هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الأحد، 4 يونيو، 2017

في ذكرى 5 يونيو

قيل: إن هزيمة أمة أمام أمة أخرى هي هزيمة لفلسفتها.. والأفضل كما أظن أن نقول: دولة، وليس أمة.
اليوم ذكرى هزيمة 1967 التي سماها النظام: نكسة. ويصورها الناصريون كمؤامرة غربية ضد الناصرية بسبب إنجازاتها الرهيبة – زعما - في التصنيع وإقامة الاشتراكية ( مع تجاهل الدور الجوهري للمعونات الأمريكية الكبيرة لدعم عبد الناصر في الستينات)..
الجيش يكون صورة مكثفة للنظام. وكان الجيش الناصري محكوما بنظرية أهل الثقة، وتحكمه الشللية، ومكتظا بالفساد، وتسوده الهرجلة والإهمال، ولا يفضل الجنود المتعلمين، بل الأميين، وأسلحته تفتقد للصيانة. وكان هناك تمييز كبير بين الجنود والضباط، وكان الضباط المرضي عنهم أقوى من غيرهم بغض النظر عن الرتب..وقد كانت بداية بقرطة الجيش ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة رائد إلى لواء مباشرة.
من الناحية العسكرية كانت هزيمة مخجلة؛ فلا إعداد للحرب، ولا حتى كانت توجد نية للحرب أصلا، ورأس السلطة أعلن من قبل أنه غير جاهز للحرب ضد إسرائيل، ومع ذلك حشد الجيش وأغلق مضيق تيران وطرد قوات الطوارئ الدولية وأعلن أنه سيمسح إسرائيل!!. الجيش المصري في سيناء كان 80-100 ألف جندي أغلبهم بلا تعليم ولا تدريب (كثير منهم ذهب إلى الجبهة بالجلابيب!!)، بينما حشدت له إسرائيل 70 ألف جندي متعلم وعالي التدريب..ناهيك عن الفرق الضخم في قوة التسليح وفعاليته والفرق الأسطوري في منظومة الإمداد والتموين والاتصالات..إلخ.
كان الفشل العسكري يجسد فشل الناصرية ككل.
في الحقيقة أن الناصرية قد أفل نجمها منذ أواسط الستينات: فشلت خطتها الخمسية 1960-1965 ( مثلما فشلت خطة 1957-1960) وارتفعت الديون، بل اضطر النظام إلى التوقف عن دفع التزاماته للدول الأخرى، وتقرر إنشاء منطقة حرة في بورسعيد، كما تم الترحيب برئيس البنك الدولي، وبدأت الأسعار في الارتفاع منذ 1964-1965، وزادت السلطة من الضرائب غير المباشرة بمائة مليون جنيه، وأصبحت الصناعة تواجه مشكلة في تصريف إنتاجها بسبب عجزها عن التصدير وضيق السوق المحلية، كما حقق الناتج القومي نموا سالبا عام 1966؛ فبينما بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 8.7% بالأسعار الجارية عام 63-1964، راح يتدهور بعد ذلك، فبلغ 4.4% عام 65-1966، ثم بلغ صفر تقريباً عام 66-1967 ثم – 2.5% عام 1967 – 1968 بالأسعار الثابتة لعام 64-1965. كما تناقص معدل الاستثمار من الناتج القومي من 17.7% عام 64/1965 إلى 11.9% عام 67/1968. ومنذ 1965 تدهورت إنتاجية الأرض سنوياً بمعدل 0.45% بسبب إهمال الدولة لمشاريع الصرف. كما ازدادت حاجة البلاد من المستوردات الغذائية بدرجة ملموسة، بينما راح استهلاك الفرد من المواد الضرورية يتناقص ابتداء من 66/1967.
 في نفس الفترة كانت قد تكونت قوة اجتماعية سموها وقتها بالطبقة الجديدة؛ كبار رجال دولة - رجال أعمال في نفس الوقت، وتغلغلت في الاتحاد الاشتراكي، وراحت أصوات ممثليها في السلطة تعلو مطالبة بالانفتاح الاقتصادي وإعادة النظر في مجانية التعليم بالجامعة وفي سياسة تعيين الخريجين، وقد انتهجت الناصرية سياسة "انفتاحية" لصالحها بعد حرب 67 واتخذت قرارات عديدة لصالح القطاع الخاص. بالمقابل بدأت بعض الاحتجاجات الشعبية وإضرابات محدودة وإطلاق النكات على النظام وتشكيل حلقات يسارية وإخوانية سرية من جديد.
وفي ذات الفترة كانت القوات المسلحة تعاني من نزيف كبير من القتلى والمعدات في اليمن. ومقابل ذلك ظهرت منظمة فتح وبدأت العمل المسلح ضد إسرائيل ساحبة البساط من تحت أقدام الناصرية، كما سيطر يسار البعث على السلطة في سوريا وراح يقصف إسرائيل من حين لآخر..وراحت السعودية والأردن وسوريا تمارسان ضغطا إعلاميا شديدا على عبد الناصر بسبب تقاعسه في الرد على هجمات إسرائيل المتكررة على الأردن وسوريا وتحويلها لمجرى نهر الأردن..
 باختصار أفل نجم الناصرية وأصبحت تواجه مقدمات الانهيار. من هنا راح الزعيم يتوق إلى استعادة شباب دولته ونفوذها المعنوي في المنطقة ولم الصفوف في الداخل المحتقن بافتعال نصر خارجي، متصورا أنه سيكرر نصر 1956 السياسي المحدود رغم الهزيمة العسكرية، أو نصر 1960 الوهمي حين حشد الجيش أمام إسرائيل ثم سحبه.
وقد علق علق دافيد داوننج وجارى هيرمان على هذا السلوك قائلين: " اكتشف الرئيس المصري ناصر الذي كان قد أسكرته نشوة ظهوره المفاجئ من أغوار اليأس، حياة جديدة في الخطابة البلاغية القديمة".. "وكان في قرارة نفسه يصلي لكيلا تحارب إسرائيل وألا ينخسها أحد للقيام بتوجيه الضربة الأولى على الرغم من أنه ينخسها هو باستمرار".
لكن لم تأت الرياح بما تشتهي السفن؛ فقد كان هناك قرار أمريكي بتدجين الحكومات القوموية في العالم الثالث عموما، ومنها الحكومة الناصرية، خصوصا أن عبد الناصر قد اندفع في انتقادها في موضوع فيتنام وتدخل في أزمة الكونغو بالسلاح، حفاظا على حلفائه في العالم الثالث، والسوفيت. وقد تم قطع المعونات الأمريكية الضخمة، والألمانية في منتصف الستينات، ثم نجحت إسرائيل في جرجرته للحرب، بمعاونة الإعلام العربي واستفزازات سوريا لإسرائيل..وكانت الطامة الكبرى.
تضافر الفشل الاقتصادي مع المعاناة في حرب اليمن مع ظهور "الطبقة الجديدة" مع إعلان الأمريكان غضبهم على الحكومات "الناصرية" عموما..
الحقيقة أن هزيمة 1967 كانت هزيمة للنظام الناصري بكل مكوناته وليست مجرد هزيمة عسكرية.
كانت النتيجة ليست فقط تحطيم الجيش بل اعتراف الناصرية بحق إسرائيل في الوجود داخل حدود آمنة بموافقتها على قرار مجلس الأمن 242، وقام وزير الخارجية بتبرير هذا القبول أمام البرلمان بحجة أن مصر قد اعترفت بإسرائيل فعليا عام 1949 حين وقعت معها اتفاقيات الهدنة، ثم كرر نفس الفكرة أمام أحد الصحفيين الأجانب بعد ذلك. ثم التنازل عن شعارها القائل بوحدة القوى التقدمية ورفع شعار جديد: "التضامن العربي"، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة، كما تبنت فكرة "تحييد أمريكا" في الصراع العربي الإسرائيلي. منذ ذلك الوقت أسقط من القاموس الناصري شعار تحرير فلسطين وحل محله شعار أكثر "واقعية"‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ هو: "إزالة آثار العدوان". أما عن رفض استخدام الدين في السياسة الدولية في السابق، فقد تنازلت عنه الناصرية، وبعد التحالف الجديد مع السعودية بدأ عبد الناصر ينادي بوحدة المسلمين مع المسيحيين ضد إسرائيل، ويتحدث عن خطر الصهيونية على الإسلام والمسيحية.
وأخيرا بدأ النظام يعيد بناء جيشه ويخطط لحرب 1973، فحشد كل طاقاته واستعان بقوات إضافية من السوفييت ودول عربية وكوريا الشمالية، ومع ذلك كانت كل إمكانياته هي عبور قناة السويس كحرب لتحريك المفاوضات مع إسرائيل، التي عبرت هي الأخرى قناة السويس وحاصرت نصف الجيش المصري..وكانت آخر الحروب.
كانت هزيمة 5 يونيو هي هزيمة كاملة للأيديولوجيا الناصرية المعلنة، والتي كانت قد صارت فلسفة الجماهير المصرية بوجه عام، وللنظام ككل، فكشفت عن أنها كانت مجرد دعاية ديماجوجية أخفى بها الناصريون قدرات نظامهم الحقيقية..فقد كان نمرا من ورق.
وبعدها اتخذ النظام الناصري مسارا آخر..




السبت، 11 فبراير، 2017

البروليتاريا الجديدة: التهديد الحقيقي للنظام في مصر؟ البروليتاريا الجديدة: التهديد الحقيقي للنظام في مصر

 عادل العمري
أقصد بالبروليتاريا الجديدة، الجماعات المهمشة إجتماعياً والتي تعمل خارج سيطرة الدولة، أو ما يمكن أن نسميه “مجتمع الظل”. تشمل البروليتاريا الجديدة العمالة غير المسجلة ومعظمها يعيش في العشوائيات، وبعض أفرادها غير مسجل في سجلات الدولة أصلا.. ومنهم الملايين يقتاتون قوتهم بشكل موسمي أو يوماً بيوم، دون التمتع بأيِّ نوع من التأمين، ومعظم المنخرطين في إقتصاد الظل. وقد إعتدنا أن نسمي هؤلاء بأشباه البروليتاريين، أو المهمشين.

وهذه “الطبقة” تنمو بمعدل كبير في العالم كله، وقد تشمل معظم سكان مصر في الأفق المنظور. فالليبرالية الجديدة تنتج هذا النوع من البروليتاريا بفضل التهميش المتزايد للسكان. وفي مصر يتنامى عدد أفراد البروليتاريا الجديدة بفضل سياسة التخريب والنهب التي تتبعها الدولة.

هذه “الطبقة” تتميز بأنها بالفعل لا تملك ما تفقده، فلا ممتلكات تذكر، ولا دخل معقول، ولا تأمين، ولا وظائف مستقرة، ولا حتى كرامة محفوظة ولا أيِّ إحترام من قبل السلطات. هذه الحقيقة هي ما تجعل هؤلاء هم الخطر الأكبر على النظام والقوة المرعبة للمجتمع الرسمي كله. ففي المقابل نجد أن كافة القوى المنظمة، أو المجتمع الرسمي، إما خاضعة للدولة، أو تتقاسم معها المصالح بشكل مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل تتحرك في حدود تقررها الدولة، بما في ذلك النقابات العمالية والمهنية وجمعيات رجال الأعمال، والمنظمات السياسية الرسمية، ومؤسسات الإعلام، وحتى منظمات المجتمع المدني، ومن يتجاوز الحدود يتم تهميشه. فكل المنظمات من كل صنف مخترقة أمنياُ ومعظمها ينسق مع أجهزة الدولة أو على الأقل يراعي الحدود المسموح له بالتحرك داخلها. وحتى العمال المنظمون والموظفون الفقراء “يتمتعون” بالعمل المستقر إلى حد ما والـتأمينات والدعم الحكومي، الذي يتناقص، ورغم الفقر فهم في وضع تحسدهم عليه البروليتاريا الجديدة؛ التي لا تضمن فطورها صباح كل يوم..

هذه “الطبقة” لا تثير فقط خوف السلطة والطبقات الغنية، بل ترعب – وبشكل أشد في الحقيقة – الطبقة الوسطى المتآكلة بإستمرار، لأن الأخيرة لا تتمتع بحماية الدولة ولا تملك ثروة تمكنها من حماية نفسها، ولذلك نجد أعلى الأصوات تحذيراً من “إنتفاضة الجياع” هي أصوات تخرج من الطبقة الوسطة، المذعورة على وجه العموم طول حياتها.
إن شبح 18 يناير 1977 يبدو في الأفق…

الخميس، 2 فبراير، 2017

جنرالات الذهب وتحليلات





هل أتاك حديث عساكر الاقتصاد في مصر؟
 الباحث المعلوماتي  محمد حسني

مساعد باحث ومنسق الملف من جانب نون بوست/ أسامة الصياد
المواد التي يقوم بإعدادها فريق تحرير نون بوست


(تم تجميع سلسلة المقالات هذه من موقع نون بوست في ملف واحد لتكون أسهل في الاطلاع وتم استئذان الباحث قبل النشر- عادل)

مقدمة جنرالات الذهب.. نحو تنظيم قراءة الواقع بالشبكات:

منذ بداية الحراك العربي الكبير نهاية عام 2010، برزت مقاربات كثيرة لمحاولة فهم المشهد الاجتماعي - السياسي - الاقتصادي في مختلف الأقطار العربية خصوصًا بعد أن انحسرت الموجة الأولى وراحت سكرتها وبدأت الارتدادات العكسية توجه ضرباتها واحدة تلو الأخرى لكل إنجازات تلك الموجة.
ومع أن كثيرًا من تلك المقاربات طغت عليها الأيديولوجيا المغلقة وغير المدعمة بالبراهين، ومنظومات الكذب المختلفة كثفت جهودها لتضليل الناس، إلا أن شدة الوقائع والهزات العنيفة التي تعرضت لها قطاعات عديدة، وعدم قناعة الأجيال الشابة بما تنتجه الأيديولوجيات القديمة، أجبرت كثيرًا من الأطراف على عمل مراجعات أكثر انفتاحًا، ودفعهم للسعي لإعادة قراءة وفهم المشهد من جديد.
وإسهامًا من "نون بوست" في مساعدة مختلف الباحثين والدارسين والمتابعين والناشطين في العالم العربي من مختلف أطياف الفكر ومدارس النظر على التعامل مع التعقيد الشديد في المشهد ومع طبيعته الحيوية سريعة التغيير كثيفة التراكم، فإننا بدأنا في توظيف بعض أهم التقنيات الحديثة المتاحة من أجل بناء "قاعدة بيانات علاقات معرفية Knowledge Graph Database" ذات واجهات بصرية على شكل "خرائط شبكية" متعددة المستويات والأبعاد.
إن الحجم الكبير والمتراكم باستمرار من المعلومات المتاحة يحتاج إلى تنظيم فعال حتى لا تضيع المعلومات القديمة في الذاكرة تحت كثافة وإبهار المعلومات الجديدة، وحتى نستفيد من التراكم المستمر في بناء الصور المتغيرة باستمرار لمعرفتنا بشأن القضايا المختلفة، لذلك لجأنا إلى الاستعانة بقواعد بيانات من نوع خاص Graph Database لتمكننا من بناء التراكم المطلوب.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فمع التطور المستمر في الأدوات والقدرات الحسابية المختلفة زادت قدرة البشر على التعامل مع "النظم المعقدة" في الطبيعة تحليلاً وفهمًا، وكان مفهوم "الشبكة" من المفاهيم التي استفادت كثيرًا من تطور "نظرية الرسم البياني Graph Theory" حيث زادت القدرة على التعامل مع الكثير من النظم المركبة ودراسة العلاقات بين مكوناتها بالنظر لها على أنها "شبكات".
وفي العقدين الأخيرين ازداد إغراء التوسع في التعامل مع الأنشطة والتفاعلات والعلاقات الإنسانية المختلفة بالنظر لها على أنها شبكات، وأصبح من المتاح استخراج رسوم بيانية مع الكثير من المعلومات التي كان يصعب الحصول عليها بالطرق التقليدية، واستخراج الكثير من الدلائل منها وتفسيرها من زوايا نظر علمية مختلفة.
لذلك، فإننا سنتعامل مع أي مشهد اجتماعي  -سياسي - اقتصادي على أنه "نظام معقد" يحتاج إلى رسم خرائط شبكية حقيقية له وبالأسماء، لا مجرد رسومات بيانية.
توضح الخريطة التالية مثالا على ذلك مستوحى من معلومات تاريخية منشورة عن الرؤساء السابقين لمصر وعائلاتهم وامتداداتها ونفوذها (هذا مجرد مثال لما سيكون عليه شكل خرائط الملف): توجد على هذا الرابط: http://www.noonpost.org/content/16359
 (الفيديو التعريفي بكيفية استكشاف شبكة جنرالات الذهب)
كما وتتعدد الطرق التي يمكن بها عرض هذه الخرائط الشبكية. في المثال التالي نستعرض الخريطة السابقة بأسلوب قصصي شيق.
العائلا الحاكمة في مصر:
ونظرًا لأن المشروع طموح وكبير وفيه تحديات بحجمه، فقد قررنا أن نبدأ بموضوع محدد في قضية محددة اخترناها من وحي الأحداث الساخنة القائمة وبناءًا على توفر كم معقول من البيانات المتاحة في شأن الاقتصاد المصري والسيطرة العسكرية عليه والتداخل بين رؤوس الأموال المدنية ومشروعات الجيش، والتي ظهرت بصورة غير مسبوقة في آخر 3 سنوات، وبدأ الحديث عنها منذ قرابة 5 سنوات، ومع حلول الذكرى السادسة للثورة المصرية آثرنا أن نفتح القضية بشكل جديد "الشكل الشبكي" دعمًا لمبادئ الشفافية، وحرية تدوال المعلومات وحق الشعوب في الرقابة.
كيف تستفيد من جنرالات الذهب؟
حاولنا في نون بوست أن نبدأ من أصغر وحدة في هذه القضية الشائكة، وهي الأشخاص (مدنيين وعسكريين)، وعلاقاتهم بالمنظمات، وتشابك المشروعات الاقتصادية بين المنظمات والأشخاص، والتداخل بين كل هذه الشبكات.
تناولنا علاقات الأشخاص ببعضهم البعض والروابط التي تجمعهم:
    رابطة دم: أبوة / بنوة، قرابة، زواج، مصاهرة
    رابطة تنظيمية: رئيس، قائد، مدير، زميل عمل، زميل تنظيم
    رابطة مصلحية: تجارة، سياسة
    رابطة روحية: صديق، عدو، زميل دفعة، جار، عضوية طائفية
وكذلك تناولنا علاقات المنظمات ببعضها:
    رابطة تنظيمية: امتلاك، تعاون، تبعية، وكالة
علاقات الأشخاص بالمشاريع:
    عمل على
    له نفوذ: قوة النفوذ، وصف النفوذ
علاقات الأشخاص بالمنظمات:
    له منصب
    له نفوذ: قوة النفوذ، وصف النفوذ
علاقات المنظمات بالمشاريع:
    رابطة تنظيمية: امتلاك، تعاون
علاقات المشاريع ببعضها:
    رابطة تنظيمية: امتلاك، ارتباط
يمكنك من خلال تصفح هذه الشبكات في قطاعات مختلفة (الشبكة الداخلية للجيش، قطاع الصحة، قطاع الصناعة، قطاع الغذاء، قطاع السياحة، قطاع الاتصالات، قطاع الطاقة، وقطاع المشروعات القومية) الوقوف على حقيقة "الاقتصاد العسكري" في مصر من خلال هذه النماذج الشبكية، فتابعونا على مدار الحلقات القادمة.
المواضيع:
جنرالات الذهب
 "وهذا حتى لا يُخدش السطح"!

"وهذا حتى لا يخدش السطح".. تلك عبارة استعملها منفذ عروض سحرية في بداية تحليله وكشفه لطرق خداع الذين يعرفون بالوسطاء الروحيين أو خبراء التنويم المغناطيسي أو أصحاب القدرات الخارقة، ولكننا نجد العبارة هي الأكثر ملاءمة لوصف هذه البداية في تقصي شبكات علاقات الجيش والاقتصاد في أول وجه منها، وهي علاقة الجيش ورأس المال، فكلما تبحث أكثر في هذا المبحث، يتكشف لك الجديد الذي يجعلك تدرك أن ما يجري على السطح هو فعلاً قمة جبل جليد غاطس، ولكن بالنهاية هناك المزيد والمزيد أكثر عمقًا لمن يريد البحث أكثر.

وننوه بداية إلى أن علاقة الجيش والاقتصاد لها عدة أوجه منها علاقته بالاقتصاد الدولي، وعلاقته بالمجتمع وبالتنافسية المحلية داخل قطاعات الدولة المصرية، وشبكات الولاء له وكذلك اقتصاد الجيش العسكري، ونحن في هذه الدراسة نتناول جانبًا واحدًا منها وهو كما أوضحنا أعلاه علاقة الجيش ورأس المال.

إن قصة الجيش في مصر والاقتصاد تمثل بعمقها قصة الحكم بمصرعمومًا، ليس منذ 23 يوليو وإنما إن شئت قل منذ تأسيس الدولة المصرية وهو مرتبط بفلسفتها وغاية وجودها.

فإن كان تعريف كارل شميت للدولة بأنها سلطة الاستثناء، أي أن السلطة التي تستطيع الدولة أن تمارسها بالحالات الاستثنائية هي ما تعبر عن جوهرها حقًا وما تعنيه تلك الدولة من الأصل، فبالإمكان بكثير من التجاوز القول بأن ما يمارسه الجيش من عمل ربحي وتقاطعه مع الاقتصاد هو ما يعبر حقًا عما تعنيه سلطته وماهية دولته حقًا.

من وجهة نظرنا، هناك قصور دائم في الدراسات المتعلقة بالاقتصاد العسكري في مصر لأنها تنظر للقطاع العسكري على أنه منافس على حصته من الموازنة العامة مع قطاع التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها، وتغفل هذه الدراسات بناء تصورات أكثر وضوحًا تراعي مسألة بديهية وهي أن الجيش وغيره من الأجهزة الأمنية لديهم سيطرة مهيمنة (overwhelming) على بقية القطاعات الأخرى، ومع تحدي غياب المعلومات المتعلقة بموضوع السيطرة على الاقتصاد، يبرز هنا تساؤل: هل يمكن إيجاد نموذج قادر على قياس وتفسير هذه السيطرة؟

لنضع بداية التصورات السائدة أو النماذج التفسيرية والتحليلية الأشهر لدخول الجيش بالعملية الاقتصادية ومن ثم نقترح معالم النموذج الذي يمكن أن يكون أكثر تفسيرًا.

أولاً، هناك نموذج شانا مارشال في دراستها الشهيرة عما أسمته "الشركة العسكرية" وهي بتلك الدراسة التي تعد تأسيسية رصدت بالفعل جوانب مهمة من شراكات الجيش المصري الدولية، وتحديدًا في القطاع البحري، ولكنها بالنهاية خلصت لوضع تصور أو نموذج لاقتصاد الجيش في غاية البساطة، وهو أن تدخل الجيش بالاقتصاد غرضه ربحي بحت أو لتعميق المنافع المالية والاقتصادية للجيش فحسب، وبالتالي فإن تعامله مع الاقتصاد بحسب نموذجه هو بالنهاية تعامل براغماتي مصلحي.

ثانيًا، نموذج يزيد الصايغ بدراسته "جمهورية الضباط" والذي يدور أيضًا في فلك النموذج البراغماتي المصلحي في التفسير، ولكنه يضيف مصطلحًا صكه يزيد وهو "التنافسية العسكرية البينية"، وهو جزء من تصور رائج في تحليل قطاع الدفاع والأمن في مصر، وقد عبر عنه الدكتور أشرف الشريف بمصطلح "ملوك الطوائف"، يعبر هذا المصطلح عن أن قطاع الدفاع والأمن في مصر مكون من طوائف كملوك الطوائف بالأندلس قديمًا، أي طائفة المخابرات العامة والجيش والداخلية والقضاء  وبينهم تنافس مصلحي شرس، وبالتالي يبني يزيد الصايغ في نموذجه على هذا ويضيف بوجود تنافس بيني داخل كل قطاع، فهناك شبكات مصالح متقاطعة ومتنافسة داخل المؤسسة العسكرية وينعكس هذا التنافس على حصصها من الوظائف المدنية، وعلى الرغم من عظم الجهود التي وضعت في هذه الدراسة وكونها تضمنت جهدًا هائلاً في تحديد وجود الضباط المتقاعدين والحاليين في الجهاز المدني، ولكن ما يمكن استخلاصه منها عن مسألة "السيطرة" قليل.

قصة الجيش في مصر والاقتصاد تمثل بعمقها قصة الحكم بمصرعمومًا، ليس منذ 23 يوليو وإنما إن شئت قل منذ تأسيس الدولة المصرية وهو مرتبط بفلسفتها وغاية وجودها

ثالثًا، هناك من يقترح أن الأمر في النهاية وظيفة بيروقراطية محضة، فوسام فؤاد مثلاً في دراسته عن أدوار وزارة الإنتاج الحربي "وزارة الإنتاج الحربي: خصوصية الدور والمستقبل" يقترح أن وظيفة الجيش في الاقتصاد المدني وجدت منذ تأسيس دولة يوليو، ثم توسعت خلال السبعينيات، ووصلت الآن لأطوار توسعها الجديدة عبر إطار التدافع البيروقراطي بشكل آلي أو لأداء الوظيفة المطلوبة منها، فهي لها خط مرسوم منذ بداية تكونها وما يتم هو مجرد استئناف لهذا الخط المرسوم، وقد استخدمنا ما دلل عليه هذا النموذج من أدوار لوزارة الإنتاج الحربي، خاصة بقطاع الصحة، لكي نتحقق من قدرة هذا النموذج على التفسير أم أن الأمر في الواقع أكثر تركيبًا.

رابعًا، في مقابلة شخصية مع صاحب شركة استيراد وتصدير متداخل مع نشاط الجيش بهذا المجال وكذلك مقابلة مع باحث اقتصادي متخصص في اقتصاد الجيش، كانت وجهة نظرهم وتحليلهم هو أن الجيش ببساطة يتغول على ما يستطيع أن تصل إليه يده في تلك المرحلة، فهو لديه إشكاليات حادة مع قطاع المال والأعمال، وبالتالي يستهدف الحلقات الأضعف منها حتى يخرجها من السوق المصري ويحل محلها، ويتجاوز الأمر ذلك ليطال شركات في القطاع العام.

فالجيش الآن في ذروة قوته و"سلطانيته" وبالتالي هذا هو الظرف الاستثنائي الأمثل حتى يزحف سريعًا على كل ما تطاله يده، وحتى ما لا يقدر على مباشرته بنفسه، ويُحدث تخارج لكل من كان يتولى تلك القطاعات أو ينافسه بها، ولعل هذا هو سبب أن كثيرًا من التقديرات المبالغة في حجم اقتصاد الجيش المدني تأتي من رجال أعمال كتصريح نجيب ساويرس أن اقتصاد الجيش يمثل 40% من حجم الاقتصاد المصري حسبما نقل عنه تقرير نشر على ميدل إيست آي في مارس الماضي لباحثين منتمين للمدرسة الليبرالية، تحققنا في دراستنا من بعض الأمثلة التي أوردتها تلك المصادر من تخارجات لرجال أعمال أو زحف وتغول للجيش، ومجددًا لم نجد هذا النموذج قادرًا على التفسير بالقدر المناسب.


في المقابل، يقترح باحثون في الاقتصاد السياسي في أطروحاتهم نموذجًا خامسًا مناقضًا مفاده أن الجيش لا يتصادم أصلاً مع "رأس المال الكبير" mega big business وإنما يخرجه من مساحة السياسة فقط، وكمثال على هذا دراسة الباحث عمرو عدلي "مستقبل رأس المال الكبير في مصر السيسي" (http://carnegie-mec.org/2014/11/19/ar-pub-57272
)

وذلك لأسباب عديدة منها ارتباط رأس المال الكبير بالاقتصاد العالمي مباشرة، خاصة أن الدولة تمر الآن بمرحلة تحول اقتصادي دقيقة من حيث تبني أجندة "إصلاح" اقتصادي نيوليبرالي تهدف لدمج الاقتصاد عالميًا، فبالإضافة إلى أن رأس المال الكبير في الدول العسكرية عمومًا وفي الدول الإفريقية والعربية خصوصًا مرتبط بشكل مباشر بالاقتصاد العالمي، فإن حجمه مساوٍ لصافي إجمالي الناتج القومي للدولة بأكملها أو يتعداه، وما يعنيه هذا الأمر أن رأس المال الكبير هو القادر على منع الاقتصاد من الانهيار وخلق الوظائف وضخ السيولة بالاقتصاد وهو ما لا يستطيع الجيش عمله حتى ولو سيطر على الاقتصاد بشكل كامل، وإذا خرجنا من النموذج المصري سنجد تكرارًا له بالدول العربية والإفريقية العسكرية.

يدلل الباحثون في نموذجهم بعدة ظواهر مثل التصالح مع رجال أعمال نظام مبارك كأحمد عز وقانون الاستثمار الجديد الذي صدر العام الماضي والذي حل للمستثمرين مشكلة إمكانية تعطيل اتفاقاتهم مع الحكومة المصرية من المراحل العليا في القضاء كما كان يحدث في نظام مبارك، ولعل أبرز دلالة تجعل لهذا الطرح وجاهة فعلية هو أن نجيب ساويرس نفسه تراجع عن تصريحه السابق وأشار بعدها بشهر واحد فقط أن اقتصاد الجيش المصري لا يتعدى 10 إلى 20% فقط، وهناك من يتعمد المبالغة والتضخيم وأن الجيش محرك للاقتصاد وليس المهيمن! ولكن مجددًا عند بحث علاقة رأس المال الكبير بالجيش وجدنا أن الأمر أكثر تركيبًا.

وفي بداية بحثنا عندما كنا بصدد البدء بهذه الدراسة، كان التصور الافتراضي لدينا هو أن الجيش يتحرك فقط لإزاحة نخبة رجال الأعمال المرتبطة بجمال مبارك فيما كان يعرف بلجنة سياسات الحزب الوطني وأن يحل محلها، وبتجمع السلطة والبطش الذي لديه مع لحظة الاستثناء تلك، يستطيع الجيش أن يمضي في خطة الإصلاح الاقتصادي والتحول النيوليبرالي التي تردد نظام مبارك لمدة عشر سنوات في إتمامها، ولكن بعد مراجعة جزء من مفاوضات صندوق النقد، على الرغم من أن هذا المبحث بعيد قليلاً عن أصل البحث الذي بين أيدينا، وكذلك مراجعة نخبة رجال الأعمال التي أعادت تجميع نفسها في مجلس الأعمال المصري الأمريكي وجدنا أن الأمر أيضًا أكثر تركيبًا.

علاقة الجيش والاقتصاد لها عدة أوجه منها علاقته بالاقتصاد الدولي، وعلاقته بالمجتمع وبالتنافسية المحلية داخل قطاعات الدولة المصرية، وشبكات الولاء له وكذلك اقتصاد الجيش العسكري

سادسًا، هناك كذلك رؤية أخرى للاقتصاد العسكري مفادها السعي لتأمين حصص بكل قطاع بغرض السيطرة السياسية المجردة، وهي الرؤية التي يتبناها مثلاً الباحث الاقتصادي عبد الفتاح برايز في مقاله "المال ليس كل شيء: إعادة النظر في الاقتصاد العسكري في مصر"، وقد تناولنا كمثال علاقة القوات المسلحة بشركات مثل أوراسكوم والسويدي التي تناولها الباحث عبد الفتاح برايز في مقاله لنرى من خلال استعراض هذه الحلقات إن كانت تصلح تلك الرؤية بدورها كنموذج تفسيري أم أن الأمر أكثر تركيبًا من هذا.

سابعًا وأخيرًا، هناك من يحلل اقتصاد الجيش من منطلق دوره البنيوي في تكوين الدولة المصرية وأن الجيش في مصر والعالم العربي عمومًا هو مكون الدولة الصلب وأن لديه أدوارًا تتعدى دوره المباشر، أي الأمن والدفاع، إلى أدوار تعتبر من أساس وظيفة الدولة متعلقة بتحديث وتغيير المجتمع نفسه وإعادة تشكيل هذا المجتمع وتكوين ولاءاته للدولة، بالطبع، تعد أطروحة الدكتور أنور عبد الملك "المجتمع المصري والجيش" أبرز أطروحة تصف النموذج السابع بل ومن الممكن اعتبارها الأطروحة الأكاديمية الرسمية للدولة المصرية.

يضاف إليها أطروحته بكتابه الآخر "مصر مجتمع عسكري"، بالتالي من يحلل أدوار الجيش الاقتصادية وفقًا لهذا النموذج يفترض أن العقل المحرك للجيش المصري لديه وعي بأن الجيش لديه أدوار من أدوار الدولة نفسها يتقدمها تلك الأدوار المتعلقة بصياغة وتشكيل المجتمع المصري، وعليه فإن تحركه بالاقتصاد المصري ما هو إلا تفعيل لهذا الدور.

في مقابلة مبكرة لرأس النظام المصري الحالي عبد الفتاح السيسي مع الصحفي ياسر رزق من المصري اليوم، عبر السيسي عن هذا التصور/ النموذج بتعبير أبسط من لغة الأكاديميا حينما قال إنه يأتيه في الجيش فئات مختلفة من الشعب ويخرج منهم جميعًا "منتج" واحد بنفس المواصفات - استخدم بالفعل تعبير منتج بنصه! - فبالتالي هو يرى دوره في الدولة أن يعيد صياغة المجتمع مثلما يفعل في الجيش مع المجندين.

ولعل هذا المنظور بالنهاية يعتبر فعلاً الأكثر وجاهة، ولكن ليس وفق الأطروحة الكلاسيكية للدكتور أنور عبد الملك وإنما وفق تحليل منظور المكون العسكري ورؤيته لمفهوم الدولة والأمن القومي والمخاطر التي تحيق بالدولة، والتي شكلت نهج الجيوش العربية في التعامل مع تحدي ظاهرة الربيع العربي بحسب دراسة البروفيسير روبرت سبرينجبورج الباحث في معهد الشرق الأوسط، وبالتالي فإن تدخل الجيش في الاقتصاد بعد ثورة 25 يناير هو فرع عن أصل تصوره لتحدي الثورة، وهذا التصور مركب من حيث إنه يرى أن هناك أخطاء كارثية في دولة مبارك من حيث كونها دولة رخوة أدت لحدث 25 يناير، ولكن بنفس الوقت، يرى في 25 يناير أنها كانت وما زالت تشكل خطرًا وجوديًا على تصوراته للدولة المصرية والمجتمع المصري كما يجب عليه أن يكون، وننوه على أننا نشرنا بحثًا مسبقًا على نون بوست عن تصور الطغمة العسكرية الحاكمة الحالية لمفهوم الأمن القومي والعقيدة القتالية لديها وهو ما ستبني عليه تصوراتها في تحليل تمظهر تلك التصورات في تشابك الجيش مع رأس المال.

يقدم ما سبق إجمالي النماذج التفسيرية والتحليلية لتداخل الجيش المصري بالاقتصاد، ومع اتفاقنا واختلافنا معها والذي بيناه أعلاه، يبقى السؤال قائمًا: هل يمكن الاستعانة بنموذج آخر قادر على رصد وقياس وتحليل هذا التداخل بشكل أكثر شمولاً وتفسيرًا؟

بداية نوجز أقسام هذه الدراسة بأنها تناولت البنية الهيكلية للجيش المصري وخاصة البنية التي تتداخل مع الاقتصاد، والسؤال الأساسي في منهجية تحليل البيانات الكبيرة big data analyze  وبناء النظم الخاصة بها بمنهجية التحليل الشبكي هو: هل الهيكلية الرسمية والقانونية لأي مؤسسة - ونعني هنا القوات المسلحة - هي نفسها المعبرة عن شبكات النفوذ والمصالح؟ أم أنه توجد شبكات فرعية غير رسمية عابرة للهيكل الرسمي تعبر عن تلك المصالح والنفوذ؟

بعد مرحلة جمع البيانات وتنقيتها وتصفيتها، وجدنا أنه للتعبير عن شبكات السيطرة التي يمارسها الجيش على القطاعات الاقتصادية ومن ثم تقاطعها مع رجال الأعمال ورأس المال، فإنه يلزم تحليل شبكات القطاعات الآتية:

قطاع الصحة وقطاع الصناعة وقطاع السياحة وقطاع الاتصالات وقطاع الطاقة (تحديدًا في ثلاثة مستويات وهي البترول والغاز والبتروكيماويات واستيراد الفحم) وقطاع التعدين وقطاع الاستثمار وقطاع الغذاء والنقل والشحن البحري والاستيراد والتصدير وما يطلق عليه بالمشاريع القومية، وقد ضيقنا دائرة البحث لمشروعي حفر قناة السويس الجديدة ومشروع تنمية محور قناة السويس وما يرتبط بها مثل قطاع مواد البناء، كما تضمن ذلك نظرة عامة على التفاوض على قرض صندوق النقد الدولي وخطة تحرير سعر الصرف.

هذا على المستوى الأفقي، أما على المستوى الرأسي، فقد اهتممنا بإجابة سؤال: ما هي نخبة رجال الأعمال الحاليين؟ وبالتالي بحثنا عن تكوين شبكات رجال الأعمال المرتبطة بأربع دوائر تحديدًا وهي:

مجلس الأعمال المصري الأمريكي والغرفة التجارية المصرية الأمريكية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية واتفاقية الكويز.

وننوه هنا على أن بحثنا لا يتعرض بشكل أساسي لشبكات رجال الأعمال البينية، وإنما عرضنا منها ما هو متقاطع مع الجيش وما يوضح لنا دور الجيش في إدارة تناقضاتهم، إن وجد هذا الدور.


وكانت النتائج التي خرجنا بها من هذا البحث وبالتالي تمثل نموذجنا التفسيري لتداخل الجيش المصري بالاقتصاد المدني وتحديدًا تداخله مع رأس المال هي كالآتي:

1. كانت القيادة السياسية منذ ما بعد هزيمة 67 ثم لحظة صعود أنور السادات وصراعه مع "مراكز القوى" ثم إعادة التأسيس بعد حرب 73 وحتى تلك اللحظة فيما بعد الثلاثين من يونيو حريصة على إعادة صياغة التعبير القانوني عن تشكيل القوات المسلحة بحيث يحدث توازن قوى بين الأركان والتكتلات داخل الجيش، وبالتالي فالصياغة القانونية الرسمية لهيكلية الجيش هي التي تعبر بشكل كبير فعلاً عن تداخل قطاعات الجيش في الاقتصاد المدني وبالتالي أيضًا فكل القوانين التي استحدثت في عهد السيسي تأتي بهذا السياق التاريخي. وهو ما دللنا عليه في الحلقات مثلاً بالقانون الذي يتيح لهيئات الجيش المختلفة إنشاء شركات إما منفردة أو بالشراكة مع جهات قطاع عام أو خاص، وكان أول تطبيق له في تكوين الهيئة الهندسية لثلاث شركات وهو ما اصطلحنا عليه بتوصيفه "شركة عسكرية" لتمييزها عن شركات القطاع العام والخاص، فهذا القانون وهذا التطبيق المباشر له يمكن تفسيره أنه لموازنة تدخل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالاقتصاد المدني، وبالمثل كذلك استحداث الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تشرف على أدوار وزارة الإنتاج الحربي بالاقتصاد المدني وشمل تكوينها تمثيل متوازن للتكتلات داخل الجيش، وهذا يمكن تفسيره عمليًا بقدرة وزارة الإنتاج الحربي على التصنيع ودخول قطاع التصنيع المدني، وبالتالي يتوجب مراعاة توزيع "ريع" هذا التصنيع بشكل يعبر عن أوزان التكتلات داخل الجيش.

الخلاصة التي نستنتجها هنا أن العقل المحرك للجيش المصري لديه وعي فعلي بإمكانية ما سماه يزيد الصايغ "التنافسية العسكرية البينية" وبالتالي هو يحرص كل الحرص على وجود صياغة قانونية تمثل الأوزان النسبية داخل الجيش - اقترحنا مقياس لتلك الأوزان من 1 إلى 5 في تحليلنا الشبكي وسنشرحه لاحقًا - حتى تمنع أو تحوكم هذا التنافس من الخروج عن السيطرة وتهديد النظام الحاكم الحالي ككل.

نود التوضيح إلى أن هذا لا ينفي وجود تلك التنافسية العسكرية التي تحدث عنها يزيد الصايغ وإنما ما ينفيه هو كون تلك التنافسية خارجة عن السيطرة أو تمثل تهديدًا حقيقيًا للنظام، وللتدليل على مصداقية فرضيتنا، كان هذا سبب تناولنا بايجاز لتلك التنافسية في قطاع التعدين والمحاجر، وما ينتج عنها من تنافس في مناصب الإدارة المحلية، ومن خلال هذا النموذج، يتبين لنا مصداق أن التنافسية البينية داخل الجيش ليست خارجة عن السيطرة ولا تستدعي تكوين شبكات غير رسمية لأن ما تم صياغته من قوانين يجعل تلك الشبكات رسمية!

2. كانت خطوتنا التالية هي تناول التنافس داخل قطاع الدفاع والأمن، أي المخابرات العامة والجيش والداخلية وهو ما يتم التعبير عنه بالمصطلح الشهير "ملوك الطوائف"، حيث يوجد بالفعل تنافس حقيقي تتصاعد وتيرته أحيانًا حتى العلن وتنخفض وتيرته أحيانًا أخرى، وهذا التنافس ضار لأنه يكون "مافيات" داخل كل قطاع من القطاعات التي تناولناها، ويكون المتضرر من هذا التطاحن هو عامة الناس في مصر، وتلك المافيات نمط تكونها عمومًا هو وفق المعادلة التالية: جهاز أمني أو سيادي + رجل أعمال + مسؤول حكومي في القطاع + جهاز إعلامي، ولعل أبرز مثال على هذا هو أزمة السكر الحالية، فنحن في تناولنا لقطاع الغذاء ذكرنا وجود مافيتين للغذاء وتحديدًا القمح والسكر والمواد التموينية، واحدة مكونة من المخابرات العامة وأخرى مكونة من الجيش، فتلك الأزمة هي حدث ضمن سلسلة أحداث لعلها بدأت مع أزمة وزير التموين السابق محمود حفني ثم تعيين لواء من الجيش مباشرة كوزير تموين حتى يكون بموقع مواجهة مافيا المخابرات العامة ومن ثم تسلسل الأحداث أنتج تلك الأزمة وستعقبها أزمات مشابهة.

ولكن، تلك ليست الصورة كاملة، فبعيدًا عن موضوع بحثنا، نجد الآن مثلاً أن من يتولى بشكل مباشر إدارة العلاقات المصرية الأمريكية هو جهاز المخابرات العامة بعد أن كان الجيش يتولاها بشكل مباشر عقب أحداث ثلاثين يونيو إلى منتصف 2015 عبر مساعد وزير الدفاع للشؤون الخارجية محمد الكشكي، والذي كان قبل هذا الملحق العسكري المصري في واشنطن لفترة طويلة، وبقية الصورة تتضح عندما شرعنا بتكوين الشبكة داخل مجلس الأعمال المصري الأمريكي حيث وجدنا أن رجل مثل المهندس عمرو بدر الدين هو مسؤول إدارة علاقة الدولة وعلاقة السيسي شخصيا بأميركا وتكوين لوبي ضغط وعلاقات عامة مع واشنطن سواء مع أعضاء مجلس الشيوخ أو إعلاميين أو رجال أعمال أمريكيين، وعلى الرغم من إمكانية وصف بدر الدين بأنه "رجل المخابرات العامة"، ولكن فضل السيسي الاستعانة برجل المخابرات العامة لكي يزيح أشخاص مثل شفيق جبر وصلاح دياب عن إدارة العلاقة مع أمريكا.

بالتالي هذا النموذج وغيره من النماذج الأخرى التي تناولناها تدلل على وعي عبد الفتاح السيسي بتهديد التنافسية داخل قطاع الدفاع والأمن على استقرار نظام حكمه، فما نستنتجه هنا أن بعد مرحلة التوتر في الشهور التالية لأحداث ثلاثين يونيو، والتي أعقبها مباشرة إقالة السيسي أو للدقة عدلي منصور لنحو خمسين مسؤولاً كبيرًا بجهاز المخابرات العامة، فقد استطاع السيسي أن يُخضع جهاز المخابرات العامة - والداخلية بشكل أسهل - لمنظومة حكمه الجديدة.

بالتأكيد يختلف هذا التنافس عن التنافس داخل تكتلات الجيش بكونه عالي المخاطر وينتج أزمات عامة مثل أزمة السكر الحالية، ولكن الظاهر لنا أن جميع مكونات قطاع الدفاع والأمن واعية لدرس 25 يناير ولديها توافق على أن تنافسيتها لن تسمح بحادث مثل 25 يناير يهدد النظام برمته، وبالتالي نعتقد أن هذا التصور مهم لفهم أحداث مثل 11/11، فإذا صح وجود أجهزة في قطاع الدفاع والأمن تدعم وتدبر تلك الأحداث، فالذي يتبدى لنا من التحليل أن هذا لصالح تحسين مواقعها وتنافسيتها داخل النظام الحاكم وليس لهدم هذا النظام أو إزاحة عبد الفتاح السيسي، بل إذا أدى مثل هذا الحادث وغيره لمثل تلك الإزاحة، فسيكون السؤال الأهم والأصعب هو لماذا لم تنجح تدابير السيسي في إيجاد مصلحة عليا وشبكة مصالح ونفوذ تجمع الأجهزة المكونة لقطاع الدفاع والأمن تمنعها من السعي لإزاحته؟

إن النمط الذي نعتقد تكونه من تلك الظواهر مفاده أن السيسي، ومن ورائه الجيش، لا يطمح لأن يحل مكان طغمة جمال مبارك، وبنفس الوقت لا يطمح للتغول وانتزاع أدوارهم، إنما يطمح إلى إعادة تنظيمهم حتى يخضعوا لسلطته.

3. انتقلنا في الخطوة التالية إلى بحث شبكة رجال الأعمال والجيش بعد أن بحثنا في رجال الأعمال المرتبطين بجهاز أمني في المستوى السابق، فكان التقسيم الأول إلى رجال أعمال قبلوا الإذعان والخضوع للسلطة المستجدة وكونوا جدولاً خاصًا بهم، ورجال أعمال يرون أن رؤوس أموالهم بحجم الدولة المصرية ككل أو ربما أكبر - وهذا صحيح نوعا ما! -، ومن ثم وجدنا أن النوع الثاني يجنح الجيش للتعامل معه بشكل مزدوج، مما يؤكد صحة كلام الباحث عمرو عدلي وغيره من المتبنيين لتلك الفرضية (راجع النموذج الخامس).

حيث وجدنا نمطًا يوضح أن الجيش بالفعل أشرك رأس المال الكبير فيما أسماه مشاريعه القومية في محور السويس وسيناء، وهذا يجعل تصريح ساويرس المشار إليه أعلاه صحيحًا بما أن مجموعة أوراسكوم كانت بالفعل وما زالت أحد شركاء الجيش الرئيسين، ولكن مجددًا، تبقى الصورة ناقصة لأننا وجدنا أن الجيش ينتهج سياسة منظمة "لتقزيم" رأس المال الكبير عن طريق تعطيل مشاريعه الحيوية، وعلى وجه ثالث فقد رصدنا أن الجيش يعمد إلى البدء بتكوين نخبته الخاصة، يمكن تشبيه الأمر بتكوين السادات لنخبة رجال أعمال الانفتاح بالسبعينيات والتي تصادم معها الجيش بعد ثلاثين عامًا في 25 يناير، ورصدنا نموذجين لمثل هذا وهما أحمد العبد الذي يشارك الجيش كذلك بمشاريعه القومية وأحمد معتز السعيد وكليهما يمثل رأس مال متوسط أو حتى صغير!

بالتالي، وبحكم الاعتبارات التي ذكرناها في النموذج التفسيري للتعامل مع رأس المال الكبير، فإن النمط الذي وجدناه يؤكد بالفعل أن الجيش لا يصادم رأس المال الكبير ولكنه من جانب آخر يعمل على تقزيمه حتى لا يبقى رأس مال كبير، ومن وجه آخر، يكون الجيش نخبته الخاصة التي يمكن بعد فترة من الزمن أن تنافس رأس المال الكبير هذا.

4. أما بالنسبة للقسم الأول، وهم رجال الأعمال الذين قبلوا الإذعان، فقد كان إذعانهم عبر وسائل الجباية المباشرة إما بالتبرع لصندوق تحيا مصر أو القبول بأخذ الجيش حصة من أعمالهم مثل نموذج إبراهيم كامل وشراكته مع مولر ميرسك التي نشرحها في القطاع البحري، أو التنازل عن جزء من أعمالهم مثلما حدث في التسوية مع حسين سالم ومع إبراهيم كامل أيضًا بعد تنازله عن استثماراته بالضبعة، عندما يحدث هذا النوع من الإذعان، فإن الجيش لا يمنعهم استئناف أعمالهم التي كانوا عليها بعهد مبارك، وهذا ينبع مجددًا من احتياج الجيش لهم فيما لا يقدر عليه، فنموذج تصالح الدولة مع حسين سالم يؤكد ذلك لأن الأخير ولفترة طويلة كان مسؤولاً عن مقاولات وسمسرة سلاح المعونة الأمريكية، وهذا التصالح يأتي في وقت يعاد فيه تنظيم المعونة، وستواجه مصر مشكلات مع الإدارة الأمريكية في تسهيل طرق دفع تكلفة المعونة العسكرية، وبالتالي حتمًا سيحتاج الجيش إلى أدوار مثل التي كان يؤديها حسين سالم مجددًا.

في قطاع الصحة، رصدنا أن وزارة الإنتاج الحربي دخلت في شراكة مع وزارة الصحة ورجل أعمال هو حسن عباس حلمي في بعض المجالات مثل معالجة الأورام السرطانية وهذا لمواجهة سيطرة المخابرات العامة على قطاع الصحة كما سنبين، وهذا بدوره يدحض النموذج التفسيري القائل بأن المسألة هي تأدية لأدوار وظيفية بحتة.

ولكن نكرر بأن تلك هي ليست الصورة الكاملة، فمن ناحية، عمد السيسي على إعادة تنظيم نخبة رجال الأعمال في مجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والتي نعتقد أنها تمثل بديل لجنة سياسات الحزب الوطني، واتخذ مستشارًا اقتصاديًا له تدير سياسته الاقتصادية من هذا المركز وهي الدكتورة عبلة عبد اللطيف وكل برنامج الإصلاح الاقتصادي هو من تطوير مجموعة "لازارد" والتي تمثلها في مجلس الأعمال المصري الأمريكي دينا الخياط، وكان من أشار على السيسي بأن يكون هؤلاء المشرفون على برنامج الإصلاح الاقتصادي هو سلطان الجابر، وزير الدولة الإماراتية والمسؤول الأول في دولة الإمارات عن التعامل مع النظام المصري.

من ناحية أخرى، فالنمط الذي شاهدنا تكونه بين رجال الأعمال الذين أحلهم السيسي في القطاعات التي بحثناها، نجد احتواءه لتنافس بيني لدى رجال الأعمال، كنموذج التنافس بين تحالف علاء عرفة وخالد أبو بكر في قطاع الغاز مع جلال الزوربا ومحمد القاسم الذين صعدوا بعبلة عبد اللطيف لصناعة السياسات المالية والاقتصادية والنقدية للسيسي، بعد أن كانت مستشارة للزوربا، وعبلة نفسها مرشحة الآن لأن يتم استبعادها أو الاستغناء عنها.

إن النمط الذي نعتقد تكونه من تلك الظواهر مفاده أن السيسي، ومن ورائه الجيش، لا يطمح لأن يحل مكان طغمة جمال مبارك، وبنفس الوقت لا يطمح للتغول وانتزاع أدوارهم، إنما يطمح إلى إعادة تنظيمهم حتى يخضعوا لسلطته وبنفس الوقت الاعتماد على متنافسين أو رجال أعمال بينهم تناقض حتى يسيطر ويدير تناقضاتهم.

5. أما بالنسبة لإسقاطات تشابكات السيسي ومن ورائه الجيش مع رأس المال على مستوى الاقتصاد الدولي، فيمكننا استخلاص عدة نتائج، الأولى، أنه بعكس النظرة الشائعة على السيطرة الأمريكية على الاقتصاد المصري، فبالعكس من هذا وجدنا مثلاً أن وزارة التعاون الدولي تعرقل مشاريع هيئة المساعدات الأمريكية بسيناء وأن ارتباطات الاقتصاد العسكري بإيطاليا على سبيل المثال وكذلك حلفاء الجيش من رجال الأعمال، هي أكبر من ارتباطاته المباشرة مع أمريكا، وإنما السيطرة الأمريكية تكون من خلال مجلس الأعمال المصري الأمريكي الذي يرأسه جون كريستمان المدير الإقليمي لشركة أباتشي، والذي كان أكبر داعم لحصول مصر على قرض صندوق النقد، فأمريكا لا تسيطر مباشرة، وذلك لكون حصتها بالسوق المصري قليلة فعلاً، مقارنة بالخليج أو الصين أو أوروبا، وإنما تسيطر عن طريق رجال الأعمال المرتبطين بها من خلال مجلس الأعمال المصري الأمريكي هم الآن المتنفذين الرئيسيين بالسوق المصري إما بشكل مستقل أو بالشراكة مع الجيش، وهذا يشرح وجه آخر لتشابك رجال الأعمال مع الجيش.

6. والنقطة الأخرى هي ملاحظة وجود زحف كبير بل ومستفز أحيانًا لصالح الخليج وخاصة الإمارات والسعودية على كثير من القطاعات التي شملها البحث وأنها تستحوذ على أصول مملوكة للدولة يتم الآن تحريرها بشكل لم يجر بخطة الخصخصة في عهد مبارك، بل وشمل إزاحة الجيش لمسؤولين حكوميين مرتبطين به كنموذج حسن فهمي الذي استدللنا به وهو رئيس هيئة الاستثمار السابق وأتى بدلاً منه بمحامٍ من شركة محاماة متخصصة بعمليات الاستحواذ والدمج لصالح الشركات الإماراتية، كما أجرى الجيش تعديلاً وزاريًا على وزارة المالية بحيث أتى بوزير يتولى طرح الأصول المملوكة للدولة بالبورصات العالمية، والمقصود هنا تحديدًا بورصة دبي! وسيكون هذا الأمر - أي تملك أصول الدولة التي سيتم تحريرها - لصالح شركات خليجية وشركاء محليين لهم، مثل عائلة ساويرس وأولاد محمد حسنين هيكل، بل وسمح لتحالف سعودي إماراتي أن ينافس في مشروع تنمية محور قناة السويس مع شركاء تقليديين له مثل مولر ميرسك، وكما نوهنا، فإننا نعتقد أن هذا نابع من رؤية الجيش لأمنه القومي قبل ارتباطه المصلحي، فصحيح أن الدعم المالي الخليجي هو سند النظام الأساسي لمنع انهيار اقتصادي، ولكن المسألة بالأساس متعلقة بأن رؤية النظام للأمن القومي المصري مرتبطة أساسًا بالخليج، وليست المصلحة هي العامل الأساسي، فكما رأينا عندما حدثت أزمة مع السعودية وتم وقف الدعم البترولي تم الاستعاضة بنفط ليبي يسيطر عليه خليفة حفتر رغم أن باسل الباز مثلاً الذي كان يستخدم البترول الليبي قبل الثورة الليبية مرتبط بحلفاء إماراتيين كذلك، وقد بينا ذلك في تحليل قطاع البتروكيماويات.

7. وأخيرًا فمن منطلق اقتناعنا بأن النموذج التفسيري المنطلق من رؤية الجيش للدولة وأدواره فيها هو الأغلب من حيث الصحة، فهذا النموذج يفسر ظاهرتان رصدناهما وهما:

♦ ظاهرة المشاريع التي توصف بالقومية والضخمة على الرغم من عدم التحقق أو ثبوت جدواها، فبما أن الجيش يرى نفسه النواة الصلبة للمجتمع، فبالتالي يجنح تفكيره دائمًا لما يوصف بمشاريع قومية أو بمعنى آخر مشاريع ضخمة يكون هو مركزها والمشرف عليها، ويجتذب إليها كل قطاعات وشرائح المجتمع على المستوى الاقتصادي، فرغم التشكك مثلاً من جدوى مشروع مثل حفر قناة السويس الجديدة، فإننا نعتقد أن العقل المحرك للجيش يعلم جيدًا عدم تلك الجدوى، ولكن الذي حدث أن هذا المشروع عمل به تقريبًا كل قطاع الحفر والمقاولات بمصر من أكبر شركات المقاولات المصرية مثل "المقاولون العرب" و"حسن علام" إلى من أتى من شمال سيناء بجرار يملكه ليساعد بالحفر! فبالتالي مكن هذا الجيش من توزيع ريع الغنائم على شركات مقاولات من الباطن محسوبة أو مرتبطة به بشكل أو بآخر، وفي نفس الوقت استطاع التشبيك مع رأس المال الكبير كما نوهنا، كما استطاع بشكل آني من توسيع قاعدة الولاء له من جميع من شاركوا بهذا المشروع، على الرغم من أن عدم وجود عائد حقيقي للمشروع هو أحد مسببات الأزمة الاقتصادية الحالية! ولكن في النهاية، تحقق للجيش ما أراد وهو أن يعمل الجميع تحت إشراف الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة، هكذا بكل بساطة! فبعبارة أخرى، السيسي لا يريد أن يكون له حزب حاكم أو تنظيم سياسي شمولي على غرار الحزب الوطني أو الاتحاد الاشتراكي، وإنما أن يكون الجيش هو عين تنظيمه السياسي!

♦ نختم بأن الظاهرة الثانية أن تحديدًا المهدد الرئيسي الذي رصدناه لنظام عبد الفتاح السيسي من الأزمة الاقتصادية الراهنة، أنه من ناحية لديه التزامات تجاه داعميه الإقليميين وخاصة الإمارات والسعودية، ويحاججهم بأنه يمضي بخطة الإصلاح الاقتصادي، كما لم يستطع لا السادات ولا مبارك تنفيذها، ولكنه يأتيه الرد بأن هذا ليس كافٍ وغير مطلوب، وإنما المطلوب خطوات أكثر إصلاحًا وحسمًا وأن اقتصاد الجيش وعدم الرجوع لصيغة "الجيش يسيطر ولا يحكم" وشخص عبد الفتاح السيسي نفسه هو سبب المشكلة والمعوق تجاه خطوات أكثر حسمًا وهذا إذا استجاب له نظام السيسي سيجعل الجيش يفقد السيطرة على قاعدة ولائه الصلبة التي يكونها، ولهذا عندما بحثنا في قطاع النقل البحري والشحن والتحكم بحركة الاستيراد والتصدير لم نجد أن هناك إشكالية أو تنافس هيمنة الجيش عليها، ولما كانت تلك القطاعات تمثل قطاعات سيطرة، أي أن الجيش يسيطر فعليًا من خلالها على كل ما يدخل ويخرج من مصر وليس مجرد المنافسة بالاقتصاد العيني، فهذا يعزز فرضية أن المطلوب الأصلي ليس مجرد الإصلاح الاقتصادي، وإنما أن الجيش يسيطر ولا يحكم.

                (البنية الداخلية للجيش)

نتناول في هذه الحلقة خريطة البنية الداخلية للجيش المصري وتقاطعاتها مع الاقتصاد.

بالطبع التشكيل الرسمي للقوات المسلحة معلن وليس به شيء سري وصولاً لتشكيلات القوات العسكرية وتوزعها إلى أصغر كتيبة مع كامل تسليحها وحتى أنواع السلاح المصري ومنظومته بل وعدد الذخيرة ودانات المدافع وبطاريات الصواريخ، كل هذا معلن على الأقل ممن يسلحون الجيش المصري، إن لم يكن من الجيش نفسه فممن يوردون السلاح للجيش ومن مواقع عسكرية عديدة عالمية معنية بنشر التوازن العسكري حول العالم.

فكما أوردنا بالمقدمة لهذا البحث فإن التشكيل الحالي هو التشكيل المعتمد بقانون تنظيم القوات المسلحة لعام 1968 مع بعض التغييرات الطفيفة بعهد مبارك ثم بعهد السيسي سنوردها في سياق البحث.

عمومًا رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو رئيس المجلس العسكري في حالة الحرب فقط، وهو التعديل الذي أجري قبيل ترشح السيسي للرئاسة وأصدر في القانون رقم 20 للعام 2014 وبموجبه أصبح القائد العام للقوات المسلحة هو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحالة السلم، وهذا كان لإحداث توازن بين السيسي في موقع الرئيس والفريق صدقي صبحي في موقع القائد العام خلفًا للسيسي، وبموجب هذا القانون الجديد أصبح يحق للمجلس العسكري أن يصدر قرار أو مجرد إبداء رأي في اختصاصاته وأهمها إعلان حالة الحرب أو إرسال قوات عسكرية بمهام قتالية خارج حدود مصر، بمعنى آخر لم تعد العلاقة أن قرار الحرب أو غيره هو قرار سياسي وعلى القوات المسلحة الامتثال له وتنفيذه إنما هي أصلاً شريكة بصنع هذا القرار باستقلالية، ولهذا وضعنا مقياسًا لقوة نفوذ رئيس الجمهورية على القوات المسلحة أنه 3 من 5.

وهذا يأتي في سياق الاحتياج إلى إيجاد توازن قوى داخل المؤسسة العسكرية بدلاً من تكون مراكز قوى وهي التي أدت لهزيمة 67، وبناءً عليه أتى قانون تنظيم القوات المسلحة أو قانون القيادة والسيطرة حسب اسمه الرسمي ليحدث هذا التوازن بين رئيس الأركان وقائد الجيش أو وزير الدفاع - لاحقًا ببداية عهد أنور السادات وفي إطار مواجهة الرئيس الثانية مع مراكز القوى أصبح القائد العام للقوات المسلحة هو نفسه وزير الحربية ثم بعد حرب أكتوبر أصبح اسم المنصب وزير الدفاع والإنتاج الحربي بدلاً من وزير الحربية ثم بعهد مبارك تم الفصل بين منصب وزير الدفاع ووزير الإنتاج الحربي.

وما يمكن ملاحظته مثلاً في هذا التوازن أن مدير المخابرات الحربية يتبع مباشرة لوزير الدفاع ولا يمر على تسلسل رئيس الأركان، ولكن مدير المخابرات الحربية والاستطلاع الحالي اللواء محمد فرج الشحات ولاؤه المباشر للسيسي لهذا أيضًا جعلنا قوة الرابطة بينه وبين وزير الدفاع 4 من 5.

والمخابرات الحربية معنية من خلال إدارة فرعية لها وهي الأمن الحربي بمراقبة ولاء الضباط للمؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، وبناءً على هذا تُعتمد ترقيات الضباط أو لا تُعتمد، وعلى هذا من يملك أي توجه سياسي أو ليس لديه الخصائص التي تؤهله ليكون ضمن الشبكة التي تقود المؤسسة العسكرية تتوقف ترقيته عند رتبة عميد.

التشكيل الحالي هو التشكيل المعتمد بقانون تنظيم القوات المسلحة لعام 1968 مع بعض التغييرات الطفيفة بعهد مبارك ثم بعهد السيسي سنوردها في سياق البحث

ومن ناحية أخرى فاعتماد الترقيات بناءً على الكفاءة واجتياز دورات أركان الحرب تكون من خلال هيئة التدريب التابعة لرئاسة الأركان التي يرأسها الآن اللواء أحمد محمود وصفي والذي كان سابقًا قائد الجيش الثاني الميداني والذي يقع قطاع السويس ضمن هيمنته، ولهذا عندما حدثت أحداث بورسعيد كان الجيش الثاني هو المناط به فرض حظر التجوال، ولكن اللواء وصفي ولاؤه الشخصي لوزير الدفاع فلهذا وضعنا قوة الرابطة بينه وبين رئاسة الأركان 4، فالشاهد هنا وجود توازن في تصعيد الطبقة الجديدة من الضباط ما بين المخابرات الحربية وهيئة التدريب.
ثم هناك الأمانة العامة لوزراة الدفاع والذي يعنينا بهذا السياق أنها الجهة المنوطة بإعطاء التصاريح أو التراخيص لأي عمليات تجارية ترى القوات المسلحة أنها معنية بها وهذا سنبحثه بحينه.

ثم يتبع وزير الدفاع عدة مساعدين مثل مساعد وزير الدفاع للشؤون الخارجية ومساعد وزير الدفاع للشؤون المالية ومساعد وزير الدفاع لشؤون التموين والإعاشة ومساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح، إلخ، وتوصيف كل منصب من هؤلاء على الحقيقة أنه وزير خارجية الجيش أو وزير مالية الجيش، إلخ.

واللافت للنظر مثلاً أن اللواء محمد الكشكي مساعد وزير الدفاع للشؤون الخارجية كان سابقًا لفترة طويلة الملحق العسكري المصري بواشنطن.

وسابقًا كان المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع السابق كذلك الملحق العسكري بواشنطن بنهاية السبعينيات قبل أن يكون وزير الدفاع، وهذه كانت البداية الحقيقية لأن يكون جزءًا من شبكة الحكم التي كونها حسني مبارك، فهذا دلالته على مركزية العلاقة مع أمريكا في التراتبية العسكرية داخل الجيش المصري.

كذلك فإن من أهم أركان السلطة داخل الجيش المصري اللواء فؤاد عبد الحليم مساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح وهو في منصبه هذا لمدة طويلة تتجاوز الـ15 عامًا بالتقاسم مع اللواء العصار، وعندما تم إزاحة اللواء العصار أو نقله لمنصب وزير الإنتاج الحربي أصبح هو المسؤول الأول عن كل ما يخص أي قطعة سلاح تدخل للجيش المصري والتفاوض على أي منظومة تسليح وما يتبعه هذا من توزيع حصص عقود ومقاولات وصيانة السلاح المصدر للجيش المصري وبالعكس تصدير السلاح المصري لعدة دول إفريقية وعربية وإن كان الاقتصاد العسكري البحت خارج إطار بحثنا هذا، وأيضًا من اللافت للنظر أنه جرى ببداية هذا العام الماضي تداول إشاعة عن اعتقاله!

وهذا عار عن الصحة بالقطع والرجل ما زال في منصبه ولكنها إشاعة مثل إشاعة أن الجيش له يد في مقتل العميد عادل رجائي وإشاعات أخرى عن اعتقال عدد من الضباط الصغار قبيل مظاهرات 11 نوفمبر كانت تهدف بث انطباع في الرأي العام عن وجود انشقاقات داخل الجيش أو وجود صراعات - وهي موجودة فعلاً ولكن بطرق أخرى -، ولكن اللافت للنظر في تلك الإشاعة مدى قوة هذا الرجل على الرغم من أن مركزه لا يسمح بتلك القوى وإلا ما بثت عنه تلك الإشاعة، وبحسب مصادر الباحث فإنه يعتبر من أكثر الشخصيات الموثوقة في الدوائر العسكرية الأمريكية ويوصف بشخص برجماتي عاقل.

كذلك كان مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية ورئيس الهيئة المالية للقوات المسلحة سابقًا اللواء محمود أنور نصر وهو يوصف بوزير مالية الجيش كما تقدم حتى بعد خروجه من منصبه، ويعتبر المسؤول الأول عن التمدد العسكري بالقطاع المدني أكثر من رئيس الهيئة الحالي محمد أمين نصر، وكان المرشح الأول لوزارة التموين وليس اللواء محمد علي الشيخ الوزير الحالي ورئيس هيئة الإمداد والتموين السابق وسنفسر لماذا لم يتم اختياره لهذا في حينه عندما نتناول التنازع على قطاع الغذاء بين الجيش وغيره.

سابقًا كان المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع السابق كذلك الملحق العسكري بواشنطن بنهاية السبعينيات قبل أن يكون وزير الدفاع، وهذه كانت البداية الحقيقية لأن يكون جزءًا من شبكة الحكم التي كونها حسني مبارك، فهذا دلالته على مركزية العلاقة مع أمريكا في التراتبية العسكرية داخل الجيش المصري.

ثم هناك أسفل في المرتبة الإدارات المتخصصة كل بمجاله مثل إدارة النوادي والفنادق بالقوات المسلحة والتي يديرها اللواء نبيل سلامة، وأيضًا جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة والذي على الرغم من أنه يعتبر الذراع التنفيذي لوزارة الدفاع إلا أنه أدنى بالمرتبة أو الوزن من الهيئة المالية لأن الهيئة المالية هي التي تشرف على مشاريعه وتصممها له ويتبع جهاز الخدمة الوطنية عدة شركات فرعية وهي:

الوطنية لزراعة واستصلاح الأراضي.

الوطنية للمقاولات العامة والتوريدات.

الوطنية لإنشاء وتنمية الطرق.

الوطنية للبترول.

الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية.

مكرونة كوين.

النصر للخدمات والصيانة.

النصر للكيماويات الوسيطة.

العريش للأسمنت.

الوطنية للصناعات الغذائية.

الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه الطبيعية.

العربية العالمية للبصريات.

مصر العليا للتصنيع الزراعي.

إنتاج البيض المتكامل.

إنتاج مشمعات البلاستيك.

قطاع الأمن الغذائي.

قطاع التعدين.

ثم تبع هذا استحداث قانون في 2014 معني بتنظيم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها، وفي هذا القانون استحدث بند يتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات إما منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص وما يعنينا بهذا السياق أن جهاز الخدمة الوطنية كون شركة للثروة السمكية بالشراكة مع شركة سعودية وكذلك كونت الهيئة الهندسية شركة مماثلة وتجد تفاصيل تلك الشراكة هنا: http://www.youm7.com/story/2016/6/2/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D9%83%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D9%88%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%AA%D9%81%D9%82%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%85%D9%83%D9%89/2745895

. وبالمقابل فالهيئة الهندسية للقوات المسلحة تتبع بتسلسل قيادتها لرئاسة الأركان وهي المنفذ لرئاسة الأركان بالشراكة مع جهاز الخدمة الوطنية وكما نوهنا بالمقدمة يتم إحداث مراعاة وتوازن دومًا بين القطاعات المختلفة بالقوات المسلحة قانونيًا حتى لا تتكون شبكات غير رسمية للتنافس بين تكوينات الجيش، فلهذا كان نمط العمل دومًا هو أن المشروع يتم الإشراف عليه مثلاً من قبل شركة فرعية لجهاز الخدمة الوطنية وتنفذ الهيئة الهندسية.

وتبعًا لهذا القانون أيضًا كونت الهيئة الهندسية شركة للطرق والكباري غير معلن عنها بالتعاون مع وزارة الإسكان لتنفيذ مشروع شبكة الطرق القومية بالشراكة أيضًا مع شركة الطرق والكباري التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، وتجد هنا http://www.youm7.com/story/2016/12/15/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89-%D8%A7%D9%81%D8%AA%D8%AA%D8%AD%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85/3012060


ما تم تنفيذه من مشروع شبكة الطرق القومية ودور الهيئة الهندسية من خلال شركتها غير المعلنة بهذا التنفيذ.



ونلاحظ كذلك سمة التوازن في تكوينها على الرغم من أنها تخضع للهيئة الهندسية حيث يوجد بها ممثل لجهاز الخدمة الوطنية وهو اللواء مصطفى أمين مدير الجهاز، كذلك مستشار وزير الدفاع للمشروعات وتكون برئاسة اللواء محمود عبد اللطيف فعليًا وإن لم يكن رئيسها الأسمي.

وأخيرًا كما نوهنا بالمقدمة بعد قرار التعويم استحوذ جهاز الخدمة الوطنية على شركة صلب مصر وهذا يأتي في إطار قرار تنفيذ مجمع للصلب اتخذه السيسي بمؤتمر الشباب في شرم الشيخ ويشرف على تنفيذه الهيئة الهندسية، ونورد مجددًا تفاصيل الصفقة، وهنا https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2015/12/04/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D9%8A%D8%AD-%D9%84%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9-%D8%A3%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8.html
عمومًا تفاصيل القانون الذي يتيح للتكوينات العسكرية إنشاء شركات سميناها بشركة عسكرية لتمييزها عن شركات القطاع العام الحكومية.

ولكن عمومًا بالعودة إلى السياق الأصلي للبحث، نقول إن الذي يلي رئيس الأركان في التسلسل العسكري هو رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وهي المناط بها وضع خطط الحرب التي تعدها هيئة الأركان للمستوى العملياتي ومتابعة تنفيذها ما بين قادة الجيوش وقادة الأفرع.

ويرأس هيئة العمليات حاليًا اللواء توحيد توفيق عبد السميع، وهو القائد السابق للمنطقة المركزية العسكرية وفي مقال سابق شرحنا أن المنطقة المركزية العسكرية تعتبر حامية القاهرة وينعقد للرئيس السيسي نفوذ مباشر عليها، فلهذا يوجد تناغم بين اللواء توحيد توفيق ورئيس هيئة الأركان الحالي محمود حجازي الذي هو صهر السيسي كذلك، فلهذا جعلنا قوة الرابطة في الخريطة من الدرجة الرابعة أي "متينة".

وتجدر الملاحظة كذلك لأهمية موقعه أنه عندما تم محاكمة ضباط في الجيش بتهمة محاولة الانقلاب فيما عرف بقضية الـ 26 ضابطًا، أشيع أن شقيق اللواء توحيد توفيق أحد المتهمين ولم يثبت، ولكنه كذلك نفس الإطار الذي أُشيع فيه اعتقال فؤاد عبد الحليم وأن الجيش متورط باغتيال عادل رجائي.

ثم يتبع رئيس الأركان قادة الجيوش أي الجيش الثاني والجيش الثالث الميداني، وقد استحدث منصب جديد وهو القيادة الموحدة لشرق القناة ويرأسها اللواء أسامة عسكر وهو ما يجعل له نفوذ مهيمن وكبير على ما ما يسمى بالمشاريع القومية من بورسعيد إلى ميناء الأدبية والعين السخنة، والاستثمار في سيناء سنفصله في حينه ولكن ما يعنينا بهذا السياق هو أنه الآن لديه نفوذ يعتبر معادلاً لنفوذ كل من رئيس الأركان ووزير الدفاع.

ومرة أخرى روعي التوازن في الصلاحيات والنفوذ بين قادة الجيوش وقادة الأفرع، ففي حالة الحرب إذا أحتاج مثلاً قائد جيش لدعم جوي أو بحري أو صاروخي يجب أن يصرح قائد الفرع التابع له هذا السلاح بأن يشارك بالمعركة وينقل هذا الطلب من خلال هيئة العمليات، فهذا يحد بشكل كبير من الكفاءة العسكرية ويجعلها ديانصورًا بطئ الحركة، ولكن يجعلها أيضًا تحت السيطرة ويضع القيود أن يكون تكوين فرعي من الجيش يقود انقلابًا، وأيضًا فصلنا بمقال سابق أنه لمعالجة هذا الخلل تم استحداث قوات التدخل السريع التي تضم وحدات مدرعات ومدفعية ومظليين وصاعقة وجوية وصاروخية في إطار واحد مستقل.

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تتبع بتسلسل قيادتها لرئاسة الأركان وهي المنفذ لرئاسة الأركان بالشراكة مع جهاز الخدمة الوطنية وكما نوهنا بالمقدمة يتم إحداث مراعاة وتوازن دومًا بين القطاعات المختلفة بالقوات المسلحة قانونيًا حتى لا تتكون شبكات غير رسمية للتنافس بين تكوينات الجيش
والجيشين الثاني والثالث الميداني وأفرع الأسلحة بالقوات المسلحة هي الخزان البشري الحي للجيش ونواته الصلبة التي يخرج منها كل أعضائه السابقين العاملين بالجهاز المدني البيروقراطي من وزراء ومستشارين ومحافظين، وبهذا المستوى فعلاً توجد شبكات غير رسمية لرعاية المصالح.

فمثلاً توجد شبكات فرعية بين الضباط العاملين بإدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة - إحدى الهيئات الفرعية لهيئة التموين والإمداد - ونظرائهم العاملين بالجهاز الحكومي بوزارة الصحة - مثلاً اثنين من مساعدي وزير الصحة هم لواءات وهما اللواء هشام عبد الرؤوف واللواء السيد الشاهد ويعتبران المتحكمان فعليًا بالوزارة وسنفصل هذا بحينه عندما نتحدث عن قطاع الدواء.

وكذلك نفس الشيء بين الضباط المهندسين ونظرائهم العاملين بالقطاع المدني.

وتلك الشبكات هي إحدى الشبكات التي يتم استخدامها في السيطرة على المجتمع المدني، فعلى سبيل المثال كان الضباط المهندسون دومًا تكتلاً واحدًا في انتخابات نقابة المهندسين ولعبوا دورًا أساسيًا في إخراج مجلس النقابة السابق المحسوب على الإخوان في الانتخابات السابقة.

ولكن ما حللناه وسيتضح هذا بتناول بقية الملفات أن تلك الشبكات غير الرسمية كانت أداة الجيش في التوغل بالقطاعات المدنية بمرحلة سابقة أي مرحلة مبارك ومرحلة الثورة، ودورها الآن يقتصر على رعاية مصالح أعضائها المباشرة.

بمعنى إذا كان يحق للجيش الآن إنشاء شركات بشكل مباشر ويستطيع السيطرة على ما شاء من قطاعات، فمالذي يجعله يحتاج شبكات غير رسمية بالجهاز البيروقراطي أو شركات قطاع خاص يمتلكها قرابات عائلية لضباط بالجيش أو ضباط سابقون بأنفسهم؟!

ثم أخيرًا المستوى الثالث هو وزارة الإنتاج الحربي وعلى الرغم من أنه قد فُسر حين تولية اللواء العصار الوزارة أنه إزاحة لأعلى، فإن وزراة الإنتاج الحربي أصبحت أدوارها متعاظمة منذ تولي العصار لها في العديد من المشاريع التصنيعية مثل تصنيع تابلت وأجهزة حاسوب وطاقة شمسية وبطاقات ذكية والتي بعد قرار التعويم أسند مؤخرًا للقوات المسلحة إنتاج البطاقات الذكية للتموين والبنزين وسيكون المصنع هنا وزارة الإنتاج الحربي، وكل تلك المشاريع هي بالشراكة مع مجموعة الخرافي كما نوهنا بالمقدمة بالبحث الذي أوردناه لشانا مارشال.

ووزارة الإنتاج الحربي يتفرع منها الهيئة العربية للتصنيع وهي المشرفة على المشاريع أعلاه.

كذلك عدة مصانع وما يعنينا هنا مصنع أبو زعبل للصناعات الهندسية ومصنع أبو زعبل للكيماويات المتخصصة وهي التي لديها إنتاج بالقطاع المدني، وكذلك شركة النصر للسيارات التي تم إحياء نشاطها مؤخرًا بعد توقف دام منذ سبعينيات القرن الماضي، وكذلك مصنع سيماف للسكك الحديد وسنتحدث عن دوره المدني في حينه، وكذلك مؤخرًا مصنع للقاحات السرطان بالشراكة مع وزارة الصحة ومجموعة فاركو للأدوية سنتحدث عنه كذلك عند تناول قطاع الصحة.

إذًا كل تلك المصانع لديها صناعاتها العسكرية أما صناعتها المدنية فيتم الإشراف عليها من خلال الهيئة العربية للتصنيع.

ومرة أخرى لمراعاة التوازن، فمجلس أمناء الهيئة العربية للتصنيع به ممثلين لرئيس الجمهورية رأسًا ورئاسة الوزراء ووزارة الخارجية والمالية، ويرأسها الفريق عبد العزيز سيف الدين قائد قوات الدفاع الجوي سابقًا.

على أن تنظيم عمل وزارة الإنتاج الحربي يتم من خلال الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي استحدثت كذلك 2014 ويرأسها وزير الإنتاج الحربي ومجلس إدارتها مكون من:

قائد القوات الجوية.

قائد قوات الدفاع الجوى.

قائد القوات البحرية.

رئيس هيئة تسليح القوات المسلحة.

رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة.

ممثل عن وزارة المالية.

ممثل عن وزارة الإنتاج الحربى.

رئيس مجلس إدارة مصنع إنتاج وإصلاح المدرعات.

رئيس مجلس إدارة شركة أبو زعبل للكيماويات المتخصصة.

وهي التي تشرف على المصانع السابق ذكرها وغيرها من مصانع الوزارة ومن خلالها يشارك الجيش في شركة ثروة للبترول كما سنتحدث في حينه عند تناول قطاع الطاقة.

وبما أن وزارة الإنتاج الحربي يتوسع دورها الآن لتكون نواة التصنيع الأساسية اللازمة لدخول الجيش بالقطاع المدني، فقد روعي استحداث الهيئة القومية للإنتاج الحربي لكي يتم توزيع ريع وعوائد هذا التصنيع على التكوينات الفرعية للجيش.

وتجدر ملاحظة أن مصنع أبو زعبل مثلاً يمارس شبه ممارسات احتكارية لبعض الكيماويات وهذا ليس بشكل قانوني أو رسمي، إنما من خلال أن تلك الكيماويات يمكن استخدامها بصناعات عسكرية أو بصناعة متفجرات، لذا فيتطلب استيرادها الحصول على موافقة من جهاز الأمن القومي ويحدث تعنت أو عدم موافقة على هذا الاستيراد حتى يكون مصنع أبو زعبل شبه المحتكر للاستيراد.

ونختم هذا الجزء بحادث معبر عن هذا، فهناك مصنع أحبار تم التعنت معه في إعطائه الموافقة على استيراد كيماويات يحتكر استيرادها مصنع أبو زعبل، فرفع قضية أمام القضاء الإداري للحصول على موافقة على الاستيراد وربح القضية بالفعل، فزاره مندوب من الجيش يخبره أنه إذا تبرع لصندوق تحيا مصر فسيتم الموافقه على منحه تراخيص الاستيراد، فرفض وأصر على المضي بالمسار القانوني ومن ثم أصبح يومًا واجدًا مصنعه قد احترق!


 (ثانيًا قطاع الصحة)
28 يناير 2017

بداية فنحن نقترح معادلة لفهم شبكات سيطرة قطاع الدفاع والأمن في كل قطاع من القطاعات التي سنتناولها وستصاحبنا خلال جميع الحلقات، وهي أن تلك السيطرة تتم من خلال جهاز أمني + تكتل رجال أعمال + شبكة إعلاميين + مسؤوليين حكوميين، وبالطبع تختلف أدوات وطريقة السيطرة بحسب اختلاف أي جهاز أمني تكون له السيطرة وهو ما نحاول استنباطه.

شبكات السيطرة: قطاع الصحة

التنافس هنا تنافس مركب بين المخابرات العامة والجيش ورجال الأعمال الكبار بهذا القطاع ولكنه بشكل أساسي بين الجيش والمخابرات.

فكما ذكرنا بالحلقة الأولى يسيطر الجيش على القرار الوزاري من خلال عدة مساعدين للوزير وأبرزهم اللواء دكتور هشام عبد الرؤوف واللواء دكتور سيد الشاهد وهما في الحقيقة بصلاحيات وزير، والوزير الحالي الدكتور أحمد عماد الذي يمكن بشيء من التجاوز اعتباره "واجهة"، ومن خلال هذا الوجود أُسندت مناقصات مستشفيات الجامعة من الأدوية إلى القوات المسلحة كما أوردنا بالمقدمة، ومن خلال هذا الوجود حدثت عملية تصفية المؤسسات الطبية التابعة للإسلام الحركي وتحديدًا المرتبط بالإخوان، ومما تجدر ملاحظته أنه بعد الأزمة التي حدثت مع الأجهزة الرقابية أو تحديدًا الجهاز المركزي للمحاسبات وسنتحدث عنه لاحقًا حيث كان من ملفات جنينة للفساد هو ملف الفساد بوزارة الصحة، ومع ذلك بعد أن تمت إقالة جنينة بالمخالفة لدستور لجنة الخمسين تم فتح التحقيق من قبل الرقابة الإدارية في تلقي أحد مساعدي وزير الصحة - المدنيين - وهو الدكتور أحمد عزيز لرشوة في إسناد مناقصة مستلزمات طبية لشركة قطاع خاص وهو كان كذلك المشرف على ملف تجهيز مستشفيات القوات المسلحة في صفقة لاستيراد تجهيزات مستشفيات القوات المسلحة من برلين والمشرف على مستشفيات الإخوان المتحفظ عليها وبعد أن تم القبض على الدكتور أحمد عزيز تم إسناد مناقصات مستشفيات الجامعة للقوات المسلحة واستكمال تجهيز مستشيفاتها!

 وهذا مثال للإسناد في مستشفى جامعة المنوفية


 ثم تلى ذلك مباشرة أو بالتزامن معه إسناد للقوات المسلحة لتوريد دعامات القلب للمستشفيات الحكومية.

وفي المقابل من هذا فإن لجنة السياسات الدوائية أو مركز تخطيط السياسات الدوائية والصيدلة بوزارة الصحة بعد أن كان يشرف عليها المتحكمين الرئيسين بسوق الدواء وأبرزهم العزبي وثروت باسيلي وهم المنتظمون بشعبة الأدوية أو غرفة الدواء باتحاد الصناعات المصرية، أصبحت المخابرات العامة تسيطر عليها حاليًا بشكل كامل، ويمكن الاطلاع على مجلس إدارة شعبة الصناعات الدوائية هنا: http://www.fei.org.eg/index.php/ar/pharmaceutical-chamber-board-members-ar

 وأيضًا فإن المخابرات العامة تعمل من خلال شركتين بالأساس في القطاع الدوائي وهما الشركة المصرية لتجارة الأدوية وكانت تسيطر على قطاعات واسعة من توزيع الدواء للمستشفيات الحكومية ومنها لبن الأطفال قبل أن تحدث الأزمة به، ويجدر الإشارة إلى أن مدير الشركة هو كذلك أحد المتنفذين بغرفة الصناعات الدوائية، وهذا موقعها

والشركة الثانية هي شركة وادي النيل للمستلزمات الطبية وهي شركة تابعة لمستشفى وادي النيل التي بدورها تابعة للمخابرات العامة وكانت تتولى كذلك حصة كبيرة من تجهيزات المستشفيات الحكومية وهذا هو موقعها.


 ما الذي حدث؟

كان الأمر منذ أن صعد عبد الفتاح السيسي للسلطة يعتبر تنافسًا مكتومًا يمكن السيطرة عليه حول أخذ حصص من قطاع الصحة، وعلى الرغم من أن ما ظهر للعلن كان منذ أن أسندت احتياجات مستشفيات الجامعة للقوات المسلحة فإن الجيش كان يجهز لهذا التغول منذ مدة طويلة في 2014، ويمكن من خلال هذا الحوار في أغسطس مع مدير الإدارة الطبية بالقوات المسلحة وقتها، الاطلاع على بعض من تلك التجهيزات ومنها قطاع علاج الأورام وعلاج الكبد وغيرها مما يسعى الجيش الآن للسيطرة عليها.

ثم بدأت أزمة الدولار ومعها بدأ نقص بعض المستلزمات الطبية الأساسية كالمحاليل والجلوكوز وبعض الأدوية في بعض القطاعات، وهو نفس الوقت أصبحت الشركة المصرية عاجزة عن توفير لبن الأطفال بسعر معقول نتيجة لتضارب السعر في الدولار بين سعر البنك المركزي والسعر بالسوق وأن شركات الأدوية مجبرة على توفير الدولار من البنك المركزي للاستيراد وعلى تسعيرة وزارة الصحة وبنفس الوقت تدفع دولار جمركي عند الاستيراد وهو ما يحدث الفارق الذي لا تستطيعه الكثير من الشركات إلا من تخزن الدواء.

على كل، بعد أن توقفت الشركة المصرية عن توفير لبن الأطفال ودخل الجيش مكانها في ضجة شهيرة، كان الجيش يحاول بعد تدخله هذا أن يسند توفير لبن الأطفال لشركة فارما أوفر سيز التي يرأس مجلس إدارتها أحمد جزارين زوج شقيقة الفريق مهاب مميش، وكذلك كان يتنازع جزارين على استيراد السوفالدي وتوزيعه مع أحمد العزبي صاحب مالتي فارما.

وعلى الرغم من أن عائلة جزارين وشركة فارما أوفر سيز قد نفت الأمر في حينه ولكنها رجعت ودافعت عن إسناد الجيش توزيع لبن الأطفال لها، معللة على لسان مدير الشركة حاتم جزارين وشقيق أحمد جزارين بأن الجيش يقوم بواجب وطني!

وكان هذا متزامنًا أيضًا مع إعلان وزارة الإنتاج الحربي العمل على إنشاء مصنع لإنتاج لقاحات السرطان بالتعاون مع وزارة الصحة ممثلة بالشركة القابضة للمستحضرات واللقاحات مع مجموعة فاركو المملوكة للدكتور حسن عباس حلمي.

وهذا على الرغم من أنه بسؤال أطباء متخصصين بطب الأورام شككوا بإمكانية هذا التصنيع نظرًا لأن كل مستلزمات علاج الأورام تأتي عن طريق الاستيراد من الخارج، بل وحتى المستورد منه ما هو هندي ردئ لا ينصح به الأطباء لآثاره الجانبية، والأوروبي منه ما هو ردئ مثل المنتج اليوناني وأهم الأمثلة دواء الكاربوبلاتين، فكيف بمنتج مصري؟! كما أن إقامة مصنع وتجهيزه يحتاج إلى وقت وتكلفة عالية وليس حلاً عاجلاً، كما تجدر الإشارة إلى أن نفس توقيت إعلان إقامة هذا المصنع أي شهر أغسطس، كان هناك أزمة بالفعل بالكاربوبلاتين، وبحسب مصادرنا فإن مكتب وزير الصحة نفسه كان عاجزًا عن توفير الكاربوبلاتين!

عمومًا قبل الأزمة التي سبقت قرار التعويم مقارنة ببعد التعويم تلك هي قائمة الأدوية التي لم تكن متوفرة وبعضها حيوية لكن كان يمكن تدارك الأزمة:

( فلورو يوراسيل أونكوفين أيفوسفامايد أندوكسان اقراص ايفوسفامايد أقراص)

بعد التعويم : كل ما سبق بالإضافة إلى  ليكوران أقراص كاربوبلاتين جيمزار ناقص ولكن ليس بشدة ايرينوتيكان خاصة من إنتاج فايزر وهي أحد أعضاء مجلس إدارة غرفة صناعة الدواء، أدريا مايسين كله ناقص ماعدا إنتاج شركة الحكمة متوفر بغزارة وهذا بسبب أن شركة الحكمة هي شركة دولية برأس مال عربي سعودي وأردني وليست مرتبطة بالسوق المصري وحده.

الأنسولين ناقص من قبل التعويم ولكن زاد بشدة بعده

حقن الأنتي آر إتش ناقصة من شهور

محاليل الملح ناقصة كذلك من قبل الأزمة

المانيتول

الجولوكوز كما سبق ونوهنا

كذلك أدوية الضغط المستوردة مثل تارج.

وهذا عمومًا بحث مفصل بالموضوع

فالأزمة كما نوهنا أعلاه أن شركات الأدوية ملزمة بتوفير الدولار من البنك المركزي، فبالتالي الطبيعي أنها تحتاج رفع التسعيرة وإلا لن تستطيع الاستيراد.

ونتيجة لهذا فالشركة المصرية التابعة للمخابرات العامة السابق ذكرها لم تستطع توفير معظم أدوية العلاج الكيماوي للأورام السابق ذكرها بل وحتى المتوفر لا يتوفر له المحلول الملحي الخاص به! فلهذا توقفت الشركة المصرية مجبرة دون ضغط عليها عن التوريد للمستشفيات الحكومية.

وبنفس التوقيت اجتمع عميد طبيب متخصص بالأورام بمستشفى المعادي العسكري وهو الدكتور محمد خلف رئيس قسم الأورام وأمراض الدم بمستشفى المعادي العسكري بمندوبي توزيع أدوية الأورام وأعلمهم أنه من الآن سيتولى هو الإشراف على جميع مناقصات أدوية الأورام أو أنه هو من أسند إليه الجيش تلك المهمة!

ويكون هذا على عدة مراحل، والمرحلة الأولى هي التي تحدث حاليًا هو أن الجيش يحدد أسعار البيع للقاحات وأدوية الأورام سواء كانت الأدوية من خلال المناقصة الحالية التي يشرف عليها الدكتور محمد خلف أو خارجها فبالتالي لا يمكن لشركة البيع خارج إطار هذا التسعير.

وتحليلنا من خلال جمع هذا مع شروع الجيش ببناء مصنع للقاحات الأورام انه ستكون المراحل التالية هي محاولة الجيش لاحتكار هذا القطاع بان يكون المنبع الوحيد لمناقصات شركات أدوية السرطان

تلى هذا الحديث عن نقص حتى بالمستلزمات الأساسية حتى السرنجات وأن هناك تعليمات صدرت بهذا ثم أعقب هذا مباشرة قرار بإسناد جميع مستلزمات مستشفيات وزارة الصحة للقوات المسلحة وليس مستشفيات الجامعة فحسب!

وما تحقق حتى الآن بحسب مصادرنا:

أجهزة غسيل الكلى بجميع أنواعها والفلاتر المتعلقة بهذا، وأخذها من شركة فيرسينياس - قارن بين ما يزحف عليه الجيش وما أوردنا وجود نقص به أعلاه -، وكان قد أخذ أو استحوذ على توريد مستلزمات معامل التحاليل ولكن فشل بالتكفل بها فأسندها للوكلاء السابقين.

وبنفس الوقت على الرغم من أن هذا الزحف أضر وجود المخابرات بهذا القطاع فإن شركة وادي النيل ما زالت تأخذ بعض الإسنادات وآخرها إسناد مستلزمات مستشفى الصف المركزي.

إذًا فمن خلال هذا الخط الزمني الذي استعرضناه أعلاه خلاصة ما حدث:

1-  كان التدخل في قطاع الدواء متوازنًا بين الجيش والمخابرات، كل لديه مساحة سيطرته وأدوات تلك السيطرة، كذلك كان متوازنًا مع كبار شركات الأدوية بمصر.

2-  بدأ الجيش منذ 2014 يجهز لأن يكون المستحوذ على قطاع الصحة بمصر بتجهيز مستشفياته لتكون بديلاً عن مستشفيات القطاع الحكومي.

3-  بالمقابل سيطرت المخابرات العامة على مركز التخطيط الدوائي والصيدلة بإبعاد نفوذ غرفة صناعة الدواء عنها.

4-  إبرم الجيش اتفاقية برلين بالتعاون مع وزارة الصحة لتجهيز مستشفياته وحدث بهذا الوقت إزاحة الدكتور أحمد عزيز المشرف على تلك الاتفاقية بقضية رشوة.

5-  بدأ الإسناد لمستشفيات الجيش بالتزامن مع بدء أزمة الدواء نتيجة لأزمة الدولار وكان هذا بداية في توفير مستلزمات المستشفيات الجامعية وإسناد دعامات القلب للجيش ولبن الأطفال وإقامة مصنع للأورام.

6-  حدثت أزمة جديدة بعد قرار التعويم أشد وأعنف، فنتيجة لوجود مصادر للدولار للجيش خارج إطار البنك المركزي كما أوردنا بالمقدمة، اكتمل الزحف فأصبح الجيش مثلاً هو المحتكر لاستيراد أدوية الأورام وهو من يسند إليه مستلزمات مستشفيات وزارة الصحة بالإضافة للمستشفيات الجامعية وهذا عن طريق تجهيزات مستشفياته التي جهزها في اتفاقية برلين!

7-  وفي هذا كما أوردنا أيضًا بالمقدمة كان يحافظ أولاً على إيجاد نفوذ للمخابرات، ولكن بتقليصه وبنفس الوقت يدعم شريحة جديدة من رجال الأعمال التابعين له مثل مجموعة فارما أوفر سيز وبنفس الوقت يحافظ على شراكة مع بعض كبار رجال الأعمال بتلك الصناعة مثل مجموعة فاركو.

هل هذا كل شيء؟ لا فتلك ليست نهاية القصة.

فبعد الأزمة التي تسبب بها الجيش في لبن الأطفال، لم يستطع لا هو ولا شريكه فارما أوفر سيز الوفاء بمتطلبات واحتياجات السوق، فعاد سعر لبن الأطفال للارتفاع وواجه نقصًا، وحتى تلك اللحظة على ما يبدو تراجع الإسناد لفارما أوفر سيز.

وبعد أن استحوذ الجيش على مجال دعامات القلب تكرر حدوث أزمة بها ونقص.

وبعد أن تصدر لإقامة مصنع للأورام كبديل عن استيرادها وجد نفسه أمام أزمة في تلبية احتياجات هذا القطاع فتصدر مجددًا من خلال عميد بمستشفى المعادي العسكري ليستحوذ على استيراد جميع احتياجات هذا القطاع على مستوى الجمهورية! وعجز عن التكفل بما استحوذ عليه بمستلزمات التحاليل الطبية فارجع إسنادها للوكلاء.

بل وحتى شركاءه يواجهون أزمة، فمجموعة فاركو نتيجة للأزمة أغلقت أحد مصانعها وهو مصنع فاركو بي، وبحسب أحد المصادر ربما تتجه لإغلاق مصنع آخر مستقبلاً وهو الأوروبية - مجموعة فاركو لديها عدة شركات أهمها العامرية والأوروبية وفاركو وفاركو بي -.

ومن المبكر الحكم هل هذا مقصود تبعًا للنموذج التفسيري الذي اقترحناه بالمقدمة الذي يقضي بأن الجيش يتبع سياسة مزدوجة مع رأس المال الكبير بتقزيمه من جهة والشراكة معه من جهة أم حادث عرضي؟ خاصة أن مجموعة فاركو هي أحد المنافسين على دواء الكبد مع شركة أوفر سيز المتحالفة مع الجيش من ناحية ومجموعة مالتي فارما من ناحية أخرى، ومن ناحية أخرى فالعامرية مثلاً تورد للتأمين الصحي بمصر وهو ما شرحنا أعلاه أن الجيش يزحف عليه.

ولكن الشاهد أن الجيش يصنع أزمة ويرى أنها توفر له إمكانية السيطرة، ثم يكون الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، فلا تتحقق تلك السيطرة ولكن تستمر الأزمة!

ولسنا هنا بصدد التوسع بشرح إشكاليات صناعة وسوق الدواء المصري ولكن لنشرح بإيجاز كيف حدثت الأزمة الحالية:

ببساطة إن المستورد لزامًا أن يرتفع سعره بمقدار التغيير في سعر الصرف ولكن النقطة الأهم هي المحلي الذي زادت أسعاره زيادة عشوائية 20%، والمشكلة أن أكثر من 80% من المدخلات مستوردة من الخارج أو مرتبطة بمستورد، وبالتالي التكلفة زادت بشدة وهو ما سيتبعه بالضرورة زيادة السعر.

 ما حدث في الزيادة الأخيرة بين رجال الأعمال المصنعين والوزير أن الأمور أصبحت شديدة التوتر بين الوزير وبينهم، هو يضغط عليهم أنهم ينتظروا وهم يضغطوا عليه بإيقاف كل الخطوط الإنتاجية للمستحضرات ذات الربح القليل.
في تلك الأزمة أحدثوا زيادة عشوائية بعيدًا عن تدخل الجهاز البيروقراطي الحكومي المتمثل في إدارة الصيدلة وهو ما نتج عنه عشوائية تنفيذ الزيادة الماضية حتى تدخل رئيس الوزراء بقرار يضع حد أقصى للزيادة، ووقتها انصاعوا لإدارة الصيدلة بنشر الزيادة باسم المستحضر والسعر القديم والجديد والعبوة في جريدة الأهرام الحكومية في ملحق خاص، وهذا بحسب أحد المصادر العامل بقطاع صناعة الدواء.

ومن ناحية أخرى فنتيجة للتضخم تصر نقابة الصيادلة كذلك على زيادة هامش ربح الصيدلي من سعر البيع للجمهور ويذكر أن نقيب الصيادلة الحالي الدكتور محيي الدين عبيد هو نقيب شرطة عامل ما زال بالخدمة! وأن إنجاحه كنقيب للصيادلة كان بتوافق بين أعضاء النقابة المحسوبين على قطاعات أمنية، بل وحتى هناك بعض الأقاويل لم يتم التأكد من صحتها أنه كان هناك تصويتًا طائفيًا لصالحه من الصيادلة المسيحيين.

والآن كان التطور الأخير أن اجتمع وزير الصحة مع ممثلي شعبة صناعة الدواء وتم مراجعة 3010 صنف لكي يتم زيادتها السعرية وفق ما أراد مصنعي الدواء، وكان هذا بدون وجود النقابة أو ممثلين لها بهذا التفاوض.

 وبالتالي ما تم زيادته السعرية وهو ما يتوافق مع مبيعات شركات الدواء وليس مدى احتياج المريض المصري لها أو كونها أدوية لأمراض مزمنة وكان الصيادلة عبر نقابتهم يطالبون بنسبة خصم للصيدلي 25% للدواء المحلي  18% للدواء المستورد ثم تراجعوا إلى المطالبة  بنسبة خصم 23% للمحلي و15% للمستورد، وبالتالي ما حدث عمليًا أن نسبة الزيادة بالتسعير الجديد للدواء كانت خصم من نسبة ربح الصيدلي عمليًا.

فما طالب به الصيادلة في اجتماع نقابتهم أن يكون هناك سعر موحد لبيع الدواء وكذلك تنفيذ حكم قضائي يجبر شركات الأدوية على نسبة الخصم المقترحة – الآن يتم توريد الدواء بنسبة خصم 20% للمستورد -

مع ملاحظة أنه وفقًا لأحد أعضاء النقابة أنهم اقترحوا في اجتماع جمعيتهم العمومية تفعيل  إضراب جزئي، ونقل لهم النقيب تهديد عبر مصدر أمني أن أي إضراب سيتم التعامل معه بـ "عنف".

ومن قبل هذا اقترحت حلول عدة لاستنهاض قطاع الدواء المصري منها إيجاد لجنة موحدة ومركزية للسياسات الدوائية مجمعة من ممثلي الإدارة الحكومية ومنهم طبعًا الأجهزة الأمنية المتداخلة مع مركز تخطيط الدواء والصيدلة وكبار مصنعي الدواء، حتى يتم تجنب التنافس والإبعاد أو إضعاف النفوذ ومن ثم ردود فعل يكون ضحيتها أي مريض مصري، وقدم مشروع بهذا للبرلمان المصري باسم الهيئة العليا للدواء ودفعت به نقابة الصيادلة ولم ير النور حتى الآن!

وهو ما كان سيساهم فعلاً بإحداث توازن أو تسوية بين نفوذ الجيش المتزايد ومصالح غيره بالقطاع وهو ما لم يحدث للأسف.
ويذكر أن المتحدث باسم نقابة الصيادلة ورئيس اللجنة التشريعية بها الذي أوردنا تصريحه أعلاه بأن مشروع الهيئة العليا للدواء جاهز ليقره البرلمان وهو محسوب على الجيش الآن، لا يجد إلا أن يغرد ساخرًا من تلك الأزمة وهذا كمثال!


وكذلك طرحت مرارًا عدة حلول لدعم التصدير، حيث كانت لدى مصر عدة أسواق نشطة بإفريقيا خاصة بالقرن الإفريقي والسودان وغيرها التي لا تعتمد على معايير الاتحاد الأوروبي في الدواء التي لا ترقى لمعاييرها صناعة الدواء المصري وليس فقط صناعة الدواء ولكن المستلزمات الطبية المختلفة، وقد تضاءلت حصة مصر بهذا السوق لحساب مصنعين عرب مثل الأردن أو هنود، وهذا نتيجة للتسعير الإجباري للدواء بالسوق المصري الذي يجعله منخفضًا، فبالتالي يصر المستورد أن يشتري الدواء المصري بسعر مقارب   لسعره المحلي وهو ما لا يمكن تحقيقه، لهذا عندما نوقش مقترح الهيئة العليا للدواء وكان هذا بداية عام 2016 كان مقترنًا باعتماد سياسة محفزة للتصدير.

وهو ما يمكن أن يتحقق في هذا الظرف كتسوية نتيجة لأن انخفاض سعر الجنيه مقابل الدولار سيطرح سعرًا تنافسيًا للصادرات المصرية، وكذلك يصبح هذا أكثر إمكانًا في إطار خطة التحول النيوليبرالي الحالي، فيحدث تحرير لسوق الدواء ويلتزم قطاع الصحة بتسعيرة منخفضة للدواء من المنافذ الحكومية.

ولكن كما شرحنا بالمقدمة فإن اقتصاد ليبرالي بهذا المعنى هو عين ما يخشاه الجيش نتيجة أنه يفقده السيطرة على قاعدته المجتمعية، فبالتالي من الصعب الاقتناع بمثل تلك تسوية مع مصنعي ومستوردي وموزعي الدواء، ولهذا كما أوردنا بالمقدمة فقد قيل للسيسي من قبل داعميه إن المشكلة ليست في تطبيقه لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي عجز عن تطبيقه مبارك إنما المشكلة في اقتصاد الجيش وفي شخص السيسي نفسه!

وبالتالي تستمر الأزمة وتستمر المعاناة حتى وقت كتابة تلك السطور بالرجوع لبعض المصادر من العاملين بالقطاع الطبي الحكومي فهم وجدوا أن مخزونهم من الدواء ومستلزماته يكفي فقط لـ15 يومًا! وبعدها سينفذ هذا المخزون مع عدم توفر مصدر مستقبلاً!

ما الحل؟
إن تلك الأزمة تعتبر نموذجًا مثاليًا للأزمة التي تعيد استيلاد نفسها مجددًا ومجددًا، فالاتجاه الحالي من شركات توزيع الدواء والمستوردين بل وحتى صيدليات البيع المباشر للجمهور هو التخزين حتى يكون هناك أفقًا لحل تلك الأزمة وهو بدوره سيحدث مضاعفة جديدة بأسعار الدواء عندما يأتي هذا الحل بشكل ما.

وبالمقابل فهناك سوق ضخمة للدواء تحتاج إلى بحث منفصل وهي سوق الدواء المهرب، فكمثال فإن الكاربوبلاتين دواء الأورام المشار إليه أعلاه، الإصدار التجاري الهندي منه يأتي عن طريق شبكات التهريب.

وكما قلنا أعلاه فإن مصر من أضخم أسواق الدواء المهرب من مصادر عديدة من الخليج والهند وتركيا والاتحاد الأوروبي، ولكن كان منطق هذه السوق أنها تستطيع توفير الدواء بسعر أرخص من السعر الرسمي، ولكن عندما بدأت أزمة الدولار بالسوق غير الرسمية لم يعد بالإمكان توفير دواء مهرب بسعر رخيص نتيجة للزيادة التي يتحملها المهرب من انخفاض سعر الجنية أمام الدولار، فانحسرت مؤقتًا هذه السوق، ولكنه عادت للنشاط الآن نتيجة لعدم توفر الأصناف أعلاه من الأساس بالسوق الرسمية، فلن تكون هناك مشكلة أن يوفرها المهرب بسعر أعلى نظرًا لعدم التزامه بتسعيرة وزارة الصحة وسيستطيع أن يبيع.

وكما قلنا بالمقدمة عندما شرحنا السوق غير الرسمية للمضاربة بالدولار وأنها لن تختفي أو تسيطر عليها الدولة بعد قرار التعويم، فالأمر كذلك سيكون مع سوق الدواء غير الرسمية لأن الطبيعي أنه إذا استمرت تلك الأزمة بين الدولة ومصنعي الدواء ستتوسع وتتضخم هذه السوق بل من الممكن جدًا أن يحدث تكامل بينها وبين السوق غير الرسمية للعملة لمقاومة تلك التقييدات الجديدة على كلا الشريحتين من قبل الدولة، ومن ثم تستمر الدولة المصرية في توليد أزماتها وخلق منافسيها في أدوارها وخدماتها!

 (ثالثًا قطاع الصناعة)


تناولنا بالحلقة السابقة الصراع على قطاع الصحة ومنه بدأ يتضح النمط في إدارة الصراع بهذا القطاع والمعادلة التي شرحناها بأن أي تكتل يتصارع بأي قطاع يتكون من جهاز أمني ومسؤوليين حكوميين وإعلاميين ورجال أعمال وعادة يكون إطار الصراع بين منظمة حكومية وتكتل تجاري أو صناعي كما كان الحال بين مكتب وزير الصحة المسيطر عليه من قبل الجيش ومركز تخطيط السياسات الدوائية المسيطر عليه من قبل المخابرات وغرفة الصناعات الدوائية المسيطر عليها من قبل كبار رجال الأعمال بصناعة الدواء، وتم اقتراح إنشاء هيئة عليا للدواء يتم من خلالها تسوية تلك الصراعات بمساومات ولكن فشل هذا الأمر وهو نفس الحاصل بالإطار الأكبر وهو قطاع الصناعة.

قطاع الصناعات بدوره تتنازعه شبكات السيطرة تبعًا لما نوهنا إليه ما بين أولاً  هيئة التنمية الصناعية التي يهيمن عليها أمن الدولة تلك المرة أو وزارة الداخلية ويتبعها مباشرة مدير الأمن بالهيئة، واتحاد الغرف الصناعية.

وهيئة التنمية الصناعية المفترض أنها الهيئة الحكومية التابعة لوزارة الصناعة التي تيسر سبل التصنيع من طرح أراضي للتصنيع وإقامة قاعدة بيانات باحتياجات التصنيع بمصر وإعطاء تراخيص التصنيع، إلخ، وقد أصبحت مخولة مؤخرًا بالولاية الكاملة على الأراضي المخصصة لإقامة المصانع عليها بعد موافقة مجلس النواب على هذا.

وقد توسعت كثيرًا بمنح الأراضي للتصنيع وترخيص سعر المتر للأرض المخصصة كمرفق صناعي بعد قانون أقره البرلمان مؤخرًا، ويمكن المتابعة هنا من خلال صفحة الهيئة على الفيس بوك: https://www.facebook.com/IDA.Egypt/

مع ملاحظة أن القطاع العقاري والأراضي هو أحد أهم القطاعات التي يهمين عليها الجيش كما بيننا مثلاً بحالة القانون المستحدث للأراضي التي يتخلى عنها الجيش، وسنبين لاحقًا في قطاع المشاريع الكبرى، وقانونًا فإن جميع الأراضي العامة تخضع لولاية الجيش ومن ثم يتخلى عما يريد ويمنحها لجهاز الأراضي بوزارة الإسكان أو الهيئة العامة للاستثمار، والآن المستحدث بعد هذا القانون أن أصبحت الأراضي المخصصة للتصنيع تتبع مباشرة لهيئة تنمية الصناعة، والملاحظ كذلك أن الأراضي الممنوحة حتى الآن هي في دمياط وبورسعيد وغيرها مما يقع بإطار محور قناة السويس ويتقاطع مع مشروع تنمية محور قناة السويس كما سنتحدث عنه بالتفصيل بحلقة أخرى.

على كل كان يرأس الهيئة عمرو عسل الذي كان مرتبطًا بأحمد عز صاحب مجموعة حديد عز وتمت محاكمته معه بقضية احتكار الحديد ثم تبرئته لاحقًا.

وحتى أشهر قليلة كان يرأس الهيئة اللواء مهندس إسماعيل جابر مدير إدارة المياه بالجيش سابقًا، وعلى الرغم من أن رئيس الهيئة ينتمي للجيش ونفوذه وسلطته الواقعية تتعدى نفوذ الوزير، فقد ظل مرتبطًا بوزارة الداخلية، ويتجلى هذا في الأزمة التي أعقبها إقالته من منصبه، فرغم أن البرلمان رفض قانون الخدمة المدنية قبل إعادة تطبيقه مؤخرًا، فقد أصر على تنفيذه بالقوة على موظفي الهيئة ظنًا منه أنه يتقرب بهذا من الرئاسة، حيث كان يتباهى بصلته المباشرة بشخص نافذ بالرئاسة والمقصود هنا اللواء عباس كامل، وأدى هذا إلى اعتصام موظفي الهيئة ومن ثم لاحق اللواء إسماعيل جابر المسؤولين عن الإضراب والاعتصام عن طريق وزارة الداخلية وعندما طلب وزير الصناعة من اللواء جابر تسوية الأزمة قال له: "خليهم يتربوا"، ومن ثم لم يعد يرد على مكالمات وزيره الذي من المفترض أنه مسؤوله!


وعلى الجانب الآخر يوجد اتحاد الغرف الصناعية والشخصيات المؤثرة فيه بشكل أساسي هو أحمد صادق السويدي صاحب مجموعة السويدي للكابلات ويرأس اتحاد الصناعات قريبه محمد زكي السويدي الذي لديه مجموعة مستقلة كذلك هو عضو مجلس إدارة بالسويدي إليكتريك التي تتبعها السويدي للكابلات وهو كذلك زعيم الأغلبية بالبرلمان الحالي ورئيس لجنة الصناعة به.

وعائلة السويدي موزعة بين محمد وأحمد السويدي بالعديد من مجالس الأعمال المشتركة مثل مجلس الأعمال المصري البرازيلي والعراقي والإثيوبي، ولكن الأهم مجلس الأعمال المصري الأمريكي الذي سيصاحبنا بالعديد من الشخصيات المنتمية له طول هذا البحث، وكذلك المركز المصري للدراسات الاقتصادية المتفرع عن مجلس الأعمال المصري الأمريكي أو بمعنى أصح الذي يتولى مجلس الأعمال المصري الأمريكي تمويله وهو كذلك سيصاحبنا طول هذا البحث.

ويلاحظ كذلك أن المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وكذلك هشام الخزندار العضو المنتدب لمجموعة القلعة عضوا بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية وكذلك عضوا مجلس إدارة بمجموعة السويدي إليكتريك.

وفكري عبد الوهاب هو رئيس مجموعة الفاو ومدير الشركة المصرية الألمانية للسيارات المجمعة لسيارة مرسيدس مصر، وهو كذلك وزير الصناعة السابق وعضو غرفة الصناعات الهندسية، وكما سنبين لاحقًا فإن جميع أعمال الكابلات بمشروع محور قناة السويس من تنفيذ مجموعة السويدي، وافتراضنا أن كلاً من المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومجلس الأعمال المصري الاقتصادي مخزن الشخصيات والعقول وراء عملية التحول الاقتصادي الحالي، فلذا إذا صح هذا الافتراض فبالرجوع لأول حلقة عندما تحدثنا عن إحياء وزارة الإنتاج الحربي لشركة النصر للسيارات فتوقعنا أن هذا سيكون من خلال شركة المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وليس مثلاً مع كبار صناعة السيارات بمصر مثل عائلة منصور.

عمومًا فإن من أهم المتنفذين كذلك باتحاد الصناعات خالد عبده رئيس غرفة صناعة الطباعات والأحبار السابق وعضو مجلس إدارتها الحالي وناجي الفيومي المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات ورئيس هيئة تحديث الصناعة سابقًا.

وتجدر الإشارة إلى أن ناجي الفيومي تمت إقالته من منصبه في أول حكومة للثورة بضغط على خلفية الفساد والارتباط بعمرو عبد اللطيف شقيق الدكتورة عبلة عبد اللطيف وجمعية المصدرين المصريين إكسبونيك التي يرأسها عمرو عبد اللطيف الذي كان متورطًا كذلك بقضية فساد ثم بُرئت ساحته منها.

وهذا تحقيق تكلم بالتفصيل عن الموضوع مع ملاحظة أن مساعدة وزير الصناعة والتجارة المذكورة هنا هي عبلة عبد اللطيف وشقيقها هو عمرو عبد اللطيف.

ومن ناحية أخرى فإن هناك تكتل آخر باتحاد الصناعات يمكن أن نسميه "تكتل الكويز" ويتزعمه جلال الزربا صاحب مجموعة النيل القابضة والمصدر الرئيسي لصناعات النسيج المصرية لأمريكا تبعًا لاتفاقية الكويز، وكان رئيس اتحاد الصناعات السابق قبل السويدي وهو كذلك عضو بمجلس الأعمال المصري البرازيلي كما السويدي، وكذلك رئيس مجلس الأعمال المصري الأمريكي من الجانب المصري بينما رئيس المجلس من الجانب الأمريكي هو جون كريستمان المدير الإقليمي لشركة أباتشي.

وهو كذلك عضو بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية وعضو مجلس إدارة القابضة المصرية الكويتية وعضو مجلس إدارة المقاولين العرب.

وبالحديث عن القابضة المصرية الكويتية فهي تعتبر شراكة بين مجموعة الخرافي الكويتية ورجل الأعمال المصري معتز الألفي صاحب مجموعة أمريكانا وعدة شركات أخرى مثل الدلتا للتأمين ومصر للدواجن، وبغض النظر عن تاريخه السابق مع جمال مبارك من حيث عضويته بلجنة سياسات الحزب الوطني وجمعية المستقبل التي شكلها جمال مبارك والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي الذي كان يتولى الترويج لمشروع توريث جمال مبارك في دوائر الحكم الأمريكية مما يجعله في تناقض مباشر مع الجيش.

ولكن كما وضحنا بأول حلقة فإن مجموعة الخرافي هي أكبر شريك لمشاريع الإنتاج الحربي مثل إنتاج بطاقات ذكية وإنتاج أجهزة حاسوب مكتبي ولوحي وغيره كما سنبين أيضًا بقية تفاصيل شراكاتهم بالحلقات القادمة، ولكن مهم أن نبين كيف كانت ردة فعل بعض رأس المال الكبير على تغول الجيش الحالي.

فكما وضحنا كذلك بالحلقة الأولى وبالنموذج التفسيري الذي اقترحناه فالجيش يعمل بآلية بسيطة وهي "الجباية" أي أن لكي تيسر أعمالك يجب أن تدفع بحصة منها للجيش يحددها بنفسه، فأحد طرق تلك الجباية هي صندوق تحيا مصر، وقد كان هذا هو نقطة التصادم الرئيسية بين معتز الألفي والرئاسة، حيث رأى أنه من الضخامة التي تجعله لا يقبل بفرض مثل تلك الجباية عليه، فرفض التبرع لصندوق تحيا مصر، وبالعرض البصري أعددنا قائمة برجال الأعمال الذين قبلوا بالتبرع لصندوق تحيا مصر والذين رفضوا، ومن ثم نتيجة تصادمه مع الجيش فرضت عليه عدة عقوبات أهمها تخارج­­ مجموعة الخرافي من مشروع قرية مرسى علم السياحية ودخول شركة أبراج كابيتال المصرية وتخارج أمريكانا من السوق المصري، فبهذا تحدث مسألة التقزيم لمعتز الألفي تحديدًا لارتباطه المباشر بجمال مبارك وبنفس الوقت تستمر الشراكة مع قطاعات أخرى أوردنا بعضها وسنورد الباقي بالحلقات التالية.

وفي الغالب فإن رجل الأعمال المعارض للتبرع لصندوق تحيا مصر المقصود في هذا التحقيق الذي سبق نشره على "نون بوست" هو معتز الألفي لأن تلك الرواية عن هذا الاجتماع وردت لنا من أكثر من مصدر.

وبالعودة لجلال الزربا فهو مكتشف الدكتورة عبلة عبد اللطيف التي كانت مستشارة الزوربا وتتولى منصب مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية وعضو لجنة السياسات المالية بالبنك المركزي وهذا ضمن العديد من المناصب كان أهمها سابقًا رئيسة مركز تحديث الصناعات قبل ناجي الفيومي ومؤسسة شركة جودة للرقابة على المؤسسات الصناعية وعضو مؤسس بمركز بصيرة لدراسات الرأي العام الذي يتولاه ماجد عثمان الذي كان سابقًا وزير الاتصالات وكذلك مدير المركز المصري للمعلومات ودعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء وهي دوائر تخضع لهيمنة المخابرات العامة، وهي مديرة المركز المصري للدراسات الاقتصادية وتحديدًا المركز المصري للدراسات الاقتصادية كان سبب اختيارها لتكون المتنفذة بحق في القطاع الصناعي والتجاري وتكون أحد أعمدة صناعة سياسة التحول النيوليبرالي الحالية لكي يتم وصفها بحق بالمرأة التي تتحكم بالاقتصاد المصري.

وفي أثناء عملها كمستشار لوزير التجارة والصناعة كانت بداية اتخاذها للقرارات التي تهدف لعمل تضييقات على الاستيراد وتعويم الجنيه ودعم صادرات بعينها هي صادرات الحديد والصلب والتي تصب في مصلحة حديد عز وصلب مصر التي سبق ونوهنا أن الجيش استحوذ عليها وكذلك صناعة النسيج وتحديدًا المرتبطة بهم أي جلال الزربا ومحمد قاسم عضو منطقة الكويز كذلك والذي تجمعها به صلة مصاهرة ولديه تنافس مصالح مع علاء عرفة عضو منطقة الكويز كذلك والذي بدأ شراكة مؤخرًا مع الدولة في مجال الغاز، وكذلك دعم غرفة الصناعات الهندسية العضو بها أحمد فكري عبد الوهاب كما نوهنا أعلاه والتي هي أيضًا شريكة له، ولكن يجب أن ننوه أيضًا كذلك أن تلك القرارات أضرت مرسيدس بينز بمصر التي يديرها كذلك أحمد فكري، ولكنها مملوكة لرجل الأعمال سامي سعد، وهو ما دفع المصرية الألمانية للسيارات إلى التوقف عن نشاط تجميع سيارات مرسيدس في مصر، وتم تعليل ذلك بالظرف الاقتصادي الذي لا يسمح باستمرار النشاط في مصر.

وهذا أيضًا يعضد النموذج الذي اقترحناه أن الجيش في اشتباكه مع رجال الأعمال يعمل على الشراكة مع رأس المال الكبير وتقزيمه بنفس الوقت ويمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل هنا: http://www.elmogaz.com/node/181028

وبالحديث عن غرفة الصناعات الهندسية ننوه إلى خبر اجتماع ممثلي الغرفة مع اللواء العصار لبحث تسوية أو تفاوض على احتكار الجيش للمشاريع الصناعية سواء بالشكل الذي نوهنا إليه من خلال دور الدكتورة عبلة عبد اللطيف أو من خلال دخوله لصناعة الصلب التي نوهنا إليها في الحلقة الأولى أو مشاريعه التي صلبها وزارة الإنتاج الحربي وهذا يعضد كذلك فرضية أنه عندما يبدأ الجيش بدخول صناعة السيارات بإحياء شركة النصر سيعتمد على شراكات من داخل غرفة الصناعات الهندسية مثل المهندس أحمد فكري عبد الوهاب وليس على رأس مال أكبر مثل غبور.

حكاية نخبة رجال أعمال "أمريكا":

وبالحديث المتصل عن مجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية فإن مجلس الأعمال المصري الأمريكي والغرفة التجارية المصرية الأمريكية المتفرعة عنه والمركز المصري للدراسات الاقتصادية الممول من كليهما يمكن اعتبارهم عصب التخطيط للاقتصاد المصري على المستوى الكلي ويضم في تكوينه نخبة رجال الأعمال المصريين وكذلك نخبة الباحثين الاقتصاديين، ولم تحدث أي خطة تحول اقتصادي إلا وكانت من إنتاج مركز الدراسات الاقتصادية وبإشراف مجلس الأعمال المصري الأمريكي.

ولكي نستطيع أن نتحقق من دعاوى أطلقها بعض الناشطين السياسين مثل "لن تحكمنا أمريكا" أو أن أمريكا مهيمنة على الاقتصاد المصري، إلخ، فإن هذا حقيقي ولكن ليس بمعنى أنها تهيمن على الأسواق المصرية وإنما ببساطة أن نخبة المال والأعمال يتحدد قوتها بمدى نفوذها وقوتها داخل إطار مجلس الأعمال المصري الأمريكي وبالتبعية مدى وجود ارتباطات قوية لها داخل مجتمع المال والأعمال الأمريكي وكذلك الطبقة السياسية الأمريكية وهذا يتحول بدوره لنفوذ وارتباط بدوائر صنع السياسة المصرية وتحديدًا قطاع الدفاع والأمن تحوله نخبة رجال الأعمال المصرية إلى مزيد من النفوذ المالي، وهكذا تدور الدائرة لتضخم رأس المال وإلا فإن بيانات الأرقام المجردة تقول بأن حجم الاستثمار والتجارة البينية مع أمريكا ليست هي الأكبر ويسبقها مع الصين وكل من إيطاليا وإسبانيا وأوروبا عمومًا.

وبالتحقق من القائمتين أعلاه التي أوردناهما لعضوية كل من المركز المصري للدراسات الاقتصادية ومجلس الأعمال المصري الأمريكي نجد أنه بالفعل يضم كبار رأس المال والمؤسسات المالية، فهو يضم أولاً علوي تيمور ومحمد علوي تيمور أصحاب مجموعة فاروس القابضة والتي كعائلة تعتبر من أكبر خمس عائلات في قيمة رأس المال، بالإضافة لأسماء مثل ساويرس ومجموعة أوراسكوم التي بدورها لها تمثيل بكل من مجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية، وكذلك عائلة منصور التي كان منها وزير نقل مبارك، وكل من عائلة ساويرس ومنصور تحتل المراكز الأولى بقائمة أغنى رجال الأعمال العرب.

وبها تمثيل كذلك لمجموعتي القلعة وهيرميس المملوكتين لأحمد وحسن هيكل نجلي الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بالترتيب وهما أيضًا ابنا أخت علوي تيمور.

وعلى الرغم من أن ترتيبهم المالي أدنى من الفئة الأولى أعلاه إلا أن العبرة هنا بالنسبة لهذين النموذجين ليست حجم رأس المال المملوك لهما وإنما حجم النفوذ، فتاريخيًا المجموعة المالية هيرميس هي التي أدخلت جمال وعلاء مبارك للبورصة المصرية، ولهذا كانت المجموعة المالية هيرميس مع جمال مبارك متهمان بقضية التلاعب بالبورصة التي حفظت على كل حال.

وكان اتصال جمال مبارك بهيرميس من خلال علاء الدين السبع الذي كان يعمل بها بهذا الوقت واستقل لاحقًا بتأسيس مجموعة بيلتون المالية وهي المجموعة التي أعدت لاحقًا خطة تعويم الجنيه المطبقة الآن، وعلاء الدين السبع بدوره كممثل لمجموعة بيلتون عضو بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية.

وبالنسبة لمجموعة القلعة فمقدار نفوذها متعلق بكون أولاً مشروعها الأساسي هو الربط اللوجستي مع دول حوض النيل سواء عبر نهر النيل أو عبر خطوط سكك حديد تعبر الإحدى عشرة دولة التي يجري بها النيل وهو ما يتقاطع مع صلب الأمن القومي المصري والدوائر السيادية، وهي كذلك إحدى بوابات المال الخليجي وتحديدًا السعودي والإماراتي، ومن الاستعراض أعلاه مثلاً نجد أن لديها ممثلي بعضوية مجالس إدارة العديد من الشركات مثل السويدي، إلخ، وهي أيضًا شريك مع الجيش فيما يسمى بمشاريعه القومية كما سنبين عند تناول تلك المشاريع القومية، والأهم أنها إحدى المجموعات الجاهزة للدخول بمشاريع الطاقة عندما يبدأ تخصيص هذا القطاع كما سنتناول أيضًا عند الحديث عن قطاع الطاقة.

وبعضوية المركز المصري للدراسات الاقتصادية نجد اسم آخر مهم وهي دينا الخياط عن مجموعة لازارد سابقًا أو مديرتها بمصر وهي كذلك تأتي بخلفية من الانتقال الوظيفي بين هيرميس وأوراسكوم، أهمية الانتباه لهذا الاسم أن مجموعة لازارد هي المسؤولة تمامًا عن عملية "الإصلاح الاقتصادي"، ونعني هنا جميع أجزاء تلك الخطة من تعويم الجنيه وتحرير الأسواق المصرية وإلغاء الدعم وخصخصة الأصول المصرية وجلب استثمارات من خلال مؤتمر شرم الشيخ ويورومني، إلخ، ومسؤوليتها عن تلك العملية كانت بتوصية مباشرة من سلطان الجابر وزير الدولة الإماراتي وهو المعني بالاتصال السياسي بين دولة الإمارات والنظام السياسي لمصر ويعمل "خبراء" لازارد بتنسيق مباشر مع اللواء عباس كامل.

وهذا تحقيق عن الموضوع وإن كان يميل لألفاظ مبالغة عن الدور التآمري لرأس المال اليهودي العالمي نظرًا لأن مجموعة لازارد تحسب ضمن هذا الرأس مال اليهودي.

وكذلك يجب الانتباه لشخصيات أخرى بمجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية مثل حلمي طاهر المقرب من سوزان مبارك والذي كان أصغر عضو بفريق تفاوض استرداد طابا وعلاقته مع السلطة بدأت من هنا ثم أسس مكتب محاماة بأمريكا جعله قريب من دوائر صنع القرار الأمريكية وعالم المال والأعمال بأمريكا وهو مكتب بيكر آند ماكينزي للمحاماة ويعد أكبر مكتب محاماة بالشرق الاوسط، ولعب دورًا رئيسيًا بعمليات الخصخصة بفترة عاطف عبيد بالتسعينيات، ومن ثم سهل دوره التأسيسي بمجلس الأعمال المصري الأمريكي وكذلك المركز المصري للدراسات الاقتصادية وأيضًا غرفة التجارة المصرية الأمريكية التي كان يرأسها وكذلك المجلس الرئاسي المصري الأمريكي السابق الإشارة إليه والذي كان أيضًا بعضويته رجل صناعة السيراميك محمد أبو العينين صاحب مجموعة سيراميك كليوباترا والذي أُسس بإشراف من جمال مبارك وكان مهمته السياسية الترويج لتوريث جمال مبارك الحكم كما أسلفنا.

وهذه نبذة مختصرة عن حلمي طاهر وعلاقته بالولايات المتحدة من خلال العديد مما يرؤسه ويديره.

وما نود أن نلفت إليه الانتباه بهذا التحقيق هو معلومة أن الجهاز المركزي للمحاسبات كان قد أسند لمكتب بيكر آند ماكينزي الذي يرؤسه حلمي طاهر مهمة استرداد أموال عائلة مبارك بالخارج بعد الثورة مباشرة!

فكما وضحنا بالمقدمة علاقة الجيش والاقتصاد هي مدخل لفهم كيف تدار الدولة المصرية عمومًا، فإن هذه هي أحد الأوجه التي ستقابلنا لاحقًا بالحلقات التالية، وهي استخدام جهاز الكسب غير المشروع كأداة من أدوات ضبط علاقة الجيش برجال الأعمال وهذا بدوره في نطاقه الأوسع هو أحد أوجه ميكانيزمات العلاقة بين قطاع الدفاع والأمن ومؤسسة القضاء.

على كل فحلمي طاهر الآن هارب نتيجة أن سياسة الدولة المصرية تحت قيادة عبد الفتاح السيسي هي تهميش أو إبعاد المرتبطين مباشرة بعائلة مبارك ثم استخدام بقية شبكاتهم وتوظيفها لهذا، فالمجلس الرئاسي المصري الأمريكي لم يعد له تلك الأهمية ولكن أعضاءه احتفظوا بأهميتهم كأبو العينين مثلاً الذي لعب دورًا مهمًا في الترويج لحصول مصر على قرض صندوق النقد في نيويورك وواشنطن وإن لم يكن الأهم كما سنبين لاحقًا.

وبالتأكيد على فكرة تحول دائرة نخبة الأعمال المرتبطة بأمريكا لدائرة تتعدى الاقتصاد إلى السياسة العليا للدولة وكذلك التأكيد على منطق الجباية، ويأتي هذا الخبر الذي يفيد بوجود شقاقات بين حلمي طاهر والدكتور أحمد كمال أبو المجد الرجل الثاني بمكتب محاماة بيكر آند ماكينزي نتيجة سعي الدكتور كمال أبو المجد لاستمرار اتصاله مع جماعة الإخوان وطرح وساطة بينهم وبين النظام وهو ما يراه حلمي طاهر يضر بفرصه لكي يعود إلى شبكة الأعمال المرضي عنها من قبل القيادة السياسية الحالية، والجزء "الهزلي" من الخبر هو أن حلمي طاهر استوعب فكرة الجباية التي يمارسها الجيش وتبرع لصندوق تحيا مصر بـ2 مليون دولار وهو ما اعتبره القائمون على الصندوق مبلغًا هزيلاً وليس كافيًا حتى يتم الرضا عنه!

الشاهد أن تلك الدوائر الثلاثة أي مجلس الأعمال المصري الأمريكي وغرفة التجارة المصرية الأمريكية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية كانت قاعدة الأساس التي تحكم عالم الأعمال والاقتصاد بمصر ربما منذ أن بدأ التأسيس للجمهورية الثانية بمصر بعد حرب أكتوبر أو ما يعرف بنظام كامب ديفيد ومن ثم يتفرع منها ما يناسب كل نظام حاكم، فمنها خرج بفترة مبارك رجال أعمال الكويز والمجلس الرئاسي المصري الأمريكي ولجنة سياسات الحزب الوطني، وهي الآن التي يستخدم السيسي ومن ورائه الجيش أعضاءها، فاستخدم منها الدكتورة عبلة عبد اللطيف كمستشارته للاقتصاد وكذلك أحمد جلال وزير المالية بأول حكومة بعد 30 من يونيو وهي حكومة الدكتور حازم الببلاوي وشغل أيضًا لفترة مدير المركز المصري للدراسات الاقتصادية.

فيمكن أن نوصف أن تلك الدوائر الثلاثة هي الآن معادل لجنة سياسات الحزب الوطني ولكن تحت شريطة أن يوظف الجيش تناقضاتهم لصالحه كالتناقض الذي نوهنا إليه بين السويدي والزوربا وبين علاء عرفة ومحمد قاسم وكما سيتضح بالحلقات التالية عند تناول بقية القطاعات، والأهم أن يصبح الجيش هو النواة الأساسية التي تحركهم، كما يتضح بنموذج أو خبر اجتماع غرفة الصناعات الهندسية مع العصار لكي "يتوسلوا" إليه ألا يتغول عليهم الجيش بقدر أعلى من المطلوب!

 (رابعًا قطاع الغذاء)
•      29 يناير 2017

قدمنا ونكرر أن أي قطاع تتنازعه مافيات وتتكون تلك المافيات من جهاز أمني ومسؤول حكومي وإعلاميين ورجال أعمال، وهو ما ينطبق بنفس التوصيف على قطاع الغذاء وما يتولد عنه من أزمات، وعلى الرغم من تفاهة ما يبدو عليه الأمر أن يكون غاية الصراع بين أجهزة قطاع الدفاع والأمن على من يهيمن على الزيت والسكر والحبوب، إلخ، فإن هذا فعلاً أحد أوجه الصراع والتنافس التي يرى المتنافسون عليها أنها تمثل السيطرة على المجتمع بل والسيطرة على تقرير وصنع السياسة الخارجية.

من الممكن أن نفترض أن أساس أو لُب التنازع في الأغذية هو استيراد القمح،  واستيراد القمح بما أنه السلعة الحيوية في الغذاء فلم يكن متروكًا لكونه شأن تمويني بحت، إنما كان يقرر في دوائر السياسة العليا منذ زمن عبد الناصر حينما تصور أن أخذه معونة قمح من أمريكا سيحقق له توازنًا في علاقته مع الاتحاد السوفيتي،  عمومًا يمكن أيضًا أن نقسم المسألة حاليًا هنا إلى مافيتين واحدة لاستيراد القمح الروسي وأخرى لاستيراد القمح الفرنسي.

دومًا كان هناك تنازعًا في أي القمح يتم استيراده، فبالنسبة للقمح الروسي فإن مافيا استيراده يكون عمادها بالأساس الجيش أو المخابرات العامة ومن دار دورهم، ومافيا استيراد القمح الفرنسي أكثر وضوحًا وتتكون من المخابرات العامة ومعها رجال أعمال مثل أحمد الوكيل وإعلاميين مثل مصطفى بكري ومسؤولين حكوميين مثل وزير التموين السابق خالد حنفي، وعلى أساس تلك الشبكة تدور الصراعات على السلع الأخرى مثل الحبوب والسكر والدواجن.

بداية من المفيد أن نوجز عن أحمد الوكيل على الرغم من أن الكثير من الحديث دار عنه مؤخرًا، فهو رئيس اتحاد عام الغرف التجارية ورئيس غرفة الإسكندرية، ونائب رئيس اتحاد غرف البحر الأبيض "الإسكامى"، وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني، وكذلك رئيس شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، وشركته لتجارة السكر اسمها "ويكليست" والأخرى للحبوب مثل الأرز والقمح اسمها "وكلاكس".

ومن خلال شركات أحمد الوكيل يتجلى النموذج الذي تكلمنا عنه أعلاه وهو تكوين شبكة من المسؤوليين الحكوميين، فرغم أن أشهر مثال هو الدكتور خالد حنفي الوزير السابق حيث كان يعمل مستشارًا لاتحاد الغرف التجارية التي يرؤسها أحمد الوكيل، ولكن بخلاف هذا فإن أحمد الوكيل كان يسعى لاستقطاب المسؤولين الحكوميين للعمل في المناصب الإدارية بشركاته كمديري مضارب الحبوب ومسؤولي وزارة التموين السابقين، إلخ، ونموذج توظيفه لهم أن يجعلهم أصحاب اسهم بالشركة حسب منصبهم بشركاته بحيث يكونون أصحاب مصلحة مشتركة في ربحيته وليس مجرد موظفين.

ونفوذ أحمد الوكيل كان متقاطعًا بالطبع مع شبكات رجال أعمال جمال مبارك ومن ورائهم المخابرات العامة وتحديدًا منذ أن كان رشيد محمد رشيد وزيرًا للتجارة، وقد استفاد من عدة قرارات أُجريت خصيصًا له مثل رفع رسوم التصدير لأرز الشعير وهو الأرز غير المضروب، بحيث يمكّنه هذا أن يجمع الأرز من التجار المصريين ثم يصدره بعد ضربه في المضارب التابعة له وهو ما يجعله شبه محتكر لهذا التصدير.

والآن لمواجهة هذا النفوذ، ألغت وزارة التموين المناقصة الأخيرة لشراء الأرز المحلي من التجار وعوضًا عن هذا اتجهت لاستيراده!


هذا نموذج يمكن تعميمه في كل أعمال الوكيل، فهو ما حدث بشكل مماثل في أزمة السكر، حيث كان تسلسل الأزمة بأن ألحقت أولاً الشركة القابضة للصناعات الغذائية بوزارة التموين حتى يتم التحكم في إنتاجها من خلال خالد حنفي المحسوب على الوكيل وكذلك تحويل المجمعات الاستهلاكية من التبعية لوزارة التجارة إلى وزارة التموين، ومن ثم كان قرار حكومة محلب أن يكون السكر المستورد ضمن منظومة التموين وطرح السكر المستورد بسعر أرخص من المصري على الرغم من أن هذا كان متزامنًا مع بدء تضخم الجنيه بهذا الشكل الحاد!

وبالطبع كان المستفيد مجددًا هو أحمد الوكيل إلا أن الجيش ضغط لوضع رسوم إغراق على السكر المستورد فأصبح ثمنه أغلى وعجز الوكيل عن استيراده أو للدقة إن أردنا أن نقول تعمد ومن ورائه جهاز المخابرات العامة أن يتوقف عن الاستيراد  وعجز المحلي عن تغطية البديل، فمن ثم حدثت أزمة السكر المستمرة إلى الآن.

وهنا يتحدث مثلاً الدكتور خالد رفعت مدير مركز طيبة للأبحاث السياسية  المحسوب على الجيش عن الأزمة من وجهة نظر الدولة.

على أن الوكيل في حوار له مؤخرًا بشأن اتهامه باحتكار السكر أو الدواجن نفى هذا بشدة وقال إنها أزمة طبيعية وتوقع أن يصل سعر السكر إلى عشرة جنيهات للكيلو أي ضعف ثمنه قبل بدء الأزمة!

وكما قدمنا فإن تجارة السلع الغذائية سواء استيراد أو تصدير تنظر لها الدولة المصرية على أنها إحدى أدوات السياسة، فتصدير المواد الغذائية للقارة الإفريقية تشرف عليه بالكامل المخابرات العامة وخاصة التصدير لدول حوض النيل وتراه أنه إحدى أدوات اختراقها لإفريقيا.

وهناك رواية تقول إن بعد أحداث الثالث من يوليو بفترة وجيزة اتجه رجال أعمال مصريين إلى مملكة سوزيلاند الجنوب إفريقية.

هناك مملكة لقبيلة السوازيفي وسط جمهورية جنوب إفريقيا اسمها Swaziland، وتتمتع بالاستقلال الذاتي منذ عام 1968، المملكة عضو في الاتحاد الجمركي لجنوبي إفريقيا ساكو SACU، وفي أعقاب الثالث من يوليو، والانتقادات التي وجهتها إثيوبيا لمصر وتأييدها وقف عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، زار وفد مصري مخابراتي المملكة، وقدم هدايا عدة للملك، بينها قطع سلاح خفيف للحرس الملكي، وفي المقابل سمح لهم الملك بإغراق السوق السويزلاندي بالمنتجات المصرية، والتي تسربت بشكل تلقائي إلى دول الساكو وفي المركز منها جمهورية جنوب إفريقيا، وتسببت بخسائر فادحة للمنتجين التابعين لجمهورية جنوب إفريقيا بسبب ظهور منافس لمنتجاتهم وبأسعار أفضل، وغير المنتجين البيض.

اضطرت جمهورية جنوب إفريقيا أن ترسل مدير وكالة الأمن الوطني SiyabongaCwele إلى مصر في فبراير 2014 حاملاً رسالة شخصية من رئيس جمهورية جنوب إفريقيا Jacob Zuma إلى عدلي منصور، وأدى التفاهم إلى عدم الممانعة من جمهورية جنوب إفريقيا تجاه الوضع الجديد في مصر، مقابل وقف إغراق الاتحاد الجمركي بالسلع المصرية.

وهذه قائمة بالشركات التي تصدر منتجات غذائية مصرية إلى السوق الإفريقية، ومجددًا تشرف عليها المخابرات العامة.


على أن الموضوع يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق بالقمح من هذا المدخل أي عندما ينظر إليه أنه أداة سياسية، فالجيش وعبد الفتاح السيسي ينظرون إلى استيراد القمح من روسيا على أنه أحد ملفات وأدوات التشبيك بين مصر وروسيا، بينما ترى شبكة المخابرات العامة لنفس الأسباب السياسية وهي الحفاظ على ثوابت علاقات مصر الغربية ولأسباب تجارية بحتة، الاتجاه لاستيراد قمح فرنسي مصاب بفطر الأرجوت وضغطت في سبيل ذلك في بداية هذا العام.

ولهذا وفي هذا السياق تم القبض على وزير الزراعة السابق بحكومة محلب، صلاح هلال، على إثر قضية فساد حكم عليه بعشر سنين سجن وعلى إثرها تم إقالة حكومة محلب الكامل.

والملاحظ في هذا السياق أن قضية الفساد كانت تلقي الوزير رشوة من رجل الأعمال أيمن رفعت الجميل على أن يتم تخصيص قطعة أرض له بوادي النطرون.

وأيمن رفعت الجميل هو رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات كايرو ثري إيه وهي شركات متخصصة كذلك بمجال صوامع الغلال وتخزينها وتعبئتها ونقلها، وكانت قبل تلك القضية تتفاوض مع وزارة التموين عندما كان الوزير كذلك خالد حنفي للحصول على أرض ضمن ميناء دمياط أيضًا لتخزين الغلال المستوردة عبر الميناء ومنها بالطبع بل على رأسها القمح.

وتجدر الإشارة إلى أن الأجهزة التي اضطلعت بتلك القضية - أي قضية صلاح هلال ورفعت الجميل - كانت جهاز الأمن الوطني والرقابة الإدارية، وسنأتي على دور الرقابة الإدارية لاحقًا في شبكات الصراع تلك، ولكن المستفاد هنا أمران الأول أن هذا أيضًا كان بوقت صراع الدولة مع الجهاز المركزي للمحاسبات ورئيسه السابق هشام جنينة، وكذلك أن الداخلية والأمن الوطني تحديدًا مذبذبة ومن الممكن اعتبارها أضعف الحلقات، فبالتالي لا تستطيع أن تترجم وظيفتها الأمنية إلى نفوذ في الدولة إلا بالتحالف مع قطاعات أقوى منها سواء مخابرات عامة أو جيش، بل ونفوذها هو نفوذ لأعضائها ولم يتحول إلى الآن لنفوذ للجهاز ككل كما هو الحال مع الجيش أو المخابرات.

على كل في هذا الإطار أيضًا أي التنافس بين استيراد القمح الروسي والفرنسي أتى لاحقًا لجنة تقصي الحقائق التابعة للبرلمان التي من المفترض أنها كانت تتقصى في فساد توريد القمح المحلي لوزارة التموين والتي ترأسها مصطفى بكري وأفضت إلى استقالة خالد حنفي، ويلاحظ كذلك أن مصطفى بكري صرح بأن المعلومات التي قدمها جاءت إليه مرة أخرى من وزارة الداخلية عبر مدير مباحث القليوبية وكذلك علاقة مصطفى بكري بالجيش لا تحتاج إلى شرح كثير.

ثم أتى بعدها لواء من الجيش وزيرًا للتموين وهو اللواء محمد علي الشيخ مدير هيئة التموين والإمداد بالجيش سابقًا، ومن ثم بعد مجيئه بشهر واحد تم استئناف استيراد القمح الروسي، فما دفع للضغط على خالد حنفي للاستقالة هو الحظر على القمح الروسي بدعوى فطر الأرجوت على الرغم من وجود الفطر في القمح الفرنسي الذي سبق استيراده ببداية هذا العام كما نوهنا.

عمومًا لكي تظهر أمامنا خارطة أوضح للتقاطعات في قطاع استيراد القمح، فما حصلنا عليه أن المخابرات العامة تستورد القمح وتورد للدولة من خلال ثلاث شركات مملوكة لها مباشرة هم مالتي ترايد وميدي تريد ومطاحن الأصدقاء،  ومالتي تريد هي الشركة الوحيدة التي كان مسموح لها على مدى 20 عامًا حتى الآن استيراد السكر بإعفاء من رسوم الاستيراد والجمارك وتشاركها باستيراد القمح والسكر والدواجن ميدي تريد وكان يرأسها حتى وفاته نائب رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق محيي الدين العارف، وتدور شائعات أنها كانت مضطلعة في تهريب أموال عائلة مبارك للخارج من خلال نشاطها،  فإن صحت تلك الشائعة يتبين مدى أهمية هذا القطاع وثقله - أي قطاع السلع الأساسية - بحيث يختار مبارك تلك الشركة دون غيرها لتنقل أمواله لحسابه الشخصي بسويسرا.

والشركة الأخرى هي شركة مطاحن الأصدقاء التي تستورد قمحًا برازيليًا وتعمل بقطاع تخزين وبناء صوامع القمح، ومن الملاحظ كذلك أن رئيس مجلس إدارة الشركة وهو رجل الأعمال عاطف أحمد حسن الذي قبض عليه بتهمة فساد القمح الذي يستورده عن طريق شركة أخرى تابعة له شخصيًا وليس لجهاز المخابرات وتدعى شركة الوحدة.

وهنا قبل أن ننتقل إلى الشركات ورجال الأعمال المرتبطين بالمخابرات العامة في هذا القطاع سيكون من المناسب أن نستعرض كيف تسيطر المخابرات العامة على الشركات المرتبطة بها أو المتحالفة معها في هذا القطاع تحديدًا، لكي يتضح لنا الفارق بينها وبين أسلوب التحكم والسيطرة الذي يتبعه الجيش كما سنعرضه بعد قليل.

 فشركات مثل مالتي تريد وميدي تريد لديها رصيد ائتماني هائل بالبنوك المصرية الحكومية يقدر بمليارات الجنيهات وهذا الرصيد أحد استخداماته هو إعادة استخدامه وتدويره كقروض لكبار شركات السلع الغذائية أو التي يمكن ان يتم وصفها بالتايكون tycoons.

سواء كان إقراض مباشر بعدة تسهيلات بعيدًا عن التعاملات البنكية، وبالطبع استنادًا لثقل وسمعة ان يكون مقرضك شركة تابعة للمخابرات العامة، أو أن يكون المرور عبر شركات المخابرات هو السبيل الوحيد للحصول على القرض البنكي، وبهذا يتحقق للمخابرات العامة من خلال شركاتها سيطرة على رأس المال الثابت والمتداول للشركات المتحالفة معها وبنفس الوقت تحقق عملية ربحية بحته بفارق سعر الفائدة بين رصيدها الائتماني بالبنوك وسعر الفائدة الذي تقدمه للمقترض منها.

وهناك قصة شهيرة وبها بعض الطرافة ولها دلالات عديدة على الأزمات الناشئة حاليا كأزمة السكر حاليا  وهي نموذج السقوط المدوي لرجل الأعمال علي الصفدي الذي كان يصلح أن يتم تسميته فعلا بتايكون قطاع السكر، حيث اقترض مبلغ 300 مليون جنيه من البنك الوطني للتنمية، وتهرب من سدادهم، ومن ثم تم الحكم عليه بالسجن لتسع سنوات وكان هذا في أواخر عام 2010.

والحقيقة أن هذا القرض كان في الواقع مقدم له من إحدى شركات المخابرات العامة ويرجح أنها مالتي تريد، وكان البنك الوطني للتنمية غطاء على النحو الذي شرحناه أعلاه ولكنه هرب الى السعودية ورجع أو "تم إرجاعه" جبرًا إلى مصر، وتوفي مؤخرا بعام 2015.

عمومًا هناك عدة أمثلة للشركات المملوكة لرجال أعمال قريبين من المخابرات وأهمهم رفعت الجميل صاحب شركة كايرو ثري إيه التي نوهنا إليها أعلاه وإلى قضية نجله أيمن الذي يدير شركة أبيه، ويجدر ذكر أنه ظابط طيار سابق كان زميلاً لحسني مبارك ثم تقاعد ودخل في عدة قطاعات للاستيراد منها الدواجن والحبوب، ولكن الأهم استيراد القمح الأمريكي ثم الأوكراني وكان يورد للتموين نحو مليون ونصف طن.

وكذلك المهندس محمد عبد الفضيل صاحب شركة فينوس إنترناشونال وميدي ترينايم، الذي يستورد القمح من عدة جهات وهو كأحمد الوكيل مرتبط بدائرة رشيد محمد رشيد ومستشاره كوزير للصناعة والتجارة بعهد مبارك، وتجدر الإشارة كذلك أن والده كان يعمل برئاسة الجمهورية وكان عضوًا بمجلس الشعب إبان حكم مبارك، وهو كذلك شريك لجمال عبد العزيز سكرتير مبارك السابق الذي خرج بعد الثورة ليتحدث عن فساد حسني مبارك بوصفه شاهد عليه، ويستورد القمح الكازخستاني ورئيس الجانب المصري من مجلس الأعمال المصري الكازخستاني ومن عدة دول أخرى، ويمكن أن نفترض أن قرار السماح باستيراد القمح المصاب بفطر الأرجوت ثم الرجوع عنه كان لضرب عبد الفضيل، حيث إنه خسر في التراجع عن هذا القرار وركد القمح الذي استورده بمخازنه، ويتحدث عن هذا هنا: http://www.huffpostarabi.com/2016/09/19/story_n_12081184.html.

ولمزيد من التفاصيل على الرغم من أنه لم يفصح في هذا الخبر عن مصدر القمح الذي يستورده، ولكن بالرجوع لمصادر أقدم في فضيحة القمح المسرطن الروسي نجد أن عبد الفضيل ورغم أنه من كبار مستوردي القمح الفرنسي مما يجعله في دائرة تحالفات المخابرات العامة من خلال شراكته مع شريك فرنسي وهي شركة "لويس دريفوس نيجوس" وكذلك شريك كويتي هو عبد الله الهاجري، ولكنه حاول أن يحدث توازن مع الجيش بأن استورد قمح روسي لصالح الجيش تحت غطاء شركته الفرنسية وتلك هي التفاصيل.

وتجدر الإشارة إلى أنه في تلك القضية عام 2009 تم الإطاحة بأشرف العتال مالك شركة التجار المصريين التي استوردت القمح الروسي حتى بعد أن رد قيمة الشحنة للدولة مما يعطيك دلالة على مدى قوة المخابرات العامة في هذا الصراع بحينه قبل ثورة يناير، وقد اتهم العتال في حينه عبد الفضيل أنه كان المدبر الحقيقي لصفقة القمح الروسي، ولكنه قدمه ككبش فداء بدلا من أن يتورط هو.

وهذا تقرير مفصل عن جميع قضايا فساد القمح بالخمس سنين الأخيرة من حكم مبارك كما قدمها لمجلس الشعب المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات الأسبق.


وهذا عمومًا تقرير وافٍ بأهم وأكبر الشركات العاملة بمجال القمح، وبالطبع فإن أشهر محتكر بمجال القمح هو محمد عبده السلام ولكن في رصدنا لم نعثر على خيط ملموس يربطه بأي جهاز داخل قطاع الدفاع والأمن كما السابقين وإنما هو مستقل على الأرجح.

إذًا فقد عمل السيسي خلال العام الماضي من خلال هذا الاستعراض على ضرب رجال الأعمال بمجال السلع الغذائية والتموينية المرتبطين بالمخابرات العامة واحدًا تلو الآخر ثم الإطاحة بوزير التموين المحسوب عليهم أيضًا، وبالنهاية بعد تلك الضربات جعلهم يعملون لكن بعد تقزيم حجمهم، فرفعت الجميل كمثال خرج براءة من قضية رشوته لوزير الزراعة بينما وزير الزراعة الأسبق نفسه حكم عليه بعشر سنوات سجن، والمرجح أن نشهد بالفترة القادمة تصدر الجيش مباشرة باستيراد القمح الروسي ولكن أيضًا من خلال رجال الأعمال الذين يكون منهم الجيش نخبة جديدة كما تقدم، وأهمهم صلاح أبو دنقل وهو المتورط بقضية القمح المسرطن الأوكراني وليس الروسي الشهيرة بعام 2009، ومن الطريف والمثير للدهشة أيضًا أن من دفع بتلك القضية إعلاميًا وفي البرلمان كان مصطفى بكري ولكنه تراجع في حينه بأوامر عليا، ونعتقد أن حينها قد بدأ تحلل أبو دنقل من ارتباطه بحسني مبارك ومجموعة رشيد واتجه للارتباط بالجيش، فلهذا عندما كان مصطفى بكري في خدمة المخابرات العامة حينها أشعل تلك القضية ضده، ثم بعد أحداث الثلاثين من يونيو وترشح السيسي كان أحد كبار المساهمين في تمويل حملة السيسي، ثم مجددًا هو من كبار من تبرعوا لصندوق تحيا مصر – راجع الحلقة السابقة -. 

والآن هو بالفعل من كبار مستوردي القمح الروسي وهذا موجز عن نشاطه، ولكن تجدر ملاحظة أن الخبر الذي سنورده هنا قد وصفه أنه مالك شركة الاتحاد للحبوب بينما الصحيح أنها شركة إماراتية مالكها رجل أعمال إماراتي يدعى علوان عبدون  بينما أبو دنقل مدير لنشاطها بمصر.

وشركة الاتحاد للحبوب أو مطاحن الاتحاد للحبوب هي جزء من مجموعة الظاهرة القابضة وهي مجموعات شركات إماراتية رائدة بمجال الأغذية والحبوب وصناعة الأعلاف ومضارب الأرز، وتملكها بالأساس الإدارات الحكومية للإمارات السبعة المكونة لدولة الإمارات، فمثلاً مطاحن الاتحاد المذكورة أعلاه هي التي تدير صوامع القمح الاستراتيجية لإمارة العين والمجموعة لديها تفرعات على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فهي تملك وتدير 200 ألف فدان من الأراضي الزراعية على امتداد المنطقة، ففي مصر غير وجودها من خلال مطاحن الاتحاد لديها وجود آخر من خلال شركة فرعية تدعى الظاهرة مصر، ويمكن الاطلاع على المزيد من نشاط المجموعة من خلال هذا الرابط: http://www.aldahraagriculture.com/ar-ae/home-ar-ae.


وكما موضح من بيانات الظاهرة مصر مثلاً تزرع وتنتج شركة الظاهرة مصر على وجه الخصوص نحو 50000 طن من القمح سنويًا مخصصة للاستهلاك المحلي و25000 طن من الذرة.

وهي الآن شريكة في استصلاح أراضي توشكى على الرغم من العراقيل والتوقف الذي حدث بالمشروع من بعد الثورة، والتوتر المحيط به نظرًا لاستراتجية الزراعة وراء السد العالي وأنها مرتبطة بالسيادة المصرية.

وكذلك هي الشريك الأول بمشروع استصلاح المليون فدان لزراعة القمح رغم  الجدل عن  جدوى المشروع وإمكانية استئنافه، وهل الأجدى استصلاح أراضي بالظهير الصحراوي أو تطوير أنظمة الري بالوادي والدلتا؟ وهو ما كان يمثل إحدى نقاط الخلاف بين صلاح دياب رئيس مجلس إدارة مجموعة بيكو الزراعية والسيسي حيث اعترض على المشروع والمشاركة به ورسخ التوتر بين صلاح دياب والسيسي ومع ذلك شاركت به مجموعة الظاهرة.

فالشاهد من هذا الاستعراض أن مجموعة الظاهرة هي أكبر استثمار أجنبي يظهر أمامنا مرتبط بمافيا القمح الروسي وليست مرتبطة بحسب إنما شريك يتكرر وجوده فيما يراه نظام السيسي والجيش مشاريع استراتيجية في الزراعة، وعلى هذا فتحليلنا أنه نظرًا لكون الإمارات هي أكبر شريك تجاري عربي لروسيا وكذلك شريك مميز لروسيا على المستوى السياسي بل وسبق للإمارات من قبل أن وظفت نفوذها السياسي هذا بروسيا من أجل مد العلاقة بين السيسي والحكومة الروسية منذ أن كان وزير دفاع، كذلك ستلعب دورًا رئيسيًا في تسهيل استيراد القمح الروسي لصالح الجيش ليكون المورد الرئيسي لغذاء المصريين.

والثاني من المرجح أن يكون أبو العينين صاحب سيراميكا كليوباترا الذي تحدثنا عنه بالحلقة السابقة، وأهميته للسيسي في العلاقة مع أمريكا، فهو لديه شركة اسمها كليوباترا للاستصلاح الزراعي ويمكن أن يكون هو الوحيد بجانب الجيش الذي دخل باستصلاح أراضي شرق العوينات لزراعة القمح وهذا ضمن مشروع محور قناة السويس الذي سنتحدث عنه خلال الحلقات القادمة.

هذا أيضًا لكي ندرك أبعاده، فكما نوهنا بالمقدمة وبالنموذج المقترح لاقتصاد العسكر أن أحد دوافع تحرك اقتصاد العسكر هو الاحتياج للسيطرة على قاعدة الجمهور المصري وضمان ولائها فإن لم تكن تلك السيطرة عبر السلع الأساسية والتموينية كأهم أداة فبماذا تكون؟!

ولهذا فليس بغريب أن يدخل رجال أعمال آخرون وشركات حكومية مجال القمح والسلع الغذائية عمومًا حتى لو لم يكن هذا نشاطها وإنما بهدف تعزيز سيطرتها ضمن الصراع الدائر، ونكتفي هنا بمثالين من القطاع الخاص وهما نجيب ساويرس حيث يمتلك شركة تدعى النيل لإنتاج سكر البنجر وكذلك سامي سعد صاحب توكيل مرسيدس حيث يمتلك هو الآخر شركة لتوريد القمح - راجع بالحلقة الماضية التضرر الذي حدث لمرسيدس مصر من قرارات عبلة عبد اللطيف -، بل حتى شركات حكومية كبتروجيت دخلت أيضًا مجال إنتاج الحبوب الغذائية والقمح خصيصًا أيضًا كنشاط جانبي.

ولهذا يجب علينا الانتباه والتذكير بأن الجيش عقب قرار التعويم عمد إلى إجراءين الأول هو توفير السلع التموينية الأساسية عبر منافذ القوات المسلحة والثاني هو أنها شرعت في تولي تنفيذ بطاقات التموين والسلع المدعمة الذكية، ونوهنا أن هذا المشروع يتم بالتعاون والشراكة مع مجموعة الخرافي، وهذا ضمن إطار آخر وهو سعي المخابرات الحربية لتكوين قاعدة بيانات خاصة بها مستقلة عن الرقم القومي الذي يتبع لوزارة الداخلية وقاعدة البيانات المتوفرة للمخابرات العامة عبر الهيئة القومية للاتصالات.

على كل، كما سبق ونوهنا فإن المخابرات العامة نشاطها بمجال الأغذية ضمن أدوات السياسة الخارجية وخاصة تصدير الغذاء لإفريقيا وخاصة دول حوض النيل ومنها أوغندا التي زارها السيسي مؤخرًا، فلهذا تتكون مصلحة أكبر كما بكل ملف تجعل التنافس محكوم ولا ينبئ بخطر مهدد للنظام ككل. 

فلهذا على الرغم من أن أزمة السكر تفجرت عقب إقالة خالد حنفي مباشرة وربما كرد على تعطيل استيراد القمح الفرنسي فإن الدولة بعد قرار التعويم مباشرة ألغت الجمارك على استيراد الدواجن خصيصًا لصالح شركة ميدي تريد التي تدار من قبل المخابرات العامة والتي أيضًا تنشط بمجال التصدير الغذائي لإفريقيا كما نوهنا أعلاه، وكذلك لها نشاط جانبي في تصدير السلاح للدول الإفريقية، ومن ثم بعد أن دخلت شحنة الدواجن التابعة للمخابرات السوق المصرية، أعادت الدولة الجمارك على استيراد الدواجن!
وهذه بياناتها المعلنة:


مع ملاحظة أن رئيسها الحالي هو اللواء أحمد رفعت من المخابرات العامة أيضًا وهذا خبر عن افتتاحه لمنفذ لبيع السلع الأساسية بعهد الوزير خالد حنفي: http://onaeg.com/?p=2443502

لهذا فليس بغريب نهائي أن نسمع عن قافلة تابعة للمخابرات العامة لبيع السلع الأساسية. 

عموما فالمنطق هنا من قبل الجيش في التعامل أنه يسمح بجزء محدود تتولاه المخابرات العامة ويقتطع أجزاء، ولكن الأهم محاصرة رجال الأعمال المحسوبين عليها، ولهذا المرجح أن الحملة الإعلامية والشائعات التي روجت أن صفقة الدواجن كانت لصالح أحمد الوكيل كانت من قبل الجيش، وكذلك أيضًا يجب التذكير بأن المتضررين من استيراد الدواجن هو مجددًا معتز الألفي الذي تحدثنا عنه بالحلقة الماضية وإحدى شركاته هي القاهرة للدواجن التي تعد أكبر شركة لإنتاج الدواجن المحلية في مصر والتي بالفعل تأثرت سلبًا بسبب هذا القرار وتراجع سهمها فوق الـ2% بالسالب لتسجل تراجع إجمالي خلال الربع المالي الحالي إلى 34%.
وهذا ضمن إطار التضييق على معتز الألفي وبنفس الوقت التوسع مع شركائه من مجموعة الخرافي.

فتزامنًا مع هذا تم التحقيق مع شركة أمريكانا التي يشارك من خلالها معتز الألفي في القاهرة للدواجن من قبل جهاز حماية المستهلك الذي يرؤسه لواء جيش سابق هو اللواء عاطف يعقوب، وهو ما يوضح لنا أكثر دور الأجهزة البيروقراطية من خلال رؤسائها اللواءات في صراع الجيش الاقتصادي مع رجال الأعمال.
ثم بعده بفترة وجيزة يتم الآن التحقيق في أن شركة هاينز للصلصة التي تشارك بها أيضًا أمريكانا تستخدم طماطم فاسدة في منتجها.
فالمستخلص من خلال تلك الأزمة أيضًا أنه يتم استمرار تقزيم رجال الأعمال غير المرضي عنهم.

على كل يجب التنويه أن تقاطع الجيش مباشرة مع مسألة الدواجن أو اللحوم المستوردة عمومًا يأتي من خلال تحكمه بالحدود والمحاجر الصحية على الحدود.

وهناك روايات متواترة عديدة على سبيل المثال أن الجيش يعرقل دخول شحنات الدواجن المستوردة التي ليس لدى مستوردها اتفاق مع ضابط جيش أو شخص على صلة بضابط جيش عن طريق رفضها بالمحجر الصحي والحكم عليها بكونها غير مطابقة للمواصفات، ومن ثم تظل الشحنة عالقة في البحر أمام السواحل المصرية، ثم يتم استقبالها بشكل غير رسمي عبر أحد مواني سيناء على البحر الأحمر أو المتوسط لصالح ضباط جيش بنصف الثمن الذي كانت ستشترى به لو كانت دخلت رسميًا من المحجر الصحي ومن ثم يعاد بيعها عبر ضباط الجيش لتغطي احتياجات الفنادق السياحية بجنوب سيناء وشرم الشيخ.

رغم أن هذا يمكن وصفه بشبكة مصالح فرعية وليس ضمن "بيزنس" الجيش الرسمي ولكنه مهم لنختم به في هذا المجال: كيف يتعامل الجيش مع محتكري استيراد اللحوم؟

إن مجال اللحوم يكاد يكون من المجالات الاحتكارية بحق، فالأسماء بهذا المجال لا تتغير وهم 15 رجل أعمال نورد أسماءهم بهذا التقرير الذي نشر منذ سبع سنوات كاملة ومع ذلك ومع كل التغييرات العاصفة بمصر لم يتغير وضعهم: http://www.youm7.com/story/2009/5/28/15-%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%8A%D8%AD%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%88%D9%85-%D9%81%D9%89-%D9%85%D8%B5%D8%B1/103334


بجانب الأسماء أعلاه يوجد اسم مجموعة النجار التي يرؤسها الآن حمدي النجار نجل مصطفى النجار مؤسس المجموعة وهو - أي حمدي - رئيس شعبة المستوردين باتحاد الغرف التجارية الذي يرؤسه الوكيل، وكذلك أيضًا لديه حصة بتوريد القمح ولكنها ليست أساسية كمن سبق ذكرهم، وإنما من باب تأمين مصالحه بدخوله في قطاع سيادي مثل هذا كساويرس وسامي.

من هذا المدخل أيضًا نفسر دخول مجموعة هيرميس مؤخرًا في عهد مرسي من خلال شركة العين السخنة للحوم التي تستورد لحوم أسترالية.

وقد تحدث السيسي عن هؤلاء بوصفهم كما هو بالتقرير 15 رجلاً يحتكرون اللحوم وهذا بـ2014، ولكن هؤلاء من القوة بحيث لم يستطع الجيش أن يحل عوضًا عنهم في استيراد اللحوم، فبالتالي هذا التكتل استطاع أن يصل إلى تسوية مع الجيش من خلال كون الجيش هو الذي يتحكم في المحاجر الصحية على الحدود وبالتالي يتحكم في دخول اللحوم إلى مصر وهم بدورهم يتحكمون بالمنشأ الاستيرادي، فبالتالي أصبح الجيش الآن يحصل على حصة من الريع الناتج عن هذا الاحتكار من قبل هذا التكتل.

 (خامسًا قطاع السياحة)



نتناول هنا أيضًا قطاع السياحة من حيث كونه قطاعًا سياديًا أو ما يتداخل فيه مع ما يوصف بالسيادة وليس إشكاليات القطاع نفسه من ناحية تجارية بحتة.

فنجد أن تأسيس قطاع السياحة بشكله الحالي يعود إلى لحظة تأسيس النظام السياسي المصري الحالي أي اتفاقية السلام، فبالرجوع إلى إحدى اللحظات التأسيسية للنظام الحالي وهي اتفاقية طابا نجد أن الإشكالية العالقة كانت أن إسرائيل كنوع من وضع السيادة على أرض طابا أقامت فندقًا باسم "طابا سينوستا" ومنتجعًا هو "طابا ريزورت"، فلحل تلك الإشكالية كان المقترح عند الالتجاء للتحكيم الدولي والذي تم تنفيذه بالفعل هو أن تكون إدارة الفندق مشتركة بين مصريين وإسرائيليين وملكية أمريكية، وبناءً عليه أصبح الفندق هو فندق "هيلتون طابا" وأصبح ممثل الإدارة المصرية رجل الأعمال حسين سالم، وكان هذا بداية تأسيس علاقة جدية بينه وبين إسرائيل وبداية نفوذه بجنوب سيناء وصولاً لشرم الشيخ، وفي هذا الإطار عادت طابا للسيادة المصرية!

بمعنى ان هذا النموذج بالسياحة وغيره كان هو المخطط أن يسير عليه خطة التحول الهيكلي الاقتصادي في إطار تأسيس نظام ما بعد كامب ديفيد وهو مصر سوق مفتوحة نيوليبرالية ولكن بإشراف أمريكي وبشراكة مصرية إسرائيلية وهو ما تم تكراره باتفاقية الكويز مثلاً كما نوهنا لها في حلقة الصناعة وكان مطروحًا بمشروعات أكثر طموحًا كمشروع بيريز للسلام بالشرق الأوسط والذي لم يتحقق على أية حال لعقبات عديدة منها ما أوردناه في هذا البحث.

عمومًا بالعودة لشخصية أوردناها سابقًا وهو طاهر حلمي فيجب التنويه أن طاهر حلمي كان مرافقًا للوفد العسكري برئاسة المشير أبو غزالة الذي ذهب لواشنطن للتمهيد لاتفاقية السلام، ثم كان مرافقًا للسادات في اتفاقية السلام نفسها، ثم مستشارًا لمصر في التحكيم الدولي لطابا والذي نتج عنه هذا النموذج بالتعامل، ثم أعقب هذا تأسيسه للفرع الإقليمي لبيكر آند ماكينزي بمصر بعدها بفترة وجيزة، والراجح أن شخصيات مثل طاهر حلمي كانت صاحبة الاقتراح بمثل تلك النوعية من الحلول.

ولهذا لم يكن مستغربًا عندما حدث تنازع بين الدولة المصرية وبعض المستثمرين في طابا يمثلهم رجل الأعمال المصري الفرنسي وجيه إيلاي سياج أن يكون ممثل مصر في هذا النزاع الدولي مكتب بيكر آند ماكينزي، رغم خسارة مصر لهذا النزاع وإلزامها بالتعويض الدولي لسياج على كل حال، ولكن كان هذا النزاع على أرضٍ اشتراها وجيه سياج في طابا بمحازاة ساحل البحر الأحمر لإقامة منتجع سياحي ثم انتزعتها الدولة منه لكي يتم إعطاؤها لحسين سالم لتكون مخصصة لمد أنابيب نقل الغاز لإسرائيل عندما بدأ المشروع، وهنا بهذا الحوار الصحفي منذ عشر سنوات يتحدث وجيه سياج عن تفاصيل هذا الأمر.


يورد النص على كون المدافع عن مصر بالقضية مكتب حلمي وشركاه الممثل لمكتب بيكر آند ماكينزي في مصر.

وكذلك كان مكتب بيكر آند ماكينزي المحامي لعدد من الشركات الدولية العاملة بقطاع السياحة في مصر مثل شركة شيراتون أوفر سيز المالكة لسلسلة فنادق شيراتون عندما رفع العمال بالشركة في مصر قضية ضد إدارتها بالتسعينيات.

فالشاهد أن طاهر حلمي ومكتبه لاحقًا كانا جزءًا من تأسيس الاقتصاد السياسي لمصر ما بعد كامب ديفيد من خلال دوائر مختلفة سبق ذكرها وهي المجلس الرئاسي المصري الأمريكي والغرفة التجارية المصرية الأمريكية ومجلس الأعمال المصري الأمريكي والمركز المصري للدراسات الاقتصادية ثم أخيرًا مكتب محاماة بيكر آند ماكينزي، وفي هذا الإطار تم التأسيس لقطاع السياحة في مصر، لذا كان المكتب حاضرًا عندما تعارضت مصلحة الدولة بهذا القطاع وما يرتبط به بشكل "سيادي" مع مصالح مستثمر فرد يعتبر "دخيلاً" على شبكة المصالح المؤسسة بعهد مبارك حينها.

يجب أن نضع هذا التصور بإدراكنا عندما نحلل أحداث مثل تفجيرات طابا بعام 2004 ثم تفجيرات خط الغاز بين مصر وإسرائيل المتتالية لاحقًا كما سنتحدث عنها بحلقة قطاع الطاقة.

فكما توارد لاحقًا في أنباء غير مؤكدة عن علاقات بين ميلشيات العنف بسيناء في بواكيرها والمخابرات الحربية - نتحدث هنا عن تنظيم التوحيد والجهاد الذي تشظى ولم يعد له وجود الآن وانبثق منه لاحقًا أنصار بيت المقدس -  وخاصة شخصيات مثل شادي المنيعي، وتحدثت مثل تلك المصادر عن أن المخابرات الحربية كانت تسمح لتلك الميليشيات ببعض العمليات المستهدفة للمصالح الإسرائيلية عندما يحدث تأزم في العلاقة بين مصر وإسرائيل لكي تكون تلك التفجيرات ضاغطة على إسرائيل  في علاقاتها بمصر.

وهذا قد يكون صحيحًا ولكن عندما حدثت تفجيرات خط الغاز بعد الثورة طُرحت تفسيرات جديدة وهي أن تلك الصلة بين المخابرات الحربية وتلك العمليات بما فيها عملية طابا إنما كانت تستهدف دوائر نفوذ المخابرات العامة وشبكاتها وعلى رأسهم حسين سالم.

هذا يجب استيعابه وإدراكه وتذكره جيدًا عندما نطالع الآن أن فندق هيلتون طابا يصفي وجوده في مصر في نهاية عام 2016 ولديه أزمة مع عمالته الذين تم تسريحهم دون إخطار مسبق.

وفي نفس الوقت وبالتزامن مع هذا ففي خلال العام 2016، عمدت إدارة الفنادق والنوادي بالقوات المسلحة لإنشاء عدة فنادق جديدة لتنافس بها القطاع الخاص ومنها فندق توليب طابا - فنادق القوات المسلحة تأخذ اسم توليب عادة أي توليب إسكندرية وتوليب طابا، إلخ -، فبالتالي الطبيعي والمنطقي أنه مع إغلاق هيلتون طابا سيحل توليب طابا محله في جميع الالتزامات السياسية المتعلقة بظروف تأسيس هذا الفندق، وبالتالي يحل الجيش محل المخابرات العامة في إدارة تلك العلاقة الحساسة مع إسرائيل.

ونحن هنا لا نحلل بنظرية المؤامرة لصعوبة وجود مؤامرة ممتدة منذ 2004 إلى 2016! ولكن هناك إطار عام وهو أن الجيش يسعى من بعد ثورة يناير وربما من قبلها أن يكون هو المتحكم في علاقة مصر مع إسرائيل  خاصة في كل ما يتعلق بترتيب الوضع بسيناء وشرم الشيخ بديلاً عن المخابرات العامة، ولا يعني هذا بدوره إلغاء دور المخابرات العامة، فهي كانت وما زالت حاضرة بملفات عدة مثل العلاقة المتوترة والمتناقضة مع حماس وانتخابات اللجنة المركزية بفتح والهدنة الأخيرة بين غزة وإسرائيل والعلاقة مع دحلان، ولكن شريطة أن تكون تلك العلاقة تحت إشراف الجيش، ولهذا فبعد صعود السيسي عين صهره اللواء خالد فودة محافظًا لجنوب سيناء بعد أن كان يتولاها عادة شخص منتمٍ للمخابرات العامة وهذا يدل على أهمية هذا الملف بحيث يتولاه شخص من دائرة السيسي المباشرة.

على كل فإن الذي يعتبر محتكرًا للقطاع السياحي بجنوب سيناء وشرم الشيخ دون منازع كان حسين سالم واستمر هذا حتى بعد الثورة بفترة وجيزة إلى انتهى نفوذه بإلغاء عقد تصدير الغاز لإسرائيل، ومن ثم أصبح الظرف مناسبًا لرفع قضايا ضده وهي التي انتهت مؤخرًا بالتصالح معه من قبل جهاز الكسب غير المشروع، وبالنظر لتفاصيل هذا التصالح نجده نموذجًا مثاليًا لما تحدثه دولة السيسي من نهج في التعامل مع رجال الأعمال، فكما كررنا هي تعتمد نموذجًا بسيطًا ولكنه فعال في الجباية، فالمعادلة بسيطة وهي أن يعطي حسين سالم حصة للدولة ممثلة في الجيش من ممتلكاته ويحتفظ بالباقي شريطة أن يعمل وفق القواعد الجديدة لدولة السيسي أي أن يتحول ولاؤه وعمله مع الجيش والرئاسة وليس عبر المخابرات العامة.

وهو ما يتجلى فيما تنازل عنه حسين سالم لصالح جهاز الكسب غير المشروع وما بقي تحت يده في قطاع السياحة، فهو تنازل عن شركة نعمة للجولف والاستثمار السياحي وكذلك شركة مياه جنوب سيناء وشركة التمساح للمشروعات السياحية، وبالمقابل بقي تحت حوزته شركة فيكتوريا للفنادق وشركة فيكتوريا للسياحة والنقل السياحي وشركة شرم الشيخ للفنادق ومراكز المؤتمرات والأقصر جراند أوتيل.


على كل يبقى السؤال وهو من الشخصية التي يمكن اعتبارها key person في قطاع السياحة بالنسبة لدولة السيسي؟

والإجابة أن تلك الشخصية هي المهندس عمرو بدر الدين المدير الإقليمي لشركة أبر كرومبي آند كينت للسياحة وهو كذلك عضو بمجلس الأعمال المصري الأمريكي مجددًا.


فإذا كان السؤال لماذا عمرو بدر الدين تحديدًا؟
فالإجابة لنفوذه في دوائر السياسة والاقتصاد الأمريكية، فعندما يتعلق السؤال بمن في مصر لديه الصلات بالعديد من السيناتورز الأمريكيين ومراكز الأبحاث الأمريكية والدوائر الحكومية الأمريكية وكبريات الشركات الأمريكية يكون الاسم عمرو بدر الدين على الرغم من عدم تداول وانتشار اسمه إعلاميًا سواء عربيًا أو أجنبيًا، ولهذا كان عمرو بدر الدين هو أحد مفاتيح السيسي لواشنطن في الأوقات التي ساءت بها تلك العلاقة بعد الثلاثين من يونيو، وكان هو المضطلع بتكوين شبكة علاقات عامة تعالج التوتر والانقطاعات التي حدثت في علاقة مصر بواشنطن، كذلك كان الشخصية الثابتة في كل زيارات السيسي لأمريكا.

وبتتبع شخصية عمرو بدر الدين منذ بداية صعوده بنهاية التسعينيات وكان بعد شاب صغير بالثلاثينيات من عمره نجد أن مكتشفه والذي يسر له هذا الصعود كان الدكتور مصطفى الفقي سكرتير مبارك الأسبق، ويسر له أن يكون من رجال الأعمال المرتبطين بالمخابرات العامة بل ويزعم مصطفى الفقي أن بداية تعرفه على محمد دحلان كانت من خلال عمرو بدر الدين! وإن كان الراجح هو العكس من هذا.

وهنا نتوقف لنسأل: إذا كان تحليلنا أن الجيش يسعى ليحل محل المخابرات العامة في قطاع السياحة، فلماذا يستعين برجل محسوب عليها أو مرتبط بها لإدارة علاقته أو علاقة السيسي بأمريكا على الرغم من محاولة رجال أعمال أكثر التصاقًا بالسيسي مثل محمد أبو العينين - كما تقدم - لعب هذا الدور بل وفي مقابل هذا يمنحه أن يكون الشخصية المفتاحية بقطاع السياحة؟

الإجابة وهي ما تحدثنا عنه في مقدمة تلك السلسلة أنه على الرغم من التنافس البيني بين الجيش والمخابرات ففي النهاية تنافس يتم التحكم بمخاطره حتى لا يكون خارج عن السيطرة والأهم أن هذا التنافس تحكمه مصلحة مشتركة أمام أي أطراف مستقلة خارج إطار قطاع الدفاع والأمن سواء كان هذا الطرف المعني به الإخوان أو رجال أعمال ينتمون لشريحة الميجا بيزنس كما سميناها ومستقلين بفعلهم.

فهذا هو عين الأمر هنا، فبالنظر إلى من كان يتحكم في علاقة مصر بأمريكا من رجال الأعمال نجد في مرحلة مبارك كان شفيق جبر والذي كان عضوًا بغرفة التجارة المصرية الأمريكية وكان يتحكم بعلاقة ثلاثية ما بين أمريكا مصر -الإمارات ثم توارى إلى الظل بفعل الثورة وبفعل تدهور علاقته بمجموعة إعمار الإماراتية، وكان معه واستمر في هذا الوصف بعد الثورة صلاح دياب.

فجميع التوكيلات الأمريكية المهمة العاملة في مصر تقريبًا تمر عبره وأشهرها مثلاً هاليبرتون للطاقة، بالإضافة لأنه يعتبر الشريك الاقتصادي الأول لإسرائيل في مصر خاصة بمجال الزراعة، ولهذا لم يكن مستغربًا أنه عندما زارت هيلاري كلينتون مصر كوزيرة للخارجية الأمريكية بعد الثورة كان رجل الأعمال الذي التقته بشكل منفرد هو صلاح دياب.

فهو يمثل - كما نوهنا بالمقدمة - نموذج لرجل أعمال موجود بجميع بلدان الشرق الأوسط خاصة العربية، أي رجل الأعمال صاحب رأس المال الضخم والمرتبط مباشرة بالولايات المتحدة الأمريكية دون المرور بأي وسائط من أجهزة الدولة ويماثله في السودان مثلاً أسامة داوود، وفي نفس الوقت هو شريك محمود الجمال الذي ابنته هي خديجة الجمال زوجة جمال مبارك، وهذا تحديدًا ما يجعله خطرًا على قطاع الدفاع والأمن أي استقلاليته تلك في العلاقة بالولايات المتحدة وهي التي مكنته من مناطحة دولة السيسي بعدة منعطفات أبرزها رفضه التبرع لصندوق تحيا مصر وكذلك معارضته لمشروع المليون فدان الذي تشارك به شركة الظاهرة مصر والتي بدورها فرع من مجموعة الظاهرة القابضة الإماراتية والتي إحدى شركاتها هي شركة مطاحن الاتحاد التي نوهنا لدورها في مافيا استيراد القمح الروسي بالحلقة الماضية.

فصلاح دياب بدوره رغم أن الظاهر من نشاطه هو امتلاكه لمؤسسة المصري اليوم ولكن نشاطه الأبرز من خلال مجموعة بيكو للاستثمار والتي يعد أبرز استثماراتها بالقطاع الزراعي والتي على أساسها حدثت الشراكة بينه وبين إسرائيل بمجال الأسمدة الزراعية، فمن خلال هذا الإطار عرض عليه كذلك المشاركة بمشروع المليون فدان ورفض كذلك لعدم جدواه الاقتصادية.

وبهذا الإطار تم القبض عليه واعتقاله بصورة مهينة واتهامه بأنه متسبب بأزمة السكر التي شرحناها بالحلقة السابقة بدعوى تخزينه لـ700 طن لصالح مصانع لابوار التي يمتلكها!
فلهذا كانت تريد الدولة شخصية أخرى بديلة لصلاح دياب يمكن التحكم بها من أي طرف في قطاع الدفاع والأمن ليكون مفتاح علاقتها بأمريكا وهو المتحقق بالمهندس عمرو بدر الدين.

ووفق هذا الإطار كذلك وعلى الرغم من أن بعد أحداث الـ30 من يونيو كانت العلاقة مع الولايات المتحدة تدار من قبل الجيش عبر اللواء الكشكي كما نوهنا بأول حلقة، ولكن حدث تحول بهذا بعد اللقاء الاستراتيجي بين مصر وأمريكا في العام 2015، والذي كان معني بإعادة تأسيس العلاقة بين مصر وأمريكا، منذ تلك اللحظة انتقل ملف العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين مصر وأمريكا من الجيش إلى المخابرات العامة مرة أخرى.

وهذا نفس الإطار الذي يتجاوز قطاع السياحة ويعطينا أدوات لفهم الصعود المثير للاستغراب لرجل أعمال مثل أحمد أبو هشيمة في مجال الإعلام - على الرغم من أننا لا نتناول بتلك السلسلة شبكة الإعلام بشكل تفصيلي ولكن نتناول بتلك الفقرة بشكل موجز ميكانيزم عمل الميديا بمصر - والذي هو الآخر محسوب على المخابرات العامة، فكما تحدثنا سابقًا أن معادلة السيطرة على أي قطاع والتي نكررها كل مرة هي رجل أعمال + مسؤول حكومي + جهاز أمني + أداة إعلامية.

بل إن من المقاييس التي يمكن أن نتبعها لمعرفة مدى نفوذ رجل أعمال معين هي كما تقدم موقعه من دوائر الارتباط بأمريكا وكذلك مدى إمكانية تحويل نفوذه لأدوات إعلامية.
هذا ينطبق على كل من ذكرناهم فأبو العينين يمتلك قناة صدى البلد وكذلك عمرو بدر الدين مرتبط بدوائر إعلامية مثل محمد الأمين صاحب قنوات سي بي سي وهو الذي نظم وفد الصحافيين والإعلاميين والفنانين الذي صاحب السيسي، بل والأغرب من هذا أنه عضو لجنة تنظيم مهرجان القاهرة السينمائي! وطاهر حلمي على سبيل المثال يمتلك عدة قنوات إذاعية أشهرها نجوم إف إم.

فكذلك تم السماح لأحمد أبو هشيمة ليكون رجل المخابرات في امتلاك أون تي في من خلال إعلام المصريين وكذلك صحيفة اليوم السابع مقابل الأطراف المستقلة كما في حالة امتلاك صلاح دياب للمصري اليوم.
وفي المقابل كذلك عمدت المخابرات الحربية لتكوين الشبكة الإعلامية التابعة لها مباشرة من خلال رجل الأعمال السكندري طارق إسماعيل رغم أن طارق إسماعيل كانت بداية صعوده في ارتباطه باللواء حسن عبد الرحمن مدير أمن الدولة بالإسكندرية سابقًا.

فعلى كلٍ نختم الحديث في قطاع السياحة بتفسير أو تحليل لماذا يستمر قطاع السياحة بالتهاوي على الرغم من أنه أحد المداخيل الأساسية للنقد الأجنبي في مصر؟ وهو تكرار ما تكلمنا عنه بجميع القطاعات السابقة مثل قطاع الصحة، إن المسألة هنا لا تحسب بدوائر صنع القرار السياسي بالجدوى الاقتصادية وإنما بسؤال من يسيطر، فمجددًا نقول إن الدولة أو تحديدًا الجيش لا يقبل بوجود مساحات بأي قطاع ومنه السياحة خارج إشرافه وسيطرته وأن تكون قاعدة العاملين بهذا القطاع ليست من قواعد جماهيره المرتبطة به فلهذا يحدث هذا التحول وربما يعود قطاع السياحة للنشاط بعد أن يضمن للجيش وجود حصة مسيطرة على القطاع.

ويجدر الملاحظة أن هذا القطاع يتم إدارته من خلال الهيئة العامة لتنمية السياحة وهي هيئة حكومية بيروقراطية وليس من قبل جهاز سيادي بعينه بشكل مباشر وإنما يدار النفوذ بالقطاع من خلال العلاقات غير الرسمية مع المسؤولين بالهيئة وفق المعادلة أعلاه.

كذلك تجدر ملاحظة أننا لم نورد تحليلاً لبعض أهم العاملين بقطاع السياحة على الإطلاق مثل حمدي الشيتي صاحب مجموعة ترافكو للنقل السياحي وكذلك سميح ساويرس وشركته أوراسكوم للفنادق والتنمية نظرًا لأنه لم يظهر لنا تقاطع مباشر لهم مع الجيش وهو محل البحث هنا.

 (سادسًا قطاع الاتصالات)


قطاع الاتصالات من القطاعات السيادية في مصر

مثل قطاع الأغذية وقطاع السياحة فإن قطاع الاتصالات من القطاعات السيادية ومن يعمل به يجب أن يكون من الدوائر القريبة من الدائرة الأولى لصنع السياسة والحكم في مصر، وهذا لسبب بديهي وهو أن من يسيطر على هذا القطاع يمتلك قاعدة معلومات ضخمة خارج الإطار البيروقراطي بحكم امتلاكه لقاعدة بيانات عن جميع ما يتداوله المصريون من خلال المحادثات التليفونية أو من خلال الإنترنت، ولهذا فعند تأسيس هذا القطاع بنهاية التسعينيات كانت هناك شبه تقسيمة متفق عليها بين مناطق حيازات كل جهاز بقطاع الدفاع والأمن وكان قطاع الاتصالات ضمن دائرة النفوذ التقليدية للمخابرات العامة.

وهذا من خلال ثلاث دوائر متصلة وهي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بوزارة الاتصالات وهيئة الاستعلامات بوزارة الإعلام ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تلك الدوائر تقليديًا منذ إنشائها يتولاها شخصيات إما منتمية للمخابرات العامة أو محسوبة عليها، بل ويتداولون المناصب بها كحالة الدكتور ماجد عثمان الذي نوهنا إليه بحلقة الصناعة، فكان مدير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ثم وزيرًا للاتصالات بحكومة نظيف، وربما يعد كسرًا لتلك الدائرة تولي الدكتور ياسر علي المتحدث الإعلامي السابق لمحمد مرسي منصب رئيس مركز المعلومات واتخاذ القرار مع ملاحظة أن سابقه بالمنصب كان ضابط مخابرات عامة سابق، وربما بالتحليل الأخير كانت تلك إحدى إشكاليات جهاز المخابرات العامة مع محمد مرسي وحكومته وهي اقتحامهم لدائرة نفوذ تقليدية للمخابرات العامة.

ولهذا أيضًا لم يكن مستغربًا أن تكون ثاني رخصة محمول في مصر تمنح لفودافون حيث كان مديرها الإقليمي هو المهندس محمد نصير وهو زوج بنت عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة ثورة يوليو وشركاؤه الأهم هما مجدي راسخ صهر علاء مبارك، وزوج أخت مجدي راسخ شفيق بغدادي - ليس قريب عبد اللطيف البغدادي -، وكانت تلك الشراكة هي عماد تأسيس قطاعي الإنترنت والاتصالات بمصر.

فعلاقة محمد نصير ومجدي راسخ بدأت منذ أن عملا بتأسيس وحدة الحاسب الآلي بمؤسسة الأهرام الصحفية عندما كان يرؤسها محمد حسنين هيكل ثم عندما دخل الإنترنت والهاتف المحمول مصر بنهاية التسعينيات كانا أول من أسس شركات به من خلال كليك التي تحولت إلى فودافون مصر وكان رئيس مجلس إدارتها محمد نصير، كذلك امتلاك مجدي راسخ لشركتي رينجو والنيل للاتصالات وهي التي أسست كبائن الاتصالات في مصر وكذلك هو شريك بتأسيس شركة اتصالات مصر صاحبة الرخصة الثالثة للمحمول بمصر.

وكان منير ثابت شقيق سوزان مبارك وصهر حسني مبارك هو الضلع الثالث، فهو أول من عمل بمجال تحليل معلومات الإنترنت عندما دخلت خدمة الإنترنت مصر.
ومن خلال هذا كان من المفترض أن يحتكر مجدي راسخ مشروع كابلات الإنترنت والاتصالات التي تصل أوروبا بإفريقيا ولكن توقف المشروع بعد الثورة.

يجدر الإشارة كذلك إلى أن محمد نصير هو شريك سابق بشركة الأجنحة البيضاء وهي الشركة التي كانت تنقل سلاح المعونة الأمريكية العسكرية لمصر ومؤسسوها هم حسني مبارك وقت أن كان نائب رئيس للسادات والمشير أبو غزالة وقت أن كان ملحقًا عسكريًا لمصر في واشنطن ومنير ثابت صهر مبارك وقت أن كان يعمل كذلك بالملحقية العسكرية المصرية بواشنطن وحسين سالم ثم انضم إليهم لاحقًا محمد نصير.
بل إن الراجح من التحليل أن النشاط الأساسي لمحمد نصير كان تجارة السلاح ثم كان نشاطه بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لاحقًا على هذا.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن كلاً من محمد نصير وشفيق بغدادي امتد نشاطهم للقطاع الغذائي، وذلك من خلال تأسيس نصير لبيبسي كولا مصر وتأسيس بغدادي لفريش فوودز إيجيبت، وبهذا ينضما لرجال الأعمال الذين امتد نشاطهم للقطاع الغذائي لإدراكهم سيادية هذا القطاع مثل من تحدثنا عنهم بالحلقة قبل الماضية.

وبذكر مجدي راسخ وشراكته في تأسيس شركة اتصالات مصر هناك قصة يرويها رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة الأسبق للقريبين منه وهي أن رشيد كان حلقة الوصل بين الشركة الإماراتية والحكومة المصرية لإعطائهم رخصة المحمول الثالثة.

 وبما أن هذا قطاع تهيمن عليه المخابرات العامة فقد كان رشيد يتواصل مع اللواء عمر سليمان لبحث تلك المسألة فأخبره سليمان أن عليه الحصول على موافقة الجيش أو تحديدًا المشير طنطاوي، فرتب عمر سليمان لرشيد لقاء مع المشير طنطاوي واشترط المشير طنطاوي على رشيد أن تدفع الشركة الإماراتية للجيش 200 مليون دولار مقابل الحصول على الرخصة الثالثة للمحمول.

 فوافقت الشركة طبقًا للرواية، ولكن رجع المشير طنطاوي وضاعف هذا المبلغ وكان هذا مزامن لزيارة يقوم بها مبارك لدولة الإمارات يصحبه رشيد بها، وكان هذا الملف ضمن الملفات التي سيبحثها مبارك بزيارته فأخبره رشيد بما كان من المشير طنطاوي فاتصل مبارك بالمشير طنطاوي مباشرة ليبلغه بالأمر المباشر إلغاء اشتراط الدفع للقوات المسلحة.
 ومن ثم تم تخفيض المبلغ الذي حصلت عليه القوات المسلحة من شركة اتصالات إلى 50 مليون دولار أودعت ضمن وديعة القوات المسلحة التي بدأ تكوينها منذ حرب الخليج.

ويعلق رشيد على تلك القصة عندما يرويها لمن يقابله أن هذا الحادث تحديدًا كان سبب هروبه من مصر بعد ثورة يناير، إذ أن هذا الحادث جعل رشيد ضمن المغضوب عليهم من قيادة الجيش التي تولت السلطة بعد ثورة يناير، وهنا عادل حمودة يروي تلك القصة إجمالًا، ويقول أنه سمعها مباشرة من رشيد ولكن ليس بالتفاصيل التي ذكرناها: https://arabi21.com/story/867417/%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84-%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%8A%D9%83%D8%B0%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%B7%D9%86%D8%B7%D8%A7%D9%88%D9%8A-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1

وعمومًا بالرغم من أن تلك الرواية تحتاج إلى مزيد من التدقيق، إذ أن لها مصدر واحد فقط، وهو رشيد نفسه، ولكن لها بعض الجوانب المنطقية وبعضه مبالغة على الأرجح.

فمن الصعب تصور قرارات الدولة تدار بهذا الشكل البدائي وأن مبارك لم يكن ليعرف باشتراط طنطاوي هذا لو لم يبلغه به رشيد صدفة، ولكن دلالة القصة المنطقية هي ما تدل عليه من أن التنافس بين الجيش والمخابرات على قطاع الاتصالات في تلك الفترة لم يكن ينطوي على إمكانية دخول الجيش أو اختراقه لهذا القطاع، ولكن الجيش هو من يستطيع أن يمنع أو يسهل أي نشاط بهذا القطاع وفقط.

وهو ما كان يسبب صدام بين طنطاوي وحكومة نظيف ككل خاصة نظيف نفسه، وأي وزير عمله مرتبط بقطاع الاتصالات ومنهم رشيد كما وضحنا ثم لاحقا بعد 30 من يونيو عمل الجيش على إعادة ترتيب تلك العلاقة كما سنبين.

على كل بالرجوع لأصل الحديث فذكرنا أن المخابرات العامة تهيمن على دوائر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة الوزراء وهيئة الاستعلامات، بينما وزارة الداخلية تهيمن على قاعدة بيانات الرقم القومي وتتداخل معها أحيانًا كما في مثال احتكار مجدي راسخ لكابلات الإنترنت والاتصالات السابق، فهذا الخط كان من المفترض أن يمر بجانب خط أنابيب البترول سوميد والذي تؤمنه الداخلية، فكانت الداخلية ستأخذ أيضَا حصة تأمين هذا الخط.
بالنسبة للجيش فلديه شبكة اتصالات خاصة به خارج اتصال الشبكة العامة وقد تم تأسيسها بعد حرب الخليج.
وإجمالاً فعدد الترددات المتاحة للاتصالات 12 مدى تردد منهم ثلاثة لكل من الجيش والشرطة.

كانت تلك هي تقسيم النفوذ بهذا القطاع حتى وقت قريب ولكن تغير الأمر حاليًا، فكما نوهنا بالحلقات السابقة يسعى الجيش الآن أو المخابرات الحربية لبناء قاعدة البيانات الخاصة به، وبدأ هذا من خلال سيطرته على إنجاز مشروع قاعدة بيانات البطاقات الذكية للتموين والبنزين ولكن تلك ليست نهاية المسألة، فعندما بدأ طرح إنشاء رخصة رابعة للمحمول ودخول الجيل الرابع من إنترنت المحمول لمصر سعى الجيش لتأسيس الشركة الرابعة بدلاً من أن تحصل المصرية للاتصالات على الرخصة الرابعة التي تقع بدائرة نفوذ المخابرات.

وكانت الفرصة السانحة لهذا تأتي من أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات كان يريد هو الآخر فرض جباية على شركات الاتصالات الثلاثة وذلك عن طريق الاستحواذ على حصة من الترددات الممنوحة للثلاث شبكات لإقامة الشبكة الثالثة واللافت أن الشركات الثلاثة هي الأخرى مدركة للتنافس بين الجيش والمخابرات بهذا المجال، لهذا نشرت استغاثة بالأهرام للسيسي لينقذها من "ظلم" الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والشركة المصرية للاتصالات وكان هذا عقب الثلاثين من يونيو بفترة وجيزة ولم يصبح السيسي بعد رئيس!

وتطورت الأزمة مع طرح رخصة الجيل الرابع، حيث اعترضت الشركات الثلاثة على أن الترددات الممنوحة لهم لا تكفي لتكوين الشبكة المشغلة للرخصة الرابعة وكذلك اشتراط الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الحصول على نصف ثمن الرخصة بالدولار.

وحينها تم التهديد بأن تمنح الرخصة الرابعة لشركات عالمية وكان المقصود حينها شركة زين السعودية ولكن تم حل تلك الأزمة مؤخرًا ورضخت الشركات لكل تلك الاشتراطات.
وتجدر الإشارة أن هذا الحل والتسوية قد تم تزامنًا مع أو بعد مؤتمر ict 2016 بالقاهرة والذي أطلقه السيسي مؤخرًا ونتج عنه تنظيم صناعة الإلكترونيات في مصر بإشراف مشترك بين وزراة الاتصالات ووزارة الإنتاج الحربي.
ومن ثم كمثال تم إنشاء الشركة المصرية الصينية للإلكترونيات كشراكة بين شركة قطاع خاص وهي سيكو للإلكترونيات وواحة سيليكون وهي تابعة لوزارة الاتصالات وشركة صينية وهي ميجان.

وشركة سيكو هي شركة عاملة بمجال صناعة الإلكترونيات في مصر منذ ما يقرب من 50 سنة ولكنها لم تكن من الشركات الرائدة أو السيادية بهذا القطاع ومن ثم فتحليلنا أنها ممن نسميهم الصاعدين الجدد أو نخبة رجال الأعمال التي يكونها الجيش ومثلهم في قطاع الإلكترونيات مثل معتز السعيد النائب في البرلمان ورئيس غرفة التجارة المصرية الصينية وابنه أحمد معتز السعيد من خلال مجموعتهم يونيون جروب التي يديرها الأخير والتي يقال إنها كانت الوسيط في صفقة تكييفات جالنز الصينية التي استوردها الجيش المصري والتي سيتم تجميعها في مصنع حلوان التابع للإنتاج الحربي.

فهنا كخاتمة يجب تذكر ما كنا نوهنا له من شراكة بين مجموعة الخرافي ووزارة الإنتاج الحربي لتكوين الشركة العربية لصناعة الكومبيوتر بمدخلات إنتاج صينية كذلك من خلال شركةaopen .
وهي التي حاولت حكومة محمد مرسي الدخول على خطها من خلال مشروع تابلت إينار بالشراكة مع شركة أخرى تساهم بها وزارة الإنتاج الحربي وهي بنها للصناعات الإلكترونية ولم يفلح الأمر على كل الحال.

الشاهد أن من خلال هذا يضمن الجيش امتلاك خطوط الإنتاج لتصنيع الأجهزة التي تستقبل إنترنت الجيل الرابع والشق الآخر عن طريق شركة وسيطة هي سيكو ويسيطر على العملية بكاملها كذلك، متزامنًا مع هذا وقبيل إطلاق مؤتمر آي تي سي بمصر نهاية العام الماضي طرح السيسي إنشاء قاعدة بيانات متكاملة وواحدة تشمل جميع مؤسسات الدولة وتعاملات المواطنين معها تكون تحت إشراف الرئاسة والجهات المعنية والتي منها الجيش.

فهنا ليس فحسب سيكون للجيش قاعدة بياناته الخاصة به من خلال إشرافه على منظومة الكروت الذكية للدعم في مقابل إشراف وزارة الداخلية على قاعدة بيانات الرقم القومي وفي مقابل ذلك إشراف المخابرات العامة على قاعدة بيانات المصرية للاتصالات، وإنما سيتم تكوين قاعدة بيانات موحدة تشمل الدولة وما سيتم إنشاؤه من قواعد بيانات مستقبلية كقاعدة بيانات وزارة الاستثمار لتكوين نظام الشباك الواحد للمستثمرين وغيره، كلها يكون للجيش مشاركة في الإشراف عليها، والملاحظ في هذا أنه تم دعوة جهات ليس مناط بها تكوين قاعدة البيانات مثل هيئة الرقابة الإدارية لتكون مشرفة على الموضوع، وقد شرحنا بحلقات سابقة توزيع النفوذ بين الجيش والمخابرات العامة في هيئة الرقابة الإدارية وسنورد تفاصيل أكثر في الحلقة القادمة.

وبهذا تمت التسوية بين الجيش والمخابرات بقطاع الاتصالات، وأساس تلك التسوية ليس فحسب على أساس توفير حصص للجيش بهذا القطاع، وإنما أيضًا إعادة تنظيم قطاع المعلومات والاتصالات، بحيث يضمن النظام السياسي عدم وجود حرية معلومات بل مراقبة وتحكم كامل في كل ما يتدفق من معلومات داخل كيان الدولة المصرية، وأن يكون الجيش ممثلًا بوزارة الانتاج الحربي والمخابرات الحربية المشرف الأول على جميع عمليات تداول المعلومات تلك.

(سابعًا قطاع الطاقة والتعدين)

هذا القطاع بدوره يسري عليه المعادلة السابقة، ولكن باختلاف تلك المرة في أكثر من جزء، الأول أن النفوذ يدار به من خلال عدة جهات حكومية منفصلة عن القطاع نفسه ولكن بنفس الوقت مرتبطة به، فأول نموذج لنا أن التعيينات في هذا القطاع يتم اعتمادها تقليديًا من الرقابة الإدارية ومن ثم يتم توزيع النفوذ داخل القطاع من خلال حصص التعيينات، فأي منشأة للنفط أو الغاز يمكن تعميم نموذج عليها وهو أن مدير الأمن بها يكون ضابط شرطة أو من جهاز الأمن الوطني تحديدًا ونقل المنتج سواء نفط أو غاز أو غيره وتوصيله يقع في مسؤولية ضابط من الجيش بينما تكون الجهة الإدارية محسوبة على المخابرات العامة.
ينقسم القطاع إلى بترول وغاز وتعدين.

أولاً: قطاع التعدين

بالنسبة لقطاع التعدين فإنه يدار على مرحلتين، استخراج رخص التعدين والاستخراج من المحاجر وهذه تتم على مرحلتين الأولى الحصول على موافقة من الجيش ثم إصدار رخصة استخدام المحجر أو المنجم من مجالس المحافظات.

وهذا السبب هو أحد العوامل الأساسية في توزيع تقسيمة المحافظين ما بين ضباط جيش وشرطة ومخابرات عامة، بمعنى أنه عندما يكون المحافظ من الجيش فإن رخص التعدين والاستخراج من المحاجر تمنح لأشخاص مرتبطين بالجيش ونفس الشيء إذا كان المحافظ ضابط مخابرات أو ضابط داخلية، وعلى هذا تجري منح تلك الترخيصات لأشخاص بعينهم خاصة في محاجر ومناجم الفوسفات المستخدم في صناعة الأسمدة وغيره على سبيل المثال.

والمسألة عمومًا ليست بتلك الصيغة المطلقة وإنما يمكن أن يكون مدير الأمن في محافظة نفوذه أكبر من نفوذ المحافظ أو أن مكتب المحافظ نفوذه أكبر من المحافظ وخاصة في المحافظات الحدودية كأسوان التي يوجد بها مخزون مناجم الفوسفات وغيره.

وكمثال أيضًا فإن محمد أبو العينين يظهر اسمه كذلك مرة أخرى في استحواذه على حصة الأسد في محاجر السيراميكا بمصر.

فهذه كلها عوامل في تقسيم رخص التعدين والتكسير بالمحاجر، وعلى كل فإن ريع رخص الاستخراج يذهب إلى الصناديق الخاصة للمحافظات ثم يتم توزيع هذا الريع على العاملين بالمحافظة تبعًا للموقع الوظيفي وهو ريع ضخم إلى الحد الذي جعل المطالبة بتصفيتها جزءًا من الأجندة التشريعية لنواب الإخوان في برلمان مبارك ثم كان في البرنامج السياسي لحزب الحرية والعدالة  أن يتم توحيدها وضمها للموازنة العامة بل وحتى في برلمان السيسي تم تقديم مشروع قانون لتنظيمها بنفس المطلب أي ضمها للموازنة العامة أو لولاية وزارة المالية فقط.

وهذا في سعي السيسي ومن ورائه الجيش ألا يوجد مصادر للريع مستقلة خارج سيطرته أو يمكن بناءً عليها تكوين شبكة مصالح لا يتحكم بها من أعلى هرم النظام السياسي.

وعمومًا فالسيطرة الثانية هي من خلال نقل مستخرجات المحاجر والمناجم داخليًا وتلك يسيطر عليها الجيش من خلال سيطرته على جميع الطرق السريعة الواصلة بين المدن والمحافظات المصرية ومن خلال شبكة الطرق الجديدة المسماة بشبكة الطرق القومية التي يريد الجيش إنشاؤها، فأي مستخرِج من محجر أو منجم عليه أن يدفع جباية عند نقله لشحنته من خارج أرض المحجر للجيش ويدفع مرة أخرى عندما يخرج بها من المحافظة ويدفع مرة أخرى للجيش عندما يدخل بها محافظة أخرى.

وهذا مثلاً جعل شريحة كبيرة من مواطني حي حدائق المعادي والبساتين العاملين بمحاجر شق الثعبان للرخام يخسرون من تلك الجباية ودفع بعضهم لاتخاذ طرق جبلية وعرة تسببت بحوادث عديدة، ثم عندما تظاهر ائتلاف العاملين بمحاجر شق الثعبان أطلق عليهم الجيش الرصاص.

نفس الأمر تكرر بمحافظة أخرى وهي الوادي الجديد في استخراج الذهب في حلايب وشلاتين، فالعاملون بهذا الاستخراج هم بالأساس من سكان أسوان من عائلات البشارية والعبابدة ومن دار دورهم واستخراجهم للذهب غير قانوني ومن ثم تطاردهم قوات حرس الحدود دومًا في عمليات الاستخراج، وحدثت العديد من حوادث القتل لهم، ومؤخرًا تعهدت المحافظة بحل المشكلة قانونيًا بأن يكون هذا الاستخراج لصالح شركتين إيطالية وأسترالية على أن يكون للمستخرجين نسبة ربح النصف وهو ما لم يحدث على كل حال.

وبالعودة لنموذج محاجر شق الثعبان للرخام فإن اللواء علي عطوة مدير محاجر القاهرة وحلوان منع من كانوا يستخرجوا الرخام تقليديًا من المحجر من التملك بأرض المحجر للاستثمار وإلغاء تراخيص العديد منهم وهذا لصالح مستثمرين دوليين صينين تتقاسم المحافظة معهم ريع بيع الرخام المستخرج.

عمومًا هذا النموذج لا يصلح كذلك للتطبيق فلدينا حالة شهيرة وهي منجم منطقة أبو غلقة بالصحراء الشرقية التابعة لمحافظة البحر الأحمر، ويستخرج منه مادتي التيتانيوم والإلمنايت المستخدمة في تصنيع الدهانات، المنجم كان تابعًا تقليديًا لشركة النصر للتعدين وهي شركة قطاع عام حكومية ثم حدث تنازع على ملكيته بعهد مبارك بين الجيش وشركة النصر للتعدين حكمت فيه القضاء الإداري لصالح شركة النصر عام 2008 ولكن بقي النزاع إلى أن أتت الثورة وبعدها مباشرة تقدمت قوات من الجيش الثالث الميداني للاستيلاء على المنجم بوضع اليد وطردت منه العاملون التابعون لشركة النصر بقوة السلاح وهو إلى الآن تابع للقوات المسلحة.

وهذا يجب الانتباه إليه لضبط تصوراتنا للبيروقراطية المصرية وأنها ليست خاضعة بشكل تقليدي كما هو متصور لقطاع الدفاع والأمن، بل تستطيع أن تدافع عن مصالحها وحينها قد يكسب معها الجيش جولات بقوة السلاح فقط ويخسر جولات أخرى.

عمومًا كان الجيش الثالث حاضرًا مرة أخرى عندما حدثت أزمة عمال مجموعة كليوباترا مشتملة عمال محاجر المجموعة ومصانعها مع الإدارة واعتصامهم بالإسماعيلية حينما تدخلت قيادة الجيش الثالث للتوسط لاتفاق لدفع المستحقات المتأخرة لم ينفذ ومن ثم ضغط الجيش الثالث بالقوة على العمال لفض اعتصامهم.

ثانيًا: قطاع البترول

على الرغم من أنه قطاع اليد العليا به للمخابرات العامة والبيروقراطية ولكن الجيش بدوره لديه نفوذ به وهذا من خلال مساهمة الجيش عبر وزارة الإنتاج الحربي في شركة ثروة للبترول ومن خلال شركة ثروة للبترول تدخل في عدة شراكات منها شراكة مع بتروجيت وإنبي وشركة صينية حكومية هي سيتشوان هونجوا لتكوين الشركة المصرية الصينية لتصنيع وحدات الحفر، ورأس المال لتلك الشركة من خلال صندوق الاستثمار الصيني المصري المشترك.

كذلك شراكة مع شركة صينية أخرى وهي سينوبيك لتكوين شركة سينو ثروة لمعدات الحفر وكذلك شراكة مع شركة بريدا الإيطالية لتكوين شركة ثروة بريدا للخدمات البترولية.

ويمكن الاطلاع هنا:

على قائمة شركات قطاع البترول والغاز المصرية التي لديها شريك أجنبي من خلال تلك المعلومات الرسمية.

ويرجى ملاحظة نمط وجود شراكات إيطالية وصينية متعددة وخاصة مع إيني لأن هذا النمط كان من المفترض أن تكون مصر من خلاله نقطة اتصال تجاري بين الصين وأوروبا في مجال الطاقة خاصة إيطاليا، وتلك الشراكات لكونها بالأساس مع جهات سيادية مشاركة بقطاع الطاقة ومنها الجيش تتحول بدورها لرأس مال سياسي يصمد أمام أي هزات كحادثة مقتل ريجيني الشهيرة، فبالنهاية كم يساوي دم ريجيني أمام شراكة مع إيني الإيطالية أو بريدا؟! وكذلك يتم تحويله لرأس مال سياسي في توحيد المواقف بالنسبة للأزمة الليبية كما سيأتي بعد قليل.

كذلك أيضًا يرجى ملاحظة أن الشركة المصرية الكويتية للبترول شريكة بسوميد لأننا سنأتي لهذا بعد قليل أيضًا.

عمومًا ليس الجيش ولا المخابرات وحدهم المستحوذين في هذا القطاع بل إن أهم الاستثمارات بالقطاع استثمارات أجنبية إما بالشراكة مع قطاع البترول الحكومي لتكوين شركات مساهمة وإما الشراكة في استخراج من حقول بعينها وهنا تظهر أسماء مثل شل وهاليبرتون وبريتيش بتروليوم البريطانية وترايدنت وغيرها، وتلك قائمة بالشراكات في حقول البترول المصرية حسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الشهير الذي كان السبب في إقالة جنينة.

ما يهمنا بالنسبة لهذا البند لاتساعه وضخامته هو لفت الانتباه إلى أن شركة تراي أوشن وهي الشركة التابعة للشركة المصرية الكويتية القابضة أو مجموعة الخرافي، فبالإضافة للحقول التي تستخرج منها كما ورد بالتقرير السابق فإنها استحوذت على حقلين إضافيين بامتياز شمال سيناء للاستخراج منهم وكان هذا في ذروة أزمة معتز الألفي مع الجيش.

 ومتزامن مع هذا أيضًا تقريبًا أو بعد هذا الاستحواذ بفترة بسيطة جلب معتز الألفي من خلال موقعه كرئيس الجانب المصري من مجلس الأعمال المصري الكويتي استثمارات من الصندوق الكويتي للتنمية من أجل العمل بمشاريع تنموية في شمال سيناء وكان هذا على هامش مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي.

مما يمكن ترجمته حرفيًا هو دخول الكويت على خط دعم السيسي في معركته مع تنظيم ولاية سيناء عبر معتز الالفي كما يحدث مع الإمارات والسعودية والثمن يكون الاستحواذ على حصص من فرص الاستثمار بسيناء ومحور قناة السويس كما سيأتي بالحلقة القادمة ومنها قطاع البترول.

كذلك يساهم الصندوق الكويتي للتنمية بعدة مشاريع أخرى بقطاع الطاقة مثل إنشاء محطات كهرباء ومشاريع للطاقة المتجددة مرتبطة بشراكة مجموعة الخرافي مع وزارة الإنتاج الحربي في تصنيع ألواح الطاقة الشمسية كما تقدم بالحلقة الأولى وكذلك أهم مساهمة هي في تمويل مشروع الغاز العربي كما سنتناوله في الحديث عن تشابكات الغاز.

وهو مجددًا بتشبيكه مع ما تناولناه بالحلقات الماضية يعضد النموذج الذي نقترحه لتفسير علاقة الجيش برجال الأعمال الحاليين وهو العمل على تقزيمهم من جهة واستمرار التشبيك من جهة أخرى.

كذلك يجب الانتباه في قائمة الشركات الأجنبية العاملة في استخراج البترول المصري الموردة أعلاه إلى أهمية شركة أباتشي وحصتها من حقول البترول المصرية ومدير شركة أباتشي الإقليمي بالقاهرة هو جون كريستمان وهو كذلك رئيس الجانب الأمريكي من مجلس الأعمال المصري الأمريكي.

وتلك الحصة هي في مقابل النفوذ المباشر لجون كريستمان في جلب الاستثمارات الأمريكية إلى مصر، ولكن ليس هذا فحسب وإنما أيضًا لعب هو وأباتشي الدور الرئيسي في الترويج لحصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي الأخير وهذا كان عن طريق تكتل من كبريات الشركات الأمريكية صاحبة المصالح بمصر من أجل إقناع صندوق النقد بالموافقة على تقديم القرض لمصر.

وهذا يتقاطع مع ما ذكرناه بحلقة الصناعة عن ضبط فكرة تحكم أمريكا بالاقتصاد المصري أنه ليس عبارة عن استحواذات مباشرة لأن تلك الاستحواذات تكون لصالح شركات خليجية أو علاقات استثمارية مع الصين وأوروبا وإنما في تقرير مصير وآلية عمل الاقتصاد المصري الكلي!

أما في مجال تكرير البترول فتعتبر الشركة المصرية لتكرير البترول المدارة والمملوكة جزئيًا من قبل مجموعة القلعة القابضة التي سبق ذكرها بقطاع الصناعة هي الشركة الأولى العاملة في القطاع بحصة 20% من طاقة تكرير البترول على مستوى مصر ويعد هيكل المساهمين بالشركة بالأساس من دول مجلس التعاون الخليجي أصحاب المنح البترولية لمصر، فالراجح بالتحليل أن الثمن الأساسي أمام المنح البترولية لمعالجة أزمة نقص الوقود التي أطاحت بمرسي أو كانت سببًا رئيسيًا بهذا هو الاستحواذ على تلك الحصة الكبيرة من تكرير الوقود للسولار من خلال تلك الشركة وغيرها كاستثمارات مباشرة بهذا القطاع.

(ثامنًا قطاع البتروكيماويات والغاز)

قبل الحديث تفصيلاً عن قطاع البتروكيماويات المصري يجب التنويه أن القطاع قائم بالأساس على مشتقات من الغاز لأن البديل عنه هو استيراد خام النفته وتكلفة استيراده كبيرة فتجعل التصنيع بالبتروكيماويات غير مجدٍ، وهناك تباين يصل أحيانًا إلى حد الصراع بشأن ثلاث وجهات نظر الأولى هي استخدام مقدرات مصر من الغاز للاستهلاك المحلي المباشر، والثانية أن الأولوية لاستخدامه للتصدير، والثالثة الأولوية لاستخدامه كمدخل لصناعة البتروكيماويات، وتعبر عن كل تلك الاتجاهات تكتلات مصالح يحاول النظام الحالي التوفيق بينها ويبدو أنه ينتصر للاتجاه الثالث بالدعم المباشر الذي يقدمه السيسي لمجمع سيدي كرير وإسيدكو.

وكذلك تجدر الملاحظة أيضًا أن إقامة أي مشروع للبتروكيماويات يشترط موافقة من وزارة البيئة والقوات المسلحة، لتصبح أداة أخرى للسيطرة.
على كلٍ، عند البحث عن أبرز المسيطرين بهذا المجال يأتي اسم باسل الباز وهو نجل أسامة الباز مستشار مبارك المتوفى مؤخرًا وأيضًا زوج ابنة فريد خميس صاحب مجموعة النساجون الشرقيون للسجاد وكليهما كذلك أعضاء بمجلس الأعمال المصري الأمريكي، وباسل الباز هو الآخر عضو بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية.

تنقسم أعمال باسل الباز إلى شركة الشرقيون للبتروكيماويات وشركة كاربون القابضة ومجمع التحرير للبتروكيماويات في العين السخنة الي يتبع مجموعة كاربون، أما شركة الشرقيون فكانت شراكة مع صهره فريد خميس وكانت تستورد خام نفط من راس لانوف في ليبيا ثم توقفت بسبب أحداث الثورة الليبية، ثم أخذ باسل الباز تمويل من مجموعة جالف كابيتال الإماراتية، ودخل بشراكة مع شريك إماراتي غير معروف واستأنفت الشركة نشاطها مجددًا، ومن ثم استطاعت الشرقيون أن تنتهي من سداد مديونياتها نتيجة لخسارتها.

هذا يجب الالتفات إليه لأن حجم رأس المال الكبير الذي يحتكر قطاعات بأكملها كمجموعة كاربون يتحول بالنهاية لرأس مال سياسي، وبالتالي لا يجب عزل هذا عن الجهود الإماراتية في دعم الدور المصري بالأزمة الليبية والذي سيكون ثمنه الاقتصادي أن تكون مصر لها الأولوية في إنتاج ليبيا النفطي، ويجب علينا تذكر أن علي زيدان رئيس الحكومة الليبية السابق سافر لمصر بعد أيام معدودة من فض اعتصام رابعة والتقى عبد الفتاح السيسي وتعهد بالتزام ليبيا بتقديم احتياجات مصر من النفط وهو ما لم يحدث على كل حال بسبب تعقد الوضع السياسي في ليبيا.

فعلى كل بما أن الأزمة في ليبيا دخلت في طور التوصل لحلول حاليًا فإن من المتوقع أن يبدأ نظام السيسي بالحصول على عوائد دعم ميليشيات حفتر وستكون تلك العوائد أو الريع موجهة في قطاع البترول لأصحاب الشراكات الخليجية ومنهم بل على رأسهم مجموعة الشرقيون.
وعمومًا فإن مجمع التحرير للبتروكيماويات في العين السخنة مر بعدة مراحل وعدة شراكات للتمويل منها مع مجموعة التمويل الدولي التابعة للبنك الدولي، وكان المشروع في بدايته تشارك فيه كذلك مجموعة الخرافي مرة أخرى.

والآن الشركاء هم جالف كابيتال ومجموعة جينرال إليكتريك والتي تزامنت شراكتها تلك دخولها لقطاع توليد الكهرباء الحكومي بعد مؤتمر شرم الشيخ وكذلك شراكة مع  شركة أركيدون الهولندية وعدة بنوك إيطالية وأمريكية وإمارتية ومجموعة ماري تيكنوميت الإيطالية لتقديم الخدمات الهندسية، وكان الوسيط لجلب الشراكة مع ماري تيكنوميت هو خالد أبو بكر رئيس الجانب المصري من مجلس الأعمال المصري الإيطالي وسنتحدث عنه بعد قليل، واللواء إسماعيل جابر عندما كان بموقعه بهيئة التنمية الصناعية، والسيد حسن فهمي رئيس هيئة الاستثمار السابق، وكذلك قامت شركة إيمرسون بعملية الأتممة لخطوط إنتاج المجمع، وكانت الهيئة العامة للبترول داخلة بالمشروع ثم خرجت منه.

إذًا لاختصار إجابة سؤال لماذا باسل الباز هو الأول بهذا القطاع بل متقدم على مثيله الحكومي مثلاً في إنتاج مورمون الأستيرين؟ فالإجابة: قبل الثورة المصرية كانت علاقة الصداقة المباشرة بينه وبين سامح فهمي وزير البترول الأسبق تمنحه أولوية في عقود توريد الخام إليه، ثم بعد الثورة ببساطة لارتبطاته الممتدة ما بين الخليج وتحديدًا الإمارات وأوروبا وتحديدًا إيطاليا وأمريكا واستطاعته جلب مؤسسات مثل جينيرال إليكتريك للمساهمة في علاقة مباشرة مع الدولة ومع مؤسسات تمويل دولية مرتبطة بالبنك الدولي واستطاعت أن تتحول لعلاقة مع الدولة كذلك.

وهذا هو الإطار الذي يمكن من خلاله فهم أي دور ممكن أن يفعله باسل الباز في الشراكة مع الجيش في قسم آخر من البتروكيماويات وهو إقامة مجمع للأسمدة الفوسفاتية في العين السخنة يتولاه الجيش مباشرة تلك المرة.
وبنفس الإطار كذلك يفهم دخول المصرية الكويتية القابضة مرة أخرى في شراكة مع المصرية القابضة للبتروكيماويات في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية لأن هذا ناتج عن شراكتها مع شركة النصر للكيماويات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة.

وأيضًا بهذا الإطار تمكن النظام عبر تلك الشراكة من إتمام توسعات شركة النصر للكيماويات الوسيطة ومن تلك التوسعات مشاريع تحلية المياه مؤخرًا، ومجددًا فإن شريك الجيش بمشاريع تحلية المياة تبعًا لدراسة شانا مارشال التي أوردناها بالمقدمة مجموعة الخرافي.
قطاع الغاز:

قلنا كما سبق بوجود عدة تكتلات تتنافس على حصص الغاز منها ما كان يذهب إلى  تصدير الغاز مباشرة للخارج وهنا ظهر مشروع خط الغاز العربي الإسرائيلي الشهير الذي نوهنا إليه وارتباطه بحسين سالم وشركته الشرق للغاز، واستخدام منصة تصفية الغاز بدمياط من أجل تصدير حصة لإسبانيا وإيطاليا مقابل شراكتهم بإقامة خط الغاز هذا.

القصة ترجع إلى تأسيس شركة سيجاس وهي عبارة عن شركة مكونة من الشركة القابضة للغازات المصرية "إيجاس" وشريك إيطالي هو "إيني" مرة أخرى وشركة "يونيون فينوسا" الإسبانية وهي الشركة التي أسست مصفاة دمياط وتستخرج الغاز من سواحل مصر على المتوسط، وكان الوسيط الذي جلب يونيون فينوسا لتلك الشراكة هو رجل الأعمال يحيى الكومي وهو من المرتبطين بمبارك الأب وعلاء مبارك، ولهذا تم إزاحته من اللعبة الحالية مع عدم وجود دور ملحوظ له مستقبلاً وتم حبسه مؤخرًا لمدة عام.

كذلك كان رئيس إيجاس وقت توقيع الشراكة هو رئيس الوزراء المصري بعام 2016 شريف إسماعيل، ثم دخل حسين سالم على الخط من أجل أن تتولى شركة الشرق بأوامر مباشرة من المخابرات العامة - كما أقر بهذا عمر سليمان في محاكمة مبارك - نقل الغاز المستخرج لإسرائيل والأردن وأن يكون كذلك وسيط التصدير لإسبانيا.
ثم حدث بعد الثورة تفجير خط الغاز الشهير بالعريش الذي رجحنا بالحلقة الماضية وجود دور للمخابرات الحربية في السماح به ومن ثم خسرت شركة الشرق وخرجت ومن ثم هرب حسين سالم لإسبانيا ورفعت ضده قضية وحدث تصالح مؤخرًا بينه وبين جهاز الكسب غير المشروع.

وبالعودة للتقرير المنشور على مدى مصر الذي أوردناه بالحلقة السابقة فإن الشركات التي ما زالت بحوزته بعد تصالحه مع جهاز الكسب غير المشروع هي: العربية للاستثمارات البترولية وميدور للكهرباء وشريكه بها يوسف ميمون الإسرائيلي الجنسية.
وجمع أسهمه بشرق المتوسط للغاز لتكون بشركة جاز بايب لاين التي تشاركه بها شركة أي جي إيه الأمريكية، وكذلك بقيت لهيئة البترول أسهمها بشركة الشرق للغاز، ويرجى الرجوع لكل التفاصيل في هذا التقرير مرة أخرى لأهميته.

الشاهد أن ما يعنينا بهذا السياق إجابة سؤال لماذا تم التصالح مع حسين سالم والسماح له بالعودة والاحتفاظ بالشق الأكبر من ممتلكاته؟
الإجابة مكونة من شقين الأول ليس عنده وإنما عند شخص آخر هو خالد أبو بكر الذي أشرنا إليه أعلاه وهو صاحب شركة طاقة عربية تستثمر في العديد من أنشطة الكهرباء والبترول ومد خطوط الغاز وتحتها عدة شركات فرعية.
فخالد أبو بكر وعائلته لديهم نفوذ بقطاع الطاقة يعتبر ممتدًا للحظة تأسيس النظام الحالي نظرًا لأن والده كان رئيس هيئة البترول التي اشتركت في عملية تأميم قناة السويس، ويعتبر المتزعم أو أهم اسم ينبغي معرفته في التكتل الداعم لأن تكون أولوية الغاز استخدامه في الصناعة بدلاً من تصديره وبدلاً من استخدامه محليًا.

فلهذا عندما كان يتراجع حسين سالم دخل على الخط عوضًا عنه بالشراكة مع علاء عرفة الذي تحدثنا عنه بحلقة الصناعة نظرًا لكونه من رجال أعمال الكويز وبطبيعة الحال في مجلس الأعمال المصري الأمريكي، وكما نوهنا هو في تنافس أو تضاد مع من أسميناهم افتراضًا مجموعة جلال الزوربا.
فأسس خالد أبو بكر مع علاء عرفة شركة جديدة تدعى دولفينيوس وهي الآن تتولى عكس ما كان يحدث عند تصدير الغاز لإسرائيل أي استيراده من إسرائيل عبر نفس الخط بصورة عكسية ثم تكريره بمصفاة دمياط المملوكة لسيجاس واستخدامه محليًا.

ولا يمكن إغفال أن السياق لهذا الاستيراد للغاز على الرغم من اكتشافات الغاز التي أعلنت عنها إيني يأتي في إطار إعادة ترسيم الحدود البحرية الذي عقده السيسي مع إسرائيل وقبرص واليونان، وبالتالي أصبحت حقول غاز كان متنازعًا على ملكيتها لم تعد مملوكة لمصر وهذا الاتفاق تم لاعتبارات سياسية محضة.
وهو نفس الإطار الذي برر من خلاله السيسي اتفاقية تسليم تيران وصنافير للسعودية حيث قال إن بالإمكان الآن إجراء اكتشافات الغاز بالمضيق وستكون بنسبة 75% للسعودية و25% لصالح مصر.

هذا الإطار يفسر لماذا يدخل شخص مثل علاء عرفة في قطاع الغاز بشراكة مع خالد أبو بكر على الرغم من أن تخصصه الأساسي هو الملابس من خلال شركته جولدن تيكس وغيرها والذي على أساسه دخل اتفاقية الكويز، وبهذا الرابط للموقع الرسمي لمجموعته معلومات عن نشاط شركاته والذي ليس منه على الإطلاق أي استثمارات بقطاع الطاقة.
التفسير أن السياسة وليس اعتبارات الاقتصاد هي التي تحكم، فعرفة من أوثق وأقدم رجال الأعمال في العلاقات التجارية مع إسرائيل لهذا كان الشخص المطلوب ليحل محل حسين سالم في النظام السياسي الذي تكون بعد الثلاثين من يونيو.
على كل لم تسر الأمور كما ينبغي وتوقف تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية بوقف أنشطة التصدير للغاز.

وهذا هو المدخل التفسيري للماذا عاد حسين سالم مجددًا ولماذا تصالحت معه الدولة بهذا الشكل الغريب؟
الإجابة هي مجددًا الإجابة بكل حالة وهي أن الدولة تصرفت بمنطق الجباية بمعنى أنها أخذت حصة من ممتلكاته وشركاته مقابل عودته ليمارس نشاطه وتستفيد من علاقاته الأكثر صلة ووثوقية بالداخل الإسرائيلي ليكون مفيدًا أمام أي تعثر في استيراد الغاز الإسرائيلي لمصر.
وبنفس الإطار أيضًا يجب الانتباه إلى مسألة أخرى متعلقة بالسياسة العليا للدولة وهي المعونة العسكرية الأمريكية، حيث جرى الاتفاق إلى أنه سيتم إعادة تنظيمها بدءًا من عام 2018 لتكون غير مرتبطة بالتوازن العسكري مع إسرائيل وإنما تنظيمها بأربعة بنود وهي أسلحة مكافحة الإرهاب وحرس الحدود وحماية وتأمين الممرات البحرية وخفر السواحل.

وفلسفة إدارة المعونة العسكرية بعد أن أزالت الحكومة الأمريكية الحظر على مشتريات السلاح المصرية عقب إتمام نظام السيسي إجراءاته الدستورية هي تقييم الأداء العسكري المصري ومنح السلاح نتيجة لهذا التقييم، بمعنى تقييم الأداء العسكري المصري بالحملة ضد ولاية سيناء ومن ثم الموافقة أو عدم الموافقة على منح مشتريات جديدة من أسلحة مكافحة الإرهاب التي يتطلبها الجيش المصري.

ويترافق مع هذا أيضًا صعوبات جديدة تفرض بداية من عام 2017 متعلقة بنظم الدفع لمشتريات السلاح المصرية، فبينما كان يتم الدفع بنظام cash flow ، سيكون الدفع بداية من هذا العام شحنة بشحنة وهذا سيسري مع إدارة ترامب ولن يكون هناك فارق بينه وبين أوباما بهذا.
فمن أجل تلك الصعوبات يجب أن نتذكر ما نوهنا إليه بحلقة السياحة عن تأسيس شركة الأجنحة البيضاء والتي كان حسين سالم جزءًا أساسيًا من تأسيسها، فالآن أيضًا في ظل تلك التغيرات في العلاقة مع الإدارة الأمريكية حتى لو كانت جمهورية فسيحتاج النظام السياسي لأدوار مثل التي كان يؤيديها حسين سالم مجددًا!

يبقى في ملف الغاز أن نشير إلى إحد أهم الموردين للغاز في مصر للاستهلاك المنزلي وهي شركة ناشيونال جاس والتي كان شريكًا بها مجدي راسخ وكان يديرها المهندس رضا جنينة والذي توفى مؤخرًا وأعقبه نجله عصام في إدارة الشركة حاليًا، وكانت مستحوذة على توريد الغاز الطبيعي للمنازل بالشرقية والدقهلية ورفعت قضية ضد الدولة لسحب التراخيص بعد ثورة يناير لشبهة فساد في عقد الترخيص نظرًا لكون مجدي راسخ كان شريكًا بها، ثم لجأت الشركة للتحكيم الدولي وحدثت تسوية قانونية مؤخرًا بين الدولة المصرية والشركة بالتزامن مع خروج مجدي راسخ منها، وتستمر الآن الشركة في تنفيذ ما توقفت عنده في مد خطوط الغاز قبل ثورة يناير.
فهنا نموذج آخر حدثت على أساسه التسوية عى الرغم من أن الشركة كانت ستكسب التحكيم الدولي على أي حال وهو ببساطة خروج مجدي راسخ لارتباطه المباشر بمبارك ثم تستأنف الشركة عملها!

يجدر الإشارة إلى أن المهندس رضا جنينة شقيقه هو هاني أحمد جنينة كان مستشار وزير المالية الإماراتي سابقًا كذلك هو ابن عم المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقًا وقريب هاني جنينة مدير الأبحاث بمجموعة بيلتون التي أعدت خطة تعويم الجنيه كما نوهنا بسابق الحلقات.

فهنا نتوقف ونقول إنه بغض النظر عن تقييم المستشار هشام جنينة في صدامه مع شبكات الفساد بالدولة المصرية ولكن وصوله بالأساس لموقعه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات كان أحد عوامله الاعتبارية أنه ابن لعائلة جنينة التي كانت وما  زالت يتولى أبناؤها المناصب البيروقراطية وجزء من رأس المال المصري وإن كان بصورة أصغر لا تقارن بعائلات هيكل وتيمور ومنصور وساويرس ودياب وأبو بكر على سبيل المثال، ولكن هذا هو أحد الأسس الاجتماعية لتنظيم الاقتصاد والبيروقراطية المصرية والذي سيستأنف طويلاً، أي أن يكون هذا التنظيم على أساس عائلي بأحد جوانبه.

(تاسعًا المشروعات القومية)

قبل أن ندخل في هذا القطاع والذي يمثل أوضح نموذج لتداخل البيروقراطية المصرية مع القوات المسلحة ومع شبكة رجال الأعمال، نعقب على الحلقة السابقة بأن قطاع الطاقة كما نوهنا يمثل أيضًا تنافسًا بين البيروقراطية المصرية وقطاع الدفاع والأمن، ويوضح أن البيروقراطية لا تخضع للأوامر فتطيع، فالواقع عكس هذا فكل مجلس إدارة لشركة من شركات قطاع الطاقة يمثل شبكة لها مصالح مرتبطة برأس مال خارجي تستورد منه مواد خام أو تصدر له دون غيره، بل أحيانًا قد يكون داخل كل شركة شبكة مصالح فرعية، بمعنى أن تكتل داخل مجلس إدارة شركة مرتبط مثلاً بشركة إيطالية، وآخر مرتبط بشركة خليجية، ويحدث تنافس بينهم في أيهم يتم الاستيراد منه للشركة وهكذا.

وعلى الرغم من هذا فإنه لم يمنع القيادة السياسية أن تبدل بعض المواقع في الجهاز البيروقراطي لصالح تحالفاتها الجديدة حتى بعض أكثر الأشخاص التصاقًا بالنظام السياسي والجيش.

فعلى سبيل المثال فإن أكثر الوزارات ارتباطًا بقطاع الطاقة هي وزارة الاستثمار نظرًا لأن إحصائيًا أعلى نسبة استثمار مباشر في مصر هي في قطاع الطاقة سواء نفط أو غاز يليه الأسمنت.

لهذا فإن منصب رئيس هيئة الاستثمار من أهم المناصب المرتبطة بقطاع الطاقة، وذكرنا في الحلقة السابقة كان رئيس هيئة الاستثمار وقت توقيع صفقة باسل الباز مع شركة ماري تكنومينت هو حسن فهمي.

ولنلق نظرة على المناصب التي كان يجمعها حسن فهمي:
كان بجانب رئاسته لهيئة الاستثمار عضو مجلس إدارة بالجهاز الوطني لاستخدامات الأراضي وهو الجهاز الشريك في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وكذلك عضو مجلس إدارة بالجهاز الوطني لتنمية سيناء المسيطر عليه تمامًا من قبل الجيش وعضو مجلس إدارة بالجمعية العمومية للشركة القابضة للبتروكيماويات وعضو مجلس إدارة ببنك الاستثمار القومي مما يجعله من أكثر البيروقراطيين التصاقًا بالجيش.

ومع هذا فقد تم إزاحته وحل محله بهيئة الاستثمار محمد خضير رئيس هيئة الاستثمار الحالي، ولكن من هو محمد خضير؟
هو محامي سابق بشركة التميمي الإماراتية وشريك بها وهو مكتب محاماة إماراتي اشتهر بتولي المسؤولية القانونية لعمليات استحواذ لصالح العديد من الشركات الإماراتية، لذا فالتحليل أنه أتى بهذا المنصب خصيصًا لكي يتولى تنسيق عملية دخول الشركات الإماراتية والخليجية المهتمة بدخول عمليات استحواذ في مصر!

وبنفس الوقت فإن حسن فهمي رشحته "إحدى الجهات السيادية" لكي يتولى منصب وزير الاستثمار، ولكن مع ذلك تم اختيار داليا خورشيد المنتمية والمحسوبة على مجموعة أوراسكوم عوضًا عنه، وهذا مدخل مناسب لكي نتناول ما أسميناه قطاع المشاريع القومية.

إن أول ما يطالعنا هنا هو مشروع حفر تفريعة قناة السويس أو قناة السويس الجديدة.

بداية يجب أن نرجع إلى النموذج الذي اقترحناه لفهم تشابك الجيش مع الاقتصاد وأن جزءًا منه راجع إلى أنه جزء من أدوات السيطرة على المجتمع وجزء من أدوات تطبيق رؤيته "للأمن القومي" المصري.

ولهذا فإنه تبعًا لاتفاقية السلام التي تجعل حدود انتشار الجيش المصري غرب قناة السويس فقط وبما أن الثقل الرئيسي للقوات المسلحة حول قناة السويس سواء في الجيش الثاني الميداني في السويس أو الجيش الثالث جنوبًا في الإسماعيلية حتى العقبة وشرم الشيخ، فإنه تقرر منذ اتفاقية السلام وإعادة فتح المجرى الملاحي لقناة السويس أن تكون السيطرة عليها مجتمعيًا واقتصاديًا للجيش وأن تكون الإدارة بشكل رئيسي في سيناء للمخابرات العامة - طبعا ليست تقسيمة صافية فهناك أمثلة عديدة لتقاسم النفوذ مع المخابرات العامة بالسويس وكذلك مع المخابرات الحربية في سيناء.

ولهذا فإن مشاريع تنمية محور قناة السويس وتوسعة مجرى القناة وتطويره واستيعابه لمزيد من حركة السفن مثلما تتيح التفريعة الجديدة - نظريًا - تم بحثها والسعي بتنفيذها منذ عهد السادات مرورًا بمبارك وكان المصمم الرئيسي أو صاحب أفكار تلك المشاريع هو المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان الأسبق.

والملاحظ أن أول توسعة للمجرى الملاحي لقناة السويس تمت أول الألفية بعهد مبارك وكانت تهدف لمرور ناقلات النفط العملاقة التي تستعملها الإمارات في تصدير نفطها، ويمكن الرجوع إلى مزيد من التفاصيل بكتاب جيوبوليتيك النفط لفيليب لوبيز.

على كل يمكن بالتحليل الأخير أن نقول إن أحد أسباب الصدام بين حكومة الإخوان والجيش كان جزء أساسي منها محاولة الإخوان الدخول على خط مشاريع محور قناة السويس التي يعتبرها الجيش نفوذًا محضًا، ثم انتهت حكومة الإخوان وجاء السيسي ثم خاض صراعات متعددة منها تقليص نفوذ بقية أجهزة قطاع الدفاع والأمن منها تقليص نفوذ المخابرات العامة في سيناء كما تقدم بالحلقات السابقة، وبهذا الإطار أصبح الظرف مواتيًا لتنفيذ ما تعطل لفترة طويلة من مشاريع محور السويس وأولها تفريعة السويس الجديدة.

على كل فبالنظر لمن تولى تنفيذ حفر تفريعة قناة السويس نجد طيف واسع من الشركات منها المحلية والعالمية بل وحتى الأفراد، فبالنسبة للشركات العالمية نجد أنها عبارة عن تحالف كونته الإمارات باسم تحالف التحدي وتشارك فيها عدة شركات ما بين أمريكية وبلجيكية وهولندية، وهنا قائمة بتلك الشركات التي جمعتها الشركة الوطنية الإماراتية للجرافات: http://www.alarabiya.net/ar/aswaq/2014/10/19/6-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%81%D8%B1-%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9.html

بجانب هذا نجد الشركات الحكومية الكبرى أي المقاولون العرب ومختار إبراهيم وبجانب هذا نجد من القطاع الخاص شركة أسيك للتعدين - أسكوم - وهي شركة مملوكة لمجموعة القلعة بشكل جزئي وجزء من مجموعة أسيك للأسمنت المملوكة أيضًا للقلعة بمساهمة مستثمرين سعوديين وخليجيين.

يجب ونحن نقرأ مشاركة مجموعة القلعة بهذا المشروع أن نستوعب مجددًا التعامل المزدوج الذي يحدثه الجيش مع رأس المال الضخم مثل أحمد هيكل وأخوه حسن هيكل وخالهم علوي تيمور.

فبينما كان متزامنًا مع هذا - مشاركة مجموعة القلعة بحفر تفريعة السويس - على سبيل المثال أو قبله بقليل جرى إزاحة مجموعة الخرافي من مشروع قرية مرسى علم ودخول مجموعة أبراج كابيتال بالمشروع بديل للخرافي وهي شريك لهيرميس بنك الاستثمار التابع لآل هيكل وتيمور، كان يتم تعطيل المشروع الأضخم لمجموعة القلعة وهو ربط دول حوض النيل بأسطول نهري وسكك حديدية وما زالت تلك العرقلة من قبل السلطة السياسية مستمرة على الرغم من تصاعد الاحتياج له مع أزمة سد النهضة.

وكذلك كان من الغريب مشاركة شركة كشركة كونكورد واطلاعها بجزء كبير من العمل بالحفر وهي شركة متوسطة الحجم أو حتى أقل من متوسطة وسابقة أعمالها كانت في بعض أعمال البنية التحتية والري المحلية بعدة محافظات ومالكها هو أحمد العبد، وهو أحد من نحللهم بقولنا إنه من الصاعدين الجدد أو نخبة رجال الأعمال الجديدة التي يصنعها الجيش، فهو بلا سابقة تاريخ ضخم وفجأة اضطلع بدور رئيسي بمشروع بضخامة حفر تفريعة السويس، وبالأساس نشاط مجموعته بالأجهزة الكهربائية وكان مدير بشركة يونيفيرسال للأجهزة الكهربائية وطرد منها وما يتم تداوله الآن أنه سيتحوذ على توكيل إل جي في مصر.

وغير هذا كما قلنا كان هناك مشاركة ضخمة شملت جميع محاسيب الجيش أي الضباط السابقين أصحاب شركات المقاولات وغيرهم وصولاً لمشاركة أفراد من شمال سيناء وخاصة العريش مثلاً بجراراتهم في أعمال الحفر، وكل هذا تحت إشراف الهيئة الهندسية وبهذا تحقق للجيش ما أراد أي مشاريع جامعة يعمل بها الجميع تحت إدارته وتنسيقه، وشارك بالتمويل شرائح واسعة من المجتمع المصري بشرائهم شهادات تمويل حفر التفريعة وأمام هذا لا يهم الجدوى الاقتصادية التي يشكك بها الكثير.

وتلك قائمة بالشركات المحلية المشاركة بأعمال الحفر - لا تشمل مقاولي الباطن -  على الرغم من نفي اللواء كامل الوزير ما أوردناه أعلاه نقلاً عن موقع العربية من مشاركة شركات عالمية!: http://www.youm7.com/story/2015/2/5/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%81%D8%B1-%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D9%88%D8%A8-%D8%B9%D8%AF%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A%D9%88%D8%A8/2054674

 مشروع تنمية محور قناة السويس

ينقسم هذا المشروع إلى عدة مشاريع فرعية وهي مشروع توسعة ميناء بورسعيد ومشروع شرق التفريعة والمرحلة الحالية حفر 3 أنفاق بين ضفتي القناة، وإدارة المشروع ترجع للدكتور أحمد درويش وزير التنمية الإدارية السابق بعهد مبارك وهو يملك صلاحيات رئيس وزراء بالمشروع أي يستطيع اتخاذ قرارات تنفيذية دون الرجوع إلى مجلس الوزراء، كذلك يملك صلاحية الفصل في النزاعات القانونية مع المستثمرين والعاملين بالمشروع والمفترض أن هذا يهدف لطمأنة المستثمرين بالمشروع وسهولة الإجراءات وعدم العرقلة في دولاب البيروقراطية.

ونائبة هو اللواء عبد القادر درويش وهو لواء بحري وكان سابقًا مدير هيئة ميناء الإسكندرية والدخيلة وهو محسوب أو ولاؤه للفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، وهنا يجب الالتفات إلى ما تداول أن الفريق مميش كان يطمح إلى منصب مدير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أي المنصب الذي يشغله الدكتور أحمد درويش أو إلى صلاحياته دون المنصب الرسمي، لهذا هو من تدخل لتعيين اللواء عبد القادر درويش نائب لأحمد درويش حتى تكون وظيفته الحقيقية الحد من صلاحيات أحمد درويش.

على كلٍ إذا تناولنا المشاريع الفرعية التي تنفذ حتى الآن نجد أن في حفر الأنفاق الحالية تعمل أوراسكوم للإنشاءات ورئيسها التنفيذي هو ناصيف ساويرس ومع أوراسكوم شريك لها ألماني دوره بالمساعدة بالتقنيات، والمعدات جميعها تأتي من كاتربيلير ووكيلها في مصر عائلة منصور أو تحديدًا محمد منصور، كذلك تشارك عدة شركات سنغافورية من استطاع جلبها لتشارك بالمشروع كانت المخابرات العامة، وكل هذا مجددًا تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

وهنا نتوقف لنسجل ملاحظتين الأولى هي تكرار النمط الذي وجدناه بغيره من القطاعات وهي أنه عندما يعجز الجيش عن مهمة "جلب الاستثمار" فإنه يعتمد على المخابرات العامة وتلك هي الروابط التي تحدثنا عنها أنها تكون المصالح المشتركة العليا بين أجهزة الدفاع والأمن والتي تكبح أن يخرج التنافس الذاتي خارج حدود السيطرة.

والملاحظة الثانية أنه رغم تداول الأخبار عن توتر بين نظام السيسي وعائلة ساويرس وخاصة ناصيف، وبنفس الوقت الذي اضطر نجيب ساويرس أن يخرج من أدواته الإعلامية مثل أون تي في، يعتمد الجيش على أوراسكوم في أكبر مشاريعه التي يعتبرها نفوذًا محضًا له وكان متزامنًا مع هذا تعيين داليا خورشيد كما تقدم وزيرة للاستثمار وهي الآتية من أوراسكوم.

ولعل هذا يمكن فهمه بأطر أخرى سابقة على البدء بمشروع تنمية محور قناة السويس، وهو سيجعلنا نمر على قطاع الإنشاءات سريعًا.

قطاع الإنشاءات ومواد البناء قبل أن يستحوذ الجيش من خلال جهاز الخدمة الوطنية على مجموعة صلب مصر كان أقل القطاعات التي يشارك بها الجيش وما زالت حتى الآن حصص شركاته للأسمنت مثل أسمنت العريش قليلة مقابل مثلاً أسمنت السويس التي يملكها عمر مهنا وهو كما تقدم رئيس الجانب المصري من مجلس الأعمال المصري الأمريكي والرئيس الحالي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، ولكن حاول نظام السيسي أن يبيع عدة رخص للأسمنت في السنتين الأولتين من حكمه لشركات عالمية وأخفق بهذا حتى الآن.

فهنا نرجع إلى أن أنجح صفقة لبيع رخصة أسمنت حدثت خلال العقد الأخير كانت بيع أوراسكوم لجزء من حصتها بقطاع الأسمنت إلى شركة لافراج الفرنسية التي تعد من أكبر الشركات بالقطاع الآن.

ويجب كذلك هنا أن نتذكر أنه في السنة الأولى لحكم السيسي أي سنة الرئيس المؤقت عدلي منصور وفي الأشهر الأولى من حكم السيسي في إطار حل أزمة الطاقة التي تراكمت وورثها السيسي بعد إزاحة مرسي حدث تحالف لاستيراد الفحم لتشغيل مصانع الأسمنت كبديل للغاز وكان المحرك الأساسي لهذا التحالف هي لافراج والذي تصدر وأدار هذا التحالف هو عمر مهنا مجددًا، وضم هذا التحالف شركة أسمنت سيناء التي يملكها حسن راتب صاحب أكبر استثمارات بالشراكة مع الجيش في شمال سيناء.

وبعد عدة ضغوط تمت موافقة وزارة البيئة على استيراد الفحم ويجب الانتباه أن تصريح الاستيراد لتشغيل المصانع بالفحم مجددًا يأخذ موافقة من الجيش كما وزارة البيئة.

ويتنافس على استقبال هذا الفحم عدة مواني ما بين ميناء العريش إلى ميناء العين السخنة إلى ميناء الإسكندرية وكلها يديرها لواءات.

ونجد هنا
مثلاً خبر موافقة القوات المسلحة على تطوير ميناء العريش لاستقبال الفحم المستورد وهذا أيضًا ضمن إطار مشروع تنمية محور السويس وتحت إشراف الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية للسويس.
وإن كان التركيز في استيراد الفحم سيكون عبر ميناء العين السخنة وحاليًا الشركة الوحيدة التي أتمت التحول للتشغيل بالفحم هي شركة لافراج مرة أخرى.

الشاهد من هذا الاستعراض أن تعامل الجيش مع قطاع الإنشاءات بما أنه لا يشارك فيه بتوسع هو التشبيك مع هذا القطاع بأن يدير مصالحه ويأخذ حصة منها، فإذا أراد القطاع استيراد الفحم يسمح له بهذا وييسر كل التسهيلات الإدارية واللوجستية لهذا الأمر مقابل أن يكون الجيش شريكًا ولديه مصلحة مباشرة من ريع المواني التي تستقبل الفحم كذلك في جلب المستثمرين لشراء رخص مصانع الأسمنت التي تطرحها الدولة من خلال هيئة التنمية الصناعية وهذا أيضًا بإطار خطة التحول الاقتصادي التي من المفترض أن تضع قيودًا على الاستيراد والتوسع بالصادرات والتي على رأسها صادرات مصر من الأسمنت التي يعد المنافس لها بهذا المجال الرئيسي هي تركيا.

وهذا الخبر عن الشركات التي سحبت تراخيص تصنيع الأسمنت الجديدة خلال عام 2016 نموذج على هذا حيث نجد شبكة من أسمنت سيناء والقوات المسلحة ولافراج.

في هذا تحديدًا تحتاج الدولة إلى فاعل مثل أوراسكوم، فرغم كل هذا فإن الدولة لم تستطع التوسع في بيع رخص تصنيع الأسمنت كما كانت تطمح، ولعل خروج شريك عمر مهنا في أسمنت السويس وهي الشركة الإيطالية ايطالشامنتي نموذج لهذا.

بالعودة لحسن راتب وأسمنت سيناء فإن شراكته مع الجيش تعتبر نموذجًا مثاليًا لفهم كيف يدير الجيش شراكاته بقطاع البناء والإنشاءات ويعيننا لفهم التعامل المركب مع فاعل ضخم بحجم أوراسكوم.

فكمثال فمن الذي حصل عليه الباحث من مصادر خاصة فإن الجيش من خلال شركة أسمنت العريش يصدر أسمنت لإسرائيل وهذا الأسمنت يساهم في بناء المستوطنات على الرغم من تدني جودته نظرًا لوجود حظر على تصدير أسمنت لإسرائيل يستخدم في بناء المستوطنات دوليًا، وإجمالاً فإن تصدير أي مواد بناء لإسرئيل هو قطاع احتكاري للجيش، ولكن الجيش لا يصدر مباشرة وإنما من خلال وسيط وهو أسمنت سيناء المملوكة لحسن راتب وهو بدوره لا يقوم بهذا مباشرة وإنما عن طريق عدة شركات وسيطة ويتداول أن منها شركة استيراد وتصدير مملوكة للواء سامح سيف اليزل المتوفى مؤخرًا والذي بدوره يقوم بهذا التصدير عبر شراكة مع شركة أمريكية.

هذا النموذج بتشبيكاته وتعقيداته ربما يلقي الضوء على التصرف الغريب الذي قامت به الدولة المصرية مؤخرًا حيال مشروع قرار مجلس الأمن ضد بناء المستوطنات وإن كان بالطبع الأمر يخضع لاعتبارات سياسية أعلى من المصلحة الريعية المباشرة التي يحصل عليها الجيش من عملية التصدير تلك، وعمومًا للموضوعية فإن الجيش كذلك من خلال أسمنت العريش كان يصدر أسمنت إعادة إعمار غزة بعد حرب 2009 وحتى وقت قريب بعد حرب غزة الأخيرة وهذا رغم أنه من منظور قومي بحت يمكن اعتباره "خيانة"، فإن الجيش لا ينظر إليها من هذا المنظور وإنما هذا اقتصاد سياسي أي كون الدولة المصرية شريكة لإسرائيل وشريكة كذلك لخصمها الحالي حكومة حماس بغزة وشريكة لحكومة رام الله فهذا يجعل لها يد نافذة في تقرير ما يحدث على حدودها الفلسطينية الإسرائيلية مهما كان الظرف.

الشاهد أن الجيش يعمم هذا النموذج في علاقته برأس المال الكبير وخاصة بقطاع الإنشاءات أي أنه كما قلنا عندما يعجز عن الوصول لأسواق يستهدفها أو عمليات استثمار يريد جلبها لمصر فإنه يلجأ أولاً للمخابرات العامة ثم إلى رأس المال الكبير مثل أوراسكوم أو القلعة أو منصور أو حسن علام، إلخ، بشرط أن يعملوا تحت إدارته وإشرافه ولهذا تحديدًا يحتاج ما يسمى بالمشاريع القومية.

أما المشروعان الأخيران بإطار تنمية محور السويس فهما مشروعا شرق التفريعة وتوسعة ميناء بورسعيد، وهما مرتبطان ببعضهما، فمشروع شرق التفريعة هو عبارة عن إقامة ظهير صناعي للسويس وتوصيل البضائع من ميناء العين السخنة إلى بورسعيد بشكل بري مع أعمال توسعة بميناء بورسعيد لاستيعاب حجم أعمال أكبر.

ولميناء العين السخنة قصة طريفة من أحد أوجهها هي أيضًا نموذج لكيف يدير الجيش تشاباكاته مع الاقتصاد، فامتياز إدارة وتشغيل ميناء العين السخنة كان مملوكًا بعهد مبارك لرجل أعمال أردني يدعى أسامة الشريف وهذا عبر شركته أميرال مانجمنت.

وشركة أميرال مانجمنت لها العديد من العملاء والشراكات منها مع اتحاد المواني العربية التابع للشركة القابضة للنقل البحري وسيأتي ذكره لاحقًا ومنها شراكات تعدت قطاع المواني والشحن والتفريغ والنقل البحري، فمثلاً لديه شراكة مع شركة الإنترنت القومية تي إي داتا وجريدة المساء المصرية وبنك الإسكندرية  ومستشفيات دار الفؤاد، وهذا موقع الشركة.

الشاهد أن أسامة الشريف خدع حكومة نظيف بعهد مبارك وباع امتياز الميناء كله لشركة مواني دبي العالمية بعام 2008 وكان المفترض أن ما يحق له بيعه هو محطة الحاويات بميناء العين السخنة فقط ولكنه باع محطة تموين السفن والوقود وتداول الحيوانات الحية ومحطة البضائع العامة، إذ إنه لم يكن هناك بالعقد ما يلزمه ببيع محطة الحاويات فقط، ومنذ تلك اللحظة دخلت الحكومة المصرية في نزاع قضائي ضد أسامة الشريف تحول إلى قضية دولية ونزاع آخر مع شركة مواني دبي الدولية التي أنشأت شركة لإدارة وتشغيل الميناء أسمتها مواني دبي السخنة.

على أنه قد تم حل تلك الإشكاليات مع مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي بحيث تم الاتفاق على أن تزيد المساحة المخصصة للمحطات كمحطة الحاويات والصب السائل وتموين السفن بالسخنة إلى مساحة 400 ألف فدان وأن تحصل مواني دبي على أرباحها بالجنيه ويتم تنفيذ التطويرات العالقة خلال عام 2017، وكذلك وهو الشاهد هنا تم الاتفاق أن شركة سونكر وهي إحدى الشركات التابعة لأسامة الشريف تتولى التشغيل فقط وليس المشاركة بحق الانتفاع وأن يدخل بإدارتها بنك الاستثمار القومي وشركة مصر للبترول التابعة لقطاع البترول الحكومي المصري، ودفعت سونكر مبالغ مالية للدخول كمشغل غالبًا ستذهب للجيش وليس للخزانة العامة، فإذًا هو منطق الجباية مرة أخرى!

ووفقًا لبيانات وزارة النقل، فإن المشروع يشمل امتداد محطة الصب السائل الحالية، وإنشاء خزانات ومستودعات على مساحة 400 ألف متر مربع بهدف تخزين وتداول المواد البتروكيميائية.

وهنا نذكر مجددًا بما تحدثنا عنه بالحلقة السابقة عن شراكات باسل الباز مع كيانات إماراتية عديدة لإقامة مجمع التحرير للبتروكيماويات بالعين السخنة، حيث سيكون هو وشركة النصر التابعة لجهاز الخدمة الوطنية أول المستفيدين من إنشاء تلك الخزانات.

وكذلك تقرر في التسوية مع مواني دبي العالمية أن يتم تشكيل هيئة مستقلة لإدارة المواني التابعة لمشروع تنمية محور السويس عن الهيئة الاقتصادية المشرفة على المشروع والسبب الراجح هو أن تكون نفوذًا خالصًا للجيش أو لضباطه الذين يهيمنون على القطاع البحري، ويمكن مراجعة مزيد من التفاصيل هنا: http://www.almalnews.com/mobile/Pages/StoryDetails.aspx?ID=220091


كذلك من الرابط أعلاه فإن من الشركات التي أعلنت استعدادها للدخول في تطوير مواني شرق التفريعة وبورسعيد، شركة دمياط للمواني الدولية والإسكندرية للحاويات.

بالنسبة لدمياط للمواني الدولية وهي مشغل ميناء دمياط فإنها شراكة بين مجموعة الخرافي مرة أخرى وشركة سي إم سي جي إم الفرنسية وشركتين من هونج كونج هما شركة كوسكو باسفيك وهوتسيشوان وشركة الملاحة العربية المتحدة والتي بدورها شراكة بين الشركة القابضة للنقل البحري والحكومة الكويتية.

أما بالنسبة لشركة الإسكندرية للحاويات فهي كذلك تابعة للقابضة للنقل البحري بشراكة مع هوتسيشوان وصندوق الملكية الخاص الإماراتي.

والشركة القابضة للنقل البحري يتحكم بها الجيش وهذا عن طريق أن المشرفين عليها الاتحاد العربي للمواني والذي أمينه العام أيضًا لواء وهو اللواء بحري عصام الدين بدوي.

وهذا موقع الاتحاد مع ملاحظة أن مطور موقع الاتحاد أيضًا شركة أميرال مانجمنت المملوكة لأسامة الشريف.

والاتحاد العربي لغرف الملاحة البحرية والذي يرؤسه لواء أيضًا وهو اللواء بحري حاتم القاضي وأمين عام الاتحاد لواء أيضًا وهو اللواء بحري محسن المصري  وكلاهما كما عبد القادر درويش مرتبط بمهاب مميش وهذا موقع الاتحاد.

يمكن الرجوع لمزيد من التفاصيل لدراسة شانا مارشال التي نوهنا لها من قبل.

ونكمل أن نجل اللواء حاتم القاضي هو مدحت القاضي رئيس شعبة خدمات النقل الدولي وهو من خلال موقعه يحتكر تراخيص الأياتا والفياتا وهي التراخيص المطلوبة لمن يعمل بمجال النقل البحري والجوي.

الشاهد هنا من خلال هذا الاستعراض السريع أن نفوذ بل وتحكم الجيش بالقطاع البحري وما يرافقه من شحن وغيره هو نفوذ محض لا يوجد فيه منازعة أو تنافس بشكل يلاحظ وهذا في تحليلنا راجع لما أوردنا بالمقدمة أن داعمي نظام السيسي رؤيتهم أنه مهما اتخذ السيسي من إجراءات فهي ليست كافية لأن المشكلة في تنافس الجيش على الاقتصاد ومطلبهم الأساسي هو رجوع الجيش لصيغة يسيطر ولا يحكم، فوجوده بالقطاع البحري هو تمظهر لهذا، فكون هذا القطاع نفوذ محض له يجعله يتحكم بكل ما يدخل مصر ويخرج منها أكثر من كونه ينافس في الاقتصاد.

على كلٍ بالرجوع لسياق الكلام الأصلي فإن الشق الآخر من مشروع شرق التفريعة هو إقامة ظهير صناعي لقناة السويس والذي كان من المفترض أن تقوم به شركة السويس للحاويات وهي شركة مشتركة بين شركة مولير ميرسك الدنماركية وهيئة قناة السويس بنسبة 12% وإبراهيم كامل، وتعطل المشروع بعيد ثورة يناير.

ولكن قبل أن نناقش أسباب التعطل علينا أن نتوقف قليلاً مع إبراهيم كامل، فهو أحد رجال أعمال جمال مبارك وكان من المروجين لمشروع توريث جمال مبارك بدوائر صنع السياسة الأمريكية، وهو كذلك كان عضوًا بالمجلس الرئاسي المصري الأمريكي ومجلس الأعمال المصري الأمريكي بل هو من مؤسسي هذا المجلس وعند تأسيسيه كان يتنافس على رئاسته مع فريد خميس صاحب مجموعة النساجون الشرقيون ووالد زوجة باسل الباز كما تقدم.

وبنفس الوقت فهو كان وما زال على علاقة وثيقة برأس المال الروسي وكان يوازن علاقته بأمريكا وروسيا عندما كانت الاتحاد السوفيتي، بل وعندما انهار الاتحاد السوفيتي كان من أول من ارتبط تجاريًا بروسيا من خلال تأسيس شركة كاتو أيروماتيك وهي مجموعة متنوعة النشاطات ما بين الاستثمار العقاري والزراعي ولكن كان عمادها الأساسي صناعة الطائرات، وكان هذا عبر حصوله على محرك طائرات عسكرية روسية خرجت من الخدمة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في الزمن الذي تفككت به الترسانة العسكرية الروسية بعيد الانهيار وبيعت قطعة قطعة فهو حصل على عقود توريد محركات طائرة عسكرية ودمجها بهياكل طائرات مدنية وتتم عملية التجميع بمصر.

وبناءً على هذا وسع نشاطاته بالارتباط والتعاون مع المخابرات العامة المصرية  ومن أمثلة هذا الارتباط توسعه بشراء أراضي الضبعة حول محيط مشروع المفاعل النووي المفترض تنفيذه منذ عهد مبارك، وكان متزامنًا مع هذا أنه بشراكته مع مولر ميرسك المناط به تنفيذ مشروع الظهير الصناعي للسويس في نسخته المباركية وبالفعل تم تنفيذ عدة أرصفة بحرية بالعين السخنة قبيل توقفه بعد الثورة، وهو كذلك تربطه عدة مصالح مع حسين سالم في شراكاته مع إسرائيل وإن لم يقف الباحث على تحديد مصالح بعينها.

على كل اتهم إبراهيم كامل بأنه كان المدبر والممول لأحداث موقعة الجمل في خضم الثورة المصرية وبعد تنحي مبارك بفترة وجيزة أصدر المجلس العسكري  بيانًا أنه لن يتهاون أمام ما أسماه الثورة المضادة وكان الاسم الوحيد الذي ذكر بهذا البيان أنه من أركان الثورة المضادة إبراهيم كامل.

ومما روي للباحث من مصادر خاصة أن إبراهيم كامل قابل الفريق عنان بعد هذا البيان ليسأله عما اجترحه ليذكر اسمه خصيصًا، فكان رد الفريق عنان أن عليه رفع يده عن أراضي الضبعة ويتنازل عنها وهو ما كان!

على كلٍ في نفس هذا التوقيت أو متزامن معه تم تقديم بلاغ للنائب العام في وقائع فساد في عقد شركة السويس للحاويات لتنفيذ الظهير الصناعي وبالفعل توقف المشروع من حينه وللطرافة كذلك فإن مقدم البلاغ كان مجددًا مصطفى بكري - قدم مصطفى بكري بلاغه للنائب العام ببداية شهر أبريل لعام 2011 أي بعد شهرين فقط من تنحي مبارك - وتحليلنا هنا أن هذا كان الوقت الذي بدأ به مصطفى بكري ومثله كثيرون من تحويل ولاءهم وارتبطاهم ليكون مع الجيش بدلاً من المخابرات العامة! فهو التقط الخيط ببيان المجلس العسكري لكي يقدم أوراق اعتماده في ولائه الجديدة.

 تصالحت الدولة في عهد السيسي مجددًا مع السويس للحاويات واستأنفت عملها في تطوير الظهير الصناعي مقابل تنازلها عن أرض رصيف بحري بالعين السخنة لصالح الدولة أو تحديدًا لصالح الجيش الثالث الميداني وأن تدخل في عمليات التطوير بربع التكلفة وهو مجددًا يطبق هنا مبدأ الجباية.

وكما حللنا في حالة حسين سالم أن الأمر راجع في التصالح معه لتوظيفه في العلاقة مع أمريكا فنفس الشيء مرجح أن يكون مع إبراهيم كامل في توظيفه مع العلاقة بروسيا، فحتمًا وظفته دولة السيسي في مشروع قومي آخر وهو التعاقد مع الشركة الروسية المنفذة للمفاعل النووي بالضبعة بعد أن خرج من امتلاك أي أراضي هناك، لا سيما أن علاقاته كما تقدم تأسيسها كانت مع القطاع العسكري، وحتمًا وظفته الدولة عندما تدهورت العلاقة مع روسيا بعد حادث تفجير الطائرة الروسية ويرجح تلك الفرضية أن استئناف عمل السويس للحاويات بشرق التفريعة كان بالفعل عقب حادث تفجير الطائرة الروسية بفترة وجيزة.

وهذا تقرير صحفي يتحدث بنفس الفرضية مع ملاحظة أن المعلومات الواردة بهذا التقرير عن علاقة إبراهيم كامل بإسرائيل لم يتسن لنا التأكد منها وبعضها معلومات غير صحيحة حيث كما تقدم شركة كاتو أيروماتيك هي شراكة بين إبراهيم كامل وأطراف روسية وليست إسرائيلية.

على كلٍ بالرجوع للسياق الأصلي فإن من أهم المتنافسين على تنفيذ الظهير الصناعي بشرق التفريعة هو تحالف عدة شركات مصرية وسعودية وإماراتية ولبنانية باسم تحالف أسيك كابيتال وهو تحالف جمعته بالأساس مجموعة القلعة مرة أخرى كما توارد للباحث، وقد شهد توقيع التعاقد بين هيئة منطقة السويس الاقتصادية وهذا التحالف ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز في آخر زيارة له لمصر والتي تم بها توقيع اتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ثم مع توتر العلاقة بين مصر والسعودية راجعت الهيئة تعاقدها مع تحالف أسيك كابيتال وأعادت التفاوض عليه، ثم مؤخرًا تم الاستقرار على هذا التحالف مرة أخرى بعد أن تم تقليل حصته من المشروع، وكذلك يبدو أن النظام الحاليّ تعلم من تجربته مع مواني دبي الدولية فتفادى بهذا العقد أن يمتلك هذا التحالف الأراضي التي سيطور عليها الظهير الصناعي  وهو سينجز الشق الأكبر من المشروع الذي يشمل عدة مناطق لوجيستية وتصنيع أو تجميع سيارات وغيره.

وهذا يقودنا إلى سؤال ما الذي يمكن أن نستفيده من خلال بحث هذا القطاع في نقطة ماهية الخلاف أو التوتر السعودي المصري وتقاطعه كذلك مع علاقة النظام المصري الحالي بإيران؟

فكما قدمنا فإن ميناء العين السخنة والأدبية يخضعان لنفوذ وهيمنة الجيش الثالث الميداني وعمومًا تقليديًا فإن مواني شمال السويس أي بورسعيد والعريش وحتى دمياط تخضع لنفوذ الجيش الثاني الميداني ومواني جنوب السويس وصولاً لشرم الشيخ ونويبع تخضع للجيش الثالث وبعد تكوين القيادة الموحدة لشرق القناة لمكافحة الإرهاب بقيادة أسامة عسكر أصبحت كل تلك المواني تخضع لتلك القيادة الموحدة.

وبهذا الإطار علم الباحث من مصادر خاصة أن هناك خط للنقل التجاري ما بين ميناء بندر عباس الإيراني وميناء العين السخنة يخضع للجيش الثالث الميداني مباشرة وهناك قول آخر أنه يخضع لأسامة عسكر بشخصه أي أن ريع النقل يذهب له مباشرة وإن لم يتوثق الباحث أي من الروايتين أدق، على كلٍ فإن هذا الخط كان ينقل البضائع الإيرانية قبل إلغاء العقوبات لميناء السخنة، بحيث يعاد تصديرها مرة أخرى على أنها مصرية واستمر العمل بهذا الخط حتى بعد إلغاء العقوبات الدولية على إيران.

يجب وضع تلك المعلومة بإطار أن مشغل ميناء السخنة هي مواني دبي الدولية وربطها بعلاقة الإمارات أو تحديدًا إمارة دبي بإيران المتميزة على الصعيد التجاري وأنها أكبر شريك تجاري لإيران في دول الخليج العربي ومن ثم يمكننا بناء فرضية أن الوسيط بتلك العلاقة عند تكوينها كان إمارة دبي.

وكذلك يجب أن نربط تلك المعلومة بسياق آخر وهو توقف شركة أرامكو للنفط والغاز السعودية عن تزويد مصر باحتياجاتها من الوقود وهو القرار الذي كان مثيرًا للاستغراب، حيث إنه كان بعد اتفاقية تيران وصنافير بفترة وجيزة وما لازمها من توقيع اتفاق لتقاسم اكتشافات الغاز بين السعودية ومصر بمضيق تيران.

فبعيدًا عن السياق السياسي في موقف النظام المصري من الثورة السورية حيث لا يوجد دلالة مباشرة للربط بين هذا الموقف والتوتر على مستوى العلاقات الاقتصادية وأي ربط من هذا النوع تعسف بالاستنتاج، فالتحليل المنطقي هو بالرجوع للاتفاقات التي أبرمت في زيارة الملك سلمان لمصر بالتزامن مع تسليم تيران وصنافير للسعودية.

ما يهمنا هنا هو ما تم إبرامه بأن تكون السعودية شبه محتكر لتشغيل خط سوميد لنقل إمدادتها من الوقود لأوروبا، وخط سوميد يبدأ من العين السخنة إلى سيدي كرير بالإسكندرية وهو ما يعني أنه سيتعارض مع مصالح الشبكة التي تعمل على الخط التجاري بين بندر عباس والعين السخنة ومن ثم تنقل أيضًا إمدادات الوقود الإيرانية إلى أوروبا.

ولعل هذا أيضًا يفسر لماذا دعمت أطراف من الدولة - المرجح هنا الجيش - بشكل خفي الاحتجاجات ضد اتفاقية تيران وصنافير بل سربت بنودها للصحافة!

ولهذا عندما حدثت أزمة وقف أرامكو إمدادتها لمصر على الرغم من أن المتحدث باسم وزارة البترول حمدي عبد العزيز نفى استعانة مصر بإيران في سد احتياجتها.

بعد أسبوعين فقط تواردت أنباء أن مصر تتجه لتوقيع عقد مع العراق لسد النقص باحتياجاتها نتيجة قرار أرامكو وهو بالغالب ما سيكون تكرارًا لما حاولت حكومة مرسي تحقيقه وهو استيراد نفط إيراني تحت غطاء أنه عراقي.

على كلٍ فالعامل الثالث الذي يكون منطقيًا ربط توقف إمدادات النفط السعودي به هو أنه كان متزامنًا مع تراجع النظام المصري عن تفعيل قرار تعويم الجنيه كما نشرته بيلتون وهو ما رجعت وطبقته بعدها بشهر ولكن وفق شروط النظام المصري كما تحدثنا بالمقدمة.

فيجب الانتباه هنا كما قدمنا أن خطة الإصلاح الاقتصادي هي بكاملها خطة خليجية وقدمنا بحلقات سابقة أن سلطان الجابر وزير الدولة الإماراتي هو من أوصل مجموعة لازارد بعباس كامل وهي المجموعة المشرفة على تلك الخطة بجميع بنودها.

والسبب واضح وبديهي وهو أن الدول الخليجية التي دعمت نظام السيسي بأحداث الثلاثين من يونيو وما بعده تنظر لهذا الدعم على أنه استثمار وتريد الحصول على نتائجه، ونتائجه ببساطة هو تحول مصر لسوق للخليج وهذا يتطلب أن تشرف دول الخليج على الإصلاح الهيكلي لهذا السوق، فبتحليلنا أن التوتر كان بسبب التلكؤ من النظام المصري باتخاذ إجراءات أكثر حسمًا بهذا الإصلاح وهو ما كان يهدد به السيسي مرات عدة بأنه سيتخذ إجراءات أكثر صعوبة في قادم الأيام وإزاء أي اعتراض فهو قادر على نشر الجيش في ست ساعات!

خريطة صندوق تحيا مصر:

وهذا يقودنا إلى خاتمة تلك السلسلة من الحلقات بالحديث عما تم بالفعل لصالح دعم تلك الإجراءات الهيكلية الخاصة ببنية الاقتصاد المصري.

فتناولنا سابقًا المجموعة الاقتصادية التي استعان بها السيسي من المركز المصري للدراسات الاقتصادية وتناولنا أيضًا استعانته بمجموعة دولية وهي لازارد وتناولنا كذلك التغييرات التي أجراها بقطاع الاستثمار، فبقي ما اتخذه من تعديلات بوزارة المالية لتواكب تلك التغييرات.

فبالتغيير الوزاري السابق عين السيسي وزير للمالية هو عمر الجارحي وأربعة نواب له بصلاحيات وزير، ولأول مرة يحلف نواب وزير اليمين أمام رئيس الجمهورية.

ما يهمنا ذكره هنا هو أن اثنين من هؤلاء النواب أحمد كوجك وهو القادم من البنك الدولي مباشرة لوزارة المالية حيث كان الخبير الاقتصادي الأول للبنك الدولي بالقاهرة منذ يونيو 2013 متزامنًا مع أحداث الثلاثين من يونيو.

فإذًا التحليل أنه انتقل من البنك الدولي لوزارة المالية ليكون مشرفًا على تنفيذ وزارة المالية لخطة الإصلاح الاقتصادي من قبل صندوق النقد نظير القرض.

ويجدر هنا تذكر ما أشرنا إليه بالحلقات السابقة عن أن جون كريستمان المدير الإقليمي لشركة أباتشي للبترول في مصر هو من كون لوبي ضغط من كبريات الشركات الأمريكية لإقناع صندوق النقد لحصول مصر على القرض المتفاوض عليه، وما اتضح لاحقًا بعد إعلان صندوق النقد موافقته أن هذا كان نظير أن يتم سداد مديونيات ومستحقات شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر من الدفعة الأولى من القرض.

فلهذا كان من الطبيعي أن يأتي نائب لوزير المالية من البنك الدولي، حيث إن وزارة المالية في أحد اختصاصتها هي المناط بها حاليًا إدارة مديونيات المؤسسات الحكومية، فأتى أحمد كوجك ليشرف على تنفيذ أين ستذهب كل دفعة من القرض.

والثاني هو عمرو منير وهو شريك بشركة برايس ووتر هاوس بالقاهرة عن السياسات الضريبية وهي شركة الاستشارات المالية التي أشرفت على جميع برامج الخصخصة مع حكومة عاطف عبيد بالتسعينيات، والشركة عمومًا لها سمعة سيئة حيث إنها تتهم بضلوعها في نهب بترول العراق من الشركات الأمريكية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وهي ما زالت حتى الآن المدقق المالي لمؤسسات النفط العراقية وعدد من المؤسسات المالية والمصارف العراقية وما زالت توجه لها اتهامات أنها تيسر غسيل أموال من خلال المؤسسات المالية العراقية.

أما وزير المالية نفسه عمرو الجارحي فيأتي من بنك الاستثمار القومي ويجب الالتفات في قرار تعيينه لعاملين الأول أنه بعهد تولي بطرس غالي لوزارة المالية بعهد مبارك حدث تهميش لأدوار بنك الاستثمار القومي وهو الذي كان مناط به تقليديًا إدارة سندات الديون المصرية وكذلك إدارة عوائد أموال التأمينات والمعاشات إلى أن نزع منه بطرس غالي تلك المهمة والراجح أن يعود بنك الاستثمار القومي بعد هذا الربط إلى إدارة سندات الدين القومي.

والعامل الثاني أنه بعد تولي عمرو الجارحي مباشرة لوزارة المالية بدأت شركة إن أي كابيتال التابعة لبنك الاستثمار القومي في طرح الأصول المملوكة للدولة للتداول بالبورصة المصرية والبورصات الدولية، وبالتدقيق فإن هذا الطرح تم في بورصة دبي، بمعنى لاستكمال استحواذ دول الخليج على السوق المصري ستكون الخطوة القادمة هي امتلاكها لأصول الدولة بالبنية التحتية وقطاعي الكهرباء والنفط إما مباشرة وإما عبر شركاتهم.

وهنا علينا تذكر مجددًا أن من أعلنوا استعدادتهم لدخول قطاع الطاقة حال تم خصخصته أو طرحه للتداول كانت مجموعة القلعة وهي من قبل كذلك عندما كانت حكومة مرسي تسعى لسد احتياجتها من الغاز من قطر أعلنت استعدادها وقدراتها إقامة مصفاة للغاز القطري أمام السواحل المصرية، والشركة الأخرى التي أعلنت استعدادها للدخول بالقطاع وتحديدًا قطاع الكهرباء للمنازل كانت أوراسكوم وبهذا يكتمل لدينا صورة تشابكات الجيش مع رأس المال.


خاتمة جنرالات الذهب.. لقد بدأنا نخدش السطح قليلًا

من خلال الاستعراض السابق في الحلقات الماضية يتضح لنا مأزق ما يسمى الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري بجميع مراحله كتعويم الجنيه والاقتراض من صندوق النقد وتحرير الأصول المملوكة للدولة والإصلاح المؤسسي.

فخطة تعويم الجنيه بشكل رسمي والذي كان من المفترض أن تحدث في شهري سبتمبر أو أكتوبر من العام الماضي ولكنها حدثت في نوفمبر، نموذجًا لتلك الأزمة، فالخطة التي أعلنتها مجموعة بيلتون أو تحديدًا هاني جنينة مدير البحوث في بيلتون كان من المفترض أن يتم تطبيقها وهي التي يرى داعمو النظام الخليجيين أنه لا يمكن التأخر فيها، ولكن لاعتبارات الاقتصاد السياسي وقاعدة ولاء الجيش المباشرة التي كونها عبر عقود، فإنه لا يمكنه التنفيذ الحاسم، لذلك تراجع عن الخطة بشكلها الذي أصدرته مجموعة بيلتون، وهو بتحليلنا السبب الأساسي لرد السعودية بوقف الدعم النفطي، وليس السياسة الإقليمية تجاه سوريا بشكل كامل، وهي الأزمة التي ستستمر بشكل أو بآخر ويمكن فعلاً أن تهدد نظام السيسي مستقبلاً!

والآن بعد أن طبق النظام السياسي المصري سياسة تعويم الجنيه، تتضح أكثر فكرة السيطرة التي شرحناها في مثال حفر قناة السويس الجديدة وأن هدف النظام الأول هو ضمان سيطرة الجيش على قاعدة من شرائح اجتماعية واقتصادية عديدة، يحل بها الجيش ليكون التنظيم السياسي في مصر دون الاحتياج لحزب جامع على نمط الاتحاد الاشتراكي أو الحزب الوطني، وكيف سيتعامل نظام عبد الفتاح السيسي مع أي ملف يتقاطع فيه الجيش والاقتصاد عمومًا.

فالنظام المصري عندما طبق سياسة التعويم التي يُضغط عليه لتنفيذها من قبل المجتمع الدولي وحلفائه بالخليج وخاصة الإمارات قد طبقها بالشكل الذي يضمن له تلك السيطرة، فأولاً، هناك جدل بشأن ما إذا كان النظام بمصر قد طبق تعويمًا كاملاً أو تعويمًا جزئيًا أو ما يسمى "بتعويم مدار"، والراجح أن ما حدث بدقة هو هذا التعويم المدار، وهو أن يطرح البنك المركزي سعرًا مبدئيًا حسب عطاءات محددة بمبلغ محدد من الدولارات، ومن ثم يضخه في البنوك التجارية بحسب سياسته النقدية والمالية.

وقد بدأ عطاء البنك المركزي في عملية التعويم الحالية بسعر 13 جنيهًا للدولار ثم ارتفع لاحقًا حتى وصل لـ18 جنيهًا وسيكمل الارتفاع على الأغلب حتى نهاية العام الحاليّ إلى 20 جنيهَا والمفترض أن يرجع للانخفاض في الربع الثالث من السنة المالية.

وقد سبق هذا "مناورة" قام بها البنك المركزي بإشاعة أنه سيضخ دفعة من الدولار بالبنوك مع رفع لسعر الجنيه جعل المضاربون يزيدون من عرضهم للدولار ومن ثم يودع الأفراد في البنوك مع شائعات عززت تلك العملية ثم باليوم التالي أتى قرار التعويم.

وبعد قرار التعويم حصل العكس حيث اضطر المضاربون إلى خفض سعر عرضهم للدولار حتى قل الفارق في ثاني يوم عمل بعد قرار التعويم الأحد 6 من نوفمبر إلى نحو خمسين قرشًا بين ما يعرضه البنك وما يعرضه المضارب.

الهدف هنا ببساطة أن هناك شريحة تراها الدولة خارج سيطرتها وهي شريحة المضاربين تريد إما السيطرة عليها أو إزالتها، وقد حاولت الدولة منذ 30 من يونيو أو تحديدًا منذ أن بدأت أزمة نقص الدولار بعد تراجع عائدات السياحة وأعمال العنف وأن ودائع ومنح الخليج الدولارية إما ذهبت إلى احتياطي الجيش من الدولار أو ضخت لمعالجة أزمة الطاقة - وهذا موضوع يحتاج بحثًا بشكل مستقل - وعدة عوامل أخرى، مجابهة تلك الشريحة من المضاربين بعدة إجراءات مثل الرفع الجزئي للعملة عدة قروش بكل مرة أو وضع تقييدات على التحويلات الدولارية للخارج سواء كان للأفراد أو للاستيراد أو حتى الحل الأمني الصرف بإغلاق العديد من الصرافات واتخاذ إجراء بتطبيق الفائدة السلبية، والفائدة السلبية هي أن يكون مستوى الفائدة دون الصفر أي أن الشخص عندما يودع بالبنوك يدفع فائدة على هذا الإيداع وهذا لتسهيل عملية الاقتراض وتسهيل عملية التداول المالي من خلال الجهاز المصرفي كحل أخير تتخذه الدولة بالأزمات مع ما يرافق هذا التدبير من تضخم مضاف التضخم الحاصل بسبب انخفاض قيمة الجنيه.

ولكن كل تلك الإجراءات لم تفلح على كل حال في الحد من ظاهرة المضاربين فكان الإجراء الأخير الذي اضطرت له الدولة وكانت ستفعله حتى لو لم يكن هناك قرضًا من صندوق النقد تسعى له هو أن تفعل هذا التعويم المدار حتى تخفض قيمة الجنيه بشكل يداني أو يقترب من السعر المعروض بالسوق السوداء حتى يتم اللجوء إليها بدلاً من تلك السوق السوداء.

بعبارة أخرى فالنظام السياسي المصري يتصرف بطريقة أنه إذا لم يستطع القضاء على السوق السوداء للعملة فيصبح الجهاز المصرفي للدولة هو نفسه السوق السوداء!

وهذا ليس تعبيرًا مجازيًا بل هو الواقع فعلاً الآن، فالبنوك بعد قرار التعويم وبعد أن أصبح متاحًا لها أن تلبي طلبات شراء الدولار لعملائها ألغت اشتراطات السجل التجاري لعملية الشراء المطلوبة وهو ما فتح الباب لعمليات غسيل أموال على نطاق واسع من خلال البنوك بدلاً من السوق السوداء وترجيحنا أن هذا كان مقصودًا حدوثة من قبل الدولة وليس حادثًا عرضيًا.

وعمومًا هناك تجارب سابقة لمثل هذا في أنظمة اقتصادية مشابهة لمصر من حيث السيطرة العسكرية وأبرزها النظام التركي الذي تعد تجربته من أنجح تجارب الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط، فقبل حكومة العدالة والتنمية كانت تركيا هي أحد الملاذات المفضلة لعمليات غسيل الأموال على مستوى العالم، وكان هذا برضى أو تغاضي المكون العسكري بتركيا لا سيما بعد أن أقال حكومة أربكان في انقلاب ناعم وربما من قبل هذا تحديدًا بفترة الثمانينيات عقب انقلاب عام 1980 وقد كون هذا ظاهرة ما يعرف بالأموال الساخنة، أي أن أصحاب المصالح غير القانونية يضخون رؤوس أموال بالبورصة التركية بغرض جعل لها شرعية قانونية ثم يعاد سحبها فجأة من الاقتصاد التركي، مما كان يسبب انهيارات متتالية في الاقتصاد التركي، صاحبه أيضًا انخفاض حاد في قيمة الليرة التركية.

ومن أبرز تلك الانهيارات ما حدث عام 99 بعد عام واحد من الانقلاب على أربكان  وقد كانت تلك الأموال الساخنة من مصادر إسرائيلية أكثر من غيرها، ولهذا كانت على أولوية الأجندة السياسية للعدالة والتنمية بعد صعوده للسلطة هو كيفية علاج ظاهرة الأموال الساخنة التي توصف بالقدم الرابعة بالاقتصاد التركي، وكذلك معالجة الانخفاض الحاد بالليرة التركية عبر عدة إجراءات اضطر بأحدها عمل تصحيح للعملة بخصم ثلاثة أصفار منها أي أن تصبح الألف ليرة في النظام القديم مساوية لليرة واحدة بالنظام الجديد.

وهذا يقدم دلالة على المدى الذي انخفضت إليه الليرة التركية بفترات سيطرة المركب العسكري! ويمكن الاطلاع هنا: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/be53fe8c-0ad0-4b19-be91-7bd578a0cdce
 على شرح موجز لظاهرة الأموال الساخنة بتركيا سابقًا والتي يرجح الباحث تجدد تكونها بمصر خاصة بالعلاقة الاستثنائية على المستوى الاقتصادي والسياسي بين النظام المصري الحاليّ وإسرائيل والتي نوهنا لبعضها في أثناء البحث.

على أي حال من غير المتوقع أن تختفي ظاهرة المضاربين قريبًا لأسباب عديدة أهمها أن بالنهاية ما تسميهم الدولة مضاربين هم بالنهاية عموم الناس بمصر وخاصة منهم العاملين بالخارج من خلال تحويلاتهم لداخل مصر والتجار بالسوق السوداء يتعاملون بالأساس على تلك الفئة، ولعل هذا هو صلب الأزمة في الاقتصاد السياسي لمصر حاليًا وهو سعي النظام السياسي من خلال الجيش السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه وهو حركة عموم الناس خارج دوائره الرسمية و"النظامية".

والسبب الآخر أن المضاربين يدخلون في متوالية تنافس على زيادة السعر مع النظام البنكي بمعنى أنهم يزيدون بهامش قليل ثم ينتظرون حتى تكون الحصيلة الدولارية المتداولة أكثر من المودع بالبنوك، ثم يمسكون بالعرض حتى يضطر البنك إلى الرفع مجددًا وهكذا في متوالية لا يقابلها إعادة الوصول لنقطة تواصل مثل أي منحنى عرض وطلب طبيعي، وهذا بحث يشرح تلك المسالة بتوسع وتطبيقها على السوق المصري بعد قرار التعويم.

على كلٍ فإن البنوك في التطبيق العملي للقرار اتبعت عدة تدابير أولها أنها، متزامنة مع هذا القرار، رفعت سعر الفائدة بشكل قياسي، وتشتري الدولار ولا تبيعه إلا لكبار عملائها أو ما يمكن وصفهم بالكارتيل cartels وهؤلاء أيضًا يخسرون من هذا القرار، فعندما بدأت عملية للاستيراد مثلاً أو غيرها كان سعر الدولار بـ8.8 جنيه والآن بسعر 18 جنيهًا فصاعدًا فيكونون قد خسروا نصف رأس المال الذي أنفق!

وهذا يتماشى مع ما ذكرناه أعلاه في نموذجنا التفسيري الذي يقترح أنها سياسة متعمدة من الدولة لتقزيم رأس المال الكبير وجعله يتضاءل، وبنفس الوقت بمعدل فائدة عالٍ عكس قرار الفائدة السلبية السابقة سيجعل الاقتراض وعملية التداول والتدوير للدولار بالسوق تحت سيطرته، فهو بهذا تصور النظام السياسي سيعطيه تحكم بجميع عمليات التداول بالسوق المصري وليس فقط ما تم تفسيره بحركة المضاربين أو تجار الضوضاء كما يسميهم الرابط أعلاه، كما أن هذا يرفع تدريجيًا الحصيلة الدولارية لدى البنوك أعلى من المعروض بالسوق غير الرسمية وهي عمومًا أحد المتطلبات الموضوعية لعمليات الأموال الساخنة.

ولمزيد من شرح هذا الأمر فالمتطلبات الموضوعية لظاهرة الأموال الساخنة وهي كما شرحنا أموال تدخل بهدف المضاربة السريعة بالبورصة أو سندات الدين الحكومية والتي كما نوهنا تم طرحها مؤخرًا بالبورصات العالمية وتحديدًا بورصة دبي أو الإيداع السريع بالبنوك بهدف الحصول على فارق الأسعار بين أول مضاربة وآخر مضاربة بحالة البورصة، وقد بدأ مؤشرها الرئيسي بالارتفاع  بعد قرار التعويم وإزالة التقييدات على التداول أو الاستفادة من سعر الفائدة العالي بحالة الإيداع بالبنوك ثم التخارج سريعًا بعد الحصول على هذا الفارق، وهي إما أموال شرعية أو أموال قذرة على السواء، ولكن من كان يقوم بهذا الأمر في مصر قبل قرار التعويم كان ما يمكن تسميته بالأموال القذرة أو غير الشرعية ولكن بشكل مصغر حيث إنها كانت تعمل بشكل أساسي قبل قرار التعويم في المضاربة على الأصول العقارية وما نرجحه أنها ستتوسع بالفترة القادمة في آلية الأموال الساخنة أكثر من أي شكل آخر.

وللتفرقة فإن ظاهرة الأموال الساخنة إما أن يقوم بها رأس مال كبير محلي أو أجنبي أو مستهلك عادي، فرأس المال الكبير ما يحتاجه هو توفر احتياطي دولاري يمكنه شراءه أو عدم وجود تقييدات على تحويل الدولار للخارج وهو ما بدأ يتحقق له الآن.

أما المستهلك العادي فهو يبحث عن مستودع للقيمة أمام التضخم الحاد الذي يفرضه قرار مثل تعويم الجنيه وارتفاع سعر الفائدة، فبالتالي مع ندرة حصوله على الدولار كمستودع للقيمة كما تقدم يبدأ بالبحث عن الأصول العقارية وانتشار تداول الأصول العقارية إما يخفض قيمتها أو الأسوأ يحدث حالة فقاعة عقار، فبالتالي يبدأ باللجوء لأي وسيلة للإنفاق المباشر والحصول على هامش الربح وهو ما توفره ظاهرة الأموال الساخنة.

كما أن سبق التنويه أن التجربة التركية وغيرها يغلب عليها أن من يقوم بتلك الآلية من رأس المال عادة إما رأس مال أوروبي أو إسرائيلي، فبالتالي سترى السلطة عمومًا أنها آلية لضخ رأس المال الأجنبي بمصر طالما لا تتوفر بعد الشروط الموضوعية للاستثمار المباشر وخاصة الإسرائيلي لأسباب سياسية أو بمعنى أدق كجزء من اقتصاده السياسي، ولهذا فالرؤية التي تقترح أن الجيش يعمل بالاقتصاد كعمل من أعمال السيادة أو لتطبيق منظوره للأمن القومي لها وجاهة بالتفسير هنا أيضًا.

على أن أهم ما يتبع هذا القرار وقد بدأ بالفعل وهو استغلال النظام السياسي لحالة الشلل المؤقتة التي ينتجها هذا القرار في "الانتشار السريع" بحسب التعبير العسكري بالمساحات والقطاعات التي يتنافس بها مع غيره من رأس المال أو الأهم بقية مكونات قطاع الدفاع والأمن خاصة بالطبع المخابرات العامة.

فحتى الآن، منذ قرار التعويم بدأ الجيش يحقق انتشارات واسعة بقطاعات متنافس عليها، فأولاً بدأ يوفر السلع الأساسية بقطاع التموين والغذاء مباشرة للجمهور بدعوى مواجهة التضخم، وهذا نموذج بعزبة الهجانة مثلاً، فهو بهذا يرى أنه يستطيع أن يكسب مساحات في تنافسه مع شبكة القمح والسكر التي شرحناها التابعة للمخابرات العامة، متزامن مع هذا فإنه اخترق مساحة أخرى مرتبطة بهذا عندما أُسند إليه تكوين قاعدة البيانات الخاصة بالكروت الذكية للتموين، وبنفس الوقت سيكون، أو قد بدأ بالفعل، بتمدد آخر بمساحة متنازع عليها وهي مساحة قطاع الصحة، فقرار التعويم سيضطر شركات الدواء إلى رفع تسعيراتها وهو ما طالبت به وزارة الصحة ولم يستجب الوزير، بالتالي أنتج هذا مباشرة أزمة في توفر أدوية حيوية مطلوبة بالمستشفيات، ولما كان الجيش في إطار تنافسه على السيطرة على قطاع الصحة مع المخابرات العامة قد أوكل إلى نفسه مناقصات مستلزمات المستشفيات الجامعية من الدواء، بالتالي من المتوقع أنه بعد اشتداد الأزمة سيبدأ الجيش بطرح مستلزمات دوائية كما فعل من قبل بأزمة لبن الأطفال وبالتالي لكي يوقف احتكاره أو ضخه للدواء سيجبر مصنعي ومستوردي الدواء بمصر أن يخضعوا لهيمنته بدلاً من ارتباطهم بالمخابرات العامة من خلال لجنة السياسات الدوائية.

والمساحة الثالثة التي تمدد بها الجيش لأول مرة بعد أقل من أسبوع من قرار التعويم هي مساحة الحديد الصلب حيث كما تقدم مع ندرة توفر الدولار ووجود احتياطات دولارية خاصة للجيش خارج إطار البنك المركزي، فالجيش أو تحديدًا جهاز الخدمة الوطنية، استطاع الاستحواذ على شركة صلب مصر وهي ثاني شركة بقطاع الحديد الصلب بعد حديد عز، ولكونها شركة مطروحة بالبورصة، فتكون الآن أول شركة يسيطر عليها الجيش لها تداول بالبورصة وهو ما يعزز ثقة الجيش بارتفاع البورصة بعد قرار التعويم ويمكن الاطلاع على تفاصيل الصفقة هنا: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/be53fe8c-0ad0-4b19-be91-7bd578a0cdce
  ، وبهذا يحقق النظام السياسي المتماهي مع القوات المسلحة تحجيمًا بقطاع آخر به رأس مال كبير مثل أحمد عز ورأس مال مرتبط بالمخابرات العامة وليس به مثل أحمد أبو هشيمة لم يكن ليدخله لولا قرار التعويم وما أعقبه من شلل لترقب الآتي.

وبناء عليه، فإن قرار التعويم وتطبيقه وما ترتب عليه يجعل نموذجنا التفسيري المقترح قادرًا بشكل عملي على التفسير المستقبلي للنشاط العسكري بالاقتصاد المدني.

ومن ناحية أخرى يمكننا التكهن أن الجيش يعول على فكرة حافة الهاوية فقرار مثل تعويم الجنيه هو بالفعل حافة هاوية، فأي عمل احتجاجي سيؤدي إلى وضع أكثر سوءًا بشكل كارثي عن أي صعوبات اقتصادية ومعاشية حالية، ومن ناحية أخرى فهناك قرض مرتقب من صندوق النقد لمصر تمت الموافقة عليه، والمؤمل منه أن يؤدي لبدء التحسن بالحالة الاقتصادية خلال العام القادم.

ومن ناحية أخرى ففي ظل الأزمة الاقتصادية التي أحدثتها القيادة السياسية المتماهية مع القوات المسلحة، فالقوات المسلحة هي نفسها التي تجعل نفسها المخرج الوحيد للأزمات المباشرة، مثلما شرحنا في أنها من وفرت لبن الأطفال وهي من وفرت السلع التموينية في ظل تضخم سعرها وغيابها أصلاً كالسكر وما هو مرتقب من توفيرها للدواء الناقص.

فلهذا كله ترى القيادة السياسية أن تعاملها مع الأزمات المشابهة يرسخ ويعزز قاعدتها الصلبة في ولائها وارتباطها الوجودي بالجيش والتي بدأت تكوينها منذ حفر قناة السويس الجديدة وليس العكس، أي أنه يمثل مصدر تهديد لها، ومن ناحية فإن إدارتها للأزمة يوفر لها التقدم بمساحات نفوذ منافسيها من قطاع الدفاع والأمن ورأس المال الكبير.

وإذا لم يفلح كل هذا، فالجيش قبيل يمكن نشره بكل مصر على حد تعبير عبد الفتاح السيسي  حيث قال إنه يستطيع " فرد " الجيش في ست ساعات بعدما ضمن ولاء الجيش المطلق وأن مصالح الجيش هي ذات مصلحة السيسي وأن نظام السيسي هو نظام الجيش على النحو الذي اتضح لنا في الاستعراض بالحلقات الماضية، وتعامل الجيش مع أي مهدد لنظام السيسي سيكون الحل الأخير!

خرائط جنرالات الذهب مجمعة:


يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل