هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الاثنين، 18 ديسمبر 2017

لا ضرورة للتنظيم الثوري ولا للنظرية الثورية:


لا تحتاج الثورات إلى تنظيم ثوري متماسك ولا نظرية ثورية، بل إلى جماهير ثورية فحسب؛ والكلمة الأخيرة تحتها مائة خط. هذه الثورية تتضمن رغبة تلك الجماهير في إحداث تغيير جذري لأحوالها؛ فتكون مستعدة - مثلا – للدوس بالنعال على ما يسمى بثوابت الأمة، والهوية الوطنية، والمعلوم من الدين بالضرورة، وقابلة لمناقشة أيِّ شيء وكل شيء، بما فيها الدين والأفكار الثابتة والتقاليد والعادات الراسخة، ومستعدة لسحق أيِّ شخص وأيِّ جماعة وأي مؤسسة اجتماعية وأيِّ قوانين قديمة. كما تتضمن الثورية الرغبة في الحصول على الحرية من كل صنف والقضاء على السلطة القائمة.
في الثورات الكبرى، مثل الروسية والفرنسية كانت الجماهير الثورية هي قائد الثورة الفعلي. ففي روسيا وجدت أحزاب عديدة منها الحزب البلشفي؛ تنظيم لينين، الذي كان مفككا وصغيرا ومتواجدا في المدن الكبرى وليس في أرجاء روسيا الشاسعة، بل لم يقد الثورة العظمى التي اندلعت في فبراير 1917، بل إنه حقق نموه وتماسكه بعد الانتفاضة وتولي حكومة كيرنسكي وتشكيل السوفيتات بالعفوية الجماهيرية، وكانت الجماهير على يساره طول الوقت، بل لا نبالغ حين نقول إنه بعد أن استولى على السلطة قد لعب دورًا في تحجيم الثورة الروسية، حين قام مثلا بحل الجمعية التأسيسية المنتخبة، وقمع انتفاضة بحارة كرونشتات الأكثر منه ثورية، وحين قمع نقابات العمال واتهم الثوار اليساريين بالطفولة اليسارية، وفي النهاية قام بثورة مضادة ناجحة بقيادة ستالين، فأغلق المجال العام وأقام نظامًا شموليًّا لصالح مافيا البيروقراطية.
أما قبل الثورة الفرنسية فلم تكن هناك نظرية ثورية محددة المعالم، بل أفكار ثورية عديدة؛ ليبرالية بمختلف توجهاتها، ولم يوجد تنظيم ثوري، بل وجدت مجموعات من المثقفين والسياسين ونوادٍ سياسية شاركت في الثورة. كان نادي اليعاقبة جمعية صغيرة سرعان ما نمت بشدة مع اندلاع الثورة وسقوط الباستيل (وصل عدد أعضائها إلى مئات الألوف). وكان للجماهير المهمشة والعمال غير المنظمين سياسيًّا دور حاسم في تحقيق الكثير من إنجازات الثورة، ولا نبالغ إذا قلنا إن التنظيمات الثورية قد لعبت دورًا مهمًّا في وأد طموحات الناس، مما مهد للثورة المضادة بقيادة نابليون بونابرت. 
إن كل نظرية تحمل بذرة محافظة بالضرورة، لأنها - على الأقل – ترفض غيرها من النظريات وتعمل على تجميد عمل الذهن. أما أيُّ تنظيم متماسك فيميل إلى السيطرة على أعضائه وقتل روح التمرد داخلهم، بل تتكون به مصالح للقادة والزعماء في استمرار هيمنتهم على الأعضاء وتوجيه التنظيم لصالحهم. ومن الطبيعي أن يستخدم التنظيم المتماسك المواءمات والمساومات ويلجأ للتفاوض مع مختلف القوى السياسية، فيحمل بذرة مضادة لاستمرار الثورة منذ البداية.
من الممكن أن تندلع الثورات بدون (نظرية ثورية) فيكفي أن توجد نزعات ثورية في المجتمع، وأقلام تدعو لتجاوز الوضع القائم، ودعوات فكرية وسياسية تقدمية.
ومن الممكن أن تندلع الثورات بدون حزب سياسي متماسك، بل يمكن أن تتحرك الجماهير بمبادرتها الخاصة، مشكلة مؤسساتها ومنظماتها، بل ودافعة من يسمون أنفسهم بالطليعة الثورية إلى النمو والانتشار. يكفى أن توجد جماعات ثقافية وسياسية وجبهات عمل مؤقتة..إلخ
في التاريخ كانت الثورات تندلع عفويا بعد تراكمات معينة، وكانت التنظيمات تنتشر ويصبح لها وجود حقيقي بعد اندلاع الثورة.
ليس من الضروري تحديد (طبيعة الثورة) القادمة، فالثورة هي ثورة على الوضع القائم لصالح طموحات قد تزداد مع الوقت، وأفقها يتحدد حسب إمكانيات القوى المتصارعة ومسار الصراع السياسي، ولا أحد يستطيع أن يحدد متى تتوقف العملية الثورية.