوراثي. 
  وقد يقال إنَّ هذا ليس "نظام الخلافة الإسلامي الحق"، وأن عمرا قد قال لا خلافة بدون شورى. ولكن هذا القول يعادل القول بأنَّ تاريخ المسلمين السياسي طوال اربعة عشر قرنا إلا قليلا ليس هو تاريخ الإسلام! والواقع لا يمكن تفسير شوري عمر بن الخطاب إلا كمرحلة انتقالية بين أمة المسلمين التي أسسها الرسول والتي كانت متأثرة بعمق بالتقاليد القبلية في الرئاسة وبين دولة الحكم المطلق. إنَّها مرحلة انتقالية بين الدويلة الصغيرة التي قامت في صحراء العرب وبين الإمبراطورية الشاسعة التي أقيمت فيما بعد.. من مجتمع المساواة الصحراوي إلى المجتمع الطبقي الزراعي. باختصار، لا يمكن تفسير تاريخ العرب في هذه الفترة استنادا إلى فكرة الحضارة الإسلامية، وإنما فقط استنادا إلى الصراع الاجتماعي الدائر والتحديات الفعلية الداخلية منها والخارجية. ما هو موقع الإسلام كدين من هذا التاريخ السياسي؟ إنه شكله العقيدي، الإطار الذي تم فيه تبرير دولة الحكم الملكي المطلق، بل وحكم القادة العسكرين باسم الخلفاء. 
  نخلص من هذه المناقشة السريعة إلى أنه لا يمكن فهم الخلافة – الشكل السياسي المميز للحضارة الإسلامية – وتطورها من حيث المضمون والشكل إلا بتفحصها من وجهة نظر "دنيوية"، إلا بالكشف عن طبيعتها باعتبارها الشكل السياسي لمجتمع بشري يخضع لكل القوانين التي تنطبق على المجتمعات البشرية عامة. 
  ونفس الأمر ينطبق على الأيديولوجيا الإسلامية. فلا يمكن فهم نجاح الدين الإسلامي السريع في الحلول محل الأديان المختلفة في المنطقة الواسعة التي انتشر فيها، وتغير اللغة في مساحة واسعة من هذه المناطق المفتوحة، دون أنْ نأخذ بعين الاعتبار أنَّ الإسلام ساوى جميع المسلمين – نظريا على الاقل – في الحقوق والواجبات. لقد احتل الرومان مصر نحو ستة قرون فما أفلحوا في إدخال عبادة الإمبراطور ولا مذهبهم المسيحي الملكاني فيما بعد إلى مصر، فضلا عن اللغة اللاتينية أو اليونانية، وذلك لسبب بسيط، أنهم لم يعترفوا أبدا بمساواة سكان الإمبراطورية بالرومان. وليست مسألة المساواة هذه مجرد مسألة روحية، وإنما يترتب عليها المساواة في الحقوق والواجبات وحق التقاضي بل والثورة على جور الحكام استنادا إلى هذه المبادئ نفسها وليس بالخروج على مبدأ الدولة32
  من جهة  أخرى لا يمكن التعرض للجانب السياسي من الحضارة الإسلامية دون رؤية الوجه المقابل لدولة الخلافة، الوجه الثوري. لقد ثار الخوارج على الدولة الأموية باسم مبدأ الشورى وحق كل مسلم في الخلافة، وباسم مبدأ الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر وقالوا بتكفير مرتكب الكبيرة. وكان مغزى هذه المبادئ آنذاك الدعوة الصريحة لإسقاط الأموية، الدولة التي حولت الشورى إلى ملك وراثي، واعتمدت على العصبية العربية فاعتبرت الموالي (أيْ غير العرب) المسلمين أشبه بالناس ورفضت إسقاط جزية الرأس عنهم. وبالمقابل ادعى عبد الملك بن مروان وعامله الحجاج أنهم (أيْ دولتهم) المسلمون الحقيقيون، ورفعوا من شان القائلين بمذهب الإرجاء لأنه يعطي مشروعية دينية لحكمهم. وتحت راية الدفاع عن (إسلامهم) قام الحجاج بحروب عديدة ضد الخوارج ونجح في الإجهاز على فرق كاملة منهم. فهذا إسلام وذاك أيضا، وهؤلاء مسلمون وكذلك الآخرون.. لم يمنع هذا قيام الحروب الأهلية والثورات المتعاقبة. هذه الحقيقة توضح لنا مرة  أخرى طبيعة الأيديولوجيا كستار أو مظهر للتناقضات الاجتماعية، وكيف أنها تنطبق أيضا على الأيديولوجيا الإسلامية. 
  لقد كان "الفكر العربي الجديد" مضطرا لأنْ يتناسى هذا كله من أجل أنْ يقنع قراءه بأن الصراع العالمي صراع حضارات (ثقافات) وليس صراعا طبقيا، وأن الحضارة وأيديولوجيتها مسائل غير مبررة، وإنما هيَ مسائل انتماء لا تخضع للتحليل العقلي، ومن ثم يستطيع أنْ يظهر مشروعه للاستقلال بواسطة حشد الناس على أساس عقيدتهم بمظهر عقلاني ومنطقي. والحال أنَّ بناء المشروع التحرري على هذا الأساس لا يتفق مع العقلانية ولا المنطق، ولا حتى – كما ناقشنا – مع حقائق التاريخ. 
  بقي أنْ نشير إلى أنَّ كل هذا البناء النظري ينطلق من ملاحظة غير دقيقة مؤداها أننا كنا نتمتع بالاستقلال حين كنا نعيش في ظل الثقافة الإسلامية، وأن التبعية ارتبطت بإدخال نمط الاستهلاك الغربي إلى بلادنا.. والحال أنَّ نمط استهلاك أيِّ شعب جزء لا يتجزأ من ثقافته (حضارته). وقد رتب الكاتب على هذه الملاحظة القول بضرورة العودة إلى البناء الثقافي القديم حتى نستعيد استقلالنا. وسوف نناقش هذه الفكرة بالتفصيل في الفصل التالي.
  
  4- هل التبعية حضارية أم هيَ بنية اقتصادية-اجتماعية؟
  المقصود بالطبع من هذا التساؤل هو مفهوم التبعية، فمن الواضح أنَّ كون التبعية حضارية في جوهرها لا ينفي أنَّ لها جوانب اقتصادية واجتماعية، والعكس صحيح. وأغلب دارسي التبعية بمختلف اتجاهاتهم يتفقون على وجود هذه الجوانب الثلاثة وغيرها في علاقة التبعية. ومشروع الأستاذ عادل حسين للاستقلال الحضاري يقوم – ضمن أسس  أخرى – على فكرتين عن التبعية، أولاهما أنَّها من حيث الجوهر تبعية حضارية، وثانيهما الفصل بين ظاهرتي التخلف والتبعية.
  أولا: نمط الاستهلاك والحضارة والتحديث: إننا نوافق تماما على أنَّ إدخال نمط جديد للاستهلاك ضمن بنية اقتصادنا العربي كان الخطوة الأولى في إنشاء علاقة التبعية33، ولكن بأيِّ معنى؟ هذا يتطلب أولا أنْ نعرف كيف أسهم استيراد نمط الاستهلاك في نشوء علاقة التبعية. لقد كان معنى النهوض الاقتصادي في الغرب – حتى قبل الثورة الصناعية – ظهور قوى اقتصادية وعسكرية كبرى لها مصالح اقتصادية واستراتيجية معينة، الأمر الذي فرض على الدول الأخرى – غيرالأوروبية – تعديل بناها الأساسية الداخلية بما يتلائم مع هذه الحقيقة. وبالطبع تفاقم أثر هذه الحقيقة مع قيام الثورة الصناعية. تمثل هذا الأثر أولا وقبل كل شيء في اضطرار دول العالم التي تعرضت لهذا الضغط لانشاء جيوش وأساطيل حديثة، وبالتالي كان لابد من تحديث البنية الاقتصادية لسد هذه الحاجات الملحة الجديدة. ولكن هذه المسألة في حد ذاتها لم تكن لتؤدي بالضروة إلى نشوء علاقة التخلف – التبعية. ولدينا مثل تاريخي على ذلك.. هو تجربة التحديث في اليابان في عهد امبراطورية الميجي. لقد استطاعت اليابان آنذاك أنْ تحدث تحويلا اجتماعيا جذريا يلائم مطلب تحديث البنية الاقتصادية الضروري لصيانة استقلالها، وبالطبع رافق ذلك علمنة الثقافة. كذلك لدينا مثل آخر، وإنْ كان قد فشل، هو محاولة محمد علي تحديث الاقتصاد المصري وحلم ابنه ابراهيم إنشاء امبراطورية عربية. ماذا نفهم من هذين المثلين؟ أولا: أنَّ التبعية ليست نتاجا للتحديث كما يظن الأستاذ عادل حسين وإنما هيَ نتاج لفشل التحديث.. فقد ترتب على هذا الأمر الأخير أنْ انفتحت أبواب هذه الدول على مصراعيها لكي ينجز الرأسمال الأوروبي "التحديث" الذي يوافقه في القطاعات التي تخدم نهوضه الصناعي (قطن مصر والهند مثلا   بدلا من تحديث البنية الاقتصادية – الاجتماعية الداخلية نفسها). ولم تكن مصالح الرأسمال الأوروبي متوافقة مع مصالح البنية الداخلية، لا بسبب عداء حضاري ما، وإنما بسبب أنَّ هذه البنى الاقتصادية -  الاجتماعية التي صارت متخلفة وتابعة لم تكن قابلة للتحديث بالمعنى الثاني في وقت وجيز34. لقد ترتب على فشل التحديث أنْ تحولت قطاعات إنتاج معينة لخدمة حاجات السوق الدولي (أيْ الدول الرأسمالية) حتى يمكن الاستمرار في استيراد المنتجات الأوروبية اللازمة للتحديث الجزئي المبتسر.. وكان طبيعيا إزاء ذلك لا أنْ تتحول هذه الدول إلى دول مستعمرة فحسب، ولكن أيضا أنْ تتغير نظرة الطبقة السائدة للإمبريالية وأنْ تشعر نحوها بالدونية والتبعية وتندفع في تقليدها في نمط استهلاكها الفردي، الأمر الذي عمق من التبعية. ونحب هنا أنْ نلفت نظر السيد عادل حسين إلى أنه على صعيد بنية الاستهلاك في المجتمعات المتخلفة لا تلمس ظاهرة تغريب هذا النمط وإنما ازدواجه.. لأنه يستحيل أنْ يسود تماما أيُّ نمط بعينه للاستهلاك حتى ولو كان "غربيا" دون أنْ يتم تحديث البنية الاقتصادية – الاجتماعية ككل، والخروج من مأزق التخلف –التبعية. 
  ثانيا، وبناء على ما سبق أيضا: إنَّ منشأ التبعية ليس هو إدخال نمط استهلاك جديد، وإنما بالتحديد إدخال نمط استهلاك ليست له أسس في بنية الإنتاج الداخلية. لقد ذكر الأستاذ عادل حسين نفس الفكرة. ولكن لأنها لا تتسق مع مجمل تحليله سرعان ما تناساها، فارتكز في موضوع الخروج من التبعية على رفض نمط الاستهلاك الغربي بصفته كذلك، أيْ بصفته” أجنبيا عن حضارتنا". خلاصة القول أنَّ إشكالية التخلف – التبعية هيَ في جوهرها قضية اتساق بنية الاستهلاك مع بنية الإنتاج، وليس مع نمط حضاري خارج إطار الفهم وفوق تاريخيTranshistorical  .  ومن البين أنَّ الأستاذ عادل حسين لا يفهم استيراد نمط الاستهلاك كعملية ُيعاد إنتاجها باستمرار، حيث إنَّ نمط الاستهلاك "الغربي" نفسه دائم التغير. وللسبب الأخير بالذات لا تُعد عملية استيراد نمط الاستهلاك عملية استيراد حضاري بالدرجة الأولى وإنما استيراد نمط استهلاك لا يتلائم مع بنية الإنتاج القائمة، بل يحدث العكس، إذ يكيف القطاع الحديث للإنتاج نفسه ويعيد تكييفها باستمرار مع نمط الاستهلاك الوارد، ومن ثم تكون العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والتبادل معكوسة: في البلد المستقل يحدد الإنتاج كل شيء وفي البلد التابع يحدد الاستهلاك كل شيء. 
  إننا ما زلنا نواجه نفس المشكلة التي واجهها أجدادنا في زمن نشوء التبعية، مشكلة تفوق الحضارة الغربية الرأسمالية، تلك الحضارة التي قطعت في ميادين العلم والمعرفة في عمرها القصير أضعاف أضعاف المسافة التي قطعتها البشرية عبر تاريخها الطويل السابق كله. إننا باختصار ما زلنا نواجه مشكلة التحديث، التي فشلت مجتمعاتنا قديما في حلها لضعف القوى الاجتماعية القادرة على إنجازها وبسبب تدخل الاستعمار السياسي والعسكري. والإجراءات التي سُتتخذ للحد من نمط الاستهلاك الغربي ستستهدف أولا وأخيرا إعادة التوازن بين نمط الإنتاج ونمط الاستهلاك في إطار ستحدده طبيعة البنية الاقتصادية – الاجتماعية التي سيجري إنشاؤها. 
  ويمكن أنْ نضرب أمثلة لتوضيح فكرتنا. لقد ابتكر الغرب أنواعا محسنة من البذور تنتج أضعاف ما تنتجه البذور التقليدية، ولكن يعيبها أنَّه لابد من استيرادها مع كل محصول جديد، لأنَّ البذور الناتجة لا تحمل نفس الخصائص الوراثية. فإذا افترضنا مثلا أنَّ هذا هو الحال في حالة بذور القمح، فإننا سنمتنع بالتأكيد – في حالة إنهاء وضعية التبعية – عن استيرادها، فإما أنْ نمتلك التكنولوجيا التي تنتج لنا إعادة إنتاج البذور المحسنة في معاملنا، أو أنْ نعتمد على بذور أقل جودة لدينا ونطورها.. ولكن ليس مطلوبا للخروج من التبعية أنْ نمتنع مثلا عن تصنيع المكرونة وأنواع الخبز الغربي، ونعود إلى كتب المقريزي كيْ نعرف "طبيعة الخبز الإسلامي" وأنواعه! كذلك الأمر في صناعة النسيج؛ المسألة ليست أنْ نصنع من القماش بذلة أم جلبابا ولكن مسألة أنْ نصنع القماش نفسه بتكنولوجيا غير مستوردة (على خلاف الصناعة الناصرية!). والغرب نفسه يعلمنا هذا الدرس، فهو لا يخاف على "هويته الحضارية" حين يستهلك شايا هنديا وبنا برازيليا وأناناسا أفريقيا، أو أنْ تنتشر فيه  "موضة" فرعونية أو هندية. فالمسألة الجوهرية هيَ هل يضر ذلك بتناغم بنى الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك أم لا؟ لقد توقفت الحضارة الإسلامية عن تطوير نمط استهلاكها منذ قرون – وهيَ نفسها القرون التي شهدت أعظم تطوير عرفته البشرية في إنتاجها واستهلاكها على السواء – فهل نعود من حيث توقفنا أم من حيث توقف العالم – مع فترة انتقالية مناسبة بالطبع؟ إنَّ العلوم الطبيعية التي يعترف كاتبنا بأنها علوم عالمية، هيَ أمر مفروض علينا شئنا أم أبينا، لأننا ببساطة لا نعيش وحدنا على هذا الكوكب. والحال أنَّ تطوير هذه العلوم وتطبيقها سيلعب دور الرافعة في بناء مجتمعنا العربي المستقل، والحال أنَّ تطبيقها يفرض ألوانا معينة من العلاقات الاجتماعية بين البشر، مثل الأخلاق الفردية – بالمعنى الإيجابي للكلمة الذي ذكرناه من قبل – وغير ذلك. 
  ماذا يقدم لنا بالمقابل المفهوم الحضاري للتاريخ في تفسير ظاهرة التبعية؟ مجرد صورة غير واضحة المعالم تسمى التبعية الحضارية تستند بالضرورة إلى فكرة الصراع الحضاري كمحرك للتاريخ35. طبقا للمفهوم"الحضاري" للتاريخ يجب أنْ نعتبر الولايات المتحدة على رأس الدول التابعة!! فهذه المستعمرة البريطانية السابقة في العالم الجديد لا تتمتع بأيِّ استقلال حضاري عن أوروبا الغربية.. أمها الشرعية، كما أنَّ استجابة اليابان لمنطق التحديث على النمط الأوروبي – دون أنْ ننفي احتفاظها بمظاهر معينة تعود لماضيها الحضاري – تعد من أكثر الدول إيغالا في التبعية (إنهم يلبسون البذلة … إلخ).
                                    
  ثالثا: العلاقة بين التبعية والتخلف: لا يعترف "الفكر العربي الجديد" بوجود ظاهرة تسمى التخلف – التبعية، وإنَّما هناك ظاهرة تسمى التخلف و أخرى تسمى التبعية. وقد عرفنا ما هيَ التبعية، فما هو التخلف؟ لم يهتم الأستاذ عادل حسين بتحديد هوية التخلف، وهذا طبيعي، فالتخلف مفصولا عن التبعية لا يمكن أنْ يعني وفق منطق "الفكر العربي الجديد" – منطق تحليل التاريخ كصراع حضارات – سوى نظرية عنصرية في التاريخ، فحيث إنَّ الإنسان أسير "حضارته"، وحيث إنَّ هناك حضارات أو شعوب تعد متخلفة دونما حاجة لسيطرة خارجية تكون النتيجة المترتبة بالضرورة أنَّ هذه الشعوب متخلفة بطبيعتها "الحضارية". إنَّ الاتهام الذي وجهه الأستاذ عادل حسين للفكر "الدنيوي" ينقلب عليه بالضرورة، ولكنه أبدا لا ينطبق على المفهوم العلمي – الماركسي للتاريخ. إنَّ اعتبار التبعية هيَ جوهر ظاهرة التخلف (الأمر الذي يبيح استخدام مفهوم التخلف – التبعية)، يفرق بين حقيقتين أو ظاهرتين: الأولى أنه وجدت في كل فترات التاريخ شعوب أقل تقدما من جميع النواحي من شعوب  أخرى معاصرة، ولكن كل منها له بنية اقتصادية – اجتماعية متماسكة ومتكاملة ومستقلة، والثانية أنْ تختل هذه البنية نفسها وتفقد أيَّ آلية لإعادة الإنتاج الذاتي وتتمحور حول الخارج – أيْ تقع في إطار التبعية – وهنا نتحدث عن ظاهرة التخلف36. بالنسبة للحالة الأولى، فقد فسرها مفكرو "الدنيوية" الإنسانيون العظام بعوائق طبيعية – جغرافية أو ظروف تاريخية بعينها، الأمر الذي لا ينطوي على أيِّ عنصرية. وعلى سبيل المثل، مرصود دور البيئة الاستوائية في تأخر النمو الحضاري للشعوب التي تقطنها بكافة مستوياته.. إنه أمر حقيقي؛ فالاستعمار وجد عند فتحه هذه المناطق شعوبا كانت ما تزال تعيش في أطر قبلية وتتبنى معتقدات توتمية وتتميز بتأخر اقتصادي واضح. هذه المجتمعات تعد متأخرة من زاوية منظور عالمي لما بلغته قوى الإنتاج في العالم من تطور، ولكنها ليست  متخلفة. 
  والواقع أنَّ هناك تناقضا ملموسا في تصور الأستاذ عادل حسين للتخلف؛ فحين يتعرض لمسائل عينية بخصوص التحرر من التبعية يشير للتخلف – من وجهة نظر استراتيجية التنمية المستقلة التي يتبناها – بأنَّه حالة قزم مشوه وتابع وليس حالة تأخر زمني.. أما في لحظات "التجلي الحضاري السعيد"، فيفصل بين التخلف والتبعية كما رأيناه هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا في إطار رغبة مؤلفنا القاهرة في إحلال مفهوم حضاري للتاريخ محل المفهوم الاقتصادي – الاجتماعي. 
  ويدخل ضمن انتفاع الأستاذ عادل حسين من الفصل بين التبعية والتخلف، في تطوير مفهومه الحضاري للتاريخ، التصور الذي أورده، بإمكان قيام علاقة تبعية بين الدول المسماة "بالاشتراكية". لن نتعرض هنا" لتكاسل" الأستاذ عادل حسين عن تحديد طبيعة البنية الاقتصادية – الاجتماعية في هذه المجتمعات، كما لن نتعرض في هذا الفصل للأسباب التي من أجلها نعتبر هذه المجتمعات مجتمعات طبقية – أو بالأصح مراتبية –  وإنما سنناقش إمكانية أنْ تلحق هذه الدول دولا  أخرى بها في علاقة تبعية. 
  في رأينا أنه لا يمكن الحديث عن إمكانية قيام علاقة التخلف – التبعية خارج إطار نمط الإنتاج الرأسمالي تحديدا. ففي الماضي قامت امبراطوريات عديدة، منها الإمبراطورية الرومانية والعربية والفارسية، وفيها جميعا سيطر شعب معين – أو طبقته الحاكمة بالأصح – على شعوب  أخرى عسكريا وسياسيا، كما رافق ذلك نهب اقصادي لفوائض هذه البلدان. فمصر مثلا كان يذهب فائضها من القمح وورق البردي والمنسوجات وغيرها إلى روما فبيزنطة فالمدينة ثم دمشق باختلاف الغزاة37، فهل معنى ذلك أنَّ مصر دخلت مع هذه العواصم الامبراطورية في علاقة تخلف – تبعية؟ كلا بالطبع، لأنَّ مصر آنذاك لم تفقد قدرتها على إعادة الإنتاج الذاتية، واحتفظت بتكامل هيكلها الاقتصادي التقليدي ونظم الإنتاج التقليدية فيها. واذا كانت مصر قد حُرمت من إمكانية إعادة الإنتاج الموسع بسبب نزيف الفائض، إلا أنها لم تدخل في إعادة إنتاج موسعة طبقا لنموذج التنمية بالانتشار، ولم يتغير نمط استهلاكها تغيرا جوهريا. ترى ما هو الفارق الجوهري الذي أدى لاختلاف النتائج بهذا الشكل بين الاستعمار القديم والإمبريالية؟ إنَّه بالتحديد طبيعة نمط الإنتاج السائد في الدول المستعمرة. فمن خصائص نمط الإنتاج الرأسمالي الفارقة في هذا الصدد أنه ينزع نحو توسيع لامتناه للسوق الدولي، بالإضافة إلى قدرته الفائقة على تثوير الإنتاج، مما يمنحه إمكانية توجيه عملية الإنتاج في البلدان السابقة على الرأسمالية بما يخدم تطور وتكامل الإنتاج في البلد الام، وتتحقق هذه الإمكانية بمختلف الأساليب العسكرية – الاقتصادية، كما يلعب نشر الثقافة البورجوازية على الصعيد العالمي دورا كذلك. 
  والآن، ما هيَ إمكانات البلدان الاشتراكية في إلحاق بنى اقتصادية  أخرى؟ واضح أنها لا تملك أصلا الإمكانية، لأنَّ اقتصادها الداخلي نفسه لا يقوم أصلا على أساس القيمة التبادلية وفعاليات السوق، وما يبدو هناك في صورة بيع وشراء ليس في الحقيقة سوى انعكاس مباشر- في الغالب   –  لقرارات التخطيط الإدارية التي تحدد الأسعار النسبية للمنتجات كوسيلة لضبط عملية التنمية في إطار الخطة الموضوعة ولمحاسبة المؤسسات الاقتصادية المختلفة لمعرفة معايير أدائها. إنَّه من حيث الجوهر اقتصاد اكتفائي، لا يعاني من ظاهرة فيض الإنتاج كظاهرة هيكلية، حتى نفترض أنه يسعى لحلها على حساب دول  أخرى، أنه ليس في حاجة لأسواق خارجية من أجل تحقيق القيمة التبادلية لسلعة لأنَّ اقتصاده، لا يقوم ببساطة على هذه القيمة، ولأنَّ سوقه لا يعاني من أيِّ اختناق هيكلي. وهو لا يعاني صعوبة في تحقيق التراكم الداخلي كي يلجأ إلى الاستثمار الخارجي. ولعله ما من دليل أوضح – عيانيا – على ما نقول من ضعف مشاركة هذه البلدان في التبادل الدولي بالمقارنة بحجم اقتصادياتها الكبير
  ليس المقصود مما سبق أنَّ بنى هذه البلدان الاقتصادية – الاجتماعية بنى"نموذجية" أو عديمة المطامع الخارجية، فهيَ في التحليل الأخير بنى مراتبية. إنما المقصود هنا أنَّ إمكانات إضرار هذه البلدان بالبنى الاقتصادية – الاجتماعية لمجتمعات  أخرى لا تنطوي على إمكانية إلحاق.. وإنما يمكن أنْ تنطوي على إمكانية نهب، على غرار الامبراطوريات القديمة في التاريخ. مثال ذلك عملية نقل التكنولوجيا من ألمانيا الشرقية التي قام بها الاتحاد السوفيتي بعد الحرب الثانية مباشرة، ويمكن تصور أنْ يؤثر هذا البلد بثقله العسكري والسياسي في وضع حدود التبادل بين الدول الأعضاء في الكوميكون. معنى ذلك أنَّ هناك إمكانية للنهب. وهذه الدول تحتاج للتبادل الخارجي – كحد أدنى على الأقل – للحصول على الموارد الطبيعية المستخدمة في الإنتاج والتي لا تتوفر فيها. ولا شك أنَّ لها مصلحة في أنْ تكون حدود التبادل لهذه المنتجات لصالحها.. هذا هو كل شيء. ولكن حتى إمكانية النهب هذه محدودة للغاية طالما استمر وجود الإمبريالية، لأنَّ الأخيرة تجبر هذه البلدان على اتخاذ موقف الدفاع التاريخي إزاءها38، ولذا نجدها تهتم بالدرجة الأولى في علاقاتها الخارجية بالأبعاد الاستراتيجية، أيْ الحفاظ على أمنها الاستراتيجي إزاء المعسكر الإمبريالي الغربي. مثل هذا التوجه يُحد كثيرا حتى من إمكانية النهب، ويدفع "بالمعسكر الاشتراكي" أحيانا إلى تقديم هبات اقتصادية غير  مستردة. وعلى الجانب الآخر نجد أنَّ هذه البلدان لا تميل موضوعيا للوقوع تحت سيطرة بلدان  أخرى، وذلك بسبب الهيمنة المطلقة لبيروقراطية الدولة ونزوعها لهذا السبب بالذات نحو إقامة اقتصاد متكامل، ذلك أنها سلطة ومرتبة اجتماعية في الوقت نفسه، ولذلك توجد علاقة مطلقة بين سيطرتها السياسية كسلطة وسيطرتها الاجتماعية – الاقتصادية كمرتبة اجتماعية. 
  ولدينا هنا سؤال توضيحي لأطروحتنا (عدم إمكان قيام علاقة تبعية بنيوية بين البلدان المسماة اشتراكية).. هل إذا ما استقلت دول حلف وارسو عن النفوذ السوفيتي – بأن صارت لها مظلة نووية خاصة أو أيِّ سبب آخر – هل سيستتبع هذا تغيير بنى الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك؟؟
  نحن لسنا بصدد الدفاع عن "النمط السوفيتي" كما يسمى، ولكن لابد من معرفة طبيعة الكيانات الخارجية التي سيتعامل معها أيُّ مشروع مقبل للاستقلال في وطننا العربي. ولن يستفيد هذا المشروع كثيرا من تعمية الفروق بين الإمبريالية والكتلة الشرقية، وبالتالي أخذ موقف "محايد" إزاء صراعهما. إننا قطعا لا ندعو لأنَّ ينضم أيُّ مشروع عربي للاستقلال إلى حلف وارسو، فهو مشروع قومي مستقل بطبيعته ولديه القدرة على التأثير كطرف مستقل في توازنات العالم السياسية  –الاستراتيجية. لكن ليس معنى هذا "الاستغناء" أنْ نشكل تاريخ العالم على هوانا، فنصم تجارب عظمى للاستقلال مثل تجارب فيتنام وكوبا بأنها انتقلت من نظام للتبعية إلى نظام آخر للتبعية، وقد سبق لنا أنْ ذكرنا كيف أنَّ أفكار الأستاذ عادل حسين تنطوي على مثل هذا الاتهام ضمنا. 
  نخلص من كل هذا إلى أنَّ مفهوم الأستاذ عادل حسين للتبعية متغير حسب الهدف.. فالتبعية عنده مرتبطة بالتخلف إذا كان الحديث يتناول نماذج التنمية المستهدفة، ومنفصلة عنه في السياقات النظرية الحضارية، ولكنها في كل الأحوال فاقدة لتحديد البعد الاجتماعي، ويمكن القول أنَّ هناك تجاهلا واضحا لدور الفئات الاجتماعية المسيطرة في إعادة إنتاج ظاهرة التخلف – التبعية، الأمر الذي سمح للاستاذ عادل حسين بالمطالبة بعدم ازاحتها في مشروع الاستقلال المرتقب.. ولكن هذه قصة  أخرى تنقلنا إلى مناقشة مفهوم الاستقلال عن السيطرة الإمبريالية لدى "الفكر العربي الجديد". 
  
  5- طبيعة الاستقلال عن السيطرة الإمبريالية
  ليس موقف "الفكر العربي الجديد" من الملكية الخاصة بخاف على القارئ الآن، وقد تعرضنا من قبل لجذور هذا الموقف من الناحية الفكرية، وآن لنا أنْ نفند أطروحات "الفكر العربي الجديد" بصددها.. هذه الأطروحات تتمثل في أنَّ الملكية الخاصة ليست شرا وتعد جذرا للديمقراطية، وأنها تتسق مع مشروع الاستقلال عن السيطرة الإمبريالية وعن طريق "إعادة تربية الطبقة المالكة"
  بصدد النقطة الأولى، لا ندري ما هيَ مستندات عادل حسين بصددها.. فربما يعرف كاتبنا أنَّ عمر البشر على سطح المعمورة يقدر بنحو المليون من الأعوام، ولم تعرف فيه الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج إلا في الأعوام الآلاف الستة الأخيرة، وهذا بالنسبة لأقدم الحضارات. ومن واجبنا أنْ ننوه هنا بأن الإنسان حقق أهم اكتشافاته العلمية، من استئناس للنبات والحيوان وصناعة الفخار والسلال وغيرها في ظل هذه النظم المشاعية. وفي غياب الملكية الخاصة عرف الإنسان مجتمعا منظما بطرق عقلانية راقية حيث شهدت المجتمعات المشاعية أقل قدر شهده المجتمع البشري من تبديد الموارد. ونحن لا ننفي أنَّ المجتمع الطبقي قد أفاد من هذا التقدم وأضاف إليه بحيث شهدت فترات الحضارة أعظم ما قدمته البشرية من تقدم علمي وتكنولوجي وفكري.. ولكن كل هذا قد تم على حساب العلاقات الاجتماعية بين البشر، والتي شهدت انحطاطا خلقيا ومعنويا يمكن تلمسه الآن بسهولة بإجراء مقارنة بسيطة بين ما سجله الأنثروبولوجيون عن مشاهداتهم لدى الجماعات البشرية التي وجدوها في مجاهل الأرض وبين ما نعيش فيه من أوضاع. 
  لقد شهدت المجتمعات المشاعية القديمة الشكل الوحيد الراقي للديمقراطية الذي عرفته البشرية حتى الآن. لم تكن ديمقراطية سياسية، إذ لم تكن هناك أحزاب أصلا كما لم يكن هناك جهاز يسمى جهاز الدولة.. كانت ديمقراطية بسيطة.. تتمثل في اشتراك كل أعضاء الجماعة في إدارة شئون الجماعة المشتركة. أنْ يأتي عادل حسين بعد ذلك ليعلمنا أنَّ جذور الديمقراطية هيَ الملكية الفردية، فهذا مجرد تشويه مباشر للتاريخ، لا أكثر ولا أقل. 
  ولا نكاد نصدق أنْ يقول مفكر انتمى في وقت ما لليسار بأن الملكية الخاصة ليست شرا، أو تنطوي على استغلال بطبيعتها.. لقد عاش البشر أغلب تاريخهم في ظل الملكية المشاعية، فمن أين ياترى جاءت الملكية الخاصة؟ كيف تسنى لحفنة أفراد أنْ يحولوا ملكية المجتمع إلى ملكية خاصة بهم؟ هناك تصور مضحك يقول إنه كان هناك أفراد نشطون وآخرون كسالى، فالأولون صاروا ملاكا والآخرون صاروا معدمين ! ..هكذا وبهذه البساطة.. ولا نعتقد أنَّ الأستاذ عادل حسين يمكن أنْ يصل به الأمر إلى حد تبني هذه السخافة، ولكنه إذا لم يتبنها يصير مجبرا على الاعتراف بالحقيقة التاريخية؛ أنَّ ذلك التحول قد تم في ظروف تاريخية محددة فرضت على البشر التحول إلى نظم الملكية الخاصة وأن هذا التحول قد تم بالعنف؛  عنف خارجي ضد الجماعات الأخرى لاستعبادها بشكل أو بآخر، وعنف لتثبيت سيطرة العائلات المحظوظة.. ومن هنا كانت ضرورة الدولة كجهاز يحمي هذه الأوضاع الجديدة المنافية "للطبيعة البشرية"، إنْ جاز التعبير. حول هذه الملكية الخاصة دارت الحروب والمعارك الدامية في الداخل والخارج، ومن أجلها تمت التضحية بكل القيم التي كونها الإنسان عبر تاريخه الطويل، بل ومن أجلها تم إضعاف المجتمعات البشرية وتكبيل قدرتها على حماية نفسها، بتحويل سكانها إلى رعايا مدجنين لا يحملون السلاح، الذي اقتصر حملة على الطبقة المالكة ومأجوريها. في ظل هذه الملكية الخاصة ترعرعت نشاطات جديدة تماما؛ الدعارة والسرقة وأخلاقيات الجشع والأنانية والاحتيال على كل القيم الإنسانية النبيلة39. هذه هيَ منتجات الملكية الخاصة في كل عصر ومكان، أم يا ترى يظن الأستاذ عادل حسين أنها منتجات حضارية دنيوية، أو فوق تاريخية تنتمي "لطبيعة الإنسان"؟!
  وإذا كان السيد عادل حسين قد مر مرور الكرام على فكرة الطبيعة الخيرة الممكنة للملكية الخاصة، فإنَّه استفاض في شرح علاقة الملكية الخاصة بمشروعه. ومؤدى هذه العلاقة كما أوضحنا من قبل هو "إعادة تربية الطبقات المالكة" بحيث تنحاز لمشروع الاستقلال العربي – الإسلامي. ولكنه إذ فعل هذا اضطر لتجاهل كل دروس التاريخ التي تثبت بما لا يدع مجال للشك العلاقة الوثيقة بين الملكية الخاصة الفردية في البلدان المتخلفة وبين الوقوع تحت طائلة التبعية. فمن الثابت تاريخيا أنَّ الإمبريالية – على عكس الاستعمار قبل الرأسمالي – سعت بكل طاقاتها إلى إدخال الملكية الخاصة للأرض حيث لم تكن موجودة وإشاعة التبادل النقدي حيث وجدت المقايضة، وتركيز وسائل الإنتاج وحرمان الغالبية من ملكيتها.. كل هذا على حساب أشكال الإنتاج الطبيعي. هكذا فعلت الإمبريالية في الهند ومصر والجزائر وجنوب أفريقيا وغيرها40. ولا تخرج بلادنا عن هذه القاعدة.. فقد قطعت مصر خطوات هامة على طريق الإفلات من السيطرة الإمبريالية في ظل نظام الاحتكار في عهد محمد علي بينما قطعت طريقا عكسيا في عهد فك الزمام وإدخال الملكية الخاصة للأرض – وسيلة الإنتاج الرئيسية آنذاك41. هل هيَ مصادفة يا ترى أنَّ كبار من انتفعوا بهذه القوانين هم الذين هرعوا لاستقبال الفاتح الإنجليزي في الإسكندرية وخانوا الثورة العرابية؟ أليست هذه الفئات المالكة هيَ التي كبلت حركة النضال ضد الاستعمار في إطار "التفاوض من أجل الاستقلال"؟ على الجانب المقابل يمكن أنْ نقارن بحركات مجتمعات القبائل المناهضة للاستعمار ومدى جذريتها في الفكر والعمل.. قارن مثلا بحركة عمر المختار في ليبيا.. شتان. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يتمسك الأستاذ عادل حسين بالحفاظ على هذه الطبقات المالكة، وخاصة أنه اعترف بأنها ليست مستقلة ولا تقود تنمية مستقلة؟ إنه مرة  أخرى مشروع "إعادة التربية" اللعين. والسؤال هو مدى واقعية هذا المشروع. لم يقدم لنا التاريخ مثلا واحدا يثبت أنَّ الطبقة المسيطرة يمكن أنْ تتخلى طواعية عن مصالحها المادية من أجل مصالح "حضارية" مزعومة، سواء في أوروبا أو في الشرق الإسلامي أو غيره. وإذا كان البرهان التجريبي لا يكفي فإليك أيها القارئ تحليلا لهذه المسألة: الملكية الخاصة هيَ – إذا ما استعرنا لغة الأستاذ عادل حسين – حالة دنيوية، أما بلغتنا الخاصة فهيَ علاقة بين البشر فيما يخص الأشياء المادية، ولهذا تتصرف الطبقات المالكة وفقا لمصالحها الخاصة، وأيُّ نوع آخر من التصرف يجب أنْ يؤدي فورا إلى الاستغناء عن هذه الملكية. وفي الحالة الأخيرة سيصبح طرح مسألة الملكية الخاصة عديم المعنى. فالطبقات المالكة إذن تتصرف وفقا لمصالحها الطبقية، أيْ بتعبير عادل حسين تتصرف بطريقة دنيوية، فإذا كانت هذه الطبقات ترتبط (في بلادنا) – كما توصلنا من قبل – ارتباطا مطلقا ببنية التخلف – التبعية فيكون من السخف أنْ نفكر بإعادة تربيتها على طريقة الأستاذ عادل حسين، بل ويجب أنْ نتوقع – وهذا أمر حتمي – أنْ تدخل هذه الطبقات مع مشروع الاستقلال القومي العربي في مواجهة مسلحة، وحينئذ، لن تتحقق السلطة العربية القومية والمعادية للإمبريالية إلا على جثة هذه الطبقات تحديدا.. جثة عينية ملموسة، وإلا لاقت هذه الحركة القومية حتفها. هذا ما تعلمنا إياه دروس التاريخ.. لقد أثبتت هذه الفئات المالكة في الدول المتخلفة دوما أنَّ ارتباطاتها بالإمبريالية أوثق حتى من ارتباطها بقوميتها.. ألم يكن تشانج كاي تشيك هو الذي ذبح حليفه الوطني، حزب ماو الشيوعي، في الصين مرتين وتحالف مع الإمبريالية؟ ألم تعبر الطبقات المالكة في الصين عن استعدادها للاشتراك في مؤامرة تقسيم البلاد بين البلدان الاستعمارية رغم التاريخ الطويل للصين كأمة موحدة؟ لقد كانت الميزة العظمى لماو كقائد سياسي أنه أدرك هذه الحقائق.. فرغم أنه استمر في رفع شعار حلف الطبقات الأربع الشهير، إلا أنه لم يقيد حركته السياسية بآفاق وحدود الفئة الرابعة في التحالف (أيْ البورجوازية الوطنية) ولم يتخل عن أهدافه باحثا بأيِّ ثمن عن الالتقاء بحركتها.. وحين آن أوان المواجهة المسلحة خاضها بلا تردد.. بالمقابل، كيف فشلت كل حركات التحرر في منطقتنا العربية؟ لقد فشلت – ضمن أسباب  أخرى – لأنها عجزت عن إدراك هذه الأبجدية في نظرية التبعية – الاستقلال.. فربطت دائما برامجها ونضالاتها بحدود هذه الفئة الرجعية – قمامة التاريخ الأكثر قذارة – بدعوى ربطها بمشروع الاستقلال. 
  ماذا يقدم "الفكر العربي الجديد" إزاء كل هذه الحقائق؟ لا شيء سوى إيمانا طوبويا بجدوى مناقشة الأخلاقيات العربية – الإسلامية للفئات المالكة وروحها الوطنية. ولدينا–  بناء على ما سبق – كبير شك في أنْ تفلح هذه المناشدات في إقناع سادتنا الحاليين بالتخلي عن انتماءاتهم ومصالحهم الطبقية. لقد قيل منذ زمن بعيد أنَّ البورجوازية كطبقة تسعى للسيطرة على سوقها القومي، ومن ثم تكون معادية للإمبريالية.. ولكننا نلاحظ أنه في حالة بنية التخلف ليست هناك أصلا طبقة بورجوازية متبلورة، كما أنَّه ليس هناك سوق قومي، وتكوين هذا السوق وهذه البورجوازية عملية شاقة طويلة، تستمر، بفرض إمكان نجاحها، عقودا طويلة حتى يتحقق تكامل قطاعات الاقتصاد وتتوطد بنية الإنتاج الداخلية بحيث يمكنها أنْ تواجه تحديات الإمبريالية التي تفرض عليها في السوق الدولي.. وحتى تكتمل هذه العملية بدرجة كافية، تظل مصالح أيِّ طبقة من رجال الأعمال الأفراد في بنى التخلف مرتبطة جوهريا بالسيطرة الإمبريالية، ومن ثم ينبغي تحطيم نفوذها طوال فترة الانتقال. إنَّ مشروع عادل حسين ممكن بشرط أنْ يعثر لنا على "ثلاجة تاريخية" نحفظ فيها هذه الطبقة متجمدة لحين عبور فترة الانتقال!! أما خلال الفترة نفسها، فإنها ستنقض حتما على التجربة، أو على الأقل ستخربها.. ولسبب بسيط، أنه لا يمكن أنْ تسمح بوجود الملكية الخاصة التي تستغل – أو تستخدم حتى لا يغضب صاحبنا – عمل الآخرين وبين أنْ تحدد هذه الملكية.. لأنَّ الأمر الأول يؤدي للتراكم، وهذا التراكم لا مفر له سوى أمرين.. إما أنْ يجري تبديده، الأمر الذي لا يعني تبديدا فحسب، ولكن أيضا توجيه النشاط الاقتصادي لخدمة هذه الفئة ومتطلباتها، وإما أنْ يعاد استثماره، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ تحديد الدخول كما يطرح مشروع عادل حسين، فإذا ما سُمح لها في فترة الانتقال بإعادة الإنتاج الموسع، سيقوى هذا الأمر من سلطتها في الداخل، الأمر الذي سيعجل بعودة التبعية، وخاصة أنَّ هناك – كما يعلم الأستاذ عادل حسين – قوى خارجية إمبريالية ستتلهف وقتها على أنْ تقتنص من هذه الطبقة خيط الرغبة في جنات السوق العالمي ونعيمه.. وستجد الوسيلة المناسبة لمساعدتها. 
  هناك أمر أخير نلفت إليه انتباه القارئ – وعادل حسين أيضا – وهو العلاقة الوطيدة بين النظرية الحضارية الجديدة ونظرية الثورة الوطنية الديمقراطية. ماذا تقول النظرية الثانية؟ إنها تقول بوجود بورجوازية وطنية صراحة، أما "الفكر العربي الجديد" فيقول بوجودها بالقوة – إنْ جاز التعبير – فيمكن "استخراجها" من البورجوازية التابعة بواسطة الشعارات القومية الإسلامية. تقول هذه الفكرة بأن البورجوازية الوطنية عاجزة عن قيادة الثورة وسيقودها العمال. ويقول عادل حسين أيضا بأنَّ النخبة الحاكمة ستراعي مصالح الطبقة المسيطرة دون أنْ تندمج فيها.. ففي الحالتين ستحقق دولة لا تسيطر عليها البورجوازية "مهام الطبقة البورجوازية"42، مع الحفاظ على امتيازاتها ومراعاتها في البرنامج السياسي. تؤجل فكرة الثورة الوطنية الديمقراطية التحول الاجتماعي الجذري – عمليا – إلى أجل غير مسمى، بينما يلغيه الأستاذ عادل حسين من مشروعه نهائيا.. ولكن النتيجة واحدة.. ففي كلتا الحالتين كما ناقشنا لن تتحقق الثورة الوطنية الديمقراطية، لا في طبعتها الماركسية ولا الحضارية. وهكذا تكتشف أنَّ الأستاذ عادل حسين لم يبعد كثيرا عن جذوره الفكرية كما يظن.. كل ما في الأمر أنَّ الإطار النظري قد اختلف وكذلك طبيعة القوى السياسية التي يتصور أنها ستشارك في هذا المشروع. 
  ننتقل الآن لمناقشة نقطة  أخرى في مشروع الاستقلال المطروح، ألا وهيَ طبيعة المسألة القومية في مشروع التحرر من الإمبريالية. وبعبارة  أخرى أنحن إزاء مشروع عربي ذو محتوى إسلامي أم ذو محتوى اجتماعي؟ لقد سبق لنا أنْ ناقشنا المبررات النظرية لفكرة المحتوى الإسلامي، نظرية الصراع الحضاري وما ترتب عليها من أفكار، وخاصة تصوُّر التبعية الحضارية، فلا يبقى سوى أنْ نناقش المبررات العملية، والتي تتلخص ببساطة في أنَّ الإسلام عقيدة الأمة العربية، الأمر الذي علينا أنْ نقبله، فهمنا، أم لم نفهمه. وعلى حد تعبير عادل حسين: " إذا لاحظنا مثلا أنَّ إعادة الوفاق بين مفهوم العروبة والإسلام يؤدي إلى وحدة الأمة وإلى مزيد من الاندفاع في حركتها ضد العدو المشترك، يكون علينا أنْ نقبل هذه النتيجة ونتعامل على أساسها حتى إذا عجز البعض منا (نتيجة التكوين الثقافي الخاص) عن إدراك العلاقة السببية التي تربط طرفي المعادلة"43 (ص 256). وسنغض النظر هنا عن المنطق الذرائعي للفكرة، وسنجاري "الفكر العربي الجديد" وسنتساءل: متى لعب هذا الربط بين الإسلام والعروبة دور توحيد الأمة وتحقيق المزيد من اندفاعها؟ في الماضي أم في الحاضر؟
  أما بالنسبة للماضي، فالأدلة ضد هذه الفكرة كثيرة، فلنراجع مثلا فترة الحروب الصليبية. كان العالم الإسلامي آنذاك مفتتا بين قوى أهمها السلاجقة الذين هيمنوا على الخلافة العباسية السنية والدولة الفاطمية الشيعية في مصر والمغرب. ماذا كان موقف الدولة الفاطمية؟ انتهزت فرصة الهزائم التي حلت بالسلاجقة فهاجم الوزير الأفضل مدينة القدس واستولى عليها، ولكنه لم يهنأ بها طويلا فسرعان ما استولى عليها الصليبيون في العام التالي. ومعروفة أيضا سلسلة الحروب الأهلية التي دارت لمدة أحد عشر عاما تقريبا بين صلاح الدين (الكردي) وبين أعدائه أو منافسيه الأتراك حتى أمكنه إقرار الأمن في مصر والشام وتوحيدهما تحت سلطته قبيل موقعة حطين والحملة الصليبية الثالثة. وفي هذه الحملة المذكورة تحالف السلاجقة مع الصليبيين ضد صلاح الدين، الذي تحالف بدوره مع الدولة البيزنطية.. إلخ. وإذا ما أردنا أنْ نذكر تنازع السلطات الحاكمة.. القبائل والأجناس والعصبيات تحت راية الإسلام وفي ظله لما وفي بغرضنا مجلد، بل مجلدات. على أنَّ غرضنا ليس استعراض سلسلة الحروب الأهلية في التاريخ الإسلامي، ولكن غرضنا أنْ نوضح أنَّ موضوع وحدة الأمة العربية وانقسامها لا علاقة له بموضوع العقيدة الإسلامية، فهذه الأخيرة قابلة لأنَّ تتشكل حسب المصالح الفعلية وليس حسب التفسيرات الفقهية.. فالمطلوب إذن من أجل تشكيل وحدة الأمة هو النظر لهذه المصالح ومعالجتها باعتبارها مصالح متصارعة، وليس النظر في العقيدة في حد ذاتها. لقد ذكر ابن خلدون أثر العقيدة في الذهاب بالتحاسد بين العصبيات كمقدمة ضرورية لإنشاء الدول الجديدة، ومقولته لا تنطبق على الفتح العربي فحسب، بل وعلى الحركة الفاطمية وحركة الموحدين والمرابطين في المغرب … إلخ. ولكن ينبغي أنْ نلاحظ أنَّ ابن خلدون يتكلم عن زمن مضى؛ زمن كانت تقام فيه الدول بأنْ تغزو القبائل الحضر وكانت العقيدة سواء كانت دينا أو مذهب تقوم بالتوحيد بين القبائل، الأمر الذي يعد ضروريا من أجل الغزو الناجح. وواضح أنَّ الأمور اختلفت كثيرا عن الماضي ولم تعد النظرية الخلدونية في نشوء الدول وسقوطها بمستطيعة أنْ تسعفنا في الأوضاع الراهنة. 
  أما إذا كان السيد عادل حسين يقصد بعبارته السابقة الحاضر وليس التاريخ، فالأمر أسوأ بكثير.. والتجارب التاريخية الحديثة خير دليل. لقد حقق الشعب العربي أعظم انتفاضاته ضد الاستعمار بدون هذا العامل الديني: الانتفاضات العظيمة في الشام ضد الاستعمار العثماني والثورة العربية في سوريا 1921، والانتفاضات الثورية في مصر منذ أواخر القرن الماضي … إلخ. لقد قدمت الجماهير في هذه النضالات تضحيات لا تقدر، وإذا كانت هذه الحركات لم تحقق أهدافها بالكامل في التحرر من التبعية، فهذا أمر لا يعود لضعف البعد الأيديولوجي الإسلامي الملائم لاستنهاض همم الجماهير – من وجهة نظر عادل حسين – وإنما لعوامل  أخرى عديدة؛ بؤرتها جميعا عدم التركيز على البعد الاجتماعي وتمييع الموقف من رجال الأعمال الوطنيين المزعومين. 
  ليست الجماهير العربية العريضة هيَ التي تحتاج إلى الحافز الروحي الإسلامي كي تتمرد على أوضاع التبعية، فقد كانت هيَ الضحية في عملية التغريب وإدخال نمط الاستهلاك الغربي، ولأنها تعيش أصلا تحت مستوى الفقر بمعجزة يومية في أغلب انحاء هذا الوطن. أنها محرومة من أبسط حقوق الإنسان في ظل ما نعاصره من تقدم علمي وتكنولوجي. هذه الحقوق تعد بالنسبة إليها حلما لا يمكن تحقيقه في ظل بنية التخلف. إنَّ حق هذه الجماهير في الحياة الكريمة المنتجة الهادفة الإنسانية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، هو أنبل الأهداف قاطبة؛ إنَّه الهدف القادر على جذبها إلى معترك النضال ضد التبعية. إنَّ من لا يرون في مثل هذا المطلب سوى أيديولوجيا "دنيوية" تهدف لإشباع غرائز حيوانية ليسوا سوى مجموعة من حثالة المثقفين ديدان الكتب الذين انفصلوا عن واقع هذا الشعب ليعيشوا في ضباب الروحانيات الإسلامية الأزرق.. في نظر هؤلاء وحدهم يعتبر شعار الأرض لمن يفلحها – مثلا – شعارا دنيويا يخاطب "البطون" لا "الأرواح"44
  لم يبق من المبررات العملية الممكنة التي يمكن أنْ نتصور أنها كامنة خلف "الفكر العربي الجديد" إلا النهوض الجديد للأصولية الإسلامية في المنطقة العربية.. وهذه ستكون موضوعا لمناقشتنا ضمن الفصل القادم. والأحرى أنْ نعود هنا لمناقشة طبيعة المسألة القومية في مشروع التحرر المقبل. لقد ركزنا بما فيه الكفاية على المضمون الاجتماعي الضروري لحركة التحرر من الإمبريالية، ويبقى أنْ نناقش العلاقة بين ذلك المضمون والإطار القومي العربي، وأنْ نقدم رسالة الأمة العربية الموضوعية. 
  لعل أهم ما يربط قضية الثورة الاجتماعية بالمسألة القومية هو التخلف ذاته، مفهومه وعلاقته بالتبعية. تتميز بنى التخلف – كما ناقشنا في مقالنا "بنية التخلف"- (سبقت الإشارة إليه) بتمفصل قطاعات الإنتاج المختلفة مع الخارج بحيث تتم عملية إعادة الإنتاج عن طريق العلاقة مع الخارج. ويحدد هذا التمفصل أوزان القطاعات الإنتاجية التداولية المختلفة في الداخل وأشكال تمفصلها مع بعضها البعض. ومن ثم نقول إنَّ التبعية هيَ جوهر التخلف. في ظل هذا الوضع يسود الرأسمال التجاري على بنية الإنتاج الداخلية، ولا يمكن الحديث في مثل هذه الحالة عن سيادة أيٍّ من أنماط الإنتاج الداخلية. هذا الرأسمال يسود باعتباره أداة علاقة التبعية على المستوى الاقتصادي. ويترتب على هذا التصور بالضرورة أنَّ كل الفئات الاجتماعية المالكة لوسائل الإنتاج ضالعة في علاقة التبعية ومستفيدة منها، مما يجعلها أداة فعالة في إعادة إنتاج هذه العلاقة. هذا التصور لا ينفي الصراعات الداخلية بين الفئات الاجتماعية المالكة، فتطور وسائل الإنتاج في بعض القطاعات – المحكوم في التحليل الأخير بتغير طبيعة الطلب في السوق الدولي- يؤدي لتغير الثقل النسبي لمختلف الفئات الاجتماعية المالكة، دون أنْ يعني ذلك تغير نمط الإنتاج السائد أو انتصار البورجوازية على الإقطاع، إلخ من التعابير المستعارة من التاريخ الأوروبي. 
  مغزى كل ذلك هو تزايد أهمية الإطار القومي في أيِّ حركة اجتماعية مناهضة للتخلف، لأنه لا يمكن إنهاء وضعية التخلف دون الخروج من إطار التبعية، أيْ تحقيق الاستقلال القومي، ولأن الإطار القومي هو الذي سيجمع الجماهير المضطهدة الرازحة تحت عبء التخلف، نظرا لأنَّ وضعية التخلف تمنع تبلور الطبقات الاجتماعية أصلا بسبب اختلاط وامتزاج أشكال الاستغلال الاقتصادي في عملية إعادة إنتاج التخلف، ومن ثم يصعب بل ويستحيل أنْ تتبلور قيادة طبقية تاريخية للنضال المرتقب. لا محل في رأينا للقول بقيادة تاريخية للطبقة العاملة للنضال ضد التخلف – التبعية، وإنما هيَ تحتل موقعا من النضال الاجتماعي – القومي يتناسب مع نموها العددي والتنظيمي والظروف الخاصة التي ميزت تطور الصراع الاجتماعي تاريخيا في ظل بنية التخلف. 
  هذه هيَ الأطر العامة لحركة تحرر في بلد متخلف ضد السيطرة الإمبريالية. وهيَ في هذه الأطر العامة لا تختلف عما حدث في روسيا والصين وفيتنام وكوبا وغيرها.. فكلها تميزت بخاصية عدم تبلور الطبقات الاجتماعية واختلاف وزن الطبقات المقهورة في النضال ضد التبعية، وكلها انتهت بالقضاء على الفئات الاجتماعية المالكة لصالح قيام مشروع لبناء مجتمع مستقل – متطور تحت إدارة مرتبة اجتماعية Stratum  هيَ بيروقراطية الدولة. ونحن نقول إنها مرتبة مسيطرة – على عكس التصور الشائع – لأننا نأخذ بعين الاعتبار أنَّ نمط الإنتاج يتحدد بالشكل الاجتماعي لإنتاج وإعادة إنتاج الفائض الاجتماعي، وأن الطبقة المسيطرة (المرتبة في هذه الحالة) تتحدد بأنها الطبقة المتحكمة في العملية الاجتماعية لتدوير الفائض الاجتماعي وإعادة إنتاجه. ومن ثم يمكن القول أنْ نمط الإنتاج السائد في – هذه البلدان هو "نمط الإنتاج البيروقراطي الحديث". 
  ولعل هذا التطور يفسر لنا – دونما حاجة للتعميمات الحضارية – أسباب التحويرات أو الإضافات التي أدخلها قادة الحركات الثورية في هذه البلدان على الماركسية ؛ فبدون وعي منهم، وجدوا أنفسهم مطالبين بأنْ يستخدموا النظرية الماركسية لأغراض مختلفة عن الغرض الذي من أجله أنشئت في البدء. ومن أجل هذا تحولت الماركسية على أيديهم إلى عقيدة دوجمائية تعاليمية واكتسبت صبغات وطنية. ولكن من جانب آخر لا يمكن أنْ تغفل حقيقة أنَّ الماركسية كعلم – أو جانبها العلمي بالمعنى الذي تناولناه، من قبل – رغم كل شيء ما زالت نظرية الثورة في هذا العصر، وهيَ التي تحققت تحت راياتها أعظم انتصارات الشعوب المضطهدة بدءا من الثورة الروسية حتى ثورة نيكاراجوا مرورا بالصين وكوبا وفيتنام وانجولا وموزمبيق. وليست هذه الحقيقة محض مصادفة وإنما هيَ نتيجة منطقية للميزة الأساسية التي تتمتع بها النظرية الماركسية: أنها تنظر لكل حركة سياسية على أنها حركة اجتماعية "طبقية"، وأنَّ كل إشكاليات المجتمع البشري – طالما ما زلنا في إطار المجتمع الطبقي والدولة – هيَ في التحليل الأخير إشكاليات اجتماعية، ويتبلور هذا كله في النهاية في موقف علمي واضح من الدولة، وكل حركة سياسية، حتى ولو كانت ماركسية تناست هذا الدرس، لاقت الهزائم والمذابح. 
  وبعد، فإنَّ الحركة الثورية العربية لن تخرج عن هذا الإطار العام. والأمثلة التي ضربتها كل شعوب البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة تثبت هذا، كما تثبته بتقديم مثل سلبي: كل هزائم الحركات القومية في المنطقة العربية. على أنَّ الحركة الثورية الاجتماعية القومية العربية لها خصوصيتها التاريخية ورسالتها الموضوعية التي لن يقدر لأيِّ جزء آخر في العالم الثالث أنْ يلعبه، بفضل موقعها الإستراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية. وخصوصية أمتنا نابعة من تراثها، على أنْ ندرك أنَّ تراثها وتاريخها – مثل أيِّ تراث وأي تاريخ – يحوي مفاهيم متناقضة تنبثق من تناحرات اجتماعية دارت بين قوى متصارعة، وبالتالي يحوي تراثنا عناصر سلبية رجعية و أخرى ثورية إيجابية. هذا الجانب الأخير من التراث نؤيد توظيفه في خدمة أهداف هذه الأمة ومعركتها المصيرية، على أنْ ندرك جيدا أننا نواجه مشكلات جديدة بشعارات جديدة، وأن هذا التراث غير قابل للاستخدام من قبل جميع "طبقات" الأمة، وإنما سيخضع بالضرورة لعمليات إعادة تفسير متناقضة تنبعث من التناقضات الأساسية التي تحكم حركة المجتمع. ومن ثم لا يمكن أنْ ننصح أيَّ قوة قومية عربية بأنْ تظاهر مطالب حضارية مبهمة من حيث مضمونها الاجتماعي مثل مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية، لأنَّ تمييع التناقضات الاجتماعية في الشعارات السياسية لا يعني الحياد وإنما يعني مساندة القوى الاجتماعية السائدة.. فكل من يقف موقفا سلبيا من الصراع الاجتماعي يكون مثله كمثل من ألهيَ حملا بينما الذئب يقترب.. فمن باب أولى إذن أنْ نعارض من يروج للذئب عند الحمل، ونقصد الدعاية النظرية الجديدة "للفكر العربي الجديد" التي تقف صراحة في صف الإبقاء على الامتيازات الاقتصادية الاجتماعية لطبقة من رجال الأعمال. ولسنا نقف هذا الموقف دفاعا عن مصالح جماهير العرب الكادحين فحسب، وإنما أيضا للحيلولة دون الحركة القومية العربية ودون الوقوع في مستنقع مصالح هذه الفئات المضادة للاستقلال القومي. هكذا نفهم التشابك، بل والتماهيَ بين الهدف القومي والهدف الاجتماعي في عملية الاستقلال القومي العربي المضادة للتبعية للإمبريالية. 
  أما من ناحية الرسالة الموضوعية لأمتنا العربية، فهيَ بتواضع ليست أقل من الإجهاز على السيطرة الإمبريالية على قارتي آسيا وأفريقيا.. فالدولة العربية الموحدة، كما تفضل وأشار الأستاذ عادل حسين ستكون القوة العظمى الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الأمر الذي سيترتب عليه إعادة بناء التوازنات الدولية، الأمر الذي سيترتب عليه على مدى أطول انحسار السيطرة الإمبريالية عن أفريقيا وغرب ووسط آسيا. وما نتصور أنَّ هناك مشروعا آخر في العالم يستطيع أنْ يوجه مثل هذه الضربة العميقة القاتلة للإمبريالية، وأنْ يفتح بالتالي أمام شعوب العالم أجمع – بما فيها شعوب هذه البلدان الإمبريالية نفسها – سبل تطور حر جديد نحو مجتمع إنساني بكل معنى الكلمة ؛ مجتمع لا طبقي يحرر الإنسان نهائيا من الاضطهاد والعبودية للقمة العيش، ويفتح أمام الإنسان أبواب تاريخه الحقيقي .
  وإلى أنْ تتحقق كل هذه الأحلام / الأهداف، يهمنا أنْ ننوه هنا – مرة  أخرى  إلى – أنَّ الحضارة التي ستقيمها أمتنا العربية ستكون حضارة دنيوية، مثلها مثل كل حضارة سابقة في كل مكان من المعمورة؛ حضارة دنيوية على نحو صريح بمعنى أنَّ هدفها هو الإنسان.. حضارة ستطور قوى الإنتاج وتقيم مجتمع الرفاهية وتشجع الإبداع العلمي والأدبي والفكري، وستسهم بالتالي في تطوير أركان العلمانية العقلانية العالمية، بتحريرها لأفراد هذا المجتمع من الفقر والجهل والمرض. 
  
  6- منهجية "الفكر العريي الجديد"
  في الفصول الأربع السابقة تعرضنا للأفكار الرئيسية التي استند إليها "الفكر العربي الجديد" بالنقد.. وهدفنا الآن أنْ نتعرض لمنهجية هذا الفكر.. تناقضاته ومسلماته، فضلا عن الأسس غير المعلنة التي نرى ضرورة نقدها لارتباطها الوثيق بطبيعة هذا الفكر، ونعني بها تحديدا نشاط التيارات السلفية المتزايد. 
  أولا: رد المعلوم للمجهول: وضح للقارئ الدور الخطير الذي تلعبه الفكرة الحضارية في "الفكر العربي الجديد".. فبموجب هذه الفكرة أمكن تنحية فكرة الصراع الاجتماعي كمحرك للتاريخ لصالح "الصراع الحضاري"، وأمكن نفي العلم الاجتماعي استنادا إلى الأصل الحضاري للنظريات الاجتماعية، وبفضلها سيمكن تحويل "طبقة" سائدة تابعة إلى "طبقة" سائدة قومية مستقلة. أما لماذا ينقسم العالم أصلا إلى حضارات وليس إلى طبقات اجتماعية فأمر لم يسع الكاتب لتحليله في أيِّ مكان. وبالطبع يمكن للأستاذ عادل حسين أنْ يقول إنَّه أمر غير قابل للتحليل إلا من وجهة نظر حضارية، عن طريق بحث الفوارق بين الحضارات. ولكن معنى ذلك أنَّ الفكرة الحضارية تبرر نفسها بنفسها، فهيَ مطلق من نوع جديد لا يمكن معرفته وبالتالي لا يمكن قبوله أو رفضه عقليا، وقد تلافينا هذا المأزق الذي حاول عادل حسين أنْ يضع فيه خصومه بالرجوع إلى المستند الأول لكل مناقشة تتعرض للتاريخ وتفسيره، وهو التاريخ نفسه.. الوقائع. 
  وهكذا يمكن القول إنَّ مشروع "الفكر العربي الجديد" بمجملة عبارة عن تناقض كبير أو بالأدق مصادرة كبيرة على المطلوب؛ فهو يحاول ببساطة أنْ يقنعنا عقليا بأن العالم الإنساني غير معقول، ولعل هذا التناقض يبرز بأكثر أشكاله حدة في أنَّ عادل حسين استهل كتابه بالدعوة للمناقشة بعيدا عن المسلمات، بينما هو يستند أصلا إلى المسلمة الكبرى غير القابلة للنقاش التي أوردناها أعلاه. وبصورة أعمق، لا يمكن للإنسان أنْ يتبنى النظرية الذاتية والنظرية الموضوعية للمعرفة في نفس الوقت (وليس للإنسان من قلبين في جوفه).. ولكن هذا بالضبط ما حاول عادل حسين أنْ يفعله. وبصفة عامة، تستند كل نظرية إلى مسلمات.. ولكنها في حالة النظريات العقلانية مسلمات واقعية موضوعية، من قبيل أنِّ الإنسان كائن اجتماعي مثلا، ولكن مسلمة عادل حسين كانت ذاتية كما ناقشنا من قبل. 
  ثانيا: ومن ثم ولَّدت المسلمة الأولى في حركتها مسلمات عديدة.. على عكس مسلمات الفكر الموضوعي؛ فالمسلمة الموضوعية تبتلع التناقضات في جوفها أثناء حركتها، كما أوضح هيجل في منطقه، على عكس مسلمة عادل حسين. ومن أمثلة ذلك تسليمه بأنَّ مجتمعات المعسكر الشرقي وما شابهها هيَ مجتمعات اشتراكية – أو بالأحرى تأرجح في تقرير ذلك – والتسليم بانقسام العالم إلى حضارات، وبعداء الحضارة الأوروبية – بصفتها كذلك – لنا. صحيح أنَّه قدم أمثلة هنا وهناك لإثبات أفكاره، ولكنه لم يقدم تحليلا يثبت فيه كيف تكون "الدنيوية" إياها معادية بالضرورة، أو كيف أنَّ الانقسام الحضاري للعالم هو بالضرورة محرك التاريخ. والحال أنه لا يمكن الحديث عن مقولة علمية خارج فكرة الضرورة، لأنَّ ما هو غير ضروري غير معقول، بمعنى أنه لا يمكن الاعتماد عليه لا في الفكر ولا في العمل. كذلك الحال في فكرته حول أنَّ الإسلام هو الرسالة الروحية للأمة العربية، فهو يكتفي بالرصد، وهو حتى غير دقيق. 
  ثالثا: ومن عيوب المسلمات الذاتية أيضا أنها توقع نفسها في التناقض حين تحاول أنْ تفض Unfold نفسها، ومن ثم نجد تناقضا منطقيا بين فكرة شمولية هذه النظرية الحضارية وفكرة انقسام العالم إلى حضارات، أيْ بين الفكرة ونفسها، لأنَّ الحضارة في هذه الحالة، كنسق مغلق، لا يمكن تفسيرها تفسيرا علميا بسبب أصالتها الذاتية، الأمر الذي يتناقض تناقضا بينا مع ادعاء أنَّ جوهر وجود الإنسان هو الوجود الحضاري، وهو ادعاء لازم للنظرية وإلا باتت غير متسقة45. ولهذا التناقض امتدادته الأخرى، وأهمها هنا التناقض بين المحتوى الحضاري لمفهوم التبعية والاستقلال وبين محاولة وضع مشروع علمي للاستقلال يفترض أنه خال من المسلمات.. أيْ أنه يستند لواقع موضوعي. وحين نقول موضوعي نقول بالضرورة أنه واقع قابل للمعرفة العلمية، الأمر الذي يتناقض مع رفض العلم الاجتماعي، المستند بدوره إلى المحتوى الحضاري … إلخ. 
  رابعا: البراجماتية: ولكن "الفكر العربي الجديد" لا يحلق في تهويمات فلسفية عليا، لأنه يسعى في نهاية المطاف لأنَّ يروج مشروعا معينا، ومن ثم فلا بديل أمامه سوى البراجماتية: فإذا كان "الفكر العربي الجديد" عاجزا عن تبرير انقسام العالم لحضارات تبريرا موضوعيا، لأنَّ الفكرة نفسها ذاتية لا تحتمل هذا التبرير، وإذا كان عاجزا من ناحية  أخرى عن الإخلاص لذاتية منهجه ورفض إعلان أيِّ تبرير أو تعليل لمشروعه، فإنَّ لديه مخرجا تقليديا مفتوحا، أنْ ينوه برصد معين غير دقيق ليبني عليه مشروعه للتحرر: إنَّ "الإسلام"46، معادٍ للإمبريالية ولنمط استهلاكها الذي قذف بنا إلى التبعية، فمرحبا به ليخلصنا! ولكن إقرار هذه الصيغة البسيطة التي لا تتعدى (واعرباه! وإسلاماه!)، كان لابد له من أنْ يمر أولا على جثة موضوعية المعرفة البشرية و"علمية" العلوم الاجتماعية. ولكل هذه العيوب المنهجية، لا نجد أيَّ مبرر موضوعي لمشروع الأستاذ عادل حسين ؛ فهو يختار موضوعه بناء على الملاحظة الحدسية المباشرة، دون أنْ يتعمق الاتجاه الحقيقي لحركة الواقع، وكيف يتعمق ما دامت المعرفة ذاتية؟
  وعلى الجانب المقابل لم يكن مقدرا لهذه الصيغة البسيطة أنْ تشرح نفسها جزئيا إلا باللجوء اضطرارا إلى العلم الاجتماعي الذي سبق لها أنْ رفضته، ويمكن لكل المطلعين على أدب التنمية وخاصة لدى كتاب أمريكا اللاتينية أنْ يروا بوضوح أثر هذه الكتابات في مشروع "الفكر العربي الجديد".. فهو لا يتعدى فك الارتباط مع السوق الدولي أداة الإمبريالية في فرض التبعية، مع رداء إسلامي ملفق. 
  خامسا: دور الفكر الغربي: يصعب أنْ تلمس تطبيقا للمنهج النظري العربي الإسلامي المستقل في كتاب الأستاذ عادل حسين، رغم كل ما أثاره من ضجيج حول هذه النقطة. فليست هناك رابطة واضحة بين العقيدة الإسلامية وبين نمط الاستهلاك المنشود الذي هو محور عملية الاستقلال المقبلة – على المستوى الاقتصادي. كذلك سبق أنْ أوضحنا أنَّ الجذور الفلسفية للفكرة الحضارية مستقاة من الفلسفة الغربية الذاتية اللا أدرية، وكذلك الحال بالنسبة للبراجماتية. فيمكن القول إذن أنَّ "الفكر العربي الجديد" استعاد من الفكر الغربي أسوأ ما فيه. بل إنَّ النظرية الحضارية نفسها منتوج ثقافي غربي، ألماني – بريطاني على وجه التحديد.. ففكرة انقسام العالم إلى حضارات، كل منها لها مفهومها واستقلالها الخاص، والذي لا يمكن إرجاعه إلى عوامل  أخرى موجودة عند شبنجلر وكذلك فكرة الروح الدنيوية للحضارة الغربية المعاصرة، والتي عبر عنها شبنجلر بفكرة "الفاوستية" أيْ الرغبة في الانتشار والسيطرة، والاهتمام بالكم وحده.. الكم المادي دون الجانب الروحي الكيفي. ونسبة الحضارات إلى الأديان مأخوذة عن توينبي وكذلك دور الأديان في أحياء الحضارات التي تعرضت للتحدي الأجنبي. 
  ولابد هنا من التنوية بأنَّ النظرية الحضارية ناتجة عن تناقضات المجتمع الرأسمالي المستعصية، الأمر الذي أدى لانحطاط الفكر الأوروبي وتأزم العلاقات الاجتماعية في ظل تقاعس القوة الاجتماعية القادرة على التغيير بسبب ما تبتلعه من رشاوى مادية تأتيها من قبل الإمبريالية. هذه الأزمة دفعت بعض مفكري الغرب إلى الاتجاه إلى "الروحانيات" والتنظير لها.. وهو نزوع عام قائم في المجتمع الغربي يتمثل فيما نسمعه عن افتتاح معاهد وأقسام لدراسة السحر وقراءة الكف … والبحث عن الفردوس الروحي المفقود في ضباب الكوكايين، وانتشار حركات الهيبز.. وكل مظاهر التمرد غير العقلانية والفاقدة لكل مشروع للتغيير. 
  ونظن أنَّ حالة اليأس والقنوط التي تمر بمجتمعنا العربي الآن مع توغلنا في الحقبة البترولية – الإسرائيلية – رغم اهتمام عادل حسين بنفي ذلك – هيَ المسئولة عن امتداد هذه الأفكار إلى واقعنا. وليس بخاف على القارئ تفشي الأفكار الغيبية، التي وصلت إلى حد دعوة أحد زعماء الأحزاب الرسمية المحترمين إلى الدعوة بشكل جدي في عدة أعداد من الجريدة الحزبية إلى البحث عن كنوز قارون في الفيوم لحل مشاكلنا الاقتصادية!! والشعور السائد شعبيا في هذه الحقبة المظلمة لا يقتصر على مجرد الشعور بانسداد الطرق والحصار، وإنما – وهو الأخطر – الشعور بالضياع.. غياب الهدف. ومن الطبيعي في هذه الظروف أنْ ينبري البعض بالبحث في دفاتر التاريخ القديمة عن شيء يحرك شعبنا في هذا الوضع القاتل.. ولسان حالهم يقول – وراء الحركة السلفية المعاصرة – لقد كنا العالم الأول طوال العصر الإسلامي، فهيا بنا نستعيد مكانتنا القديمة بالرداء القديم المجرب عينه.. ولكن رداء فارس القرون الوسطى المدرع المزركش لا يمكن أنْ يثير فيمن حوله ما سبق وأنْ أثاره من رعب في عهوده السالفة العظيمة، ولن يمكنه أنْ يبعث فارسه القديم من القبر. 
  سادسا: وهذه نقطة لا ترتبط بالضرورة بـ"الفكر العربي الجديد" أيْ النظرية أو الفكرة الحضارية، ولكن أقحمها عادل حسين دون مبرر واضح. ونقصد هنا دفاعه عن الناصرية، حيث إنَّه لايتناسب مع أطروحته نفسها. فأمر معروف أنَّ الناصرية انتهجت في الاقتصاد سياسة إحلال الواردات التي من شأنها تعميق التبعية بتعميق التناقض بين نمط الاستهلاك وبين القدرة الذاتية على إشباعه – بتعبيرات عادل حسين. كما أنَّها من جهة  أخرى لم تركز على البعد الإسلامي الذي يتخذ لدى كاتبنا كما هو معروف موقعا محوريا، يكاد يكون فاصلا بين الاستقلال والتبعية. ولا شك أنَّ تجربة بهذا الوصف جديرة بشجب "الفكر العربي الجديد" بدلا من القول بأنها كانت تمضي "في خط قريب من خطنا المقترح" (ص121)، أو كان عليه أنْ يمتنع على الأقل عن وصف التجربة بأن هزيمتها لم تكن أكثر من هزيمة محتملة47 (ص 204)!!
  كذلك نلاحظ أنَّ انتقاداته العينية الأخرى للناصرية لم تؤخذ بعين الاعتبار بشكل جدي – أيْ بتحليلها.. فقد أشار إلى القصور في صلابة بنيتها ضد التحديات الخارجية وراديكالية توجهها الاستقلالي بمفهومه الحضاري الإسلامي (ص 121)، وأنَّ التغير في النسق الاقتصادي وأوضاع الطبقات لم يكن كافيا لتواصل التنمية المستقلة، مما أدى لتبديد جزء هام من الفائض (ص 169)، وأنَّ أصحاب الدخول العليا في العهد الناصري مثلوا طبقة أكثر ترهلا مما تتطلبه المهام الثورية، كما أنَّ الجهود التي بذلت في مجال التنظيم السياسي عموما كانت أقل مما تتطلبه حماية النسق المستقل واستمراره (ص 181)، كما ينتقد موقفها المعادي للديمقراطية وقمعها للنقابات العمالية والمهنية والجامعات (ص 247) وموقفها السلبي بل والعدائي إزاء العناصر السياسية التي باركت مشاريع الناصرية (ص 254). ونلاحظ أولا عمومية الصياغة وميوعتها في مقاطع عديدة، كما نلاحظ ثانيا، وهو الأهم، أنَّ الكاتب لم يقدم تفسيرا واحدا لهذه "الأخطاء"، وبعضها قاتل، يؤخذ عادة في الاعتبار عند تحليل طبيعة النظام نفسه وحقيقة مشروعه. والأهم من ذلك أنه رفض أنْ يربط بين أيٍّ من انتقاداته السابقة وبين سقوط الناصرية، وأعلن أنْ: "أيُّ ثورة يمكن أنْ تنتكس لأسباب من خارجها أو من داخلها" (ص 193)، رافضا أنْ يناقش أصلا. صحيح أنه أشار إلى النفط العربي وهزيمة 1967 كأسباب، ولكنه أشار إليها كأسباب لتفسير سهولة سقوط الناصرية وليس السقوط نفسه. 
  إنَّ هذا الدفاع المستميت عن الناصرية رغم تناقضها البين مع مشروعه يثير ما لا يعد من علامات الاستفهام. ولا نجد للأسف تفسيرا سوى العنصر البراجماتي الأصيل في منهجية عادل حسين، فمشروعه لتوحيد القوى الإسلامية والعلمانية الثورية على أسس، هيَ في التحليل الأخير نفعية براجماتية، لابد وأنْ يرتكز على أهم قوة علمانية في الساحة السياسية الآن، وهيَ الناصرية. وإذا أردنا تفسيرا أكثر تعاطفا قلنا إنَّ عادل حسين ما زال متأثرا بالحقبة الناصرية التي دافع عنها طويلا، وطالما حاول ترشيدها في مجلة "الطليعة". 
  بقي أنْ نتعرض للملاذ الأخير "للفكر العربي الجديد"، فإذا ما جردنا هذا الفكر من كافة المصطلحات والألفاظ الحضارية – والتي تعد من وجهة نظرنا دنيوية بأحد المعاني التي يقصدها عادل حسين نفسه – يتبقى أمامنا شيء واحد: فالأستاذ عادل حسين يعلن أنه يسعى إلى التوفيق بين الإسلاميين والدنيويين في بلادنا من أجل إعادة توحيد عقل الأمة – على حد تعبيره. بل ولا مانع لديه من الاختلاف بعد ذلك وتعدد المدارس والاتجاهات ولكن على أرضية إسلامية. وهذا التصور ينطوي على قبول عام للتيارات الإسلامية الحالية التي تتمثل غالبيتها العظمى في الجماعات الإسلامية بمختلف اتجاهاتها. وتؤول أفكار الأستاذ عادل حسين حول هذه المسألة إلى نتائج بالغة الأهمية، فالنظرية الحضارية تستوعب بالضرورة بل وتحتضن الجماعات الإسلامية الحالية. وقد يحتج الأستاذ عادل حسين على هذه الفكرة، ولكنه كما يبدو لن يستطيع أنْ يتهم هذه الاتجاهات بالدنيوية أو الانتماء إلى الغرب. فهيَ بالضرورة تقف في معسكر ما يسميه بالحضارة الإسلامية. وبما أنَّه قسم العالم إلى حضارات ووضع الإسلامية في مواجهة الدنيوية، فمن الطبيعي أنْ يتبنى هذه الاتجاهات بشكل أو آخر، أما ما إذا قرر معاداتها واعتبارها دنيوية تلبس عباءة الإسلام (أيْ منافقة بالمعنى الإسلامي الحضاري!) فإنَّه يكون قد اقترب كثيرا من طريقنا، فيصبح من الممكن في هذه الحالة أنْ يعتبر الحضارة الإسلامية طوال القرون الماضية مجرد حضارة دنيوية اتخذت ثوبا إسلاميا شكليا.. وينتهي الأمر بسقوط أطروحته كلها تلقائيا. والحقيقة أنَّ الأستاذ عادل حسين لم يقع في هذا الفخ بل وجدناه يتبنى شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو الشعار الذي تعيش عليه هذه الاتجاهات دون أنْ يعلن أنه ينتمي تماما إليها. ويبدو أنه يعتقد بأن الجماعات الإسلامية تحمل إمكانية ثورية إسلامية دون أنْ تكون قد بلغت هذه المرحلة من التطور فعلا. أما خطته المتعلقة بالتقريب بين الإسلاميين والدنيويين فنظن أنه يستهدف منها "أسلمة" الدنيويين و"عقلنة" الإسلاميين؛ فأفكاره تتضمن الاعتقاد بأن الجماعات الإسلامية مجرد مرحلة في اتجاهه الإسلامي الخاص.. مرحلة تحتاج إلى تطوير. وبما أنَّ الأستاذ عادل حسين يقدم نفسه للعالم كثوري معادٍ للإمبريالية، فهو يعتقد إذن بوجود إمكانيات ثورية عند الجماعات الإسلامية المعاصرة. 
  فيم يتفق أو يختلف تصورنا عن عادل حسين؟ إننا لا نقول إنَّ كل فكر سلفي هو رجعي بالضرورة وفاشي … إلخ من التصورات المبتذلة الرائجة في أوساط اليسار العربي.. فنحن نعرف أنَّ الكنيسة في أمريكا اللاتينية اتخذت مواقفا ثورية بل وشاركت في دعم حركات ثورية ضد الإمبريالية والتبعية، كما أننا نعرف بالطبع أنه ليست كل حركة عقلانية (أيْ علمانية) ثورية بالضرورة، ولعل تاريخ الوفد خير دليل على ذلك، فضلا عن علمانية الإمبريالية نفسها كما نعرف جميعا. أكثر من ذلك، نحن نعتقد بالفعل أنَّ نظرية الأستاذ عادل حسين التي ترمي إلى التوحيد بين العداء للإمبريالية والقضاء على التخلف – التبعية وبين الاستقلال الحضاري، يمكنها مستقبلا أنْ تخلق تيارا سلفيا أكثر استنارة وقابل للتحول ثوريا.. هذا إذا ما تناسينا موقفه من الملكية الخاصة. ولكن هذه الإمكانية مشروطة في رأينا بظروف  أخرى عديدة، ولا نرجح تحققها بالشكل والمعدل الذين نعتقد أنَّ عادل حسين يتوقعهما. فهذه الجماعات تتميز بعدم قبول التعدد الفكري والسياسي.. ليس هذا فحسب، بل إنَّ أغلبيتها تفتقد لأيِّ إمكانية للتعدد أصلا بسبب استنادها إلى مفاهيم أيديولوجية غامضة للغاية، كما أنَّ لديها قناعات عمياء لا تعبر عن مصالح قوى اجتماعية ثورية من الناحية الموضوعية؛ فهذه الغيبية تعبر عن جماعات اجتماعية تفتقد لأيِّ أفق موضوعي للتطور، أيْ لا يرتبط وجودها برسالة ثورية: جماعات الطلاب والمهنيين. وليس صدفة أنَّ وجود الجماعات الإسلامية محدود للغاية وشكلي في أوساط الفئات الاجتماعية الهامة: العمال – الفلاحين، وذلك رغم ضخامة عدد من تستطيع حشدهم لإقامة الصلاة48 … إلخ. وهذا اللاتحدد والتغييب يصلحان أرضية مثالية لإمكان استخدام هذه الجماعات بواسطة القوى السياسية الفعالة في المجتمع، وبحكم قناعاتها العمياء تكون هذه الجماعات قابلة تماما وعلى نحو يكاد أنْ يكون مطلقا للاستخدام بواسطة القوى الرجعية. وليس من الصدف أنَّ هذه الجماعات تتمتع الآن بعطف فئات واسعة من أصحاب رؤوس الأموال (الإسلام الثروي بتعبير فرج فودة). كما لم تكن صدفة أنَّ تاريخ التيار الديني في مصر في حلقاته الثلاث التي ينقسم إليها، مر بمراحل متشابهة: التحالف مع الحكومة ضد التيارات اليسارية والوطنية49، طلبا لحرية الدعاية (وممارسة العنف أيضا) ثم إظهار الخلافات مع نظام الحكم حين يتخيل هذا التيار أنه وطد أقدامه في الساحة وبعد أنْ يكون قد أضعف التيارات المشار إليها، ثم الصدام، فالهزيمة. 
  ولعل سودان نميري تقدم لنا مثلا تطبيقيا واضحا.. فما أنْ فقد نظام نميري كل شعبية له، وضاقت القاعدة السياسية التي يستند إليها حتى اقتصرت على ثلة أوليجاركية تنهب الدولة والأفراد، حتى تحول لشعار تطبيق الشريعة الإسلامية.. وقد نجحت الفكرة كما يعلم القارئ فمدت  في عمر النظام نحو عام كامل بسبب التأييد الفوري الذي لاقاه الشعار من قبل هذه الحركات التي تغذت عليه سنينا طوالا. وهكذا صارت قضية السودان هيَ التأكد من أنَّ كل أواني الخمر قد كسرت وأنَّ يد كل سارق – في زمن المجاعة – قد قطعت، وأن الاتصال الجنسي يسير في حدود الشرعية. والواقع أنَّ الجنس يلعب دورا خطيرا في الدعوة الإسلامية المعاصرة، كرد فعل عكسي إزاء الكبت الشديد الذي يعانيه الشباب في الظروف الراهنة. ولعل من حسن حظ السودان أنَّ خطوة نميري جاءت في التوقيت الخاطئ بحيث عجزت عن منع الانتفاضة الشعبية.. ولكن لا شك أنَّ الحكام العرب قد تعلموا الدرس. 
  إننا مجبرون على أنْ نستنتج أنَّ هذا المشهد يمكن أنْ يحدث مرة أو مرات  أخرى بصورة أنجح، وبأشكال مختلفة: أنْ يرفع نظام ما شعار الشريعة أو يرفعه انقلاب عسكري ملتحٍ ومعمم، في اللحظة المناسبة … إلخ. 
  واستنتاجنا الرئيسي هو أنَّ عقلنة وتثوير هذه الاتجاهات يتطلب شرطا أساسيا هو تبلور ونمو اتجاه عقلاني – ثوري حقيقي وفعال مع تبلور حركة ثورية واسعة وقوية في أوساط القوى الاجتماعية الأساسية. كما أنَّ الأمر يحتاج إلى إلحاق هزائم مريرة بالتيارات السلفية نفسها، سواء على الصعيد المحلي أو على صعيد المنطقة (سقوط الخميني والنظام السعودي وضياء الحق … إلخ). فالمسألة لا تتوقف على مجرد حوار فكري مع الجماعات الإسلامية حيث إنَّ أفرادها لا يستندون إلى منطق معين وإنما إلى مشاعر وغرائز جياشة ومبهمة. ألم يلحظ الأستاذ عادل حسين نفسه هذه الحالة في ندوة "الإسلام والعلمانية" التي عقدت في دار الحكمة في يوليو 1986؟ والله لم يمنعهم من تحطيم المنصة وما عليها وسحل من عليها سوى وجود زعمائهم بالذات على هذه المنصة!!
  ورغم هذا لا يخلو الأمر من إمكانية تحول أقسام محدودة من الإسلاميين السلفيين تلقائيا أو من خلال الحوار في اتجاه أكثر استنارة، ولكننا ركزنا فيما سبق على التوجه العام المحتمل لهذه الجماعات. ويمكن تلمس مثل حيّ لذلك من تاريخنا الحديث، باستعراض مواقف سيد قطب في نهاية الأربعينات وكتاباته عن العدالة الاجتماعية ومعركة الإسلام والرأسمالية، واضطرار الإخوان لنشر برنامج سياسي واضح ومحدد آنذاك. 
  وبناء على كل ما سبق نعتقد أنَّ الشعار الذي يتبناه الأستاذ عادل حسين: تطبيق الشريعة الإسلامية لا يؤول إلى تغيرات اقتصادية – اجتماعية راديكالية، ولا حتى إلى تغييرات حضارية ملموسة. ومن الناحية العملية نجد مثالا متحققا لهذا التطبيق في المملكة السعودية التي تطبق هذه القوانين بحذافيرها – تقريبا. والواقع أنَّ مثال السعودية بالتحديد يوضح كيف يمكن تفسير حتى منهج عادل حسين العربي الجديد تفسيرا رجعيا: فمن حيث العقيدة الإسلامية وقلبها التوحيد فهو مطبق، ومن حيث التمسك بالتراث والتاريخ – بمعنى ما – فهو حادث.. حيث لازال النظام القبلي العشائري ساري المفعول، وحيث النظام الملكي ذو الصبغة الدينية كما عرفه العالم الإسلامي في أغلب عهوده، وإن كان مفتقرا لوشاح الخلافة، ومن حيث الاستفادة من معطيات الحضارة الغربية الإيجابية فهناك الصناعة الحديثة والطرق والجامعات إلخ. وبالطبع يعلم الأستاذ عادل حسين أنَّ العربية السعودية واحدة من أبشع نماذج التنمية التابعة في العالم بأسره، وليس هو الذي يحتاج إلى تنبيه في هذا الصدد بعد ما كتبه عن أثر المال النفطي في تخريب الأمة العربية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ومن كل الوجوه. ولكننا نلفت انتباهه إلى حقيقة نبه إليها المفكر الكبير فؤاد زكريا في ندوة دار الحكمة، وهيَ أنَّ صوتا لم يرتفع من جانب الجماعات الإسلامية في الوطن العربي إلا بالتأييد وإظهار الولاء لهذا النموذج الإسلامي. كما أنَّ صلات عديد من قادة الحركة السلفية المعاصرة بالعربية السعودية وأموال النفط مشهورة.. الأمر الذي يبرر تماما ما قاله الأستاذ فرج فودة عن الإسلام الثروي. 
  ولا شك أنَّ الأستاذ عادل حسين يعرف منزلقات شعاره، ولكنه كما نظن يعتقد أنَّ قطع الأيدي والأرجل (وهو المعنى الشائع للشريعة الإسلامية كما يفهمها معظم أفراد الأمة) لن يكون إلا البداية التي لابد من خلال ضغط الإسلاميين أنْ تمتد لتشمل الحضارة العربية كلها.. إنه إذن يراهن على إمكانية لم يحللها هو نفسه بدقة ووضوح، حيث إنَّه لم يضع تصورا واضحا للحضارة العربية الإسلامية المقبلة، بل ترك أمورا جوهرية عديدة للظروف، مثل مسألة الملكية الخاصة والديمقراطية إلخ. ولهذا بالذات وقع في فخ الجماعات الإسلامية و"منطقها" الفريد: فلنطبق الشرع ليصبح كل شيء على ما يرام، دون تحديد ما هو المقصود بالضبط بالشرع، ليتبقى شيء واحد هو "ما يعتقده غالبية أفراد الأمة": قطع الأيدي … إلخ. وقد لجأنا هنا إلى اقتباس منطق عادل حسين نفسه: "ما يعتقده غالبية أفراد الأمة"، فهذه كانت بداية أطروحته كلها، فقد اختار العقيدة الإسلامية لهذا السبب بالذات، ومن الطبيعي أنْ يختار قطع الأيدي للسبب نفسه، وفي أفضل الحالات كبداية لمشروع يفتقد إلى المنظور الاجتماعي، ومن ثم يضع نفسه – بنفس الطريقة التي وضعت بها الجماعات الإسلامية نفسها – في خدمة الإسلام الثروي المرتبط أشد الارتباط بالغرب. 
  وقد قدم لنا سيد قطب نفسه مثالا بارزا يدعم وجهة نظرنا سابقة الذكر، ففي "معركة الإسلام والرأسمالية" الذي صدر في الأربعينات شن هجوما عنيفا على الطبقة المسيطرة، أما في حقبة الثورة المضادة وسيادة الرجعية الناصرية، أعاد سيد قطب في الستينات تأسيس السلفية على أسس أكثر رجعية، وفي كتابة "معالم على الطريق" حذر الجماعات الدينية من أنْ تتورط في طرح برنامج سياسي.. هكذا بوضوح. 
  وبعد.. لقد أهدى الأستاذ عادل حسين مؤلفه الذي نقدناه إلى الشباب مستهدفا أنْ يقدم لهم دليلا للعمل يستوعب خبراته ويتجاوز سلبيات تاريخه، حتى لا يكرروا الأخطاء نفسها وكيْ يبدأوا من حيث انتهيَ. ونحن –  باعتبارنا ضمن "الشباب" – نشكره على هديته.. ولكن يبدو أنَّ نقد سلبيات أيِّ جيل لا يقوم به بالفعل سوى جيل تال.. ومن ثم نهديه بدورنا هذا النقد. 
  
  **********************
1 كل الاقتباسات في هذا المقال من كتاب عادل حسين ما لم يُشر لغير ذلك. 
 2 لعل من قرأ كتاب عادل حسين يدرك الجهد الذي بذلناه في عرض وربط مقولاته المتناثرة، دون إلحاق أيِّ تشويه بها. ويمكن للقارئ المتشكك أنْ يعود إلى الكتاب نفسه للتدقيق. 
3) واضح هنا أنَّ الكاتب يستلهم منجزات مدرسة التبعية بصفة عامة، والتي تحدد التبعية الهيكلية أو البنيوية جوهرا أو مضمونا لظاهرة التخلف الحديث، القائم في بلدان العالم الثالث. هنا – أيْ حيثما استلزم الأمر تحليلا علميا عقلانيا – لم يستلهم كاتبنا أيَّ نوع من عقلانية إسلامية. وسيتضح مغزي هذه الملاحظة لاحقا. 
4  وسنري كيف سيتراجع عادل حسين عن هذا التشخيص الدقيق. 
5   لا ندري حقا لماذا يعتبر عادل حسين التجربة الناصرية "توجها جادا نحو الاستقلال" في ضوء هذا التحديد للتبعية!! فالناصرية لم تغير نمط الاستهلاك المستورد، بل شجعته ونمته بسياسة إحلال الواردات، ناهيك عن عنصر الضعف الخطير إياه! 
6  ص58. والنص مأخوذ من: إسماعيل صبري عبد الله، نحو نظام اقتصادي عالمي جديد. 
7  سبق أنْ أوضحنا في عرضنا أفكار الكاتب بصدد الناصرية مرتكزاته الفكرية: البعد الإسلامي وإهمال الصراع الاجتماعي. وهذا ما سيعود إليه الكاتب.
8  هذا الفصل بين التخلف والتبعية يضر مشروع عادل حسين من جانب آخر؛ فيمكن أنْ يفترض البعض أنَّ حل مشكلة التخلف – بالتالي- يختلف عن حل مشكلة التبعية. ويتحول الأمر إلى نزاع "قيمي" لتحديد أيِّ الظاهرتين أهم وأجدر بالمعالجة: التخلف أم التبعية؟!! 
9  ولعل من أهم دلالات اهمال عادل حسين لمفهوم نمط الإنتاج في تحديد مقولاته أنَّه شكك في مواضع متفرقة (43-45)، في الطبيعة الاشتراكية لهذه البلدان وامتنع رغم ذلك عن محاولة تحديد طابعها الاجتماعي الحقيقي!
10  يعتبر عادل حسين أنَّ الدنيوية هيَ العقيدة (الأيديولوجيا) العامة السائدة في الغرب، وتنضوي تحتها كل المدارس الفكرية الغربية المتصارعة من الوضعية حتى الماركسية. والمطلق الحقيقي لهذه الأيديولوجيا عند عادل حسين هو المنفعة واللذة الحسية للإنسان (ص 16-17). وانعكاس هذا في الفكر الاقتصادي هو اتخاذ " الإنسان الاقتصادي مفهوما محوريا" (ص 37). هذه المحددات – فيما نعتقد – ترتبط بالنظام الرأسمالي. ولكن الكاتب يعرف الدنيوية – من جهة   أخرى – بأنها العقيدة التي تجعل الإنسان مركزا للكون (ص 30). ويبدو أنه يعتبر كل هذه التعريفات متماثلة. 
11 يضيف الكاتب بعد ذلك ما لا يمكن تسميته سوي " بملاحظات" حول الأيديولوجيا التي يتبناها الحزب الشيوعي الصيني، مركزا على اختلافاتها عن ماركسية ماركس، لتأييد أطروحاته. وهذه الملاحظات يمكن تفسيرها بتفسيرات عديدة من نواحٍ مختلفة غير أسطورة الاستقلال الحضاري كما سنري. 
12 بالطبع تعني هذه العبارة ضمنا – وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار ما ذكره الكاتب حول الأساس الموضوعي للتبعية – أنَّ دولا مثل فيتنام وكوبا، لا تتمتع بالموارد الطبيعية الجبارة لروسيا والصين، لم يؤد كفاحها البطولي الطويل سوي لاستبدال تبعية غربية بأخرى شرقية! وهذا توكيد آخر لتجاهل الكاتب لتأثير الصراع الطبقي وتغير السلطة الاجتماعية في التاريخ.
 13  وإنْ كنا حقيقة نتعجب من هذا التقرير، فأين دور الأرض (أو الطبيعة) على حد تعبيره؟ ألا يقع عادل حسين بذلك أسيرا للعقيدة الدنيوية!! ولكن عادل حسين بذلك لا ينسى أنْ يشير – في الصفحة التالية – أنَّ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج لا تتعارض مع نموذج – وبالتالي مشاريع – البنك الدولي، بل ويساعد على تشغيل هذا النموذج. وبودنا حقا أنْ يضطلع الأستاذ عادل حسين بإثبات ذلك، شرط أنْ يأخذ مصائر الصراع الاجتماعي بعين الاعتبار دون الاكتفاء بفحص نماذج مجردة! 
 14 رغم إشارته لموقف ماركس الحاد إزاء النسق البورجوازي الغربي (ص71 ).
15  راجع أيضا هامش (10)، لاحظ أيضا المفاهيم الماركسية التي أدخلها عادل حسين في إطار الأيديولوجيا الدنيوية. 
16   ويرتب عادل حسين على ذلك أنَّ الإسلام لا ينطوي على تخريب البيئة بعكس الدنيوية.. فهو إذن يعتبر أنَّ علاقة الإنسان بالطبيعة مفهوما نسبيا أو أيديولوجيا، يختلف من حضارة لأخرى.
17 قبل أنْ نشرع في نقد أفكار عادل حسين، نرى أنْ نوضح هنا – منذ البداية – أنَّ الكاتب تولى بنفسه هدم أطروحته هذه. فهوهنا- كما هو مفترض – يقدم لنا مثالا لهذا التطوير. ولكن مهما أجهد القارئ نفسه في دراسة أطروحاته العينية، فسيجد نفسه مجبرا على استنتاج أنَّ عادل حسين وضع مشروعا تفصيليا للاستقلال، استنادا – مع التحوير والتحريف – إلى ما حققته المدارس الراديكالية العالمية في رصد أشكال التبعية للإمبريالية، وليس استنادا إلى نظرية عربية إسلامية تستند إلى المفهوم الجوهري سابق الذكر، حيث إنَّه لم يتعرض لهذه المسألة على امتداد صفحات الكتاب إلا في أعم عمومياتها، رغم محوريتها بالنسبة لتنظيراته. 
 18  ومن هنا جاء نقد هيجل له، وأثبت عن طريق هذه النقطة أنَّ المعرفة البشرية كلها موضوعية. 
19 هذا تحليل مبسط نوعا. ويمكن الرجوع – مثلا إلى – كتاب إمام عبد الفتاح إمام: المنطق الجدلي عند هيجل، حيث يعرض الكاتب نقدا أعمق لمفهوم الشيء في ذاته. 
20   قارن مع أفكار الأستاذ عادل حسين. 
21  لعل من أعجب المفارقات أنَّ أصحاب هذه النظرية، وهم الذين أنكروا مبدأ العلية في التاريخ، أجهدوا اذهانهم – كما لاحظ القارئ – في إيجاد تفسيرات سببية تدعم نظرياتهم. وإنْ أثبت هذا شيئا فإنما يثبت أنَّ موضوعية الفكر البشري قدر لا مفر منه لكل من يتصدى للتنظير للمجتمع البشري وتاريخه. إننا أمام نموج مصغر من مقولة الشيء في ذاته.. فكلما سعى منظرونا الحضاريون الذاتيون للبرهنة على صحة نظرياتهم الحدسية اندفعوا أكثر فأكثر في هدم أسسها اللاأدرية الحدسية. 
22  التوتم (أو الطوطم) هو نوع من النبات أو الحيوان تتصور العشيرة أو القبيلة أنَّه جدها الأصلي وأنها انحدرت منه، ولذا يكون محل عبادة ويحرم أكله. 
23 انظر: سيد عويس، الازدواجية في التراث الديني. 
24  لم يوضح الأستاذ عادل حسين مفهوم العقلانية من وجهة نظره، فاضطررنا لوضع التعريف الذي يتناسب مع أفكاره من عندنا. 
25 يقدم كتاب مكسيم رودنسون: الإسلام والرأسمالية، أمثلة عديدة على التحايل على النص القراني الذي يحرم الربا مثلا، أثناء فترات ازدهار النشاط التجاري المشار إليها.
 26   لا تخلو المقولة مع ذلك من صحة: إنَّ المجتمعات الإقطاعية أثبتت أكبر مرونة تاريخية في تحقيق الثورة الصناعية. ولا أدل على ذلك من أنَّ إنجلترا التي لم يكن يقطنها حتى القرن السادس الميلادي سوى قبائل بربرية هيَ التي حققت الثورة الصناعية الأولي في العالم، لقد تحققت بعد ذلك ثورات صناعية بأساليب مغايرة، ولكن في ظل شروط معينة أهمها وجود هذه الثورة الصناعية الأولى ونتائجها المتمثلة في الاستعمار الإمبريإلي. عدا ذلك نحن نجهل تماما ماكان يمكن أنْ يحدث لو أنَّ ظروفا كارثية ما قد أجهزت على شعوب أوروبا واليابان جميعا. 
27 يكفي أنْ يلاحظ عادل حسين التزييف الذي يحيط بهذه الفكرة في بلادنا. فمن الشائع تصوير التعديلات العلمية المحدودة، التي أدخلت على ترتيب داروين لنشوء الأنواع وتطورها كما لو كانت قد قضت على كل أسس فكرة داروين نفسها. ويتزعم الدعاة الدينيون المشهورون الترويج لهذا التدليس.. وليست بخافية منطلقات هذا التزوير الفكرية. 
Main Currents in Marxism, vol. I. 28 
 29 أما الأستاذ عادل حسين فهو يدافع كما رأينا عن رجال الأعمال ودورهم المرتقب في مشروعه الجديد، أيْ أنْ يحاول الحفاظ على استمرارية الأساس الموضوعي لأيديولوجيا الإنسان الاقتصادي التي ينتقدها. 
 30والواقع أنَّ هناك صياغات كثيرة متناثرة للكاتب توحد بين أوروبا بشكل مطلق لا تاريخي وبين الأيديولوجيا الدنيوية في أسوا حالاتها. ولكن يعود فيقول (ص 71): "إنَّ الثورة الصناعية البورجوازية اقتلعت كل التراث السابق عليها من القيم وبلا تفرقة بين المتغير والثابت". وهذا القول بدوره بعيد تماما عن الصحة. وعلى سبيل المثال، من المعروف أنَّ نمط الديمقراطية البرلمانية الغربية يمتد بجذوره إلى العهد الإقطاعي (بل وإلى عهد دولة المدينة الإغريقية)، إذ كان مبدأ الحقوق التصويتية المتساوية في الأمور القضائية والتشريعية واتخاذ القرارات المصيرية معمولا به في مجلس السيد الإقطاعي (الكبوريا) ومحكمته الخاصة. والأمثلة في كل المجالات تفوق الحصر. على أننا نود أنْ نستنتج شيئا من هذه المناقشة العابرة، هو أنَّ الاستمرارية الثقافية- الحضارية لشعوب بعينها عبر الانقلابات الجوهرية (تغير نمط الإنتاج السائد) لا تعني استمرار نفس الإطار الثقافي وإنما استمرار جوانب مختلفة من القيم والعادات الاجتماعية بعد أنْ يتبدل دورها وتتغير أهميتها، وتخضع للتغير المستمر من كافة الجوانب. 
 31 ولاينسى الأستاذ عادل حسين أنْ يزح بالماركسية في الموضوع؛ فيشير إلى نظرية نمط الإنتاج الآسيوي، التي تقدم كتفسير لتاريخ الشرق، ووضعها لهذا النمط في لائحة أنماط الإنتاج الشهيرة قبل النمط العبودي. وكون أنَّ هذا النمط قد وُضع هذا الموضع فهو أمر يعود إلى الاحتفاط بالمشاعة القروية القديمة وقيام الدولة فوقها وليس على حسابها وتفكيكها. لقد تحولت المشاعات القديمة إلى مشتركات قروية فحسب، ولم يقل ماركس إنَّ هذا النمط أقل تقدما من الناحية التقنية والحضارية، فقد أشار غير مرة إلى أعمال الري العظمى التي أقيمت… إلخ. وفضلا عن أنَّ الكاتب تجاهل ذلك فهو لم يناقش النظرية أصلا – أيْ لم يوضح وجه الخطأ فيها – مكتفيا بوصمها بالعداء للشرق. وليس هذا هو الموضوع الوحيد الذي رفض فيه الكاتب المناقشة، فقد عودنا طوال الكتاب على هذا المسلك غير العلمي. وفضلا عن ذلك لا يقول كل أنصار فكرة النمط الآسيوي – كما يدعي الأستاذ عادل حسين – أنَّ هذه المجتمعات تنكبت الطريق الإغريقي "الصحيح" وإنما قالوا ببساطة إنه طريق مختلف يعود لظروف موضوعية بعينها. أما عن إشارته الصحيحة إلى بشاعة العبودية عند الإغريق، فهيَ بالفعل في محلها، على ألا ينسى من فضله ثورة الزنج في العصر العباسي. 
32 ليس هناك تصور أكثر سذاجة من التصور بأن سكان هذه المناطق الشاسعة قد تحولوا إلى الإسلام بسبب الاقتناع. فهذه الشعوب كانت امية لا تعرف القراءة أو الكتابة في جانبها الأعظم، فلم يتيسر لها القيام بمقارنة الأديان ببعضها مقارنة عقلية. هناك أيضا تصور ساذج مقابل يرجع انتشارا الإسلام إلى الرغبة في الهرب من دفع الجزية وتولي المناصب العامة. لا يمكن إنكار دور مثل هذا العامل، ولكن اعتباره عاملا حاسما يحوي كثيرا من الشطط. فقد كان من الأولى طبقا لهذه الفكرة أنْ يخضع المصريون لعبادة الإمبراطور الروماني وأنْ تتركز آمالهم في الحصول على المواطنة الرومانية. 
33 راجع مقال "بنية التخلف، www.modernization-adil.blogspot.com/2011/.../blog-post_5738.ht.

 34 راجع مقال "بنية التخلف.
35 سبقت الإشارة في عرضنا لأفكار الأستاذ عادل حسين إلى البعد الاقتصادي المكمل لهذا البعد الحضاري؛ بُعد "تكامل الموارد الاقتصادية". ولا نفهم لماذا يعتبر الأستاذ عادل حسين بلدا مثل اليابان مستقلا، حيث إنَّه من أفقر البلاد في الموارد الطبيعية الجوهرية للصناعة ويعتمد على الخارج في استيراد الجانب الأكبرمن احتياجاته منها!!
 36 نحن نميز مفهومي التأخر والتخلف كالأتي: - 
   التأخر هو تأخر درجة نمو قوى الإنتاج، وهذه مسألة نسبية. 
   التخلف: بينية اقتصادية – اجتماعية تتمحور حول الآخر وليس حول ذاتها، بحيث تنمو في توافق مع الخارج لا مع نفسها. 
37 لا يمكن الحديث فيما يخص عصري الخفاء الراشدين والدولة الأموية – على الأقل – عن إدماج شعب مصر في الثقافة العربية الإسلامية بحيث يعتبر نقل هذه الفوائض نقلا محليا من منطلقة لأخرى داخل نفس التكوين الثقافي
 38 نقصد بموقف الدفاع التاريخي، أنَّ نمط الإنتاج السائد في هذه البلدان يتميز بالضعف النسبي لآلية التراكم الداخلية به، فلا تحركه الرغبة في رفع معدل الربح كالبنى الرأسمالية، ولا تنظيم شعبي ديمقراطي حقيقي يستند إلى مجتمع بدون طبقات أو مراتب اجتماعية متميزة. ومن ثم لا مفر من استنتاج أنَّ معدلات واتجاه التراكم فيه تحركها إلى حد كبير متطلبات المحافظة على الاستقلال وتأمين المجتمع إزاء التقدم التكنولوجي وبالتإلي العسكري في البلدان الإمبريالية. 
 39 مما لا يمكن إنكاره أنَّ الملكية الخاصة (سواء الملكية الفردية في الغرب أو ملكية الدولة في الشرق) لعبت دورا هاما في تطوير القوى المنتجة وبالتالي في صناعة الحضارة. ولكن من الحقائق المعروفة في التاريخ أنَّ التطور الحضاري قد ترافق حتى وقتنا هذا – كما قال روسو – مع انحطاط إنساني. 
 Rosa Luxemburg, The Accumulation of Capital, chs. 27-30 40 
41 لا ندري حقا لماذا يدافع عادل حسين عن الملكية الخاصة الفردية، رغم أنها كانت شبه غائبة وهامشية في ظل الحضارة الإسلامية! لقد توقف الأستاذ عادل حسين في النقطة الخاطئة تماما عن المطالبة بالعودة للتراث، في الوقت الذي لم يجد فيه مانعا من مناقشة مدى ملائمة الجلباب والجلوس على الأرض لنمطنا الحضاري المنشود!!
 42 نتحفظ على التعبير الوارد بين القوسين لأسباب ذكرناها في مقالنا:" بنية التخلف". 
43 نلفت انتباه القارئ – عرضا – هنا إلى المنطق البراجماتي لهذا التصور، فضلا عن إعادة تأكيد فكرة المحتوى الحضاري للنظريات الاجتماعية؛ فإدراك العلاقة السببية ليس له علاقة هنا بصحة أو خطأ أدوات التحليل وإنما بتكوين ثقافي معين. 
 44 نود أنْ نؤكد للقارئ أننا لا نقصد مطلقا أنْ نصف الأستاذ عادل حسين بهذه الأوصاف، فهو حقيقة لم يذكر ذلك في كتاباته، وإنما نحن نمد الأمور على استقامتها حتى نبرز النتائج التي يمكن أنْ تترتب على أيدي البعض من انتشار هذه الأفكار. 
 45 ليس هذا هو الحال في النظرية الماركسية القائمة على فكرة الصراع الطبقي وانقسام العالم إلى طبقات، لأنَّ الطبقة لا يمكن تعريفها إلا في إطار أشمل منها، هو دورها الاجتماعي في عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج.. أما الحضارة، فليس لها من إطار مرجعي مماثل، فلا مرجع لها سوى ذاتها، وهيَ وحدها التي تفسر نفسها بنفسها.. إلخ. 
 46 نضعه بين قوسين إشارة إلى طابعه المطلق الخالي من المحتوى الاجتماعي لدى "الفكر العربي الجديد".. وقد سبق أنْ أوضحنا أنَّ هناك أكثر من إسلام واحد. وسنرى لاحقا طبيعة الإسلام السائد الآن لدى المطالبين بتطبيق الشريعة، وكيف أنَّه غير معاد بالضرورة للإمبريالية والتخلف – التبعية. 
 47 نحب أنْ تنوه هنا بأننا نرى أنَّ الناصرية كانت في جوهرها ثورة مضادة نجحت في تحطيم المد القومي الشعبي وأنقذت النظام الاجتماعي من ثورة محتملة، في فترة عصيبة تميزت بانتعاش الجماهير العربية وصحوتها وعنف مواجهتها للإمبريالية.. ولكنها كي تحقق هذا الهدف في هذه الظروف كان عليها أنْ تظهر بمظهر ثوري وأنْ تواجه شرائح بعينها من الفئات المالكة. ولما أدت الناصرية مهمتها ازيلت ببساطة (قدم عادل العمري دراسة تفصيلية بعنوان:"الناصرية في الثورة المضادة"- منشورة على: 
 https://www.4shared.com/office/NHArwsbj/___.html

 48 لا يخفى علينا – وهذه رسالة خاصة للأستاذ عادل حسين حتى لا يسيء فهمنا – أنَّ "السلفيين الماركسين" لا يختلفون اختلافا ملموسا عن السلفيين فيما يتعلق بهذه الأمور، اللهم باستثناء اللغة. 
 49 نلاحظ أنَّ التحالفات والخصومات جميعا كانت مع وضد قوى دنيوية ولصالح المعسكر الرجعي أو الأكثر رجعية في أغلب الحالات.

                                          ***********************


إرسال تعليق

يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل