هذه دعوة للعمل على مناهضة قوى الظلام

واستمرار ركب الحضارة الحديثة

This Is A Call To Work Against The Forces Of Darkness And For Promotion Of Modern Civilization


أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

الشيوعية المصرية

سمير أمين

عندما توجهت لباريس في عام 1947، لم أكن أعرف شيئاً عن المنظمات الشيوعية المصرية، أو تاريخها. ولم أتعرف عليها إلا من بعض أعضاء حدتو الذين طردوا من مصر، وانتقلوا إلى فرنسا منذ 1947، أو 1948، وخاصة يوسف حزان وشقيقته ميمي، وأندريه بيريسي، وآخرين. ولم ألبث أن سمعت وجهة نظر أخرى تنتقد حدتو من إسماعيل، ومصطفى صفوان، وريمون أجيون، الذين قابلتهم في دورية "الشرق الأوسط" التي تحدثت عنها أعلاه. وبالتدريج مِلت إلى وجهة النظر التي تنتقد حدتو، وعندما تقرر إنشاء حزب جديد، هو الحزب الشيوعي المصري، الذي عرف باسم صحيفته وهي "راية الشعب"، قررت الانضمام لهذا الحزب. وقد انضممت للحزب رسمياً في عام 1952، وكما قلت من قبل، كنت أقوم ببعض المهام لهذا الحزب في باريس حلال الفترة من 1952، وحتى 1957. فكنت أتلقى تقارير الحزب التي تحلل الأوضاع، وأقوم بترجمتها للفرنسية تمهيداً لنقاها للحزب الشيوعي الفرنسي، وعن طريق ريمون أجيون عادة، للحزب الشيوعي الإيطالي. وعند مرور فؤاد مرسي بباريس (ولا أذكر التاريخ بالضبط)، ترك لي رزمة من مطبوعات الحزب الشيوعي المصري، وحدتو، وطلب مني إعداد تقرير يقارن بين آراء التنظيمين بما يتمشى مع وجهة نظر الحزب. وقد قمت بهذه المهمة بأسلوب جدلي رصين أعجب فؤاد، وهكذا تبنت قيادة الحزب هذا التقرير. وقد سلمت جميع هذه الوثائق (مجلات ومنشورات الحزب الشيوعي المصري، وحدتو) إلى لجنة توثيق الحركة الشيوعية المصرية، كما أرسلت نسخة منها لمعهد التاريخ الاجتماعي بأمستردام، الذي يقوم بجمع كل ما يتعلق بتاريخ الحركات العمالية والاشتراكية في العالم أجمع.
وقد تعرفت بعد ذلك، على الكثير من قدامى المناضلين في الحركة الشيوعية المصرية، والكثير ممن بقيوا منهم على قيد الحياة، موجودون حالياً في حزب التجمع (حزب اليسار المصري الذي يرأسه حالياً رفعت السعيد، ورئيسه الشرفي خالد محيي الدين). وقد نُشرت كتب كثيرة عن تاريخ الحزب الشيوعي، منها كتب رفعت السعيد (وهو من أعضاء حدتو)، وكذلك ذكريات عدد من الأعضاء القدامى مثل شريف حتاتة، وديدار فوزي، وغيرهما، وكذلك مقابلات وتسجيلات لذكريات. وفي رأيي أن هذا التاريخ لم يكتب بعد. وذلك لا لمجرد أن أغلب هذه الشهادات متحيزة، بشكل صارخ في بعض الحالات، للأصول التي ينتمي إليها أصحابها، وهو أمر مفهوم بالطبع، بل ومقبول، ولكن لأن أصحابها لم يهتموا بإعادة قراءة هذا التاريخ بروح انتقادية (وبالتالي بروح النقد الذاتي)، وفي ضوء مرور الزمن القيام بتحليل موضوعي غير متحيز للرؤى والاستراتيجيات الصريحة أو الضمنية، للمجتمع المصري، بل والاتحاد السوفييتي. ويلفت نظري أنه لا يوجد تقريباً في هذه الشهادات شيء يخص الاتحاد السوفييتي، فهو يبقى الفردوس البعيد للاشتراكية، ولا يهتم أحد بمشاكله. وينطبق هذا بشكل أكبر على الصين، والماوية التي تكاد تكون مجهولة. وقد لاحظت أن "الخطاب ذو الخمس وعشرين نقطة" الذي وجهه الحزب الشيوعي الصيني للحزب الشيوعي السوفييتي (1963)، وكذلك الجدل الذي صاحب صياغة الاستراتيجية الماوية "لنظرية العوالم الثلاثة"، والتي اختُصِرت – على الطريقة الصينية المعتادة – في المقولة: "الدول تطلب الاستقلال، والأمم تطلب التحرر، والشعوب تريد الثورة"، التي تنادي بالتعبير عن قضايا السلطة، والثقافة، وصراع الطبقات، بشكل جديد يختلف عن أسس الثورة الثقافية ("البرجوازية ليست خارج الحزب، بل هي داخله")، تبقى جميعاً مجهولة للشيوعيين المصريين والعرب، أو معروفة بشكل عمومي، وعن طريق التشويه – إن لم يكن التزوير – الذي تفننت فيه الدعاية السوفييتية.
ولا أنوي هنا أن أجتزئ أو أفسد كتابة هذا التاريخ، والذي آمل أن يحظى بجهد جاد لكتابته (وأفضل وضع هو أن يقوم عليه فريق من المؤرخين الأكفاء)، ولا أن أتابع المجادلات الماضية، رغم أن البعض من القدامى لا يتصورون التوقف عن ذلك. وأكتفي هنا بالقول إن هذا التاريخ في مجموعه، كان مجيداً، وأن من شاركوا فيه كانت أغلبيتهم الساحقة من أفضل أبناء مصر، والأكثر إحساساً بمأساتها، والأكثر شجاعة في النضال لمواجهة هذه المآسي. وهذا لا يستبعد أن البعض منهم أخطئوا هنا أو هناك، أو أنهم جميعاً قد أخطئوا، بمعنى أن الحركة في مجموعها ارتكبت أخطاءً. أو على الأقل، أن الآراء تأخذ في حسبانها اليوم، ما حدث من تطورات تاريخية.
لذلك سأكتفي هنا بذكر القضايا الرئيسية التي واجهت الحركة الشيوعية (القضية الفلسطينية، وقضية الوحدة العربية، وقضية علاقتها بالمشروع الناصري)، لأوضح وجهة نظري اليوم بشأن موقفها من هذه القضايا، وخاصة القصور في هذه المواقف.
لقد كانت القضية الفلسطينية مصدر انشغال رئيسي ودائم لنا. وقد أثار موقف الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1947، بقبول تقسيم فلسطين، والذي أيدته جميع الأحزاب الشيوعية في حينه، بما فيها الأحزاب الشيوعية العربية، محلاً للكثير من المناقشات والصراعات. كذلك أثارت، فيما بعد، الكثير من النقد الذاتي، المخلص بلا شك، ولكنني لا أجد لهذا النقد الذاتي ما يكفي من المبررات، أو حتى الحجج. لقد أدانت الدولية الثالثة، والحركات الشيوعية المصرية والعربية، بحق الصهيونية، التي رأت فيها باستمرار، لا مجرد كونها حركة قومية عنصرية، وإنما أنها تخلق مستعمرة في فلسطين تنكر حق الوجود نفسه لسكان البلاد "الأصليين" من الفلسطينيين. ومن حق الحركة الشيوعية المصرية اليوم، أن تفخر بأنها منذ الأربعينيات من القرن الماضي، دعمت التيار المعادي للصهيونية لدى اليهود التقدميين في مصر. بناءً عليه لا أرى محلاً للنقد الذاتي في هذا المجال، حتى إذا أخذنا في الاعتبار الجهود المحمومة للدعاية الصهيونية للخلط بين معاداة الصهيونية، ومعاداة السامية.
أما موضوع تقسيم فلسطين فيحتاج، في المقابل، إلى نظرة أكثر تدقيقاً. وفي هذا المجال، علينا ألا ننسى (الأمر الذي يتناساه الكثيرون في الجدل الدائر حول الموضوع) أن الاتحاد السوفييتي والقوى الديمقراطية العربية، والفلسطينية، والمصرية، قد أيدت في أول الأمر، قيام دولة فلسطينية مستقلة، علمانية موحدة تضم جميع سكان البلاد، بمن فيهم اليهود الذين هاجروا حديثاً للبلاد. وكان ذلك تنازلاً كبيراً في حد ذاته. أما الصهيونية فكانت ترفض دائماً هذا الحل، وبمساندة دولة الانتداب التي سمحت لها بالتسلح، وتكوين "دولة داخل الدولة"، في حين كانت تنزع سلاح حركة التحرر الوطني الفلسطينية، خلقت جواً من الإرهاب والعنف داخل البلاد، دفع لجنة التحقيق التي أرسلتها الأمم المتحدة لتقصي الأوضاع في يونيو 1947، لاقتراح تقسيم فلسطين (وكانت الوكالة اليهودية قد صرحت في 4 أغسطس 1946: "باستعدادها لمناقشة اقتراح بإقامة دولة يهودية قابلة للحياة على جزء مناسب من فلسطين")، وكان هذا التقسيم قد صار أمراً واقعاً لمصلحة المشروع الصهيوني التوسعي. ويمكن المجادلة بأنه في ظل هذه الظروف، كان قبول التقسيم، من الناحية التكتيكية، أفضل الحلول السيئة، للحد من الضرر (وكان جروميكو قد اقترح: "إقامة دولة عربية يهودية موحدة في فلسطين، فإذا تعذر ذلك، تقسيم البلاد إلى دولتين"). وألاحظ أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أقر التقسيم قد ساندته جميع البلدان الغربية، وكذلك بلدان العالم الاشتراكي، ورفضته جميع البلدان الأفريقية والآسيوية الأعضاء في المنظمة في ذلك الوقت. ولعل بعض الاعتبارات التكتيكية العامة هي التي جعلت الاتحاد السوفييتي ينضم إلى خطة التقسيم، فقد كان في حينه يعاني من عزلة كبيرة في المجال الدولي، ويحاول جاهداً كسر الاحتكار الذري للولايات المتحدة. ولعل انضمام الشيوعيين المصريين لهذا التكتيك، يستحق المناقشة، ولكن يبدو لي أن "النقد الذاتي" فيما بعد، قد قلل من تقدير تعقد الظروف في عام 1947/48، وأنه بالغ في تشدده.
لقد كان للحركة الشيوعية المصرية في مجموعها، مواقف سليمة فيما يتعلق بقضية الوحدة العربية، فهي لم تقبل أبداً بنظرية الأمم العربية المختلفة، والاعتراف "بالدول" كالهدف النهائي لمشروع التحرر. ولكنها لم تُغفل أبداً الخصوصية الإقليمية الموروثة عن تاريخ يسبق بكثير التقسيم الإمبريالي للعالم العربي، ولم تتبنَ أبداً النظريات المثالية للقوميين من أنصار الجامعة العربية بهذا الشأن. وفي حين كانت الحركات الوطنية للبرجوازية المصرية (ممثلة أساساً في الوفد)، والسودانية (ممثلة بالاتحاديين)، تتجاهل الخصوصية السودانية، كانت الحركة الشيوعية المصرية، والسودانية، تحددان استراتيجيتهما في الكفاح المشترك للشعبين الشقيقين ضد العدو المشترك الخارجي والداخلي. وفيما بعد، عندما كونت مصر وسوريا الجمهورية العربية المتحدة (1958)، وبعدها عندما لاحت فرصة تقدم هذه الوحدة بعد قلب النظام الملكي العراقي، لم تتوانَ الحركة الشيوعية المصرية عن توجيه الانتقاد لأساليب النظام الناصري المعادية للديمقراطية، التي تتجاهل الواقع الخصوصي لكل من البلدان المعنية. وقد أثبت التاريخ صحة موقفنا، فقد كانت هذه الأساليب مسئولة لحد بعيد عن فشل هذا المشروع. أما الاختلافات التي وقعت بين بعض المنظمات الشيوعية بهذا الشأن، فتبدو لي كمجرد اختلافات في الظلال: فالبعض (حدتو) كانوا يخففون من نقدهم لجمال عبد الناصر، في حين كان الآخرون (الحزب الشيوعي المصري) يؤيدون موقف عبد الكريم قاسم، الرئيس العراقي وقتها، بوضوح. ويبدو الموقفان – لي اليوم – أضعف مما يجب، وإن كانا يدخلان في إطار الخط السياسي الصحيح.
وكان من الواضح لنا جميعاً، أن تعدد التنظيمات الشيوعية طوال الفترة من تاريخ إحيائها (في 1942)، وحتى الحل الذاتي للحزبين في 1965، أمر غير مقبول. وكان الجدل العنيف بين هذه المنظمات يرجع إلى الخلافات الشخصية بأكثر مما يعود للدراسة الجادة للاختلافات في التحليل والاستراتيجية. وأتساءل اليوم، ما إذا كان الجري وراء الوحدة (أو بديلها وهو أن تفرض إحدى المنظمات نفسها في الواقع)، كان نتيجة لسيادة فكرة "الحزب" الوحيد، والحائز بالضرورة على "الخط الصحيح". ولعل سيادة موقف يتقبل الديمقراطية في الحركة، سواء أكانت داخل الحزب الواحد، إذا كان كذلك بالفعل، أو داخل "الأحزاب"، كان سيخلق مناخاً أكثر مواتاة للنقاش، دون استبعاد قيام جبهة مشتركة في الكثير من المجالات.
ومع ذلك، فتعدد المنظمات كان يخفي تقديراً مختلفاً للاستراتيجية العامة للثورة الحالة في تاريخنا. فكان البعض يعطي الأولوية للتحرر الوطني - وأنا أستخدم هنا تعبيرات قد تبدو متطرفة، ولكنني أرجو ألا تؤخذ في إطار الجدل – بالقول إن مصر، طبقاً لتحليلهم، تحتاج إلى الثورة البرجوازية الوطنية الديمقراطية. في حين ركز الآخرون على الإمكانية، القريبة والضرورية من وجهة نظرهم، للانتقال من هذه المرحلة إلى بناء الاشتراكية. ولا أظن انه من الممكن تحديد اسم أي من المنظمات المختلفة تعود لأي من هذين الخطين الفكريين، وقد مرت جميعها بهما، حتى وإن كانت الدوجماطيقية الأيديولوجية السائدة في تلك المرحلة تمنع من رسم الخطوط الواضحة لها. وكانت جميع المنظمات تستخدم أسلوب "الاقتباسات"، من مواقف الاتحاد السوفييتي، أو قراءة "الديمقراطية الجديدة" لماو (1952)، الخ. وأدي التباس الجدل، إلى جانب المشاكل "الشخصية"، إلى هشاشة الوحدة وقصرها (عام واحد، 1958)، وإن كنا فرحنا جميعاً لتحقيقها أيامها.
وأدى انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952، ثم تبلور الناصرية على مراحل في 1955، و1961، إلى أن صار اختيار الاستراتيجية المستقبلية، قضية ملحة لا يمكن تجنبها، فهل نؤيد النظام الجديد، أم ننتقده، أم نعارضه؟ وهنا أيضاً لا أرى أن العودة للوراء، وإعادة قراءة مواقف هذا الطرف أو ذاك، سواء بالتأييد أو الإدانة، الأمر الذي تزخر به الأدبيات التقدمية المصرية اليوم، تمثل أساس المشكلة. فمثلاً الحجة التي يقول بها بعض رفاق حدتو، بأنه بسبب نشاط بعض رفاقهم في التنظيم السري للضباط الأحرار، فإن حزبهم كانت لديه فرصة أفضل لتقدير الطبعة التقدمية – بشكل صحيح كما يقولون – للناصرية منذ قيامها، لا يبدو لي أنه يضع القضية في منظورها الصحيح.
وفيما يخصني، فمنذ 1960، أقول بأن المشروع الناصري مشروع برجوازي وطني في جوهره، من البداية وحتى النهاية، وأنه لم يتجاوز أبداً هذه الحدود. وطبيعته الشعبوية لا تتناقض مع هذا المحتوى، فقد كانت الأسلوب الوحيد الممكن لتنفيذ هذا المشروع البرجوازي الوطني، آخذاً في الاعتبار ضعف البرجوازية المصرية "اللبرالية" وطابعها التاريخي الكومبرادوري من جهة، والخوف من تخطي الطبقات الشعبية، التي كان من الضروري الاعتماد على دعمها، لحدود هذا المشروع (ومن هنا الإصرار على معاداة الديمقراطية من جانب الناصرية) من الجهة الأخرى. بناءً عليه لم يكن أسلوب إدارة الدولة بأي شكل من الأشكال "مرحلة على طريق الاشتراكية"، وإنما الأسلوب الفعال الوحيد لإدارتها. ومن سوء الحظ، أن التحالف الاستراتيجي للاتحاد السوفييتي مع حركات التحرر الوطني في العالم الثالث بعد باندونج (1955) من جانب، وطبيعة "نظام الدولة" السوفييتي من الجانب الآخر، قد ساعدا على الخلط بين "نظام الدولة" والاشتراكية.
وأعتقد أن التاريخ يثبت اليوم وجهة نظري، فالناصرية حلت محلها الساداتية، كما حل يلتسين محل بريجنيف، دون أن نستطيع أن نصف هذه التحولات القاسية بأنها "ثورة مضادة"، بل إني أرى فيها مجرد إسراع بالاتجاهات الداخلية الخاصة بكل من النظامين. فالطبقة (البرجوازية) الجديدة التي تنشأ في داخل نظام الدولة، وبفضله، تحتاج إلى "تطبيع" أوضاعها. ومع ذلك، فقد قلت وكتبت، أن ذلك لم يكن تطوراً حتمياً، فقد كان من الممكن حدوث تطور آخر – نحو اليسار – في كل من الحالتين، ولكن حدوث ذلك كان يتوقف على نضج القوى الاشتراكية في كل من المجتمعين (وغيرهما). ولذلك أشعر بالارتياح اليوم عندما أصف المشروع البرجوازي الوطني بأنه يوطوبيا خيالية.
وفي ضوء هذا التحليل، أعيد قراءة مواقف الحركة الشيوعية المصرية بطريقة تختلف عن تلك المتبعة عادة. فأنا أعتقد إذن، أن موقف التأييد، حتى وإن كان انتقادياً، أو مشكوكاً فيه تحت ضغط معاداة الشيوعية من جانب السلطة، خاطئ من الأساس، أنه كان نابعاً من فكرة أن "مرحلة برجوازية وطنية" كانت ضرورية، وإيجابية، وستنفتح على تجاوزها نحو الاشتراكية. وأنا أرى أن الرأسمالية القائمة بالفعل، بوصفها نظاماً عالمياً مستقطباً يُسبغ على أي مشروع برجوازي طابعاً كومبرادورياً بالضرورة، وأن رفض هذا الرأي معناه بالدقة تقبل الوهم باليوطوبيا البرجوازية الوطنية. وأعبر عن أطروحتي هذه اليوم بوضوح أكبر مما كان لدي منذ ثلاثين عاماً، ولكن كان لدي أكثر من مجرد إلهام بصحتها في ذلك الوقت.
وبناءً عليه، فقراءتي اليوم لمواقف الحزب الشيوعي المصري (الراية) الذي كنت أؤيده تماماً منذ 1950/51، تختلف عن الانتقادات القاسية التي وُجهت إليها بأنها قد وقعت في خطأ أساسي في تقييم طبيعة المشروع الناصري. وهذه الانتقادات التي كان من بينها النقد الذاتي للحزب الشيوعي المصري ذاته ابتداءً من 1956، تتكرر اليوم باستمرار، وتبدو لي وحيدة الرؤية، وتقوم على أساس وجهة نظر استراتيجية أثبت التاريخ فشلها. وأترك جانباً القضايا الثانوية المتعلقة باختيار الألفاظ (مثل نظام "فاشي")، أو التأمر مع الإمبريالية، الخ. فهل كان من الخطأ اعتبار هذا المشروع، مشروعاً برجوازياً محكوماً عليه بالفشل؟
وبصراحة، أعتقد أن الشيوعية المصرية لم تستوعب أبداً تحليل ماو كما ورد في كتاب "الديمقراطية الجديدة. فحدتو لم تقترب من هذا التحليل في أية لحظة من تاريخها، أما الحزب الشيوعي المصري (الراية)، فرغم أنه سار في هذا الطريق لفترة ما قبل 1956، إلا أنه تخلى عنه نهائياً بعد ذلك التاريخ. والدليل على ذلك التباين الواضح بين تقريرين متتاليين للحزب، فتقرير عام 1955، كان شديد الانتقاد للمشروع البرجوازي الناصري (الذي لم يرَ فيه مرحلة ممكنة نحو الديمقراطية الجديدة، بما يعني الابتعاد عن وهم البرجوازية الوطنية)، وتقرير عام 1957، الذي لم يكتفِ بتأييد أطروحة الطبيعة "التقدمية" لوطنية البرجوازية (وبالتالي تأييدها تكتيكياً بهدف تعميق التناقض بينها وبين الإمبريالية)، وإنما تجاوز ذلك إلى تحليلها كمرحلة (جرى وصفها بعد قليل بأنها "طريق غير رأسمالي") في التقدم نحو الاشتراكية. واليوم، يمكن توجيه النقد "للديمقراطية الجديدة" بدورها، وكذلك لقيود الماوية التي نتجت عنها، في ضوء التطورات اللاحقة في الصين ذاتها. ولكن ذلك الانتقاد يجب إلا يؤدي لما هو أسوأ، ألا وهو الوهم البرجوازي الوطني الذي أثبت عُقمه التطور الكارثي للاتحاد السوفييتي، ولبلدان العالم الثالث.
وهكذا "فالموقف اليساري"، في أوائل الخمسينيات، تبنى مشروع الثورة الاشتراكية المستمرة على مراحل، بدلاً من الثورة البرجوازية الوطنية. وأقرر اليوم أن هذه الأطروحة ونقيضتها، تقومان على أساس تحليل مشترك بينهما يقلل من أثر الاستقطاب الكامن والأصيل في التوسع الرأسمالي. وأقرر اليوم أن الماركسية قد تجمدت لأنها لم تستوعب هذا البعد. فالاختيار بين الثورة البرجوازية (وهو موقف الاشتراكية الديمقراطية، والوطنية الراديكالية في العالم الثالث) أو الثورة الاشتراكية (وهو موقف اللينينية-الماوية)، يتجنب السؤال الحقيقي، وهو : ما هي طبيعة الثورة المطلوبة اليوم، في الوقت الذي يجعل فيه الاستقطاب كلاً من الثورة البرجوازية والثورة الاشتراكية، مستحيلة؟ ورغم أن هذه الصياغة لتحليلي حديثة، إلا أن جذورها تعود إلى تلك الفترة، أي إلى سنوات الخمسينيات.
وأنا ممن وجهوا انتقادات قاسية للناصرية، كما يدل على ذلك كتابي "مصر الناصرية"، ومع مرور الزمن، صرت أكثر راديكالية في انتقادي لها. فالنظام الناصري لم يكن يعاني من نقص في الديمقراطية، وأسلوبه الشعبوي لم يكن شكلاً بدائياً وناقصاً من الانفتاح الديمقراطي، بل هو كان في الواقع يرفض تماماً فكرة الديمقراطية. وأنادي بأن وراء هذا الرفض، كانت تقف المصالح الطبقية للبرجوازية. ولهذا السبب ذاته، يتحمل هذا النظام ببساطة، تبعة ما تلاه من انفتاح، ومن صعود الإسلام السياسي.
تستحق مقولة محمد سيد أحمد بأن "عبد الناصر قد أمم السياسة"، عناء التفكير، فهي ليست مجرد عبارة ذكية. لقد منع عبد الناصر أي جدل فكري، كما حطم القطبين الذين احتلا واجهة السياسة منذ العشرينيات من القرن الماضي، وهما: القطب اللبرالي البرجوازي الحداثي، وإن كان ديمقراطياً بدرجة محدودة، وذا اتجاهات علمانية بالكاد (وإن كانت هذه القيود سببها ضعف البرجوازية المصرية)، والقطب الشيوعي الذي كان يربط بين التحديث وبين التحرر الوطني والاجتماعي. وقد حطمهما بشكل منتظم، لا فقط عن طريق القمع البوليسي الأكثر قسوة في التاريخ الحديث للبلاد، وإنما عن طريق إغلاق جميع منافذ النقاش بين الأفكار. وبهذه الطريقة خلق فراغاً ثقافياً خطيراً، وفتح بذلك الباب واسعاً لعودة التقليدية الإسلامية التي كانت في طريق الانحسار منذ قرن ونصف القرن، أي منذ أيام محمد على. بل إنه ساعد حتى على إحيائها من جديد بسياسته التي ظن أنها ناجحة تكتيكياً على المدى القصير، ولكنها خطيرة على المدى الأبعد.
ومنذ قرن من الزمان، كان الفكر التقليدي السابق على الرأسمالية في طريقه للأفول، فقد كان الأزهر، وهو مركز هذا الفكر يبدو باهتاً بالمقارنة بالجامعات الحديثة، وكان من الممكن تركه يسير في طريق الموت البطيء. وبدلاً من ذلك، بدأ عبد الناصر في عملية "تحديث" الأزهر، ظناً منه – شأنه شأن جميع الدكتاتورين – أنه يستطيع التحكم فيه على الدوام، بل والاستفادة منه. وشجعه على ذلك تقديم البعض لبعض التفسيرات الانتهازية الاشتراكية للإسلام، وهي تفسيرات يمكن عكسها بكل بساطة كما هو معلوم. وكان التوجه التقدمي الصحيح، يقضي بترك الدين وتفسيراته للمجال الديني البحت، وإبعاد الجدل السياسي عن هذا المجال بالمرة. وكان مثل هذا الموقف سينتج، في رأيي، ثماره في داخل المجال الديني ذاته، بترك التفسيرات الدينية المختلفة (تقدمية ورجعية) تتفاعل بحرية في داخل مجالها الخاص. فكيف جرى "تحديث" الأزهر؟ لقد ذكرتني إيزابل بأنها عندما أخذتها لزيارة الأزهر في الخمسينيات، دهشت لما رأته من أن القرن الثاني عشر ما زال يعيش للآن، فقد رأت الطلبة الجالسين على الحصير، وهم يحفظون النصوص التي قدمها لهم أساتذتهم. وبدلاً من هذه الأوضاع، قدم التحديث للأزهر مباني ضخمة، وقاعات للمحاضرات، ومساكن للطلبة ومطاعم، في تقليد لهيئات التعليم الحديث، ولكن دون أي تغيير في طبيعة التعليم أو روحه. وهكذا حصل التقليديون على منبر، وعلى شرعية لم تكن لهم من قبل. والنتيجة مع الأسف، نراها بجلاء، فإلى جانب عشرات الآلاف من الطلبة من النوعية التي وصفتها من قبل، لدينا الآن الآلاف من "الدكاترة" من ذات النوعية الفكرية. وتحضرني في هذا المجال قصة لم أكن لأصدقها لولا أن صديقاً أميناً أكد لي أنه سمعها بأذنه. فقد ألقى أحد "الدكاترة" (ولا أعرف تخصصه) من جامعة الأزهر "الحديثة" في أسيوط محاضرة عامة عن "الجن"، وفي المحاضرة أكد أنه يمكن للرجل أن يمارس اتصالاً جنسياً مع "جنية" في أثناء نومه، وأن مثل هذا الاتصال حدث له، بدليل ما لاحظه من آثار على ملاءات السرير عندما استيقظ من النوم! وقد سأله أحد الحضور الساخرين ما إذا حدث العكس بين "جني" وإحدى النساء، فأجاب بأن ذلك مستحيل فهو لم يرد في الشريعة، فضلاً عن انه "عيب"، وأنه على أي حال، لم تقل إحدى النساء أبداً إنها حملت من "جني"! ويبدو أن هذا "الأستاذ" من المعتدلين الذين قد يدينون "رسمياً" أعمال "الإرهاب"، ولكن تعاليمه ستنتج العشرات من المتهوسين الدينيين. ونحن نقرأ في بعض المجلات الأمريكية الجادة، ولدى بعض المنادين بما بعد الحداثة من الفرنسيين، أنه بما أن الحقيقة نسبية، فإن مثل هذه الآراء (مثل الإيمان بوجود الجن)، لها نفس قيمة آراء أخرى (مثل نظرية الكم في الفيزياء). وهذا يضع الأمور في نصابها، وخاصة يضمن مصلحة الأقوياء، فللبعض تخصص "الجن"، وللبعض التخصص في الفيزياء النووية، والكل راضٍ عن تخصصه!
وينسحب نفس القول على إصلاح القضاء الذي ألغى المحاكم الشرعية، ونقل قضاء الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية، مع الاستمرار في تطبيق أحكام الشريعة في هذه القضايا. وبدلاً من الوضع الذي كان في السابق يحفظ التشريع في مجموعه، باستثناء الأحوال الشخصية، في إطار القانون المدني، فتح الأبواب أمام الظلاميين، الذين يعملون على توسيع نطاق تطبيق أحكام الشريعة على بقية مجالات القضاء. وهنا كذلك، كان الموقف التقدمي لتحقيق التطور المطلوب، يقضي بوضع قانون مدني حديث للأحوال الشخصية، وإعطاء الحق للمواطن للاختيار بين تطبيق قوانين الشريعة في المحاكم التقليدية، أو القانون الحديث أمام المحاكم المدنية. ومن المؤكد أن اختيار المواطنين كان سيتجه بالتدريج نحو القانون المدني. وفي المقابل، فإن ضم المحاكم الشرعية للمحاكم المدنية، ساهم في تدمير الطبيعة المدنية لهذه الأخيرة، وبالتالي في الدولة المصرية. لقد ساهمت الناصرية في تقوية التداخل بين الدولة والدين، بدلاً من إضعافه، وهكذا عاد القضاء المصري بفضل هذا "الإصلاح" إلى ظلامية العصر العثماني.
فعلى المستوى الثقافي، كانت الناصرية رجعية بدرجة عميقة، ومن الصحيح أن هذه الرجعية كانت مسيطراً عليها في حياة عبد الناصر، ولكن الدودة كانت تأكل الثمرة من الداخل. وبمجرد أن اختار خليفته السادات سلاح الإسلام لتمرير الانفتاح، والكومبرادورية، والاستسلام أمام الإمبريالية، والصهيونية، حتى استطاعت القوى الظلامية، التي كانت قد تغلغلت في اثنتين من مؤسسات الدولة وهما التعليم والقضاء، أن تحقق السيطرة شبه الكاملة. ولا أعلم كم من الوقت يلزم مصر، في أحسن الفروض، للخروج من هذا المستنقع. أما محاولة تبرير هذه الخطوات الكبيرة إلى الوراء بحجة "الخصوصية" التي يدعون أنها "قوة مقاومة ثقافية ضد الإمبريالية الغربية"، فتكاد أن تكون نكتة وإن كانت مأساوية. فالظلامية لا يمكن إلا أن تخدم استراتيجيات الإمبريالية، وهي لم تكن أبداً، ولا يمكن أن تكون قوة لمواجهة تحدي هذه الأخيرة.
كان تأييد نظرية المرحلة البرجوازية الوطنية، والنظرية السوفييتية عن "الطريق غير الرأسمالي" شائعاً في صفوف الشيوعية العربية. وبالتأكيد فإن الوحدة بين الشيوعيين السوريين والعراقيين، المنظمين في حزبين يقلدان النموذج السوفييتي بشكل يصل إلى حد السخرية (مثل عبادة الفرد متمثلة في شخص خالد بكداش مثلاً)، كانت تجعلهم يبدون أرقى بكثير من الشيوعيين المصريين الموزعين بين منظمات متنافسة، ويدفعهم للتعالي على المصريين. ومن الممكن أن الشيوعيين العراقيين كانوا أكثر ارتباطاً بالجماهير الشعبية من الرفاق المصريين، وحتى السوريين، ولكن لا هؤلاء ولا أولئك كانوا قادرين على الوقوف كبديل عن البعثية، وهي صيغة أيديولوجية قريبة من الناصرية، والراديكالية القومية الشعبوية البرجوازية، التي ازدهرت في الكثير من بلدان العالم الثالث في تلك الحقبة. وأكد ذلك التشابه بين هذين النموذجين من نفس العائلة، الاندماج بين البعثية المدنية، والعسكريين القوميين، والانقلابات التي حملت هؤلاء الأخيرين إلى السلطة. وكما حدث في مصر، انتهى الشيوعيون في سوريا والعراق بالانضمام لهذه الأنظمة، لتكوّن الجناح اليساري لها، حتى ون كان يتخذ مواقف انتقادية، ولكنه ليس البديل لها.
وأدى تدهور اليوطوبيا البرجوازية الوطنية ثم انهيارها، إلى سقوط مصداقية الاختيار التاريخي للشيوعية العربية معها. فالقليل من الرفاق في هذه الحركات كانوا يتصورون انهيار النظام السوفييتي، والقليل منهم الذين أخذوا في الاعتبار تحذيرات ماو من أن الطريق المتبع هو "طريق رأسمالي" وأنه سيؤدي بالضرورة – في الاتحاد السوفييتي وكذلك في الصين – إلى تحريك الشهية البرجوازية للطبقة الجديدة. ولذلك لم تكن الحركة الشيوعية في مجموعها مستعدة لمواجهة تحديات عالم تحول بهذا السقوط المزدوج للنموذج السوفييتي، والنموذج الذي انبثق عن حركات التحرر الوطني لمرحلة باندونج. ولا يبدو لي أنه حدث تقدم كبير على هذا المستوى، كما يتضح من الجدل المصري الأخير بشأن مستقبل الاشتراكية، وأثره على برنامج التجمع. وهكذا تبقى الحركة تحت تأثير الحنين للماضي، والحنين للنموذج السوفييتي، والحنين للحقبة الناصرية. ولا يمكن، على هذا الأساس، تجاوز الحدود القديمة للماركسية التاريخية في هذا الجزء من العالم، أو في غيره. كذلك لا يمكن الاستسلام، وهذا بديهي من وجهة نظري، أمام التطور المزدوج في اتجاه كومبرادورية المجتمع الفعلية، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنقل المعركة إلى عالم الأسطورة، و"الخصوصية الثقافية".






الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

المثقف وسقوط الماركسية

جورج طرابيشي

 http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=80659&r=0


2006 / 11 / 12
 [1]
برغم أن جوهر الحدث الذي شهده المعسكر الاشتراكي السابق هو بطبيعته سياسي، فإن المثقف، أكثر من السياسي، يبدو هو المعني به في المقام الأول. فالمثقف، ذلك العالم بالكليّات وفق التعريف الأرسطي، يجد نفسه إزاء ما حدث مكرهاً على معاودة طرح الأسئلة الكبرى بعدما كان بدا، في العقود الماضية، أن وظيفته قد تقلصت إلى مستوى الأسئلة الصغرى، هذا إن لم تكن قد قسرت على الانحداد بإطار إجرائي صرف.

وبديهي أن هذا التجدّد للطلب على المثقف، من حيث هو القيّم على الوظيفة الشمولية، كان ممكناً أن يكون مصدر إشباع نرجسي له لولا أن سقوط المعسكر الاشتراكي هو، في جذره الأول، سقوط لأكبر مشروع تاريخي قيّض للمثقفين يوماً، من حيث هم طبقة، أن يصمموه.
وبالفعل، وبرغم جميع الدعاوى العمالية النزعة للاشتراكية، فإن هذه النظرية -وذلك هو تعريفها الحقيقي- كانت من إنتاج طبقة المثقفين، أو بالأحرى من إنتاج شريحة أساسية من هذه الطبقة إفترضت نفسها طليعة لها.
وليس يهمّ هنا التمييز بين التيارات والاتجاهات داخل الاشتراكية، بل ليس يهمّ ذلك الانقسام الكبير الذي شهدته النظرية الاشتراكية عندما إنفصل الرأس المتقدم منها عن باقي أعضاء الجسد واحتكر لنفسه تسمية ((الاشتراكية العلمية)) تمييزاً له وتعالياً على ((الاشتراكية الطوباوية)). فالماركسية بانضوائها تحت علموية القرن التاسع عشر وبافتراضها نفسها نظرية علمية للجدلية التاريخية والاجتماعية، وحتى الطبيعية، لم تفعل غير أن تؤكد دور المثقف في التاريخ وأن ترفعه إلى مرتبة لم يسبق له أن إرتقى إليها. وحتى عندما صاغت الماركسية معادلة دكتاتورية البروليتاريا، فإن ما كان يختفي وراء وهم هذه الدكتاتورية هو في الواقع دكتاتورية الانتلجنسيا نفسها.
ولا يكفينا هنا الاحتجاج بأن كبار الرؤوس في الماركسية بدءاً بماركس وأنجلز نفسهما، ومروراً بلينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ ولابريولا ولوكاش وغرامشي ومئات الآخرين، كانوا من المثقفين. بل حتى العمال، الذين أنيطت بطبقتهم مهمة قيادة التاريخ، ما كانوا يتبوّأون مكانتهم في قيادة الحركة الاشتراكية إلا بقدر ما يكفّون عن أن يكونوا عمالاً ليصيروا بدورهم مثقفين، بدءاً بستالين نفسه ومروراً بكبار رموز قادة الطبقة العمالية -أو الفلاحية- من أمثال ماوتسي تونغ وكيم إيل سونغ وبريجنيف وتشاوشسكو وهونيكر وجفكوف وتولياتي وتوريز وجورج مارشيه. وعلى هذا النحو، فقد ناب مناب العامل -أو الفلاح- مفهوم العامل. ودكتاتورية المفهوم هذه، مقترنة بعبادة الفرد الذي يتجسّد فيه المفهوم، هي التي إستتبعت، على صعيد فلسفة التاريخ والمجتمع، رؤية أيديولوجية تستهين بالحياة والشخص الإنساني، أو ما كان كوستاس بابايانو سمّاه ((الأيديولوجيا الباردة)) التي تمارس، بروح تقنية عالية ومحايدة، لاهوت إذلال الكائن البشري إعتقالاً وتعذيباً، وغسلاً للدماغ، وقتلاً وإبادة جماعية على نحو تبدو معه تقاليد القرون الوسطى في هذا المجال بدائية جداً وساذجة.
والقسوة التي أمست على هذا النحو عنواناً للحكم الماركسي، من حيث هو حكم مثقفين، لا تبدو عصيّة على التفسير، وما ذلك لأن المثقف بطبيعته قاسِ، بل لأن الوظيفة التي أنيطت به على مرّ عصور التاريخ هي تمثيل الوجدان البشري والدفاع عن مبادئه وقيمه ومصالحه. ولكن إذا كان المثقف هو، على هذا النحو، وجدان الحاكم، فمن يكون وجدان المثقف عندما يصير هو نفسه حاكماً؟ وبعبارة أخرى، إن الدكتاتورية التي مورست باسم المثال الماركسي هي، في أحد معيّناتها، نتيجة اجتماع الحاكم والمثقف في شخص واحد، ومن ثم توحّد السلطة والوجدان.

وهنا تفرض المقارنة مع القرون الوسطى نفسها مرة ثانية. فقد شهد التاريخ البشري، من خلال محاكم التفتيش، مرحلة قاسية. وقد كان مرد ذلك إلى اضطلاع المثقف، من خلال موظفي اللاهوت في ذلك العصر، بدور قاضي التحقيق والجلاد في خدمة السلطة التي كانت آنذاك تجسّد اندماج الدولة (الغائبة) والكنيسة. وهذا الإلغاء للمسافة التي ينبغي أن تبقى قائمة بين السلطان والمثقف، بين الدولة وعقلها النقدي، بين الحاكم والوجدان، هو ما يجعل السادية البشرية تنطلق من عقالها وتسطّر صفحات مرعبة في سجل قسوة الإنسان على الإنسان.
آية ذلك أن المثقف، بالتعبير المجازي المعروف، هو ملح السلطة. فإن فسد الملح، فبماذا يملح؟ وبتعبير مرادف، إن المثقف هو الناطق بلسان المثال. والمثال يستمدّ فعاليته وأخلاقيته معاً من تعاليه على الواقع ومن كونه ضابطاً لهذا الواقع، فما الضابط الذي يمكن أن يضبطه؟
إن وظيفة المثقفين هي إنتاج اليوطوبيا. ولكن يوطوبيا المثقفين يجب أن تبقى يوطوبيا. والخطيئة الأصلية والمميتة لليوطوبيا الماركسية أنها أرادت نفسها من الأساس واقعاً، بل ميّزت نفسها عن كل يوطوبيا أخرى بافتراضها نفسها ((واقعية)) و ((علمية))، ودمغت بازدراء سائر اليوطوبيات المتقدمة عليها بأن قدرها أن تبقى ((طوباوية)). والحال أن أية يوطوبيا، سواء أكانت هي جمهورية أفلاطون أم مدينة الفارابي الفاضلة أم يوطوبيا توماس مور، ما كانت لتكون في الممارسة أقل قسوة وعنفاً من اليوطوبيا الماركسية لو قيّض لها أن تشق طريقها إلى حيّز التطبيق العملي. آية ذلك أن اليوطوبيا، مثلها مثل القنبلة الذرية، ما وجدت ولا يجوز لها أن توجد إلا لكيلا تستعمل. فكما أن أذى القنبلة الذرية الكلي أشد بما لا يقاس من أي أذى جزئي قد يراد تلافيه عن طريق استعمالها، كذلك فإن الشر الذي يتمخّض عنه تطبيق اليوطوبيا، بصورة حتمية، هو أكبر بما لايقاس من أي شر يراد ازالته من الوجود عن طريق إخراجها هي نفسها إالى حيّز الوجود.
فليس أجمل وليس أكثر مثالية من اليوطوبيا ما دامت يوطوبيا. ولكن هذا الكائن الخيالي النبيل والمثالي سيتكشّف، في حال خروجه من معمل الخيال إلى مختبر الحياة والواقع، أنه صنو لمخلوق فرانكشتاين.
وبرغم الخيبة والمرارة، وبرغم الدموع والدماء، وبرغم المأساوية التي تواكب بالضرورة سقوط أي مثال وأية يوطوبيا، فإنه يبقى في كل ما حدث عزاء للمثقف. فإن تكن الأنتلجسيا، أو ما كان شريحتها المتقدمة، هي المسؤولة عن خلق ذلك الكائن الفرانكشتايني الذي اسمه الدولة الشيوعية، فإنما إليها يعود الفضل أيضاً، وإلى مدى كبير في كشف ذلك الكائن، وفي تفكيكه وترقين قيده من خانة الوجود.

[2]

بعد اليوطوبيا يأتي سؤال الأيديولوجيا.
فالأيديولوجيا هي يوطوبيا المثقفين، ولكن بعد أن تكون قد استحوذت عليها الجماهير ومنحتها القوة المادية التي للملايين.
وقد مثلت الماركسية، بلا أدنى مراء، واحدة من أقوى الأيديولوجيات وأكثرها حيوية على مرّ التاريخ المكتوب. وقد كادت تتحول بالنسبة إلى ملايين وملايين البشر في التاريخ الحديث والمعاصر إلى دين بديل (1). ومن الصعب أن يقطع المرء هل يعود سبب هذه الجماهيرية الواسعة إلى قوة الماركسية في ذاتها، إلى صدقها النظري وقدرتها التعبوية معاً، أم إلى يأس الجماهير من نظام العالم الذي هو النظام الرأسمالي؟ وأياً يكن السبب، فقد مثلت الماركسية إحدى أكبر محاولتين في التاريخ الحديث للخروج من مدار هذا النظام بقوة العنف المعمّد باسم الثورة.

أما المحاولة الثانية، التي أخذ عنفها شكلاً إنقلابياً بالأحرى، فقد تمثلت تاريخياً بالنازية. وبديهي أننا نظلم الماركسية كثيراً عندما نضاهي بينها وبين النازية. ولكن مثل هذه المضاهاة التي قد تكون مرفوضة أخلاقياً، تبقى صحيحة سوسيولوجياً. فالنازية مثّلت محاولة للخروج على النظام من يمينه لا تقلّ خطورة وجدية عن تلك التي مثّلتها الماركسية للخروج عليه من يساره. فكلتا الأيديولوجيتان أرادت نفسها تجاوزاً للنظام الرأسمالي وحرقاً لبعض مراحله. فالنازية أرادت الانتقال الفوري إلى مرحلة الامبريالية من النظام الرأسمالي وقطف ثمارها بدون المرور بجميع المراحل التاريخية لهذا النظام. والماركسية شاءت بدورها قطف ثمار هذا النظام قفزاً فوق العديد من مراحله وبالانتقال الفوري إلى مرحلة ما بعد الرأسمالية. وقد اضطر النظام الرأسمالي العالمي - ولنلاحظ هنا أنه في ظل الرأسمالية فحسب صار للعالم نظام عالمي- إلى أن يخوض ضد هاتين المحاولتين اللتين تهدّدتاه في صميم وجوده حربين بالغتي الضراوة: فضدّ النازية خاض غمار الحرب العالمية الثانية التي كانت بدورها أعنف حرب ساخنة في التاريخ، وضد الماركسية شن الحرب الباردة التي كانت أعنف حرب أيديولوجية قيّض للتاريخ البشري أن يعرفها. ولئن خرج النظام الرأسمالي من كلتا الحربين منتصراً، فإنه يصعب على المرء ههنا أيضاً أن يقطع هل يعود السبب في ذلك إلى قوة هذا النظام أم إلى ضعف مباطن في النظامين اللذين شيّدتهما تانك الأيديولوجيتان؟ ولكن مهما يكن من أمر، فإن المراقب السوسيولوجي لا يملك إلا أن يلاحظ أن الأيديولوجيتين كلتيهما قد خاضتا حربهما ضد النظام الرأسمالي العالمي من خلال المصادرة على ما سمّيتاه أزمته العامة. فالنازية صادرت على انحطاط النظام الرأسمالي مثلما صادرت الماركسية على اختناقه أو انفجار تناقضاته.

ولا يملك أحد أن يماري أن النظام الرأسمالي عرف ويعرف أزمات دورية وغير دورية. ولكن ما وقفت النازية والماركسية عاجزتين عن فهمه هو أن ((الأزمة)) آلية أساسية من آليات اشتغال النظام الرأسمالي، وأنها له بمثابة العتلة أو المقفز الذي يفيد في التراجع خطوتين إلى الخلف للقفز ثلاثاً إلى الأمام. فعن طريق ((الأزمة)) استطاع النظام الرأسمالي أن يتجاوز أزماته، وأن يصحح موازينه واختلالاته. وليس هذا مديحاً للنظام الرأسمالي بقدر ما هو تحذير من النبوءات الكاذبة التي تظلّ سوقها رائجة حتى ما بعد سقوط الماركسية.
والواقع أنه إن يكن من أزمة يعانيها النظام الرأسمالي العالمي، فليست هي أزمة الخروج منه، بل أزمة الدخول إليه. آية ذلك أن أربعة أخماس العالم، وتحديداً بلدان العالم الثالث، لا تزال تعيش على هامش النظام، والمسافة بينها وبين مراكزه تتسع بدل أن تضيق.
وبمعنى من المعاني، فإن النظام الرأسمالي الذي وحّد للمرة الأولى في التاريخ العالم، يحمل معه لعنته: وهي قسمة هذا العالم نفسه إلى متروبولات ومستعمرات بالأمس، وإلى مراكز وأطراف اليوم. وفي الوقت الذي سُدّت فيه، مع سقوط الماركسية، آفاق الخروج على النظام واحتمالات الاهتداء إلى دروب تطور بديلة، فإن آفاق الدخول إلى قلب النظام تبدو هي الأخرى مسدودة أمام أربعة أخماس البشرية التي جرّها النظام، بإرادتها أو بغير إرادتها، إلى مداره، وجردها أو لم يوفر لها الوسائل والقدرات لمواصلة الاندفاع باتجاه مركز الدائرة (2).
وإذ يشحذ النظام الرأسمالي على هذا النحو طموحات البشرية إلى الاندفاع فيه بدون أن يتيح الإمكانات لتلبية هذه الطموحات على المستوى العالمي، فإنه يضع نفسه على برميل بارود يهدد بانفجار أحقاد وصراعات طبقية على مستوى الكرة الأرضية أشد ضراوة وعنفاً بما لا يقاس من تلك الأحقاد والصراعات الطبقية التي دارت ولا تزال تدور بين أغنياء النظام وفقرائه في نقاط المركز منه.
ولئن ثبت، من خلال هزيمة النازية وفشل الماركسية، بطلان الأوهام الأيديولوجية القائلة بإمكانية الخروج عليه بالعنف أو بالثورة، بل لئن ثبت، من خلال التجربتين النازية والماركسية، أن الشرور التي تترتّب على محاولة الخروج على النظام أدهى وأرهب من تلك التي تنتج عن البقاء في مداره، فإن هذا لا يعني أن إغراءات القطيعة مع النظام قد دُفنت إلى الأبد. والواقع أنه عندما تبدو المشاركة في مائدة الحضارة الرأسمالية مستحيلة، فإن الهمجية قد تستعيد حقوقها. وما دام النظام الرأسمالي العالمي يحمل معه لعنة قسمة العالم إلى مراكز وأطراف، إلى شمال وجنوب، إلى بلدان متقدمة وأخرى متأخّرة، وما دامت إمكانية الخروج على النظام قد سقطت، فإن الباب الوحيد الذي يبقى مفتوحاً، من وجهة نظر أيديولوجية على الأقل، هو الخروج الهمجي على النظام. وذلك هو، في أحد معيّناته، سر ذلك الرواج الذي تعرفه اليوم الأيديولوجية الدينية في محيط النظام وهوامشه، وهي الأيديولوجيا التي تقوم في جوهرها، لا على التجديد الروحي للإنسان، بل على القطيعة الحضارية؛ لا القطيعة مع روح الحضارة فحسب، بل القطيعة مع روح الدين نفسه من حيث إن الدين مثّل في الأصل، ولا يزال يمثّل إلى حد غير قليل، نداء إلى القطيعة مع الهمجية.

[3]

ماذا يمكن أن يكون دور المثقف في الوضعية التاريخية الناشئة بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، بل بعد سقوط الماركسية نفسها؟
باختصار شديد نستطيع هنا أن نميّز بين دور المثقف في مركز النظام ودوره في هوامشه.

ففي مركز النظام، ومع تلاشي ((الخطر الأحمر))، زالت مبررات الموقف الدفاعي، أو ((اليميني- كما يقال، الذي التزمته السواد الأعظم من الأنتلجنسيا ((الغربية)) في مواجهة الأيديولوجيا ((الهدامة)) الآتية من المعسكر الشرقي))، وأمست الشروط مهيأة لاستعادة الأنتلجنسيا لوظيفتها النقدية في ظل نظام لا يلبّي، برغم جميع إنجازاته، متطلبات المثالية الإنسانية.
أما مثقف الهامش- وليكن نموذجه المثقف العربي- فهو مطالب قبل كل شيء، باستعادة وظيفته النقدية إزاء نفسه.
فعلى هذا المثقف أن ينزع عن بصره وبصيرته غشاوة الأيديولوجيا، وأن يحرر نفسه من الصيغ الجاهزة والمفاهيم المتآكلة، وأن يضع ذاته من جديد في مدرسة الواقع والحقيقة. وكذلك، وعلى الأخص، في مدرسة المعرفة. فالمسافة المعرفية التي تفصل مثقف الهامش، ممثلاً بالمثقف العربي، عن مثقف المركز، باتت لا تقلّ شساعة عن المسافة الاقتصادية والتكنلوجية التي تفصل البلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة.

والمثقف العربي، الذي طالما طاب له أن يتصوّر نفسه سابقاً مجتمعه، والذي طالما طاب له أن يتصور أن مهمته التاريخية هي على وجه التحديد أن يتقدم مجتمعه لينير له ((أقوم المسالك)) إلى التقدم، هو اليوم مسبوق ومفوّت في مجال اختصاصه بالذات، أي في الثقافة.
ونحن إذ نطالب المثقف العربي بمراجعة مؤلمة للذات، ولجهاز مفاهيمه الذي بات بالياً، فإننا لا نقصد المثقف الماركسي فحسب، ولا المثقف اليساري أو التقدمي عموماً، بل كذلك المثقف المعادي للماركسية الذي يبدو اليوم هلعاً لسقوط الماركسية أكثر من المثقف الماركسي نفسه. ولا غرو، فقد كان جعل من نقد الماركسية ونقضها شغله الشاغل. وها هوذا الآن يكتشف أن كل ((الرسالة التاريخية)) التي أناطها بنفسه لم تعد ذات موضوع، فكأنه دون كيخوت وقد اكتشف أن لا وجود حتى لطواحين الهواء.

إن أحد الثديين اللذين ترضع منهما الأيديولوجيا العربية المعاصرة قد جفّ: النص الماركسي. وبديهي أن الإغراء كبير في التحول نحو الثدي الآخر: النص السلفي. فمن اعتاد حليب النص يصعب عليه أن يفطم نفسه عنه. ولكن قد تكون الفرصة مؤاتية أيضاً لكي ينعتق المثقف العربي نهائياً من أسر النص، ولكي ينفض عنه ثوب العقلية النصية، ولكي ينصرف أخيراً إلى ممارسة وظيفته الحقيقية التي هي التفكير.

التفكير انطلاقاً، لا من النص، بل من الواقع. إذ ما دام المفكر يفكر في أن الحقيقة محتواة سلفاً في نص، فإنه يكون قد ألغى سلفاً أيضاً الفكر والتفكير، بل يكون قد ألغى نفسه كمفكر.
وصحيح أن الواقع العربي سيبدو، وقد انكشف عنه غطاؤه النظري، بائساً بؤساً شديداً، ولكن ألا تبقى الأيديولوجيا العربية أشد بؤساً حتى من هذا الواقع ما دامت كل وظيفتها أن تغطيه وتستر بؤسه؟

الهامش:
-----

1) الواقع أن الماركسية، قبل أن تتحول إلى ديانة جماهيرية، كانت ديناً للمثقفين. فقد كان لها في نظرهم، بكل ما في الكلمة من معنى، أنبياؤها: ماركس وأنجلس ولينين. وما حدث قط في التاريخ أن قدّست الانتلجسيا نصاً كما قدست النص الماركسي- اللينيني. ولم يحدث قط أن قدمت الطبقة المثقفة شهداء في سبيل نص مقدس كما قدمت الانتلجسيا المتمركسة. والمفارقة أن الطبقة المثقفة دفعت ثمناً غالياً لديانتها الماركسية ليس في دار الكفر الرأسمالية فحسب، بل كذلك في دار الإيمان الاشتراكية. فليس من أيديولوجيا اضطهدت منتجيها وحراس عقيدتها من المثقفين كما فعلت الماركسية في كل مكان أمكنها فيه أن تغدو ديانة رسمية للدولة.

2) والحال أن العولمة، من حيث هي مرحلة عليا جديدة في تطور النظام الرأسمالي، أحدثت في سوره ثغرة تمكنت من خلالها التنانين الصغيرة في جنوب شرق آسيا، وتبعها العملاق الصيني، من تكرار ((المعجزة اليابانية))، أي الدخول إلى النظام الرأسمالي المركزي العالمي من محيطه.







الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

حقيقة صلاح الدين بين يوسف زيدان ويوسف شاهين

حازم حسين


  
انفجرت موجة حادة من الجدل والشد والجذب والسباب المتبادل، مع ظهور الدكتور يوسف زيدان، الكاتب الروائى والباحث التاريخى، على شاشة إحدى القنوات التليفزيونية قبل أيام، منتقدا القائد يوسف بن أيوب، المعروف بـ"صلاح الدين الأيوبى"، انتقادات رأى البعض أنها متجاوزة ومهينة وتطال رمزا تاريخيا من رموز العرب والمسلمين، إذ وصلت آراء "زيدان" فى القائد الكردى السنى إلى حد وصفه بأنه "من أحقر الشخصيات فى التاريخ الإنسانى".

موقف يوسف زيدان استدعى مواقف كثيرة معارضة، ردت على آراء الباحث والأكاديمى المتخصص فى التراث وتحقيق المخطوطات، ولكن الردود لم تشتبك مع الموضوع فى جوهره، فبينما عرض "زيدان" وقائع وأحداثا رأى أنها تشير إلى دموية يوسف بن أيوب "صلاح الدين" وسوء إدارته، لم يرد منتقدوه ومهاجموه على الأمر، تجاهلوا ما سُجّل بحق القائد الكردى تماما، وتركزت ردودهم على شخص يوسف زيدان، الذى اتهمه قطاع واسع من المتشيعين لـ"صلاح الدين" بأنه جاهل وحاقد ولا يفقه شيئا ويكتب روايات سيئة وجنسية.

الردود لم تتوقف على القدح فى شخص يوسف زيدان، والهروب من أصل الموضوع إلى تفريعات تتعلق بشخصيته وكتاباته الإبداعية، فقد تفتقت أذهان آخرين عن آلية هجوم مختلفة، إذ نشر موقع "رصد" الإخبارى التابع لجماعة الإخوان الإرهابية، خبرا عن امتداح وزير الدفاع الإسرائيلى أفيجدور ليبرلمان لما قاله يوسف زيدان عن "صلاح الدين"، وبتتبع الأمر تجلّت الفبركة، فالصفحة مزيفة وباسم يشابه اسم أفيجدور ليبرمان، مع تغيير بعض الحروف للخداع البصرى، والصفحة الرسمية للوزير الإسرائيلى لم تتضمن أى حديث أو تصريح أو تدوينة عن يوسف زيدان وموقفه من القائد الكردى يوسف بن أيوب، والحقيقة أن الخبر لم يكن يحتاج تدقيقا لأى مهتم أو متابع، مع احتفاء الموسوعة اليهودية بشخصية "صلاح الدين" فى مواضع كثيرة، وما حصل عليه اليهود من مكاسب بسببه، ما ينفى أى احتمالية لهجوم من جانبهم عليه، أو امتداحهم لهجوم عليه من باحث أو أكاديمى مصرى، وبعيدا عن يوسف زيدان ويوسف بن أيوب وطابور المنتقدين والشتامين وأفيجدور ليبرمان و"رصد الإخوانية"، ما هى حقيقة صلاح الدين الأيوبى؟ وهل هو كما قدمه يوسف شاهين فى فيلمه الشهير "الناصر صلاح الدين"؟ أم كما وصفه يوسف زيدان؟ أم أنه شىء آخر تماما يختلف عن الوصفين والموقفين؟ كتب التاريخ كفيلة بإيضاح الصورة، ولكن أكثر الناس لا يقرؤون.


الناصر صلاح الدين.. السينما تتلاعب بالتاريخ لصالح السياسة:

الصدمة الكبيرة التى أصابت قطاعا من الناس، تعود للصورة الذهنية التى ترسخت لديهم عن يوسف بن أيوب "صلاح الدين"، القائد الكردى الذى عاش ومارس السياسة وحكم وحارب وقَتَل ومات فى القرن الثانى عشر الميلادى، ولم يكن من الصحابة ولا التابعين، ولكنه يتمتع بمنزلة تطاول منازلهم لدى قطاع واسع من الناس العاديين، وقداسة قد تتفوق على كثيرين منهم.

بتتبع الأمر قد يُفاجأ كثيرون بأن يوسف بن أيوب "صلاح الدين"، لم يكن حاضرا بهذه القوة ولا الصيغة البطولية حتى ثورة يوليو 1952، لم تُقرر سيرته على المراحل الدراسية المختلفة بكثافة كما هو الحال الآن، ولم يكن حاضرا فى الوعى الشعبى العام، فماذا تغير مع حركة الضباط الأحرار وثورة يوليو بالدرجة الكافية لتغيير الصورة ووضع يوسف بن أيوب فى صدارة المشهد التاريخى؟ الحقيقة أنها السياسة، لا البطولة ولا العظمة، والأمر يتصل بـ"ناصر" وليس بـ"الناصر صلاح الدين".

الأصل فى أزمة يوسف بن أيوب ليس يوسف زيدان، وإنما دولة يوليو 1952، فكل ما فى الأمر أن مشروع يوليو حمل فى أحد جوانبه فكرة الاستناد إلى أسماء واستدعاءات تاريخية، تدعم ما ذهبت إليه الثورة الوليدة فى الترويج لفكرة القومية العربية، وصنع البطل النموذج، ليسهل خلع هذه النمذجة التاريخانية على البطل الراهن، جمال عبد الناصر أو أى شخص غيره، فكان النموذج المثالى الذى وقع عليه اختيارهم، شخصية يوسف بن أيوب، الكردى السنى المحارب صانع النموذج الأبرز للقومية المنطلقة من مصر، بالسيف والدهاء.

لم ير نافخو الروح فى الأسطورة الرثة التى كانت ميتة تقريبا، أى ضرر فى إعادة بناء شخصية القائد والسياسى الكردى وتصديره كملك عادل مسالم موضوعى متصوف ومتزن، وعهدوا لفريق من الكتاب المهرة، ومنهم نجيب محفوظ ويوسف السباعى وعبد الرحمن الشرقاوى، باختلاق قصة لا أثر لها ولا دليل عليها، وصنعوها فيلما سينمائيا ضخما، بصنعة ماهرة، وأغفلوا حقيقة الرجل التاريخية كما أوردتها كتابات المؤرخين، وما يُنسب إليه من تجاوزات وجرائم، ثم وضعوا ما انتخبوه من أباطيل فى مناهج الدراسة وحشوا بها أدمغة العيال حشوا، فأصبحنا أمام خيال ثورة يوليو ونجيب محفوظ ويوسف السباعى ويوسف شاهين وأحمد مظهر عن "صلاح الدين"، وليس أمام صلاح الدين نفسه على حقيقته.

إذن كان الغرض من صناعة السيرة الجديدة ليوسف بن أيوب "الناصر صلاح الدين"، غرضا سياسيا فى المقام الأول، فى إطار الترويج للقومية العربية الجامعة، وعلى هذه الأرضية جاءت الأباطيل كلها، فالرجل الكردى السنى يظهر سمحا وجيد العلاقة مع الشيعة والمسيحيين، ينطق العربية بلسان فصيح، كما أنه بارع فى الفكر والفقه والفلسفة وعلوم اللغة والعلوم التطبيقية من كيمياء وطب، وعلاوة على هذا كله فإنه متصوف كبير، وهى وصفة واسعة من التميز والقدرات الخاصة لا يمكن أن تجتمع فى شخص واحد، ناهيك عن أنها لا تشبه "صلاح الدين" من قريب أو بعيد، فالرجل كان عدوا للشيعة وقتل منهم آلافا، ومن ثم لم يكن متصوفا، فالتصوف فى هذا الأوان كان محسوبا على التشيع، والرجل نفسه قتل بين من قتل "شهاب الدين السهروردى"، أحد أئمة وأقطاب العارفين والمتصوفة، كما أن السماحة التى جعلت "عيسى العوام" واحدا من أقرب قادته وأخلصهم، مجرد اختلاق وكذبة من كتبة الفيلم، فبعيدا عن أن المسيحيين لم يشاركوا فى جيوش صلاح الدين لأنهم كانوا وقتها "أهل ذمة" ويدفعون الجزية، فإن التاريخ لا يحمل أى أثر لشخصية مسيحية باسم "عيسى العوام"، وأقرب المعلومات تشير إلى أنه قائد مسلم سنى وليس مسيحيا، واستمرأ معدو السيرة الجديدة المخترعة ليوسف بن أيوب الأمر، فجمعوا "العوام" بـ"لويزا"، فارسة المعبد الكاثوليكية، بينما كانت العقيدة الأرثوذكسية وقتها، وربما حتى الآن، ترى الكاثوليك مهرطقين ولا تقترب منهم هذا الاقتراب، المهم أن كل الشواهد التى أوردها الشريط السينمائى أتت بمجملها فى إطار صنع نموذج أسطورى، لتوظيفه فى الحاضر السياسى، دون صلة بحقائق التاريخ ووقائعه.

حالة الهياج التى أصابت كثيرين من المواطنين وعوام الناس، سببها فى الأساس صناع فيلم "الناصر صلاح الدين"، وفى مقدمتهم أحمد مظهر، فإلى جانب المكتوب على الورق، عمل الممثل الراحل على تسويق شخصية يوسف بن أيوب بمحبة، تقمص دوره بعشق وإيمان حقيقيين، وعبر النص المكتوب الذى استولى على عقل الممثل قبل المشاهدين، وعبر افتتان الممثل بالبطل التاريخى النموذج، وبطل الحاضر المقصود بالرسالة، وإرشادات الأداء التى وجهها له المخرج يوسف شاهين المهتم بالبُعد السيكولوجى والتأثير النفسى لدى الممثل والمشاهد، تمكنت المنتجة آسيا والمؤسسة العامة للسينما من صنع أسطورة يوسف بن أيوب سنة 1963، بعد ما يقرب من ثمانية قرون على وفاته، وأمام هذه الحالة من الاختلاف والانفصام الكاملين، بين الواقع المختلق والتاريخ المدون، يقف يوسف بن أيوب الحقيقى الذى لم نقترب منه بصدق، والمؤكد أنه ليس كافرا ولا فاسقا ولا مجرم حرب كما يراه الشيعة والإيزيديون والمندائيون، وليس أحقر شخصية فى التاريخ الإنسانى كما يراه يوسف زيدان، ولكنه أيضا ليس الملك العادل كما رأى نفسه ورآه محبوه وداعموه من معاصريه، وليس الصورة التى رأتها وصنعتها دولة يوليو بأقلام يوسف السباعى ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوى وعين يوسف شاهين، وبالتأكيد من قبل ومن بعد أنه ليس أحمد مظهر.


المدخل إلى قراءة التاريخ.. المدخل الحقيقى لـ"يوسف بن أيوب":

وسط حالة الصخب والصراع المشتعلة، وتضخيمات يوسف زيدان المستندة إلى وقائع ومدونات ومراجع تاريخية، وحالة الدفاع المحمومة التى تقوم على محبة وشحن انفعالى صنعتهما الثقافة السمعية والبصرية، ولا يستندان لأى معرفة جادة، نحتاج فى رحلة البحث عن يوسف بن أيوب "صلاح الدين" الحقيقى، إلى الاقتراب منه فى مرحلته الزمنية، ومطالعة صورته فى مرآة عصره، لا فى مرايا من استخدموا اسمه ووظفوه لأغراض سياسية.

فى البداية، وحتى تكون الأمور واضحة، فإن الدرس التاريخى لا يمكن اعتباره بأية حال من الأحوال مجالا للغيظ والمكايدة، بمعنى أننا لا ندرس واقعة تاريخية ما أو سيرة شخص ما، لنغيظ محبيه أو نربت على هوى وغرض كارهيه، فى الغالب لا وظيفة عملية وعلمية مهمة للدرس التاريخى إلا اكتشاف قوانين الاجتماع وسياسة الأمور، ودراسة آثار وقائع الماضى على الحاضر، والاستضاءة بتركيبة العلاقات والأفكار وموازين القوى، ودرجة تحكمها فى عصرها، وفى عصور ممتدة بعدها، وفرص إعادة إنتاجها أو استمرار أثرها فى الراهن، بمعنى أن الدراسة للمعرفة فى الأول والأخير، وللاستفادة قدر الإمكان، حاضرا ومستقبلا، من القوانين والعبر التى يمكن اكتشافها فى وقائع الماضى، خاصة أن سياقات التاريخ انتهت، وشخصياته بحسناتهم وسيئاتهم أصبحوا مجرد حكايات وعبارات لغوية، وبالتأكيد لا يضرهم ولا ينفعهم ما نقوله عنهم، ولكنه بالتأكيد قد يضرنا نحن أو ينفعنا.

ضمن الصدمات التى حملتها مواقف المعارضين لما قاله يوسف زيدان، ما تواتر عبر صفحات وآراء عشرات النشطاء والمثقفين عبر مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة، بمعنى متكرر مفاده أننا لن نتقدم ما دمنا نشغل عقولنا ونقاشاتنا بسيرة رجل مات قبل 9 قرون، والحقيقة التى يتجاهلها كثيرون أننا لن نتقدم ما دمنا لم نعرف هذا الرجل، وكل الرجال الآخرين الذين يشبهونه وشكلوا جانبا من تاريخنا وجغرافيا عالمنا، ولم نعرف تاريخنا كله بشكل واع وجيد، خصوصا أننا دون خلق الله فى أرجاء العالم، تاريخنا حى دائما، لا ينتهى ولا يقف عند حجمه العادى كما هو الحال لدى باقى الأمم والمجتمعات، بمعنى أن كل خلق الله عاشوا مراحل انحدار وتراجع ودموية، وتمكنوا من تجاوزها وإغلاق أبواب التاريخ عليها، والتحرر من ثقلها ليسيروا للأمام، أما نحن فما زال تاريخنا حاضرا معنا ومسيطرا علينا، الفتنة الكبرى وبحور الدم التى سالت فيها ما زالت حية وتتدفق كنهر فى فيضانه، جرائم الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك ما زالت حية ولها ظلال فى الواقع، ويوسف بن أيوب "صلاح الدين" حى، وليس حيا فقط، ولكنه أيضا يحكمنا، لأن منظومة القيم والأفكار والحكايات التى كانت مفتاح أسطورته، سواء أكانت جيدة أم سيئة، هى نفسها منظومة القيم والأفكار والحكايات التى تقودنا وتسيطر على عقولنا حتى الآن، بمعنى أن كل شعوب العالم التى شهدت فظائع وكوارث وأحداثا دموية وحكاما مجرمين، قتلوا ماضيهم وتجاوزوا آثاره، ولكننا فى هذه المساحة من العالم ما زلنا نعانى من ماضينا، الذى ما زال حيا ويقتلنا كل يوم.

جانب من الردود تركت القضية كباقى مسلسل الرد، وتفرّعت باتجاه نقطة غريبة، وهى أن يوسف زيدان ومن ينتقدون التاريخ العربى والإسلامى مثله، لا يقتربون من تاريخ العالم الملىء بالدموية والقتلة والمجرمين، وهذه النقطة وحدها تحتاج وقفات ومراجعات طويلة، فالحقيقة أن إنجلترا تجاوزت مارى الدموية تماما رغم معاناتها الطويلة والقاسية معها، روما تجاوزت كاليجولا ونيرون، فرنسا تجاوزت كاترين دى مديتشى، ورومانيا تجاوزت فلاد الثالث، وروسيا تجاوزت آنا ونيكولاس الثانى، والمجر تجاوزت إليزابيث باثورى، وحتى ألمانيا وإيطاليا تجاوزتا هتلر وموسولينى، ونحن إلى الآن لم نتمكن من تجاوز يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف، وسليم الأول وإسماعيل أنور، وقبلهم طبعا يوسف بن أيوب وطابور طويل من الدمويين، الذين كانت لعصورهم ظروف وسياقات خاصة بالتأكيد، وكان من الطبيعى نوعا ما أن يحزوا الرؤوس ويشربوا الدماء وقتها، وفق قوانين العصر وموازين قوته، ولكن غير الطبيعى بالمرة أن يظلوا نماذج ومُثلا عليا إلى وقتنا الراهن.

الحقيقة أن دراسة التاريخ والبحث فيه فرض عين، ولا يمكن فهم الواقع والاشتغال عليه وتطويره دون فهم الماضى وفك تعقيداته، ويمكن الرد على من يرفضون انتقاد تاريخنا بدعوى أنه يتعين فى الوقت نفسه انتقاد تواريخ الآخرين، بأنه لا وجاهة ولا مبرر لانتقاد أى من سفاحى العالم ممن ذُكروا فى سياقنا أو لم نذكرهم، ونحن أمام مشكلة ذاتية أكبر، تخص ثقافتنا وجغرافيتنا، وتتحكم فيهما بدرجة ضاغطة، سفاحو العالم لم يقتلوا جدودنا ولا أعمامنا ولا إخوتنا، ولم يلعبوا فى تركيبة أوطاننا أو نصوص وقيم أدياننا، ولو حدث هذا فقد وقع فى صورة جرائم واضحة ارتكبها أعداء، وانتهت آثارها بتحررنا منها، والحمد لله تعافت مجتمعاتهم أيضا وعولجت من آثارهم وشرورهم، أما سفاحونا والقتلة فى تاريخنا فقد قتلوا الجدود ونهبوا الأوطان وشوهوا الأديان، تحت دعاوى الوطنية والقومية والدين نفسه، وما زال أثرهم حاضرا وفاعلا، وهذه هى النقطة الأخطر، أننا نحيا إلى الآن فى عباءتهم وما رسموه لنا من سياق، لهذا فإن من يشتبك وينتقد، يخوض معركته مع أناس عانى ويعانى بسببهم، أما بلاد الله وخلق الله فلديهم مجرموهم الذين أذاقوهم النار، ولديهم مؤرخون وباحثون انتقدوا هؤلاء المجرمين، وألقوهم فى غرف مظلمة وأغلقوا عليهم الأبواب وارتاحوا من شرورهم، وهو ما لم نبلغه بعد.

حقيقة صلاح الدين الأيوبى.. عودة جادة للتاريخ المكتوب:

بعيدا عن المقدمة والاستطراد الطويلين، نعود إلى يوسف بن أيوب "صلاح الدين"، والبداية العاقلة لفض الاشتباك بين الناقدين والمادحين تنطلق من سؤال جاد.. هل كان الرجل شيطانا؟ الحقيقة أنه لم يكن شيطانا، إذن هل كان ملاكا؟ لا أيضا، ولا يتمتع بأى ملائكية أو أى رائحة منها، فمن هو إذن؟ هذا مربط الفرس، لا أحد ممن يقرأ هذا الكلام، ولا حتى كاتبه، يمكنه الإجابة بمفرده ومن عندياته وبرأيه، الإجابة الوحيدة الدقيقة يجب أن تخرج من عصر يوسف بن أيوب، بعيون معاصريه ومن شاركوه مواقفه أو تأثروا بها، ولكن هذه الخطوة للأسف محفوفة بالمخاطر، لأن يوسف بن أيوب كأى إنسان آخر، لا شك فى أنه حاز عداوة خصوم، وكان له كارهون يرونه شرًّا مستطيرا، وآراؤهم فيه لن تكون منصفة أبدا، يوسف بن أيوب قال عن نفسه أو قالت عنه عائلته الأيوبية فى نُصب منحوت بالمسجد الأقصى: "أمر بتجديد هذا المحراب المقدس، وعمارة المسجد الأقصى الذى هو على التقوى مؤسس، عبد الله ووليّه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر، صلاح الدنيا والدين"، فهل كان يوسف بن أيوب صلاحا للدين والدنيا كما رأى نفسه؟ نحتاج أيضا للبحث عند معاصريه لإجابة هذا السؤال.

نقطة "معاصريه" هذه كفيلة بإدخالنا مستنقعا واسعا وعميقا، يحتاج دقة وموضوعية فى الفرز والانتقاء، فهناك كتابات شيعية كثيرة جدا وصلت بالأمر لتكفير يوسف بن أيوب وتفسيقه، ومنها "الشيعة فى مصر" لصالح الوردانى، وكتابات وآراء وفتاوى باقر الشيرازى، ومحسن الأمين، ومحمد صادق الإيروانى، ومئات غيرهم من الكتاب والفقهاء والمؤرخين الشيعة، رأوا الرجل فاسقا وكافرا وسفاحا ولصا وتاجر دين، وعلى الجانب المقابل لا تخلو ضفة السنّة من كارهين له، "المقريزى" نموذجا يتخذ موقفا من الرجل فى بعض المواضع والحوادث، رغم إشادته به فى مواضع أخرى، ولكن من هذه الضفة نفسها سنجد عز الدين بن الأثير، العراقى السنى وأحد المؤيدين والمادحين لـ"صلاح الدين"، ورافقه فى كثير من سفراته وحملاته، وهناك أيضا عماد الدين الأصفهانى، وهو من بلاطه وحاشيته وكتب فيه مدحا كثيرا، شعرا ونثرا، فى مواقف عديدة ومشاهد وأحداث، بعضها مما يؤخذ على الرجل واعتبره "العماد" حسنات، فكل ما أورده عن يوسف بن أيوب، حتى النواقص والعيوب، أوردها من باب الشهادة له ومدحه بالشدة والحزم والانتصار للمذهب السنى، وهناك أيضا ابن تغرى بردى، وابن كثير، والذهبى، وبهاء الدين بن شداد، والمقدسى المعروف بـ"أبى شامة"، والقلانسى، وابن الجوزى، والسيوطى، وأبو بكر الباقلانى، وابن العديم، وكلهم من المنتمين للمذهب السنى ويحبون يوسف بن أيوب وينحازون له، وما يوردونه من مواقف ومشاهد وأحداث وصفات، يوردونه من باب المدح والفخر لا الذم ولا الانتقاص، لدرجة أن كتاب بهاء الدين بن شداد اسمه "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، أى أن الرجل يعدد محاسن يوسف بن أيوب ولا ينتقده أو يسبه، و"الذهبى" مثلا بعدما يذكر قصص تنكيل "صلاح الدين" وجنوده بالشيعة والفاطميين والمصريين، يقول: "إن هذه الفعلة من أشرف أفعاله"، ويقول السيوطى: "أخذ صلاح الدين فى نصر السنة وإشاعة الحق وإهانة المبتدعة والانتقام من الروافض"، ومدح ابن الجوزى هذه الأفعال فى كتاب كامل أسماه "النصر على مصر"، وأنشد العماد الأصفهانى شعرا فيما فعله سيده الكردى فى الشيعة قائلا: "قد خطبنا للمستضىء بمصر/ نائب المصطفى إمام العصر/ ألستم مزيلى دولة الكفر/ من بنى عبيد بمصر؟!".

أمام ما فات من حقائق، سنعتمد فى قراءة تاريخ يوسف بن أيوب على محبيه والموالين له فقط، سنتجنب كتب الشيعة تماما، ومنها كتاب "صلاح الدين بين العباسيين والفاطميين والصليبيين"، للدكتور حسن الأمين، المؤرخ اللبنانى المتوفّى سنة 2002، الذى استخدم فى كتابه منهجا علميا متماسكا، ولم يكن متحاملا ولا عدائيا لوجه العداء ودون بينة وحجة، ولكن يكفى بشبهة أنه "شيعى" أن نستبعده ولا نستشهد به، إذ إننا نسعى هنا لاستجلاء التاريخ الأقرب للدقة دون شكوك أو غرض، لهذا سنستشهد بأصدقاء يوسف بن أيوب ومحبيه وحاشيته ومن مدحوه وكتبوا فيه شعرا، مع أخذ قاعدة "التاريخ يكتبه المنتصرون" فى الاعتبار، ما يعنى أننا سنقرأ تاريخا كتبه فريق يوسف بن أيوب بعدما انتصر وسجل التاريخ على هواه، أورد ما يحب إيراده وأخفى ما يحب إخفاءه، فى إطار رسمه لصورته كما يريدها، وبالتأكيد فإن المنتصر يوثق ما يراه إيجابيا ويخفى ما يراه مُشينًا، أى أننا سنرى يوسف بن أيوب من عيون محبيه فى ساعة الصفا والوفاق، وكما أحب هو نفسه أن يراه الناس والتاريخ، وما خفى وأخفوه كان أعظم.

من هذا المدخل يمكننا إيراد قائمة بالمراجع التى تنطبق عليها هذه الشروط، والتى لا يستطيع أحد اتهامها فى محبتها لـ"صلاح الدين" وانحيازها له وإجلالها لمقامه وأفعاله، وهذه القائمة تضم: "الكامل فى التاريخ" لعز الدين بن الأثير، و"الروضتين فى أخبار الدولتين" لإسماعيل المقدسى المعروف بأبى شامة، و"النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" لبهاء الدين بن شداد، و"الفتح القسّى فى الفتح المقدسى" لعماد الدين الأصفهانى، و"زبدة الحلب فى تاريخ حلب" لابن العديم، و"سير أعلام النبلاء" للذهبى، وتاريخ أبى الفداء، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"الأعلاق الخطيرة فى أمراء الشام والجزيرة" لابن شداد، و"المذيل فى تاريخ دمشق" للقلانسى، و"النصر على مصر" لابن الجوزى، و"كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد" للسيوطى، و"كشف الأسرار وهتك الأستار" لأبى بكر الباقلانى، و"النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة" لابن تغرى بردى، نذكر هذه القائمة فقط، وهناك كثيرون غيرهم من الموالين والمادحين والمُقدِّسين ليوسف بن أيوب، ولكن هذه القائمة تضم النماذج الأوضح فى التأييد والانحياز، والتعامل مع المادة التاريخية باعتبارها وسيلة لتمجيد الرجل لا نقده.


وشهد شاهد من أهلها.. حكاية يوسف بن أيوب من عيون محبيه:

بعد العرض السابق لحدود الخلاف الدائر، ولآلية اختيار المراجع والأسانيد التاريخية لقراءة تاريخ يوسف بن أيوب من وجهة نظر مؤيديه، يمكننا استعراض القصة بشكل موجز وفق التسلسل التالى...

عاش يوسف بن أيوب فى بلاط نور الدين زنكى بالشام 10 سنوات، خادما مخلصا مطيعا، وفى أواخر العقد السادس من القرن السادس الهجرى، الثانى عشر الميلادى، أرسل نور الدين زنكى حملة بقيادة أسد الدين شيركوه، عم يوسف بن أيوب، لدعم مصر فى مواجهة الحملات الصليبية عليها، وخلال الحملة وثق الخليفة الفاطمى "العاضد" فى "شيركوه" وعينه وزيرا له، وبعد شهرين مات "شيركوه" فورث يوسف بن أيوب المنصب، وكان من الطبيعى أن تثير هذه الخطوة قدرا من الحقد فى نفوس بعض كبار القادة والسياسيين، وكثيرون منهم من السنة، ليبدأ يوسف بن أيوب حملة واسعة للسيطرة على الأمر والتخلص من المعارضة، بدأت بقتل "مؤتمن الخلافة" السودانى، مع العلم أن وصف "سودانى" كان يُطلق وقتها على كل أصحاب البشرة السمراء من النوبة جنوبا، وكما كان متوقعا أثارت هذه الخطوة السودانيين والنوبيين بحالة ثورة وهياج، فشكلوا جيشا ضخما ضم 50 ألف مقاتل للثأر لمؤتمن الخلافة، اشتبك معهم يوسف بن أيوب بقواته، واستمرت المعركة أياما دون حسم، حتى أرسل القائد الكردى رجاله فأحرقوا مقر السودان بـ"المنصورة"، وسبوا نساءهم وذبحوا أطفالهم، ففر جيش السودان عندما وصله الخبر هلعا على أهله، وتتبعهم يوسف بن أيوب وأبادهم تماما.

فى هذا الباب يقول "ابن تغرى بردى": "كان أهل مصر يؤثرون عودة الفاطميين، فسيّر صلاح الدين جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، فساروا والتقوا بزعيم الثورة وكسروه، ثم بعد ذلك استقرت له قواعد الملك"، وإلى جانب الواقعتين السابقتين كانت هناك ثورة ثالثة على يوسف بن أيوب، يقول عنها "ابن تغرى" أيضا: "ساروا من الصعيد إلى مصر فى مائة ألف أسود ليعيدوا الدولة الفاطمية، فخرج إليهم أخو صلاح الدين الملك العادل بكر، وبمن معه من عساكر، والتقوا مع السودان، فكانت بينهم وقعة هائلة وقتل كبير السودان ومن معه"، كانت هذه الموقعة فى السنة السادسة من حكم يوسف بن أيوب، وفيها وقعت ثورة جديدة، قال عنها المؤرخ نفسه: "فى نفس العام أيضا وقعت ثورة أخرى فى مدينة قفط بصعيد مصر، أخمدها صلاح الدين وأرسل لها أخاه العادل على جيش، فقتل من أهلها ثلاثة آلاف وصلبهم على شجرها، ظاهر قفط".

بعد اختيار يوسف بن أيوب وزيرا للخليفة الفاطمى "العاضد"، خلفا لعمه أسد الدين شيركوه، يقول المؤرخ السنى "المقدسى"، المعروف بـ"أبى شامة": "أرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين يأمره بالحضور فى قصره ليخلع عليه الوزارة، ويولّيه بعد عمّه، فشكر نعمة ربّه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو"، وهذه القصة حكاها أيضا بهاء الدين بن شداد وابن العديم وأبو الفداء والذهبى وغيرهم، وهذا معناه أن يوسف بن أيوب كان سياسيا عاديا، يشرب الخمر ويلهو حتى اقترابه من الأربعين، ولم يكن فقيها ولا علامة، وسواء كان قد أقلع فعلا عن اللهو والخمر بعد تولى الوزارة أو لا، فهذه النقطة فرعية وغير مهمة وتخص حياته الشخصية، لكن الأهم أنها إلى جانب أن الدولة الأيوبية لم تساهم فى صنع أى نهضة علمية ولا ثقافية ولا معرفية، ترسم صورة جديرة بالنظر والتدقيق ليوسف بن أيوب، الرجل الذى أحرق مكتبة ضخمة وبعثر كتب الشيعة خارج القصر الفاطمى وداخله وفى أروقة الأزهر والمدارس الفقهية، وأغلق الأزهر نفسه سنوات طويلة، يقول بعض المؤرخين إنها امتدت لـ100 سنة حتى جاء الظاهر بيبرس فى الدولة المملوكية وأعاد فتحه، كما يُورد هذا "المقريزى" وغيره ممن وثّقوا للأمر، ولكن دعنا من الاستشهاد بالمقريزى، فالرجل يشد أحيانا على "صلاح الدين" بدرجة تبدو عدائية، حتى وإن كان مؤيدا ومادحا له فى مواقف أخرى عديدة، ولكن الحقيقة أن "بيبرس" الذى أعاد فتح الأزهر وفق هذه الرواية، أصلح كثيرا من كوارث يوسف بن أيوب وعائلته، وأهمها استرداد القدس التى ضيعتها الدولة الأيوبية بعد 40 سنة فقط من تحريرها الجزئى، وإلى جانب هذا كان نصيب القائد الكردى من التسامح صفرا، عكس الفاطميين الذين قبلوا بصيغة تعايش محترمة فى مصر، والمثال الأبرز أنهم استوزروه هو نفسه وهو سنّى المذهب.

الغريب هنا، أنه فى الوقت الذى اضطهد فيه يوسف بن أيوب الشيعة ونكّل بهم، بل واضطهد بعض الاتجاهات السنية التى لم تكن على مذهبه الأشعرى، أو لم تكن "قادرية" كما كان فى بعض فتراته، ومنهم الفقيه والمُحدّث والأديب السنى عمارة اليمنى، الذى قتله "صلاح الدين" وصلبه على باب بيته وهو بجبته وعمامته، هو نفسه من كان حنونا ورقيقا مع اليهود بشكل مبالغ فيه، لدرجة أن طبيبه الخاص كان موسى بن ميمون، الذى يراه اليهود والصهاينة تحديدا أهم يهودى بعد النبى موسى، وتقول الموسوعة اليهودية إن موسى بن ميمون كان له دور مهم فى تمتع اليهود بمكاسب كبيرة فى فترة حكم يوسف بن أيوب، سواء فى مصر أو الشام أو حتى فى القدس، التى أصدر يوسف بن أيوب مرسوما يمنح اليهود حق الإقامة والتملك فيها، بعدما ظل الأمر ممنوعا بشكل كامل منذ أيام العهدة العمرية، وكان المسيحيون أنفسهم يمنعون هذا خلال سيطرتهم على المدينة، أو بنص الموسوعة اليهودية: "استخدم ابن ميمون نفوذه فى بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر، ولمّا فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس لهم".

وتضيف الموسوعة اليهودية عن تقييمها للقائد الكردى ورأى اليهود فيه، قائلة: "كان موقف صلاح الدين من اليهود شديد التسامح"، لكن الغريب أنه كان دمويا جدا مع الشيعة، بحسب المصادر السنية القريبة منه والمؤيدة له، وقتل منهم آلافا، وعزل رجال القصر وأسرة الخليفة العاضد عن النساء حتى يقطع نسلهم، ونهب ممتلكاتهم ووزع قصورهم على أبنائه وإخوته، رغم أنها الدولة التى اختارته وزيرا وهو سنى المذهب، بعد عمه الذى كان وزيرا وسنى المذهب أيضا، وكانت دولة متسامحة مع السودان، الذين تصفهم كثير من كتب التاريخ العربية بـ"الزنوج"، بينما تسامحت معهم الدولة الفاطمية، فوصلوا لمناصب قيادة الجيش والدرك و"مؤتمن الخلافة"، كما كان الفاطميون متسامحين مع النساء والمذاهب السنية قبل الشيعية، وكانت لفقهاء الشافعية والمالكية رواقات فى الأزهر ومدارس خارجه، ولم يتعرض لهم أحد، وبدلا من زيادة حالة التسامح التى كانت قائمة، وظف يوسف بن أيوب سيفه فى القضاء عليها تماما، والتأسيس لدولة المذهب الواحد والرأى الواحد والحاكم الواحد والأسرة الواحدة، وبالتبعية كان المصريون يكرهونه، وهو نفسه يسجل هذا الأمر فى رسالة لنور الدين زنكى، يقول فيها: "إن تأخرت عن دمياط ملكها الإفرنج، وإن سرت إليها خلفنى المصريون فى أهلها بالشر، وخرجوا من طاعتى وساروا فى أثرى، والفرنج أمامى، فلا يبقى لنا باقية"، وهذه الرسالة أوردها ابن الأثير والعماد الأصفهانى وغيرهما، وفيها اعتراف صريح بأن المصريين لا يحبونه ولا يطيقون حكمه، والمفارقة أن هذا الأمر كان بعد 6 سنوات من الحكم، أى أنه نجح فى زيادة عداء المصريين له بعد القضاء على الشيعة، ولم ينجح فى استمالتهم أو الفوز بمودتهم.

 يوسف بن أيوب يتلاعب بالخليفة الفاطمى وبسيده نور الدين زنكى:

الغريب فى مسار حكم يوسف بن أيوب لمصر، أنه بعد وصوله وتوليه الوزارة، وسعيه للتمكين لحكمه والسيطرة على مقاليد الأمور، ظل محافظا على الدعوة للخليفة الفاطمى "العاضد" على منابر مصر لثلاث سنوات تقريبا، وعندما طالبه نور الدين زنكى بتغيير الخطبة والدعوة للخليفة العباسى "المستضىء"، رفض وتعلل بخوفه من ثورة المصريين عليه لأنهم يحبون الفاطميين، لكن حقيقة الموضوع قالها "أبو شامة" وابن الأثير وغيرهما، وهى أنه: "كان نور الدين زنكى قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين؛ لأنّه رأى منه فتورا فى غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الصليبيين، ليسير هو بعساكره إلى مصر، وكان المانع لصلاح الدين من الغزو، الخوف من نور الدين؛ فإنّه كان يعتقد أنّ نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج، أخذ البلاد منه، فكان يحتمى بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم"، أى أن القائد الكردى كان يُلاعب "زنكى" بالصليبيين، ويلاعب الفاطميين بـ"زنكى، والعكس، وهذه النقطة تحديدا حكمت علاقة يوسف بن أيوب بالصليبيين، فقد حاول إزاحتهم من طريق طموحه وتمدده لتوسيع ملكه وصنع أسطورته، لكنه فى الوقت نفسه لم يشأ إخراجهم من المنطقة، ولهذا السبب رفض عرض الخليفة العباسى بعدها بسنوات لدعم حملته بـ120 ألفا من جند الخلافة، حتى يحرر كل المدن العربية ويطرد الصليبيين تماما، وهذا أيضا سبب عقده صلح "الرملة"، الفضيحة والمهين بكل الصور، والذى لا مبرر له إلا أن يوسف بن أيوب كان يقامر بمصير المنطقة ويتلاعب بالأصدقاء جميعا ويرقص على حبال الأنظمة والدول، أو بمعنى أبسط "بيلعب معانا شوية ومعاهم شوية".

فى الوقت الذى طرد فيه القائد الكردى الفاطميين ونكل بقطاع كبير منهم، سمح للصليبيين بحيازة الشريط الساحلى من صور حتى يافا، وفى الوقت الذى كان يخطط فيه لغزو الدولة السلجوقية المسلمة وهضبة الأناضول والعبور لأذربيجان، وكلها دول مسلمة سنية وليست ديار عداء ولا وجهات جهاد وفتوحات، لم ينظر للأندلس نموذجا، التى كانت قد بدأت دخول مرحلة السقوط وبدأ ملوكها التناحر، حتى وقعت تماما بعد قرنين أو يزيد قليلا، ولكنه اهتم بالحشاشين وحاصرهم وقتل كثيرين منهم ومن عائلاتهم، حتى تشفّع لهم واحد من بلاطه، فرجع وعفا عنهم، ما يشير إلى أن الأمر لم يكن مشكلة دينية ولا أخلاقية مع الحشاشين بكوارثهم، كان نزوعا إمبراطوريا توسعيا وتسلطا شخصيا، لهذا لم يفعل معهم ربع ما فعله مع الفاطميين، رغم أن الفريقين شيعة، والحشاشين مجرمون والفاطميين مسالمون وأهل علم وعمارة، وهذه النقطة يمكن من خلالها فهم سبب غطرسة القائد الكردى "العراقى" وذبحه وسبيه للإيزيديين والمندائيين الذين يستوطنون مناطق محيطة بموطنه الأصلى فى "تكريت"، والطائفتان المذكورتان يعتبرون الرجل مجرم حرب حتى اللحظة، ويحتفظون له بعداء ضخم جدا، رغم أنهما من الطوائف المسالمة التى لا تعادى المنطقة ولا أهلها ولا دين الأغلبية فيها، ولم يتحالفوا مع الصليبيين كما تحالف هو نفسه، أو كثيرون من البيت الأيوبى معهم.

الجريمة الأكبر، أن طموح يوسف بن أيوب كانت فاتورته قاسية على المصريين، زادت المكوس وزاد النهب والسلب والسيطرة على الأراضى، ووجه الرجل حملات خاطفة لدول الجوار لزيادة الموارد، كحملته لليمن التى نهبت كثيرا من ممتلكات اليمنيين وعادت محملة بالذهب والفضة والمال، ووصل الأمر بطموحه الغريب إلى هدم عشرات الأهرامات الصغيرة فى هضبة الأهرام بالجيزة، وأخذ حجارتها لبناء قلعته فى هضبة المقطم، وهو ما كان قانونا لديه مع كثير من الأمور، فى الاستيلاء على القائم من دلائل الحضارة أو هدمه، بدلا من توظيف الموارد الكثيرة المتاحة له فى خلق نهضة عمرانية وثقافية، ولكن هذا الأمر لم يكن من شواغله، وربما لو استطاع هدم الأهرامات الثلاثة الكبيرة لفعل، ولكنها كانت أقوى من رغبته أو عنفه.

حالة النهب والتسلط والسرقة التى ملأت مصر وقتها، دفعت المصريين لأخذ موقف كاره ليوسف بن أيوب وحكمه، ولكنه كان كرها مكتوما، لأن جنوده ورجاله كانوا ينكلون بهم ولا يرحمونهم، فاختصروا الموضوع فى عبارة "حكم قراقوش"، وقراقوش أحد أكبر كوارث يوسف بن أيوب، فقد كان خصيًّا من الخصيان، استوزره القائد الكردى بسبب شخصيته العنيفة وعدم امتلاكه طموحا شخصيا يهدد حكمه ودولته وأسرته الأيوبية، وأطلق يده فى أمور الفاطميين والمصريين، ولم يُقصّر الرجل، فذبح المصريين بالضرائب والمكوس والسجون والتنكيل، وقطع دابر الفاطميين من مصر، وساعد فقهاء الشافعية على نشر المذهب الشافعى من خلال المدارس التى أنشأها يوسف بن أيوب بعد إغلاق الأزهر، وكان الانضمام لها بالإجبار، وفرض رقابة شنيعة على المساجد والكتاتيب، ومسك مصر بقبضة حديدية لصالح تأسيس دولة يوسف بن أيوب التى لا تعرف غير مذهب واحد ووجهة واحدة، والأسبقية فيها لأهل الثقة وخدم طموح القائد الكردى، وليس لأهل البلد ولا أهل العلم ولا أهل الكفاءة، فكانت عبارة "حكم قراقوش"، الخصى ناقص الرجولة، أفضل اختصار من وجهة نظر المصريين ليوسف بن أيوب وحكمه.

يوسف بن أيوب ينقلب على سيده نور الدين زنكى ويعصف بدولته:

الموقف الذى أخذه يوسف بن أيوب من الخليفة الفاطمى "العاضد" فى أول 3 سنوات لحكمه، بإبقائه على الدعوة له على المنابر، واتخاذ هذا الأمر وسيلة حماية من أى تحرك ضده من جانب نور الدين زنكى، انقلب عليه تماما عندما استتب له أمر الحكم وأضعف الفاطميين لدرجة أن أصبحوا لا يصلحون وسيلة حماية أو ردع لـ"زنكى"، فألغى الدعوة لـ"العاضد" وبدأ يدعو للخليفة العباسى المستضىء، واستمر هذا الأمر 3 سنوات أخرى حتى وفاة نور الدين زنكى، وكان من الممكن اعتبار الأمر تكتيكا وذكاء وخداعا استراتيجيا من يوسف بن أيوب، لخدمة سيده نور الدين زنكى والخليفة العباسى، ولكن ما فعله القائد الكردى بعد موت "زنكى" يفسر الأمور بشكل مغاير تماما وأكثر وضوحا.

بعد موت "زنكى" شن يوسف بن أيوب "صلاح الدين" حملة واسعة على دولته وابنه الملك العادل، الطفل ذى الـ12 سنة وقتها، وخلالها قصقص أجنحته وقتل مئات من جنوده، وأخذ منه كل المدن والحواضر التى كانت تحت حكمه، ووزعها على إخوته ورجاله، وتركه فى "حلب" فقط بشكل أقرب للحصار، والأنكى من هذا أنه استغل موقف القوة الذى كان فيه، وتزوج أرملة "زنكى" رغم إرادتها، حتى يوطد وجوده فى الشام بصيغة شبه شرعية منتسبة لبيت "زنكى"، وفى الوقت نفسه التف على الملك العادل وخاطب أعمامه وأخواله فى العراق واشتراهم بالهدايا ومد معهم أواصر الود والمصالح، وعندما طلب منهم الملك الصغير العون والمساندة فى وجه غطرسة وأطماع يوسف بن أيوب، كان الأخير قد سبق وضرب له الفكرة باتفاقاته معهم.

القائد الكردى صاحب أسطورة "القومية" ينهى دولته بتوزيعها على أقاربه:

الأمر الأغرب فى كل سيرة يوسف بن أيوب، أن الرجل الذى أسس أسطورته على شعارات قومية نادت بالوحدة، ورفعت شعارات تتصل بقضية القدس والحملات الصليبية وسيطرة أوروبا على كثير من مدن العرب وحواضرهم، هو من عقد صلح "الرملة" المهين مع الصليبيين كما أشرنا، والأكثر غرابة أن الصلح انعقد بطلب مباشر وعرض سخى منه، ليرضخ فى هذا الاتفاق لكل شروط الصليبيين، رغم انتصاره عليهم كما يقول التاريخ الرسمى، وهو أمر غريب أن ينزل المنتصر على شروط المهزوم، فمنحهم حق السيطرة على عشرات المدن، ومشاركة العرب فى السيطرة على مدن أخرى باقتسام متساوٍ، ووضع القدس فى صيغة أقرب لصيغة التدويل المعروفة الآن، أى أنها لم تكن تحت وصاية عربية بشكل كامل، لكن الأنكى من كل هذا أن موقفه فى آخر حياته كان كفيلا بنسف كل الشعارات القومية والعقدية التى تاجر بها، الرجل لم يكن يدعو لوحدة ولا قومية، كان الأمر مجرد شعارات للبحث عن نفوذ وملك أوسع، والدليل أنه مع اقتراب أجله قسّم ملكه ودولته بين أولاده وإخوته، وفتّت الوحدة والقومية التى قتل عشرات الآلاف فى سبيلها وتحت ذريعتها، بمعنى أنك لو تقبلت ما تورط فيه من جرائم فى حق المصريين والشوام واليمنيين والأتراك، فى حق الفاطميين والعباسيين، فى حق الشيعة والسنة، فى حق الأهرامات وتاريخ مصر وثقافتها، فى حق "العاضد" ونور الدين زنكى، لأنه وحّد العرب والمسلمين وصنع منهم دولة قوية لتحرير الأرض، فإنك لن تجد أى تبرير أو عذر له عندما تعرف أنه قسّم هذه الدولة الواحدة القوية وضحّى بتلك الأرض بهذه الطريقة الغريبة:

- مصر لابنه العزيز عماد الدين أبو الفتح.

- دمشق وما حولها لابنه الأفضل نور الدين على.

- حلب وما حولها لابنه الظاهر غازى غياث الدين.

- الكرك والشوبك وجعبر وبلدان أخرى كثيرة على محور الفرات لأخيه العادل.

- حماة لابن أخيه المنصور محمد بن تقى الدين عمر.

- حمص والرحبة وغيرهما لابن عمه أسد الدين بن شيركوه.

- اليمن بكل معاقله ومدنه وحواضره لأخيه ظهير الدين طفتكين بن أيوب.

- بعلبك وما يتبعها لابن أخيه الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه.

- بصرى وما يتبعها للظافر بن الناصر.

 ويقول "ابن كثير" عن هذا الأمر: "ثم شرعت الأمور بعد صلاح الدين تضطرب وتختلف فى جميع الممالك"، وكانت النتيجة الطبيعية التى كان يوسف بن أيوب يعرفها بالتأكيد، لو كان داهية وسياسيا حاذقا كما يرى مؤيدوه ويروون، أن الدولة ضعفت وتفكّكت تماما، وإخوته وأولاده عقدوا اتفاقات وأحلافا جانبية مع الصليبيين، وباعوا أنفسهم لهم حتى يتخلص كل منهم من الآخر، كما رأوا أباهم وعمهم يفعل بالظبط، ولكن القائد الكردى كان فردا وأذكى وأكثر شراسة ومكرا، فاستطاع النجاة بلعبته سنوات، وهم كانوا أفرادا وأغبى ومحدودى القدرة وليّنى العظم، فتمكن منهم الصليبيون بسهولة وسرعة، لدرجة استعادة كل المدن والممالك التى أخذها منهم العرب فى وجود يوسف بن أيوب، ووصل الأمر لاستعادة القدس نفسها بعد أقل من 40 سنة.

لماذا نقدس "صلاح الدين" ولا نضعه فى موقعه الطبيعى ضمن سياق التاريخ؟

الخلاصة من كل ما مر، أن يوسف بن أيوب كان رجل دنيا وسياسة، ولم يكن صلاحا للدين ولا حتى صلاحا للدنيا، دخل مضمار السياسة ولعب لعبتها بقانونها، ولا يعلو فى هذا على أى سياسى شبيه فى العصور الوسطى التى عاشها، ووضعه فى موضع الملائكية "مُضر كوضع السيف فى موضع الندى"، باجتزاء حميد عن المتنبى، الرجل تلاعب بنور الدين زنكى وخان عهده، وتلاعب بالخليفة الفاطمى العاضد وخان ثقته، قتل آلاف المصريين من الشيعة والسنة، فصل رجال الشيعة عن نسائهم لقطع النسل، واستعبد المصريين فى بلدهم، وصلب الناس على أبواب منازلهم وعلى جذوع الأشجار، حرق المكتبات والكتب وهدم البيوت والقصور، ونهب ممتلكات الأمراء والأفراد فى مصر واليمن والشام وغيرها، وهدم عشرات الأهرامات الصغيرة وسرق حجارتها ليبنى قلعته القائمة حتى الآن، وأذّل ابن سيده نور الدين زنكى، وتزوج أرملته رغم إرادتها، ووالى الصليبيين وعقد معهم اتفاقات ومصالحات تصب فى صالحه ولا تصب فى صالح الدولة، وألّب القوى العربية على بعضها كما فعل فى العراق مع أخوال وأعمام "العادل" ابن نور الدين زنكى، ووزّع أراضى المسلمين ومدنهم على أولاده وإخوته، وقرّب اليهود والخصيان ومنحهم الولاية على مصائر الناس والمكاسب التى لا آخر لها، وسمح لليهود بدخول القدس والإقامة والتملّك فيها لأول مرة منذ العهدة العمرية، وكان يقتل الأسرى كما روى العماد الأصفهانى وابن الأثير فى أكثر من موقف له مع أسرى بالشام.

الشيعة يصلون بالأمر لتكفيره واعتباره شيطانا من أسوأ شياطين التاريخ، وهذا أمر مرفوض ويتجاوز الأدب، الإيزيديون والمندائيون يعتبرونه سفاحا ومجرم حرب وشخصا ملعونا، وهذا أمر مرفوض ويتجاوز الأدب أيضا، اليهود يعتبرونه بطلا وداعما لمشروعهم، والموسوعة اليهودية تضعه على قدم المساواة مع موسى بن ميمون، أعظم يهودى فى اعتقادهم منذ النبى موسى، وهذا مرفوض وخسيس كعادة الصهاينة، وكثيرون من معارضيه يعتبرونه السبب المباشر فى ضياع فلسطين وسيطرة اليهود عليها تماما فى أوقات لاحقة، وفى هذا تزيد وسخف وتنطع يُحمّل الرجل أكثر مما يحتمل، ويوسف زيدان يعتبره من أحقر البشر فى التاريخ، وهذا مرفوض بالطبع أيضا، والسنة المتطرفون والجهلة بالتاريخ والصائمون عن القراءة وعديمو المعرفة يعتبرونه ملاكا وبطلا قوميا مغوارا ولم يسبقه أو يدانيه شخص، وهذا الرأى مرفوض كسابقيه تماما، وإن اختلفت الرؤى، يوسف بن أيوب سياسى وقائد عسكرى وحاكم، ربما كان سيئا فى كل هذا، وقاتلا وسفاك دم، ومغتصب سلطة، وصديقا للأعداء وعدوا للأصدقاء، ولكنه سياسى وحسب، ليس شيطانا ولا ملاكا، ليس حقيرا ولا مقدسا، فلا تقدسوه ولا ترفعوه لمصاف الآلهة، كى لا يُنزله ناقدوه لمنازل الشياطين، وبينه والانغماس فيها خطوة أو "قولة حق".