هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الأربعاء، 24 نوفمبر، 2010

حول موضوع كنيسة العمرانية

عادل العمرى

كان من الممكن استخدام بعض الحكمة من جانب رجال الكنيسة والسلطات ولكن الواضح أن الطرفين يريدان إشعال الموقف لأغراض غير خافية على أحد:السلطة تريد عمل توازن مع قمعها للإخوان فى معركة الانتخابات والكنيسة تريد مذبحة لتغرى الرأى العام العالمى بالتدخل.هذه فى الواقع مجرد مسخرة دفع فيها المسيحيون البسطاء الفاتورة وهم يسيرون بدون وعى خلف الكهنة.وإذا كانت هناك مساجد غير مرخصة فهل يجب هدمها أم بناء كنائس غير مرخصة أيضا؟؟وإذا تم مد الكلام على استقامته لقرر كل المصريون إقامة مؤسسات غير مرخصة سواء دينية أو علمانية.لا شك أن هناك تمييزا ضد المسيحيين ولكن إلغاء هذا التمييز سيكون ممكنا بمقاومته وليس بالمطالبة بتمييز مضاد يؤجج الاحتقان الموجود فعلا.من الملاحظ ولسوء حظ الطرفين:الدولة والكنيسة أن جمهور المسلمين كان مستاءا من الدولة وشارك بعضه فى بناء الكنيسة ولم تحدث فتنة طائفية،وإذا تكرر هذا سيكون معطى جديدا قد يساهم فى إجهاض مؤامرات الطرفين المذكورين .وفى النهاية أتساءل :هل ستقف الكنيسة منذ الآن ضد نظام حسنى مبارك وعائلته أم ستستمر فى تأييد مشروع التوريث البغيض؟؟!!

الأربعاء، 17 نوفمبر، 2010

نشأة الخراج فى العصر الإسلامي

شريف يونس وعادل العمرى
( نشرت عام 1986 فى مجلة الراية العربية العدد الأول)

اختلف مدلول مصطلح الخراج فى كتابات مؤرخى وفقهاء العصر الإسلامى، بل شمل الاختلاف أغلب استخدامات المعاصرين لهذا المصطلح. فقد أشير به أحيانا إلى دخل الخلافة ككل، أو دخلها من إحدى ولاياتها، واستخدمه أبو يوسف بين دفتى كتابه الشهير
[1]، للإشارة إلى نظام ضريبى معين يفرض على أرض زراعية تسمى أرض الخراج، والتى تعتبر من الناحية الفقهية أرضا موقوفه على بيت المال ومملوكة للأمة الإسلامية كلها[2] ( وفى إطار هذا التعريف الأخير للمصلطح، يتناول هذا المقال موضوع الخراج).
والخراج، وفقا لهذا التعريف، قد شكل لب النظام الاقتصادى فى العصر الإسلامى، وخاصة فى عهوده المزدهرة .. حيث أنه كان النظام الرئيسى فى مجال الإنتاج الزراعى الذى كان بدوره أهم مجالات الإنتاج فى العصر الوسيط برمته .
[3]يترتب على ذلك بالضرورة أن نظام الخراج كان أهم النظم الاقتصادية إطلاقا من حيث تشكيل معالم الحياة اليومية وتحديد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للغالبية العظمى من السكان المعاصرين .. وبالتالى أسهم بمختلف الطرق المباشرة وغير المباشرة فى تشكيل مجمل النظم المعاصرة الأخرى.
على أن التأريخ لنظام الخراج – على أهميته الكبرى – ُيعد مشكلة عويصة لا زالت تعترض الباحثين، نظرا لقلة اهتمام المصادر التاريخية به، واقتصار تناوله فى أغلب الاحيان على الناحية الفقهية، دون العناية بالنظم العينية لجبايته وتحديد مقداره واوجه صرفه .. وما طرأ على كل ذلك من تغييرات عبر الزمن
[4]. ويمكن تتبع نشأة نظام الخراج فى عهد عمر ابن الخطاب وإرهاصاته فى عهد الرسول عن طريق كتاب البلاذرى؛ فتوح البلدان. والمقال مدين إلى أبعد الحدود للمعلومات التى أوردها ابن عبد الحكم : فتوح مصر والمغرب، فى الصفحات التى خصصها لموضوع الخراج فى مصر. كذلك أورد الجهشيارى فى كتابه : الوزراء والكتاب مادة تاريخية حول دواوين الخراج، تتميز بعموميتها وعدم تعرضها للتفاصيل والنظم العينية لدواوين الخراج. ولعل كتاب أبو يوسف الذى سبقت الإشارة إليه. يمكن أن يعد من أهم الكتب الفقهية فى أحكام الخراج، نظرا لمنزلة مؤلفه عند الخليفة العباسى "الرشيد" ونظرا لأن الكتاب قد ُصف بناء على طلب الخليفة. وتتركز أهمية كتاب ضياء الدين الريس حول الخراج والنظم المالية – بجانب جهده المحمود فى تحقيق المقاييس الإسلامية – فى جمعه لمعلومات تاريخية مختلفة تتعلق بالأوضاع السياسية والاقتصادية تمس من نواحى متعددة نظم الخراج. ولكن الكتاب فى مجموعة لم يوفق فى تحقيق الغرض الذى يدل عليه عنوانه.
وفى حدود هذه المصادر، سوف يتناول المقال مواضيعا خمسة رئيسية، وهى إرهاصات ونشأة نظام الخراج، وأسسه الاقتصادية، ونظم جبايته، ثم علاقات نظام الخراج بكل من حائزى أرض الخراج والدولة. كذلك أفردنا حيزا لنشأة نظام الإقطاع وطبيعته وعلاقته بنظام الخراج.
***********************
لم يحل إدراك المعاصرين لأسبقية نظام الخراج تاريخيا – فى دولة الفرس على الأقل
[5] – على الفتوحات الإسلامية، دون تناولهم له كفرع من فروع الفقه الدينى الخاص بالمعاملات. وفى محاولتهم تكييف نظام الخراج تكييفا فقهيا، رجعوا إلى سنة الرسول وسابقات الخلفاء الراشدين. ورغم اختلاف الأهداف، لا يسعنا سوى أن نقتفى خطاهم على نفس الطريق.
كان النبى إذا فتح أرضا بإسلام أهلها دون قتال، يترك لهم الاحتفاظ بالأرض
[6] ، ويفرض عليها ضريبة العشر إذا كانت تسقى بالراحة أو نصف العشر إذا كانت تسقى بآلات الرفع. [7]أما إذا فتح النبى أرضا بصلح مع أهلها من أهل الكتاب، وحتى إذا سبق الصلح حصار حربى، كانت الأرض تعد ملكا له بصفته الدينية والسياسية، وليس بصفته الشخصية. وكان الرسول أما أن يطرد أهل هذه الأرض – كأحد شروط الصلح – ويتولى زراعتها بنفسه[8] ، وخاصة إذا كانت الأرض واقعة فى متناول جماعة المسلمين والرسول، بحيث يمكن العناية بالأرض دون التخلى عن الإقامة فى المدينة ، وهى حصن الدعوة ؛ وإما أن يقر أهلها على زراعة الأرض ، فيشتمل الصلح على مقاسمة الرسول إياهم نتاج الأرض[9] ، ويسمى نصيب الرسول من هذا النتاج خراجا. كذلك كان للرسول مطلق الحرية – فى حدود الدين – فى التصرف فى هذه الأرض ومحصولاتها، فكان ينفق منها على أهله أو يقطع بعضها للمهاجرين أو غيرهم، أو ينفق من عائدها على الفقراء[10]. وتجدر الإشارة إلى أن الرسول، لأنه لا يورث، تنتقل ملكيته هذه من بعده إلى جماعة المسلمين [11]. فليست ملكيته للأرض إذن سوى شكل لملكية الدولة الإسلامية للأرض.
أما الأراضى التى فتحها الرسول عنوة، مثل أرض خيبر وأرض بنى قريظة، فكان يقسم أربعة أخماسها على الفاتحين، ويحتفظ بالخمس الباقى طبقا لحكم القرآن
[12]. وإلى تلك السابقات استند الذين عارضوا ما فعله عمر بن الخطاب من وقف الأراضى المفتوحة على بيت المال مطالبين بتقسيمها[13]. ولكن يلاحظ أن تقسيم مثل هذه الأراضى قد اتخذ أحيانا منحى صوريا. وآية ذلك أن الرسول عندما فتح خيبر و وادى القرى، ترك هذه الأرض لأهلها مقابل شطر من نتاجها[14]. فالأرجح هنا أن هذا الشطر هو الذى كان يقسم وليس الأرض فى أيدى أهلها حتى لا تتشتت قوة المسلمين فى خارج المدينة. ومما يرجح هذا التعليل، أن الرسول قد قسم أرض بنى قريظة تقسيما فعليا بين الفاتحين، إذ أن هذه الأرض واقعة ضمن نطاق المدينة.
حين تم فتح الشام والسواد (العراق) فى عهد عمر بن الخطاب، قام جدل واسع حول كيفية التصرف فى هذه الأرض التى افتتحت عنوة. فقد رفض عمر تقسيم الأرض على المقاتلين كما طالب بلال وآخرون، مستندين إلى نص القرآن وسنة الرسول. واشتد الخلاف بين العشرة المبشرين بالجنة وبين المهاجرين وبعضهم البعض، فلجأ عمر إزاء ذلك إلى استشارة زعماء الأنصار لحسم الخلاف. كانت حجة عمر بن الخطاب أن هذا الفيىء ملك لكل المسلمين، فإذا ما قسمت الأرض، لن يبقى شئ للأجيال القادمة من غير أبناء الفاتحين، كما أن التقسيم سيستتبع تفرغ الفاتحين لإدارة أراضيهم الشاسعة، وبالتالى هجر الأمصار والثغور، بالإضافة إلى أن حرمان بيت المال من خراج هذه الأرض بتقسيمها، سيعجز الخلافة عن الإنفاق على الجنود لسد الثغور. وهكذا اقتنع زعماء الأنصار بأن العدول عن تطبيق نظام الخراج على الأرض المفتوحة يهدد بإستعادة أعداء الدولة الناشئة لهذه البلدان
[15]. وهذا يعنى أن عمر بن الخطاب قد جعل قضية الإسلام ومركزية الدولة ونظام الخراج والعصبية العربية قضية واحدة. وتدل الحوادث على أن عمرا كان حريصا كل الحرص على توفير أسباب الحفاظ على تماسك العصبية العربية وإبقائها تحت سيطرة الخلافة فى نفس الوقت، فعمل على أن تقام الأمصار حيث يمكن أن ترعى الإبل[16] ، بقصد إبقاء نمط معيشة سكانها العرب البدوى – الرعوى – الحربى المنفصل عن نمط معيشة سكان البلاد المفتوحة، كما كان حريصا على توفير عطاء الجند وأسرهم [17]، حتى يظلوا معتمدين فى معاشهم على الدولة وحتى لا يتحولوا للزراعة والاستقرار. أما مبدأ تقسيم الفيىء الذى ورد فى القرآن فقد قصره عمر على ما يحرزه المقاتلون فى المعارك من مال أو سلاح[18]. كذلك طبق عمر نظام الخراج فى مصر[19]. وترتب على ما فعله عمر اعتماد نظام الدواوين الخاصة بالخراج، والتى ورثها العرب عن البلاد المفتوحة[20]، وإنشاء ديوان العطاء.
ترتب على تزايد أهمية نظام الخراج أن وضع الفقه الإسلامى على عاتقه مهمة التكيف مع هذا الواقع والتشريع له. ورغم المعاناة والحيرة التى لقيها الفقهاء
[21] ، إلا أنهم أنجزوا مهمتهم. وصارت تشريعاتهم الاقتصادية تنزع فى الأغلب الأعم إلى الحفاظ على قوة نظام الخراج وبقائه، مقتفين أثر عمر بن الخطاب. فقد منع عمر تحويل أرض الخراج إلى أرض عشر إذا أسلم أهلها، واقتفى أثره الفقهاء واكتفوا بإلغاء الجزية على الرؤوس متعللين بأن لحظة الفتح تحديدا هى التى تحدد ما إذا كانت الأرض أرض عشر أم أرض خراج [22]. بل ويصل الأمر بأبى يوسف إلى حد منع الخلفاء من أخذ أرض الخراج من أهل الخراج[23]. وحتى بالنسبة للأراضى البور الواقعة ضمن أرض الخراج، أى فى نطاقها، يفرض الخراج عليها إذا ما استصلحت وعمرت [24]. وما من شك أن مجمل هذه الأحكام تضع قيودا متعددة على الملكية الخاصة للأرض الزراعية[25]. والأساس القانونى لحق الملكية الخاصة للأرض، ألا وهو حق وضع اليد، جرى حصره إلى حد كبير بالحكم الخاص بفرض الخراج على الأرض المستصلحة الواقعة ضمن أرض الخراج.
ان مقولة غياب الملكية الخاصة للأرض فى نطاق أرض الخراج. ليست مجرد مقولة نظرية مستندة من الفقه. فإذا ما بحثنا فى طبيعة الخراج نفسه لوجدناه مختلفا تماما عن الضريبة والزكاة. فيتضح من بعض ما أورده أبو يوسف فى كتابه
[26]، أن الخراج أكبر من العشر بل والعشرين. وهذا ليس مجرد فارق كمى بل هو فارق كيفى، إذ أن ضخامة الخراج المفروض على قطعة الأرض تجعله ما يمكن أن نسميه بمصطلحات علم الاقتصاد فائض الإنتاج الاجتماعى، أى يكافئ بلغة عصرنا الضريبة والريع والربح معا. كما أن حائز أرض الخراج لا يحق له أن يمتنع عن زراعتها [27]، لأنها أرض ملك للدولة الإسلامية. ويؤكد ذلك ما ذكره ابن عبد الحكم عن نظام فرض الخراج فى مصر [28]، إذ كان يفرض على القرى جملة تبعا لمساحة كل قرية من الأرض العامرة، وتقسم هذه المساحة على الأسر فى القرية بحسب قدرتها على الفلاحة، أى بحسب ما تحوزه من قوة العمل. وما يفيض من أرض القرية مما لا يرغب سكانها فى فلاحته كان يقسم عليهم ويلزمون بزراعته. هذه الحقائق تحول دون قبول ما يذكره أبو يوسف، عن حق حائز أرض الخراج فى توريثها و بيعها[29] ، فنظرا لطبيعة الخراج باعتباره فائض الإنتاج الاجتماعى، ونظرا لكل ما سبق ، فقول أن ما يتوارث هنا هو حق الحيازة أو حق المنفعة ، وهى وراثة مشروطة بالقدرة على فلاحة الأرض وتعميرها. كذلك لا تستقيم فكرة حيازة أهل الخراج لحق الرقبة مع ما يذكره أبو يوسف عن وجوه المزارعة[30] ففيها : يكون الخراج على صاحب الأرض، أى حائزها، ويحصل الزارع على المحصول، ذلك على عكس أرض العشر بحيث يكون العشر على صاحب الزرع أو على الاثنين معا. فواضح هنا أن القيام على أرض الخراج وحيازتها واجب على الحائز أكثر منه حق له. كما يتضح أن كافة أحكام أرض الخراج مكيفة بحيث تضمن الدولة حقها فى خراج الأرض[31].
إلام يستند حق الدولة فى الحصول على فائض الإنتاج من أرض الخراج ؟ إذا ما طرحنا جانبا الأحكام الفقهية وما تقدمه من تبريرات لهذا مما سبق ذكره، سنجد الأساس الحقيقى لنظام الخراج فى نظام الرى. فالحكومة تعد مسئولة عن صيانة نظام الرى من حفر وتعميق للأنهار والترع والمصارف الرئيسية وبناء الجسور لحماية الأرض من الفيضان وتتكفل بنفقة كل ذلك فضلا عن أن جهاز الدولة هو الأداة الرئيسية والضرورية لإنجاز هذه الأعمال العامة
[32]. أيضا، تعد الدولة مسئولة من حيث الإشراف والتخطيط بالنسبة لأعمال الرى المقامة على نطاق أصغر من هذا، بحيث لا تتسبب فى الإضرار بنظام الرى النهرى فى مجموعه [33]. مثل هذا الدور الجوهرى الذى تلعبه الدولة فى صيانة الشروط الأساسية للنشاط الزراعى، وهو النشاط الاقتصادى الرئيسى، يستدعى بالضرورة هيمنتها على الموارد المالية، كما يعطيها الفرصة فى استغلال سلطاتها الجوهرية الناشئة عن دورها هذا فى مد سلطانها إلى كافة المجالات الأخرى.
كانت الدولة تجبى الخراج عن طريق موظفين ينتظمون فى جهاز يسمى ديوان الخراج يرأسه والى الخراج.
[34] وقد عرفت ثلاثة نظم لجباية الخراج. كان عمر بن الخطاب قد جبى خراج السواد طبقا لنظام المساحة، الذى كانت دولة فارس قد أخذت به بدءا من عهد كسرى أنو شروان. [35]وهو نظام يقوم على مسح الأرض وإحصاء الناس[36]، وتحديد الحيازات وما فيها من مزروعات فى سجلات، بحيث تتحدد قيمة الخراج تبعا لمساحة الأرض وجودتها ومدى بعدها عن السوق ونوع المحصول المزروع [37]. وفى عهد المهدى تحولت الخلافة العباسية إلى نظام المقاسمة، نظرا لشكوى الحائزين من إنخفاض أسعار المحصولات بحيث صاروا عاجزين عن أداء الخراج. ويقضى نظام المقاسمة بأن تحصل الدولة على نسبة تتراوح بين النصف والربع من المحصول تبعا لطريقة الرى[38]. لا شك أن نظام المقاسمة يحتاج إلى مسح الأرض لتحديد الحيازات ووسيلة الرى ونوع المحصول. ويشدد أبو يوسف[39] على أهمية نظام المساحة، نظرا لأنها تمنع تعدى الأقوياء على حق الضعفاء، ويترتب على ذلك العجز عن أداء الخراج، فضلا عن المساس بهيبة الدولة. ونجاح أى من هذين النظامين يرتبط أشد الأرتباط بألا يتطرق الفساد إلى جهاز الدولة وألا يتحول ولاء موظفيها، وخاصة كبارهم ممن يتولون الولاية العامة أو ولاية الخراج. لذلك ينصح أبو يوسف[40] بألا يتولى ولاية الخراج إلا من كانوا من أهل الصلاح والدين والأمانة، وأن تصرف حقوق الولاة والجنود من قبل ديوان العطاء فلا تكون لهم علاقة مباشرة بجباية الخراج من الولاية[41] ، مما يجعل من الصعب على الحاميات العسكرية الانفصال بالولاية. ويبدو أنه لنفس السبب، فصل سليمان بن عبد الملك منصب والى الخراج عن الولاية العامة فى مصر، واقتفى أثره من تلاه من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية فى أغلب الحالات. وحرصا على عدم تفشى الفساد الإدارى، كان بعض الخلفاء الأقوياء، حين يلمس كسرا فى الخراج بسبب الظلم، يرسل من قبله من يفتش على أعمال الولاء ويقتص للرعية منهم [42].
أما النظام الثالث لجباية الخراج، فهو نظام القبالة. وفيه تعهد الحكومة – عن طريق مزاد علنى فى أغلب الأحوال – إلى أحد الأشخاص بجباية خراج دائرة أو ولاية معينة فيصير مسئولا عن توريد المبلغ الذى تعهد بدفعه للحكومة، وله أن يحصل على ما يفيض عن ذلك من نتاج الجباية. وهذا النظام من مضاره أنه يضع الحائزين تحت رحمة المتقبل الذى يلجأ عادة لاعتصار أهل الخراج من أجل زيادة أرباحه، مما يترتب عليه فرار الحائزين من الأرض أو لجوئهم للتخريب . والأرجح أن الدولة ما كانت تلجأ إلى هذا النظام إلا إذا ما تفشى الفساد فى الإدارة بنهب مستحقاتها عن طريق الموظفين.
ومع أن الدولة هى التى تحدد نظام جباية الخراج ومقداره، إلا أن سلطتها فى هذا المجال مقيدة من الناحية الموضوعية بمصلحتها فى الحفاظ لحائزى أرض الخراج على الحد الأدنى من الدخل اللازم لمعاشهم وأسرهم، وإلا "إنكسر الخراج
[43] بتعبير أبو يوسف. بالإضافة إلى حماية جهاز الدولة من الفساد الإدارى ومركزة نظام الخراج، مما ذكر سابقا ، يشدد أبو يوسف على ضرورة توحيد معايير الخراج و أن يقتسم الموظفون المحصول مع الزارع مرة واحدة بعد التذرية والدرس وأن يتم الدرس بأسرع ما يمكن حتى يتاح للفلاحين أخذ نصيبهم بسرعة فلا يصابوا بالعوز أو اضراره [44]. رغم كل هذه الإجراءات كان تعذيب أهل الخراج، وبأبشع الوسائل ، شيئا معتادا فى هذا العصر[45].
والواقع أن كل هذه الإجراءات لم تستهدف بالدرجة الأولى – إذا كانت تستهدف أصلا – تحقيق العدل أو الرحمة بالرعية، وإنما كان هدفها الأساسى الحفاظ على نظام الخراج ومقداره. لذلك نجد أبو يوسف يشدد فى كل نصائحه للخليفة الرشيد على أضرار مخالفة هذه النصائح بمقدار الخراج. وعمرو بن العاص الذى عاب على خلفه فى ولاية مصر تحميل أهل الخراج فوق ما يحتملون يحدد وضع القبط الاجتماعى بأنهم خزنة العرب
[46] ، ويشبه أرض مصر بالبقرة الحلوب[47] وحليبها الخراج. كذلك أمر عمر بن الخطاب بأن "يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين فى لبوسهم" [48].
وحتى هذا العدل الذى يستهدف عدم كسر الخراج لم يكن دائم الحدوث. فعوامل من قبيل تزايد احتياجات الحكومة للانفاق على الجنود والحفاظ على مظاهر الترف، أو اقطاع المقربين أو الجنود، كثيرا ما دفعت الخلفاء إلى التعدى على الحد الأدنى لمعيشة أهل الخراج. ومن أمثلة هذا ما حدث فى عهد سليمان بن عبد الملك، حيث جاءه وإلى الخراج بمصر أسامة بن زيد قائلا : "أنى ما جئتك حتى نهكت الرعية وجهدت، فإن رأيت أن ترفق بها وترفه عنها وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها وصلاح معايشها فافعله فإنه يستدرك فى العام المقبل". فقال سليمان : "هبلتك أمك، أحلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا"
[49] فإذا ما اشتد الأمر على أهل الخراج كانوا يلجأون للثورة ضد الدولة، وسنستعرض هنا ثورات المصريين الرئيسية ضد الأمويين والعباسيين. ثار القبط ثورتهم الأولى فى علم 107 هـ، بعد أن قرر والى الخراج فيها زيادة الخراج بما يساوى خمسة بالمائة منه[50]. وكانت ثورة مصر الكبرى الثانية فى عهد المهدى واستمرت من عام 167 إلى عام 169 هـ فى الصعيد والدلتا، بسبب تشدد الوالى فى اعتصار الخراج وزيادته[51]. وتعددت ثورات العرب الذين استوطنوا منطقة الحوف الشرقى، فثاروا ثلاث مرات فى عهد الرشيد. كانت أولى ثوراتهم فى عام 178 هـ، بسبب زيادة قيمة الخراج، والثانية فى عام 186 هـ بسبب التلاعب بمسح الأرض. ويصل بهم الأمر فى عام 191 هـ إلى حد الامتناع عن أداء الخراج، وقمعت كل هذه الثورات سريعا[52]. ثم ثار عرب الحوف ثورتهم الكبرى فى عهد المأمون فى عام 214 هـ وقمعت، ولكن الثورة ما لبثت أن اشتعلت مرة أخرى فى عام 216 هـ، واشترك فيها القبط والعرب كلاهما بالوجه البحرى. ولم تهدأ الثورة إلا بعد حضور المأمون بنفسه فى عام 217 هـ[53].
وخلاصة هذا كله أن نظام الخراج يستتبع بالضرورة أن تصبح علاقة السياسة بالاقتصاد علاقة مباشرة. فمسئولية الدولة عن نظام الرى وما يستتبعها من ملكية الدولة للأرض وحصولها على الفائض الاجتماعى بواسطة جيش من الجباه، كل ذلك يحول كل احتجاج للسكان ضد العسف والنهب الاقتصادى مباشرة إلى ثورة سياسية الطابع
[54]، حتى ولو كان سبب هذا العسف هو تراخى قبضة الدولة المركزية عن دواوين الولايات .. ففى كل الأحوال يأتى هذا النهب عن طريق الجباة وزبانية الدولة.
وتتجلى العلاقة المباشرة بين السياسة والاقتصاد على وجه آخر، من حيث أن الخراج هو العماد الحقيقى والرئيسى لمركزية الدولة، فمن الخراج عطاء الجند، ومنه أرزاق القضاة والعمال والولاة
[55] ، وسائر الموظفين. وهذه العلاقة بدورها كان المعاصرون يدركونها فقد قال المأمون : "قد كان لأخى (الأمين) رأى لو عمل به لظفر بنا ، لو كتب لأهل خراسان وطبرستان ودنباوند أنه قد وهب لهم الخراج لسنة، لم تخل من أحد حالين : أما رددنا فعله ولم نلتفت إليه فعصانا أهل هذه البلدان ،وأما قبلناه وانفذناه، فلم نجد ما لا نعطى منه من معنا وتفرق جندنا ووهن أمرنا" [56]. ولكن الأمين كان فى شغل عن أمور الخراج بمجالس الندماء [57].
على أن أكبر تهديد يواجه نظام الخراج، هو توسع نظام الاقطاع على حسابه. وقد لجأت الدولة الإسلامية إلى الإقطاع من أجل مكافأة أنصارها وكبرائها. وكان الرسول أول من اقطع أرضا فى العصر الإسلامى، فقد أقطع – على سبيل المثال – من أرض بنى النضير – وكانت أرض خراج – الزبير بن العوام
[58]. كما أعطى منها المهاجرين واثنين من الأنصار شكيا الفقر[59]. كان معيار الاقطاع إذن هو التقدير الشخصى للرسول لمصالح المجتمع الناشئ. وفى الأراضى المفتوحة كان عثمان بن عفان أول من أقطع أرض الصوافى فى العراق[60]. وأرض الصوافى هى الأرض التى كانت فى يد كسرى ومرازبته وأهل بيته، ومن قتل فى الحرب أو لحق بدار الحرب، وغير ذلك[61]. وكذلك أقطع معاوية[62] والخلفاء الأمويون أنصارهم. ومع تقدم الزمن بالدولة الأموية تخطى نظام الاقطاع الصوافى إلى أرض الخراج واستمر ذلك حتى جاء عهد المنصور العباسى، فصادر كل ذلك وأعاد أرض الخراج إلى ما كانت عليه [63]. ويبدو أن الخلفاء العباسيين الأقوياء كانوا يقطعون الأراضى البور بصفة خاصة [64]، من أجل مد العمران، وبالتالى تزايد موارد الدولة. ولذلك يستشهد أبو يوسف بما قاله عمر بن الخطاب من أن الأرض المقطعة التى لا يعمرها صاحبها لمدة ثلاث سنوات لا تكون من حقه[65]. ومن ذلك نستنتج أن الاقطاع وظيفة من حيث الجوهر، وبواسطته توكل الحكومة تعمير الأرض، وهو الواجب الموضوع على عاتقها، إلى أحد الأفراد، وهذا الاقطاع مترتب على وظيفة الشخص، أى أهميته داخل جهاز الدولة. فهو اقطاع متفرع عن سلطة الدولة، على عكس الاقطاع الأوروبى.
إذا أقطع الإمام أرضا واقعة ضمن أراضى الخراج لمقطع، فللإمام أن يفرض عليها الخراج.
[66] أما إذا كانت مع أرض القطائع، فيفرض عليها العشر ونصف العشر[67] ، وإذا كانت تشرب من أنهار الخراج فللإمام أن يفرض عليها الخراج[68]. والأرجح أنه قلما كان الإمام يفرض على المقطع الخراج. نظرا لأن المقطع يتحمل مؤونة إستصلاح الأرض وتعميرها إذا كانت بورا [69]، ولأن الإقطاع إنما هو هبة من الدولة فلا يعقل أن يأخذ المقطع من المزارعين فى الأرض المقطعة خراجا ويعطيه للدولة، إذ لن يتبقى له شئ أو يلجأ لأن يحمل المزارعين ما يفوق طاقتهم.
ولما كان الإقطاع وسيلة من وسائل مكافأة الأنصار والحفاظ على ولائهم، يصعب أن نتصور ألا يكون نزع الإقطاع وسيلة للعقاب والحرمان والقضاء على نفوذ المناوئين لحكم الخليفة. ورغم تأكيدات أبو يوسف العديدة لعدم حق الخلفاء فى انتزاع إقطاعات من أقطعهم الخلفاء المهديون وتحريم ذلك
[70] ، ولا نشك فى أن نكبة البرامكة، أو انتقال الحكم من الأمين للمأمون بعد حرب أهلية أو تأرجح موقف الخلفاء الأمويين بين القيسية واليمنية، تستتبع كلها نزع إقطاعات الخصوم وإعادة إقطاعها للأنصار.
ولاشك أن اتساع الثغرات التى يفتحها نظام الإقطاع فى نظام الخراج، كظاهرة مميزة لعهود تراخى قبضة الدولة وانهيار السلطة المركزية، ليس من قبيل الصدفة أو التوافق الزمنى .. إنما هو توافق ناتج عن ارتباط الأمرين ارتباط العلة بالمعلول. فانتشار نظام الإقطاع يعنى ظهور جماعات من الحائزين الأقوياء لحقوق عينية على الأرض، لهم مصالح منفصلة عن مصلحة الدولة، ويمكنهم أن يستخدموا ثرواتهم فى تحقيق مآربهم داخل جهاز الدولة بالرشوة وغيرها. ويترتب على فساد رجال الدولة وظهور هؤلاء المقطعين الأقوياء، لجوء الدولة إلى نظام القبالة لعجزها عن السيطرة على أطراف الجهاز الحكومى وإلى اضطرار حائزى أرض الخراج إلى إلجاء أرضيهم
[71]. وكل هذه الظوهر تؤدى للإجهاز على مركزية الدولة، أو أضعاف العصبية بتعبير ابن خلدون.
يمكن القول أن نظام الخراج يقوم على دعامتين أساسيتين : أولاهما احتفاظ الدولة بملكية الرقبة لأرض الخراج، وثانيهما حصولها على فائض الإنتاج من هذه الأرض بواسطة موظفيها. ويستند تعميم هذا النظام وانتشاره إلى وظيفة الدولة الاقتصادية فى الإشراف على نظام الرى والإنفاق على إصلاحه وترميمه. كما يترتب على سيادة هذا النظام فى المجال الزراعى، أن يصبح هذا النظام الأساس الاقتصادى لمركزية الدولة، بينما ترتبط ظاهرة انهيار هذه المركزية بانهيار نظام الخراج لصالح نظام الإقطاع واللجوء لنظام القبالة فى جمع الخراج وتفشى الفساد فى جهاز الخراج، وانتشار ظاهرة إلجاء الأرض، وكل ذلك يعنى وقوع وظائف الدولة الاقتصادية على عاتق فئات اجتماعية أخرى لا تستمد مكانتها وثروتها من مجرد وضعها داخل جهاز الدولة.
**************************


[1] الخراج، تحقيق وتعليق محمد إبراهيم البنا، القاهرة 1981. والكتاب رغم عنوانه يتناول مختلف الأمور التى يمكن إدراجها تحت عنوان (أحكام المالية العامة).
[2] للمزيد حول خلط المعاصرين فى استخدام مصطلح الخراج، راجع : محمد ضياء الدين الريس، الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية، ط 4، القاهرة 1977، المقدمة.
[3] لا تنتمى التجارة العابرة (الترانسيت) إلى مجال الإنتاج، وإنما إلى مجال التبادل وعلى ذلك لا تمس أهميتها كمصدر دخل للخلافة والتجار أدنى مساس بالفكرة التى ذكرت توا.
[4] فى كتابة "قوانين الدواوين" تحدث ابن مماتى بشكل مختصر نوعا عن بعض من هذه النظم فى مصر. ولكن كتابه، فضلا عن صغر حجمه واقتضاب معلوماته، يرجع إلى عهد الايوبيين، وهو عهد شهد – كما يتضح من الكتاب – بيع الوظائف العامة وظواهر أخرى تجعل من الصعب الاستناد إلى مؤلفات هذا العهد فى وضع معالم نشأة وتطور نظلم الخراج فى العهود الأسبق.
[5] الجهشيارى، الوزراء والكتاب، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، ط 4، القاهرة 1938. ص ص 4 – 5 ؛ الريس، الخراج والنظم المالية، ص 95.
[6] البلاذرى، فتوح البلدان، تحقيق عبد الله أنيس الطباع وآخر، القاهرة 1957، ص 79.
[7] البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 95،
[8] نفس المصدر، ص 27. وقد حدث هذا فى أرض بنى النضير، إذ اشترط عليهم الرسول فى الصلح خروجهم من المدينة.
[9] البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 41.
[10] نفس المصدر، ص 27، ص 41.
[11] نفس المصدر، ص 44.
[12] نفس المصدر، ص 33، ص 39. ونلاحظ أن هذا التفريق بين أرض الصلح وأرض العنوة ذو طابع عملى واضح يستهدف إغراء المسلمين على خوض الحروب مع الرسول، فالواقع أن الصلح وشروطه، ما هما نتاج لخشية من قبلوه من قوة المسلمين العسكرية.
[13] نفس المصدر، ص 300.
[14] نفس المصدر، ص ص 34 – 35، ص ص33 – 34، ص 27، ص 47.
[15] البلاذ رى، فتوح البلدان، ص ص 370 – 371؛ ابو يوسف، الخراج، ص ص 67 – 70. وإذا استخدمنا منهج ابن خلدون، قلنا أن عمر يعنى أن تقسيم الأرض سوف يضعف العصبية العربية؛ عماد الدولة والدين. وتجدر الإشارة إلى تشابه ما أورده عمر بن الخطاب من أسباب مع ما استنتجناه سابقا من أسباب اقرار الرسول أرض خبير ووادى القرى فى أيدى أهلها. ففى الحالتين كان منطق مصلحة الدولة هو معيار اتخاذ القرارات.
[16] أبو يوسف، الخراج، ص ص 87 – 88.
[17] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، تحقيق عبد المنعم عامر، القاهرة، بدون تاريخ، ص 217.
[18] البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 371؛ ابو يوسف، الخراج، ص 68.
[19] وقد تسبب ذلك فى جدل طويل حول ما إذا كانت مصرقد فتحت عنوة أم صلحا : ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 129، ص130؛ البلاذ رى، فتوح البلدان، ص ص 301 – 302. وقد وصل الأمر بالذين رأوا أن مصر قد فتحت صلحا أن ابتدعوا خلافا بين قيرس وإلى مصر البيزنطى وبين الامبراطور، بسبب دفاع قيرس عن القبط – وهو المشهور بعدائه الشديد لهم – فصالح عمرو بن العاص بالنيابة عنهم : ابن عبد الحكم، نفسه ص 107، ص 109 – 110؛ البلاذ رى، نفسه، ص 302 – 303. والواقع ان فكرة فتح مصر صلحا تحتاج بالضرورة إلى رئيس للقبط يعقد الصلح فكان قيرس ضالتهم !
[20] وقد ظلت دواوين الخراج بلغات أهل البلاد الأصلية، حتى تم تعريبها فى عهد عبد الملك بن مروان، ربما بفرض أحكام الرقابة عليها. راجع الريس، الخراج والنظم المالية، ص 210 – 211.
[21] ويمكن تلمس مثال لهذه المعاناة فى نصوص متفرقة لابى يوسف فى كتابه الخراج. ففى ص 128، قال أن ما افتتح عنوة (من أرض البصرة وخراسان) هو أرض خراج. ويؤكد فى ص 129، أن الخراج (ويقصد أرض الخراج) هو ما افتتح عنوة من السواد وغيره، وكذلك فى ص 130. أما بالنسبة للمستقبل، فنجده يتبنى حلا توفيقيا، إذ ترك للخليفة حق توزيع الأرض على المقاتلين أو وقفها حسبما يتراءى له، ص ص 135 – 136، ص149.
[22] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص ص208 – 209 ؛ ابو يوسف، الخراج، ص ص 96 – 97، ص 189؛ البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 101. وهنا يتضح تماما الهدف من اقرار نظام الخراج، ألا وهو أحكام سيطرة الدولة على الأرض الزراعية. فمن حيث المنطق، يصعب تلمس جريرة تفرق بين من أسلم فى عهد لاحق وبين من أسلم فى "لحظة الفتح" المنشودة.
[23] أبو يوسف، نفسه، ص 136.
[24] نقس المصدر ، ص 129 ،ص 141 . و لكن إذا اقتطع الإمام أرضا منها، فيمكن أن يفرض عليها غير الخراج. و سيبحث ذلك لاحقا
[25] أرض العشر وحدها هى التى تعد بحق ملكية خاصة، وهى محدودة المساحة بأرض الحجاز الزراعية، والأرض التى اسلم عليها أهلها قبل الفتح، بالإضافة إلى حالة نظرية وهى الأرض المفتوحة عنوة إذا ما قسمها الإمام على المقاتلين : أبو يوسف، نفسه، ص 149.
[26] نفس المصدر، ص 130،ص 127
[27] البلاذ رى، نفسه، ص 628.
[28] فتوح مصر والمغرب، ص ص 206 – 207.
[29] الخراج، ص 136. اللهم إلا إذا كان ذلك خاصا بأرض معينة حول العاصمة بغداد بسبب الحركة التجارية النشطة التى كانت قائمة هناك وتأثيرها فى تفكيك أشكال الاقتصاد الاكتفائى.
[30] الخراج، ص ص 179 – 198.
[31] يستدعى هذا من الناحية المنطقية، أنه ليس من حق حائز أرض الخراج ان يتخلى عن زراعتها، إلا إذا وجد من يحل محله فى الالتزام بتأدية الخراج. غير أنه لا توجد – فى حدود علمنا الضيقة – نصوص حول هذا الموضوع.
[32] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 208؛ ابو يوسف، الخراج، ص 209،ص 233 ويلاحظ أن أبا يوسف يذكر فكرة معاكسة .. إذ يقرر أن أعمال الرى واقعة ضمن مسئولية الحكومة، لأن تخليها عن ذلك يؤدى لنقص الخراج. وهذه فكرة صحيحة فى حد ذاتها، غير أنه يبدو لنا أن نظام الرى هو الأصل لا الفرع، وذلك لا ينفى وجود تأثير متبادل بين النظامين.
[33] ابو يوسف، الخراج، ص ص 204 – 205.
[34] يجدر بالذكر أن أبا يوسف يؤكد على عدم حق والى الخراج فى التنازل عن جزء من الخراج للحائز : الخراج، ص 189. على أن هذا النص إن دل على شئ فإنما يدل على ارتكاب بعض ولاة الخراج على الأقل لهذا الأمر.
[35] الجهشيارى، الوزراء والكتاب، ص ص 4 – 5، الريس، الخراج والنظم المالية، ص ص 73 – 74. ولا نتفق مع مطابقة المؤلف بين نظام المساحة ونظام جباية الخراج نقدا.
[36] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص ص 210 – 211؛ ابو يوسف، الخراج، ص 87، 70ص - ضياء الدين الريس، الخراج والنظم المالية، ص 245 – 246. ويجدر بالذكر أن نظام مساحة الأرض وإحصاء الأفراد معروف منذ عهد الدولة الوسطى فى مصر الفرعونية على أقل تقدير.
[37] أبو يوسف، نفسه، ص 97
[38] الريس، الخراج والنظم المالية، ص ص 403 – 404 ، 406 – 407.
[39] الخراج، ص ص 111 – 112
[40] نفسه، ص 227. انظر كذلك نصائح عبد الحميد الكاتب، آخر وزراء الدولة الأموية، لكتاب الخراج فى : الجهشيارى، الوزراء والكتاب، ص ص 75 – 76.
[41] ابو يوسف، الخراج، ص ص 228 – 229. وفى نفس هذا المعنى يورد الجهشيارى نصيحة للملك الفارسى سابور بن اردشير بألا يولى قادة الجند جباية الخراج : الوزراء والكتاب، ص ص 6 – 7
[42] الجهشيارى، نفسه، ص ص 217 – 220. وكسر الخراج : نقصه.
[43] أبو يوسف: الخراج ، ص 225
[44] نفس المصدر، ص 230.
[45] الجهشيارى، نفسه، ص ص142 – 143
[46] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 207؛ البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 303.
[47] البلاذرى ، نفسه ، ص ص313-314
[48] ابن عبد الحكم ، نفسه، ص 205 . و مناطقهم : جذوعهم
[49] الجهشيارى، الوزراء والكتاب، ص ص 51 – 52. التشديد من عندنا. النجا : الجلد.
[50] الريس، الخراج والنظم المالية، ص 245
[51] نفس المرجع، ص 416.
[52] نفس المرجع، ص 446.
[53] نفس المرجع، ص ص 447 – 448.
[54] وذلك بعكس نظام الإقطاع الأوروبى الذى يتسم بطابع المحلية من جهة، كما يتسم بالعلاقة غير المباشرة بين نظام الإقطاع ونظام الضيعة من جهة أخرى. والعاملان معا يجعلان العلاقة بين السياسة والاقتصاد علاقة غير مباشرة، لذلك لم تشهد أوروبا فى عمرها الوسيط ثورات فلاحية عامة.
[55] ابو يوسف، الخراج، ص ص 362 – 363
[56] الجهشيارى، الوزراء والكتاب، ص 311.
[57] نفس المصدر، ص 299.
[58] البلاذ رى، فتوح البلدان، ص 31
[59] نفس المصدر والصفحة.
[60] نفس المصدر، ص 382
[61] أبو يوسف، الخراج، ص ص 125 – 126. وهو يذكر أن عمرا قد اقطع من صوافى العراق. ولكن ذلك يبدو مستبعدا لما عرف ميل عمر لحبس وجهاء قريش والمسلمين فى الحجاز.
[62] ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، ص 126.
[63] الريس، الخراج والنظم المالية، ص 390.
[64] الجهشيارى، الوزراء والكتاب، ص ص 117 – 118
[65] ابو يوسف، نفسه، ص 131
[66] نفس المصدر، ص 129
[67] نفس المصدر، ص 115
[68] نفس المصدر، ص 127.
[69] نفس المصدر، والصفحة.
[70] نفس المصدر، ص 127،ص 130.
[71] ويذكر الجهشيارى نصيحة لأحد حكماء فارس موجهة إلى كسرى بهذا المعنى : الوزراء والكتاب، ص 7.

الخميس، 4 نوفمبر، 2010

ما وراء مأساة كاميليا شحاتة

4 نوفمبر 2010
عادل العمرى

المشهد الطائفي في مصر المعاصرة:

- لم يؤد التحديث في مصر- لأسباب معقدة ليس هنا مجال تناولها - إلى حصول الطبقات الشعبية والوسطى على نصيب مناسب من نتائجه، بل أدى في النهاية إلى تهميش واسع النطاق وإلى بطالة المثقفين وتفاوت اجتماعي  هائل، جُمد مؤقتا في العهد الناصري، وفي النهاية ظهر فشل الفئات المسيطرة في جعل مصر "الحديثة" مساوية للبلدان التي تم تحديثها بالفعل: تقدم علمي وصناعي وتعليم متطور وتكافل اجتماعي بدرجة معقولة وسلام اجتماعي حقيقي والمساواة أمام القانون وشفافية وديموقراطية ودولة حديثة: مؤسسات وقانون... إلخ، مما أدى إلى نفور الجماهير من الأيديولوجيات والنخب التي رفعت راية التحديث: التوجهات الليبرالية والقومية والاشتراكية، فحدث استدعاء تلقائي للأيديولوجيا الدينية القديمة التي لم يتم تجاوزها أبدا، فكان صعود الإسلام السياسي، ثم المسيحية السياسية فيما بعد. هذه الأيديولوجيا تعبر عن قوى اجتماعية ناتجة عن التحديث كما أنها تواجه مشكلات ناتجة عن الحداثة لا مشكلات الفقهاء القدامى. إلا أنها أيديولوجيا تفتقد الأساس المعرفي الذي يمكن أن يتناول قضايا المجتمع المعاصر ولذلك ظلت في أزمة دائمة وعجز فاضح عن إنتاج مشروع محدد وقابل للتنفيذ، ولذلك فشلت على مدى التاريخ رغم ضخامة جماهيرها ومنظماتها.

بفضل هذا العجز الجوهري وبالتالي افتقاد توجه واضح شكَّل الإسلام السياسي مصدرا لإزعاج المجتمع أكثر مما شكَّل مشروعا اجتماعيا فراح يضرب في اتجاهات متباينة وتستخدمته قوى معادية له في الأساس لصالحها ويستخدم قادته جمهوره العريض لصالحهم. ولأنه مصاب بالعمى تقريبا؛ فبدلا من أن يكون بديلا ناجحا للتيارات العلمانية التي فشلت، كان مجرد تيار غير محدد الملامح وغامض ومناوئ للحداثة دون أن يستطيع رفضها بوضوح. كما تسببت المسيحية السياسية في خلق توتر طائفي بالغ وحالة استفزاز لعامة وخاصة المسلمين، لأنها تميزت بقوة نزعتها الطائفية، وكثرة القوى التي تعاديها، وافتقادها لمشروع تحديثي بديل، واصطدامها بقضايا حديثة لا تستطيع التعامل معها.

وقد ساهم هذا  المد الديني بقوة في خلق مشاكل عديدة للمجتمع تضاف لمشاكله الكبري، وضمن ذلك كان تفاقم المشاكل الطائفية. فلا يوجد دين (سماوي) يعترف بمشروعية الأديان الأخرى بل الكل يكفر الآخرين، ومع نمو المد الديني وظهور طبعات متشددة من الفكر الديني برز التكفير على السطح أكثر، يضاف إلى ذلك أن الجماهير المأزومة راحت تنفس عن نفسها باضطهاد الأقليات مثلما يحدث في أيِّ مكان. وهذا الاضطهاد لا يمكن إنكاره، حيث تدل عليه مئات الأحداث من حرق كنائس وقتل على الهوية أحيانا واعتداء على من يصلون في بيوتهم صلاة جماعية، بخلاف الخطب التحريضية في المساجد  والمقاطعة الفردية في أماكن العمل وسوء المعاملة الشخصية في الدوائر الحكومية، بل ومذابح حقيقية أبرزها المذبحة البشعة في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة عام 1979 حيث قتل 81 من المسيحىين بمختلف الأساليب وتتشابه معها مذبحة قرية الكشح عام 2000 حيث قتل 21 شخصا منهم 20 مسيحيا وأصيب عشرات آخرون تحت حماية الشرطة للقتلة، و، تقارن المذبحتان مع مذبحة صابرا وشاتيلا من حيث بشاعتهما وتشابه دور الأمن مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومذبحتي كنيسة أبوقرقاص بالمنيا في مارس 1997 وكنيسة قرية الفكرية بالمنيا عام 1997 حيث  قامت جماعات بإطلاق النار على المصلين واغتيالهم وهم يقومون بالصلاة مما أدى إلى قتل عشرة مصلين داخل الكنيسة، ومذبحة نجع حمادي ليلة عيد الميلاد وغيرها الكثير. ولا  يُنسى حرق منازل البهائيين في إحدى البلدات وأشكال متعددة من اضطهادهم الرسمي والشعبي، بالإضافة إلى قمع الدولة للشيعة والقرآنيين.

- في الواقع لم تخل مصر منذ الغزو العربي من مشاكل طائفية ولم تكن في يوم من الأيام العلاقة بين أصحاب الأديان المختلفة قائمة على الانسجام والتوافق، وقد ظل التمييز بين المسلمين وغيرهم واضحا عرفيا وقانونيا  حتى بدأ يتقلص منذ محمد علي، الذي ألغى الزيَّ الذي كان مفروضا على المسيحيين وألغى القيود التي كانت مفروضة على ممارسة طقوسهم الدينية ولم يعق بناء الكنائس وعين مسيحيين في وظائف عليا وحساسة، واستمر وضع المسيحيين في التحسن في عصر ما بعد محمد علي فتم  إلغاء الجزية وبُدء في تجنيدهم إجباريا عام 1857 وبدأ  يُسمح لهم بدخول المجالس النيابية والقضاء والإدارة الحكومية العليا على نطاق واسع[1]. وقد شهدت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فترات شد وجذب، حتى بعد التغيرات المذكورة، وكانت الفترة من 1919 حتى الانقلاب الناصري من أكثرها هدوءا. ولكن منذ العهد الناصري زاد تهميش دور المسيحيين في العمل العام بشكل متزايد، ولكن لم تشهد الفترة حدوث اضطرابات طائفية، باستثناء الاعتداء على كنيسة بضواحي الأقصرعام 1968[2]، نظرا لقوة وجبروت الدولة وقدرتها ورغبتها في تأميم الصراعات الاجتماعية، وبعد مجيء السادات تصاعدت هذه الاضطرابات  ثم تفاقمت لحد حدوث مذابح حقيقية في عصره وعصر مبارك.

- أنتجت الناصرية أيديولوجيا اشتراكية دينية تزعم أن أساسها هو الإسلام وقدمت خطابا قوميا مركبا: اشتراكي، وكذلك ديني إسلامي، كسلاح ضد الشيوعية، والتي كانت دائما هى البعبع الأهم للنظام، فتوسعت في التعليم الديني، ووسعت جامعة الأزهر وأدخلت إليها العلوم غير الدينية وقصرت الالتحاق والعمل بها على المسلمين، كما جعلت التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام، وتبنت الجماعات الصوفية، وأنشأت إذاعة للقرآن، واستخدمت تهمة الإلحاد ضد اليسار الماركسي؛ وحدت أكثر من وجود المسيحيين في المراتب العليا في أجهزة الأمن والجيش وكذلك في الوظائف الحكومية العليا، سواء عمدا أو بسبب طابع النخبة الناصرية التي شكلت "شلة" أو ما يشبه الفئة المغلقة    cast  كانت كلها من المسلمين، تشبه المماليك إلى حد كبير. وقد ساهم كل هذا في عزل المسيحيين سياسيا بينما  سُمح لهم بحرية النشاط الاقتصادي في حدود القوانين المسماة بالاشتراكية، وقد ساهم هذا كله في دفع المسيحيين إلى الالتفاف بشدة حول الكنيسة، مما مهد  لتحولها تدريجيا إلى ممثل سياسي لهم حين ظهر الشخص القادر والطامح للعب هذا الدور (البابا شنودة).
- حين جاء السادات صار الخطاب الديني أعلى صوتا بكثير، وقد شجع السادات ذلك بشدة في سياق صراعه مع التيارات اليسارية والقومية، فنعت نفسه بالرئيس المؤمن وأعلن أنه سيقيم دولة العلم والإيمان وأخرج الإخوان من السجون ومنحهم حرية حركة واسعة وشجع ودعم المنظمات الإسلامية الأكثر تشددا لاستخدامها في حربه المقدسة ضد الشيوعية والاشتراكية الناصرية أيضا. وقد أضاف السادات للدستور عام 1971 مادة تنص على أن "مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي  للتشريع"، وصارت الدولة تتصرف كدولة للمسلمين وليست دولة لكل المواطنين، وبلغ الأمر أن أعلن السادات صراحة أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية، مما أعاد إلى الأذهان نمط العلاقة بين دولة المسلمين بعد الغزو العربى كغزاة والشعب المسيحي المقهور. وكان هذا كله هو الأساس الحقيقي لموجة الصراع الطائفي الحاد التي بدأت  في عهده.

وكان من نتائج عزل المسيحيين عن العمل العام إلى حد كبير أن راح النظام الناصري يتعامل مع الكنيسة كممثل سياسي للمسيحيين مقابل أن تضمن له ولاءهم للنظام، واستمرت هذه الصفقة حتى الآن. وفي العقود الأخيرة راح المسيحيون يتقوقعون على أنفسهم دون أن يشكلوا طائفة حقيقية، فهم منقسمون إلى مذاهب شتى، بعضها يكفر بعض، ولا يجمعهم اتجاه سياسي عام، ولا يتفقون على مطالب سياسية أو اجتماعية عامة، بل يصعب كثيرا الزواج بين مللهم المختلفة ولكل ملة كنيسة خاصة، وكل ما حدث هو تقوقعهم معا والتفافهم حول الكنيسة في مواجهة الاضطهاد الديني الذي تمارسه الدولة وقطاعات من الجمهور المسلم، ولأن هذا الاضطهاد لا يميز بين الملل المسيحية أو بين شخص وآخر فقد التفت الأغلبية العظمى حول الكنيسة الأكبر؛ الأرثوذكسية، وكان العامل الأكبر الذي عزز هذه الظاهرة هو تعامل الدولة مع هذه الكنيسة كممثل للمسيحيين ككل. فصار البابا قائدا لهم بكل طوائفهم. وقد عبر عن الموقف بوضوح كامل السيد بطرس فلتاؤس رئيس الطائفة المعمدانية بعد لقاء له مع البابا بالقول: " لقد ناقشنا في اللقاء الكثير من الأمور منها تأييدنا الكامل لكل قرارات قداسة البابا شنودة، وخاصة فيما يتعلق بمشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد وكذلك ما يحدث في الساحة السياسية خلال الفترة الأخيرة وذلك لأن قداسة البابا هو رمز لكل مسيحيي مصر.[3]"

- أما في عصر مبارك فلم يعد اليسار يخيف النظام، وقد صار الإسلام السياسي قوة يحسب حسابها، ورغم قدرة النظام على مواجهة تلك القوة، راح يستخدمها في عدة أغراض: أولها لجم تطور الحركات الديموقراطية، وثانيا تخويف الغرب موحيا له أن بديل النظام الفاسد هو نظام إسلامي متشدد ومعاد للغرب، وثالثا في تخويف العلمانيين والمنظمات المنادية بالديموقراطية والتي تحالف بعضها فعلا مع النظام، منها حزب التجمع اليساري وحزب الوفد الليبرالي، في مواجهة الإسلاميين زعما، ورابعا تخويف الكنيسة وأتباعها لضمان ولائها لنظامه. ويلجأ نظام مبارك للسيطرة على الإسلام السياسي بعدة آليات: توجيه ضربات أمنية ساحقة للمنظمات الإسلامية المسلحة، ترك مساحة حركة واسعة لجماعة الإخوان المسلمين رغم عدم شرعيتها القانونية مع توجيه ضربات محدودة لها ولأنصارها من حين لآخر لوضعها تحت السيطرة، ومنافستها بالترويج لأفكار دينية متشددة وادعاء إيمان النظام بالشريعة الإسلامية وغيرته على الإسلام[4]، كما يشجع نظام مبارك الصدامات الطائفية – في حدود بالطبع - بل ويتواطأ جهاز الأمن في أحيان كثيرة مع اعتداءات بعض الجمهور المسلم ضد المسيحيين، وقد كان حادث الكشح مثالا حيا على ذلك التواطؤ[5]، ذلك أن النظام يعتقد أن المعارك الطائفية تشغل الجماهير عن مشاكلها مع النظام نفسه، وهذا أمر واقعي إلى حد كبير. ومما يعزز هذا القول  تعمد النظام إضفاء الغموض على الصدامات الطائفية أو التي تبدو كذلك وعلى أحداث يمكن أن تزيد النار اشتعالا. وعلى سبيل المثال لم تهتم الدولة بالإعلان عن حقيقة موضوع السفينة المحملة بألعاب الأطفال المستوردة من الصين، والتي يمتلكها ابن وكيل مطرانية بورسعيد، والتي قيل إنها محملة بالأسلحة من اسرائيل، ولم تقدم وزارة الداخلية أيَّ تفسير لتسليم السيدات زوجات الكهنة للكنيسة.. إلخ.
  
- من المؤكد أن صعود الخطاب الإسلامي المتعصب قد ساهم في حفز الخطاب المسيحي ضيق الأفق والمتعصب أيضا، إلا أنه لا يمكن اعتبار المسيحيين في مصر مجرد طرف مفعول به، بل يتحمل هذا الطرف نصيبا ما من المسؤولية عما يحدث؛ فظهور المسيحية المتشددة لم تكن مجرد رد فعل لنمو الإسلام المتشدد؛ فقد ظهرت لنفس أسباب ظهور الأخير، بالإضافة إلى دور صعوده وأسلمة الدولة والمجتمع ككل، فجزء فقط من التشدد المسيحي هو رد فعل لتصاعد الخطاب الإسلامي المتعصب. ومع ذلك نعتبر أن رد الفعل هذا يعبر عما هو كامن في ثقافة المسيحيين المصريين بوجه عام؛ النزعة المحافظة وضيق الأفق والانغلاق والتوجس من الآخر، وهى نفس سمات ثقافة عموم المسلمين المصريين. فبدلا من رد الفعل بتزعم الحركات الديموقراطية العلمانية والتقدمية عموما، نجد أنه على العكس اتخذ معظم مسيحيي مصر موقفا محافظا للغاية من العمل العام، وفي العقود الأخيرة راحوا يمارسون نشاطهم بشكل متزايد داخل جماعاتهم. فوجدنا التقوقع حول الكنيسة ورفع الانتماء الديني فوق الانتماء الوطني وتبني مطالب طائفية لا ديموقراطية. ويساعدنا هنا المقارنة مع ما قام به يهود أوربا – وكانوا أقلية مضطهدة أيضا - من نشاط ديموقراطي واسع وانخراط فعال بل وقيادة حركات يسارية وديموقراطية، فكان الكثير جدا وربما معظم القيادات اليسارية في أوربا من اليهود، وقد ساهمت بشدة في تطور أوربا ثقافيا وسياسيا، بينما نجد هنا دورالمسيحيين غير قيادي، فلا يمكن القول أنهم كانوا قادة فعالين في عملية التحديث والتنوير. ورغم أنه لا يمكن طبعا إنكار دور مخرج كبير مثل يوسف شاهين ومفكر مثل غالي شكري ودور أبي سيف يوسف في الحركة الشيوعية، وعدد من قادة وكوادر وفد سعد زغلول، ولكن لا يمكن اعتبارهم قادة أساسيين في ما يمكن أن نسميه حركة التنوير. بل كان دور المسيحيين الشوام في الثقافة المصرية واضحا ولا يقارن بحجم دور مسيحيي مصر، الذين ظل حتى معظم ملحديهم القلائل يتعلقون بالكنيسة ومرتبطون بجماعاتهم الدينية. صحيح أنه لا يجب أن ندين رد الفعل قبل أن ندين الفعل؛ وهو هنا الخطاب الإسلامي المتعصب، ولكن لا يمكن أيضا إعفاء الطرف المضطهد من المسؤولية بالكامل، خصوصا أنه يوجد كثير من الليبراليين والعلمانيين الذين ناضلوا ضد التعصب الديني ودفع كثير منهم ثمنا باهظا من السجن والتعذيب والنفي من البلاد والاغتيال، وجل هؤلاء من المسلمين. و ليس مما يمكن إنكاره أن هناك بعض العلمانيين المسيحيين ولكنهم قلة صغيرة للغاية وضعيفة التأثير حتى الآن بين الجمهور المسيحي. رغم هذا كله - وإحقاقا للحق-  لا يمكن إنكار أن المناخ الثقافي العام المحافظ لم يكن ليسمح بدور فعال وقيادي للمسيحيين في الحركات الديموقراطية، بل يجب ملاحظة أن مصر ليست أوربا؛ فالتحديث كان محدودا وغير جذري ولم تنشأ طبقات اجتماعية قادرة على استيعاب ثقافة عقلانية. لقد وقف المسيحيون المصريون بالفعل في مأزق تاريخي.

 - وفي إطار الميل المتزايد لتنشيط الوعي الطائفي أصبح عديد من المسلمين والمسيحيين يميل إلى خلع سمة طائفية على صراعات ليست طائفية، أو المبالغة في شأنها، فالبعض من المسيحيين (ونادرا من المسلمين) يستغل هويته الدينية لتحقيق مكاسب شخصية مدعيا تعرضه لاضطهاد طائفي وقد طرحت الصحف بعض هذه الحالات مؤخرا، خصوصا ماقدمه الأستاذ حلمى النمنم[6]، والبعض يزعم تعرضه لاضطهاد ديني في مصر ليحصل على حق اللجوء السياسي في الغرب، وبعض الصحف الخاصة، التي تزعم أنها معارضة ديموقراطية درجت على نشر أخبار لأحداث عادية على أنها أحداث طائفية؛ مثل: قبطي يغتصب طفلة مسلمة .. مسلم يقتل قبطيا ...معركة بين عائلة مسلمة وعائلة قبطية بسبب خلافات بين الأطفال، تصوير معركة بالسلاح بين الرهبان والعربان حول أرض على أنها طائفية... إلخ.

كما ارتفعت حدة النقد المتبادل للعقيدة الدينية ومع انتشار وسائل الإعلام الحديثة صارت المعارك الأيديولوجية بين الطرفين أكثر سخونة واستفزازا، مما أدى إلى مزيد من الاحتقان الطائفي. فمن جهة تُهاجم باستمرار العقيدة المسيحية والمتهمة إسلاميا دائما بالتحريف، ومن جهة أخرى  ُقدمت برامج إعلامية  معادية للإسلام وكتابات وأفكار متشددة ضد عموم المسلمين، مثل اعتبارهم غزاة ومستوطنين، والدعوة أحيانا لطردهم من مصر أو حتى إبادتهم...كل هذا تقدمه قلة محدودة من النشطاء المسيحيين المتشددين، خصوصا في المهجر.  

 وفي السنوات الأخيرة كثرت حالات التحول بين أصحاب الديانتين، مسلمون يتحولون للمسيحية ولكن بأعداد قليلة وسرا في الغالب، بينما يتحول للإسلام آلاف المسيحيين سنويا، كثرتهم من النساء، وأصبح اختفاء النساء المسيحيات ظاهرة مقلقة للغاية لعموم المسيحيين، مما دفع الكنيسة والمتعصبين منهم إلى إطلاق شائعات عن اختطاف المسلمين لنسائهم وأسلمتهم بالقوة، وهو أمر لم يثبت أبدا ولم تشر إليه أيُّ مصادر جادة.

ومع تصاعد الاعتداءات وتراخي الدولة أصبحت احتجاجات المسيحيين التي تنظمها الكنيسة ظاهرة في السنوات الأخيرة ضد أحداث القتل والاستيلاء على الممتلكات وأشكال الاضطهاد الأخرى، شاملة ما يعتبرونه خطف للسيدات وأسلمتهم بالقوة وهو موضوع يبدو حساسا للغاية لدى المسيحيين، وتزداد هذه الاحتجاجات حدة وغضبا باستمرار.

وأخيرا صارت هناك فوبيا لدى الطرفين من الآخر: الأقلية تعتقد أن الأغلبية المسلمة تعمل على القضاء عليها، وتفسر كل ما حولها تفسيرا طائفيا، وتعتقد أن الدولة تشجع المتطرفين المسلمين والعامة على إبادة المسيحيين، وتتوهم أن كل اختفاء لفتاة مسيحية هو عملية خطف بغرض الأسلمة بالقوة، والأغلبية تشك في تكدس الكنائس والأديرة بالأسلحة وأنه يجري تدريب الشباب المسيحي عسكريا تمهيدا لمذبحة كبرى للمسلمين، رغم أن كل دور العبادة تحت يد أمن الدولة وكلها مكتظة بالمخبرين السريين، والكل يعتقد أنه مضطهد من الطرف الآخر وأنه الأكثر تسامحا ومحبة له. وتستغل بعض وسائل الإعلام، الخاصة خصوصا، الموقف لصب النار على الزيت لزيادة عدد القراء والمشاهدين لتحقيق الأرباح، وربما لإرضاء جهات معينة في الداخل والخارج. بينما تقف قلة محدودة من العلمانيين من الطرفين عاجزة عن التأثير الفعال.

المشهد عبثي تماما والجماهير تعيش في غيبوبة وتستخدمها القيادات. هكذا تصاعد الاحتقان الطائفي  مما يهدد بحدوث مذابح متبادلة في المرحلة القادمة بين الطرفين ربما يتلوها رفع شعارات متطرفة من الجانبين. وقد بدأت بشائر ذلك بمذبحة في كنيسة ببغداد في 29 أكتوبر 2010  وتهديد تنظيم القاعدة للكنيسة المصرية[7].  

اختراق الوهابية للكنيسة المصرية:
تبنت الكنيسة وعموم المسيحيين المصريين على مدى التاريخ الحديث مطالب علمانية كطريق ملائم لتحررهم من التمييز الممارس ضدهم. إلا أن نمو التيارات الدينية المتشددة قد شمل البعض منهم أيضا، مثلما حدث في الجانب المسلم.

وراحت الوهابية تنتقل إلى الفكر المسيحي المصري مثلما توغلت في الفكر الإسلامي على أيدي جماعة حسن البنا.

وقد تكونت منظمة مسيحية متشددة في 1952 تسمى جماعة الأمة القبطية كان شعارها الانجيل دستورنا والموت في سبيل المسيح أسمي أمانينا - الله ملكنا  ومصر بلادنا والعنخ  علامتنا والشهادة في سبيل الرب غايتنا[8] (العنخ هو علامة من علامات الكتابة الهيروغليفية تعني الحياة أو مفتاح الحياة)، وهذا الشعار يشبه شعار جماعة حسن البنا:  الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. وهى التي ابتكرت مفهوم الأمة القبطية لتجاوز الحدود التقليدية للكنيسة الأرثوذكسية. وكان ضمن أهدافها تعليم تاريخ الكنيسة واللغة القبطية وإحلالها محل اللغات الأخرى والتمسك بعادات وتقاليد الأمة القبطية و نشر تعاليم الكتاب المقدس والتمسك بجميع أحكامه، كما رأت أنه على المسيحيين أن يحصلوا على ما تعتبره حقوقهم بالقوة، ومارست نشاطا اجتماعيا واستخدمت العنف، وهيَ التي اختطفت الأب يوساب بطريرك المسيحيين الأرثوذكس في 1954 فسبقت اختطاف جماعة "التكفير والهجرة" للشيخ الذهبي فيما بعد. وقد حلت السلطة الناصرية هذه الجماعة ونكلت بها. ورغم تشابه الشعارات لا يمكن مقارنة هذه الجماعة بجماعة حسن البنا لا من حيث الحجم ولا من حيث التأثير والاستمرارية.

وفي الأعوام الأخيرة راحت الكنيسة ورجالها يتمثلون مفاهيم وأفكارا ومصطلحاتٍ إسلامية تدل على اتجاه الكنيسة نحو التشدد الديني، مثل تعبير "الشريعة المسيحية" وهو تعبير يتشبه بتعبير "الشريعة الإسلامية" بينما لا يوجد في الواقع شريعة مسيحية بالمعنى الإسلامي للفظ؛ وتحريم البابا شنودة لفن النحت وصناعة التماثيل[9]، وتحريمه تداول وتجارة الخمر ونقله، نظرا لأنَّه من المسكرات حسب تعبيره[10]، واعتباره أن كل ما يتعلق بالخمر المُسكر حرام، حتى أن الخمر التي لا تسكر إذا أكثر الإنسان منها مُمكن أيضاً أن تضره وتكون مُسكراً، مشيراً إلى أن الكتاب المُقدس يُفرق بين الخمر العادية والخمر المُسكر، وأن هناك آيات كثيرة ضد الخمر[11]، كما أطلق الرجل الثاني في الكنيسة مرارا اتهامات بتكفير ملل مسيحية غير أرثوذكسية وعلمانيين مسيحيين[12]، وراح البعض من العامة خصوصا يستخدم تعبير "الموت من أجل المسيح" وهو يناقض جوهر العقيدة المسيحية القائل بموت المسيح من أجل الإنسان.

ومؤخرا بدأت ظاهرة جديدة: محاولة قتل تاركي المسيحية وأزواجهم، و"الاستتابة" في الكنيسة أو الأديرة أو "الأماكن الأمينة". هذه بعض نتائج "الإحياء الديني" المسيحي، الذي هو ابن الكنيسة وفي نفس الوقت يشكل ضغطا فعالا عليها.

ويطالب بعض النشطاء من المسيحيين للكنيسة بحقوق تشبه "حقوق" الوهابيين في قمع المخالفين في العقيدة.  فهذا  محامي الكنيسة ومدعي النضال من أجل حقوق الإنسان شكر رجال الأمن على اعتقالهم كاميليا شحاتة وناشد البابا أن يرفع رواتب الكهنة ويمنع زوجاتهم من العمل، لأن عمل زوجات الكهنة في رأيه من شأنه تعريضهن لزعزعة عقيدتهن، كما ارتفعت الأصوات التي تكفر الإنجيليين وبقية الطوائف المسيحية المخالفة للأرثوذكسية وتتهمهم بالعمالة للغرب، وظل الزواج بين الطوائف محرما من الناحية العملية.

تعترض الكنيسة بشدة على المادة الثانية من الدستور:" الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". وفي نفس الوقت ترفض القوانين الوضعية التي يسميها البابا "مستوردة" المخالفة للإنجيل وقد رأيناه يرفض بتأييد أغلبية رجال الكنيسة تطبيق حكم المحكمة الإدارية العليا بالسماح بالزواج للمسيحيين المطلقين متعللا بالكتاب المقدس، ومتجاوزا لائحة 1938، بل ولم يترك الباب مفتوحا لحل مشاكل عشرات الآلاف بالزواج المدني بل نعته بالزنا[13] وهدد بحرمان من يتزوج مدنيًّا خارج الكنيسة من العودة إليها[14]، مطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، في هذه الجزئية، التي تسمح لغير المسلمين بتطبيق شريعتهم في مسائل الأحوال الشخصية[15]، كما صرح أحد كبار الكهنة[16]:" إن حكم المحكمة المذكور لا يتفق مع الشريعة الإسلامية ولا المسيحية"، هكذا نصب نفسه – دون أن يدري - مدافعا عن الشريعة الإسلامية!. بل استشهد البابا بآيات من القرآن: "لكم دينكم وليَ دين"، وهو ما فعله مرارا من قبل. وقد تبنى موقف الكنيسة الرافض للحكم  قطاع من الجمهور المسيحي الملتف حول البابا. وهذا تراجع صريح عن النزعة العلمانية التقليدية للمسيحيين المصريين، فقد أصبحت الكنيسة وأتباعها يريدون علمانية انتقائية: فيما يتعلق بما بينهم وبين الدولة والجمهور المسلم دون أن تمس حياتهم من الداخل، أيْ المطلوب هو العلمانية للآخرين فحسب، بينما تريد تطبيق الشريعة الإسلامية حين يكون هذا في صالح تسلط الكنيسة على أتباعها. وهيَ بالطبع رؤية طائفية وهيَ لا واقعية ولا عملية، فكيف ستقبل الأغلبية والدولة القائمة هذه الازدواجية وذلك التناقض؟.

أصبح الموقف الآن: بدلا من شعارات حرية الاعتقاد والزواج المدني ودعوة المسلمين لتبني العلمانية، أصبحت الكنيسة وأتباعها الكثيرون الملتفون حولها تطالب بالمساواة بالوهابيين، كما أن أغلب الناشطين المسيحيين بدلا من أن يكونوا دعاة لليبرالية والمساواة في الحقوق والواجبات (مثلما فعل يهود أوربا من قبل) صاروا دعاة للطائفية.. بل طرحت المظاهرات المسيحية المنظمة من قبل الكنيسة شعارات مثل :" الإنجيل هو الدستور وأيُّ حاجة غيره تغور" كل الطوائف المسيحية.. عايزين قوانين إنجيلية"وهو ما يذكرنا بفكرة "الحاكمية" التي يتبناها الإسلام السياسي. وفوق ذلك طالب رجال الكنيسة من الحكومة قمع المظاهرات المنددة بها .

ورغم الضعف البالغ للمؤسسة الكنيسة سياسيا صدرت في الآونة الأخيرة تصريحات مثيرة مثل رفض تنفيذ حكم المحكمة في موضوع الزواج الثاني للمسيحيين المطلقين، ثم جاءت تصريحات الأنبا بيشويْ التي وصف المسلمين فيها بالضيوف على مصر.. إلخ[17]، وتصريحاته التي انتقد فيها القرآن[18]، دون أيِّ محاولة منه للتراجع أو الاعتذار لتهدئة المسلمين الغاضبين، وكل ما فعله البابا شنودة هو المراوغة: فقد راح يشكك في نية الصحافة التي نشرت كلام الأنبا بيشويْ واتهمها بتصعيد الأزمة، نافيا علمه بما قال وعدم تصوره أن يقول هذا الكلام، مقدما اعتذارا شكليا غير مباشر بنفي فكرة أن المسلمين ضيوف في مصر ومعلنا العكس، فالمسيحيون حسب قوله هم الضيوف على المسلمين لأنهم الأغلبية، وهو كلام أولا طائفي النزعة، فمصر ليست طائفتين والمفترض أن  شعبها شعب  واحد ينتمي لملل مختلفة وليس منهم ضيوف، ولكن البابا تكلم باسم المسيحيين المصريين ككل، محاولا عدم إدانة بيشويْ بالزعم بسوء فهم كلامه، وثانيا ديماجوجي؛ لا موضوعي وليس به أيُّ جدية. وبينما أدان مظاهرات المسلمين والتي سبته شخصيا صَّور مظاهرات الكنيسة كعمل بريء متناسيا ما حدث من توجيه أقذع الألفاظ للدستور والقضاء في المظاهرات التي تلت حكم المحكمة الإدارية العليا سابق الذكر والتي نظمتها كنيسته[19].
هذا المد الوهابي لفكر قادة الكنيسة يتمثل الإسلام المتشدد، مما يعني أنه جاء في مواجهته أساسا. ولكن هل هذا هو السلاح المناسب للمسيحيين المصريين في مواجهة الاضطهاد؟؟. الواضح أن  الكنيسة ليست حذرة بما فيه الكفاية من إمكانية تصاعد المشاكل الطائفية وتبدو ظاهريا على الأقل وكأنها تسعى إلى خلق معارك دموية سيخسر فيها طبعا المسيحيون العاديون. ربما يراهن بعض رجالات الكنيسة على تدخل غربي قوى في حالة حدوث مذابح واسعة للمسيحيين وهو مجرد تصور خيالي يقع فيه بعض مسيحيي المهجر الذين يحرضون الغرب وإسرائيل ضد عموم المصريين المسلمين، دون أيِّ جدوى.

والواضح أن مؤسسة الكنيسة تستفيد من مد مسيحي طائفي، ساهمت هيَ في خلقه، ولكنها لا تتحكم فيه تماما، وتضطر لأن تتعايش معه. تماما مثلما أطلق السادات المارد الإسلامي من القمقم وتعايش معه ونافسه في الشعارات لينتهي الأمر إلى تكفيره ثم قتله. ويبدو أن البابا مضطر حاليا، وبصرف النظر عن قناعته الشخصية، للظهور بمظهر التشدد، بوصفه زعيم الطائفة السياسي، بضغط الجمهور المسيحي نفسه. أما الضغط الخارجي فقد يكون ورقة مفيدة للكنيسة ولكن في حدود. كذلك يسعى البابا للسيطرة على حركة مسيحيي المهجر  لأن مبدأه هو لا حركة خارج الكنيسة، وذلك  دون نجاح كبير؛ فهؤلاء مستقلون لأنهم في بلاد لا يحكمها، ولها تقاليد أخرى.

ربما تتخيل قيادات الكنيسة أن الغرب يمكن أن تقدم لها يد العون. ولذلك، ورغم أنها تؤيد النظام، تستعين بالغرب للضغط عليه من خلال أقباط الخارج، مما يزيد من كراهية المسلمين لها ولأتباعها بالتالي. وفي الوقت نفسه تقف الكنيسة معادية لما تعتبره تدخل أجنبي في شئونها الخاصة، خصوصا التبشير المسيحي متمثلا في نشر البروتستانتية وسط أتباعها وهو أمر يثير خوف الباباوات الأرثوذكس بشدة[20]، فالتدخل الأجنبي مرحب به فقط إذا كان لصالح المشروع الطائفي وعلى حساب أيِّ شيء آخر، وهو تخلٍ صريح عن فكرة المواطنة وعن الانتماء للوطن، وبالتالي لن يحقق أية مكاسب حقيقية للمسيحيين.

الدور السياسي الفعلي للكنيسة الأرثوذكسية:

يتحدث رجال الكنيسة الأرثوذكسية كما لو كانت هذه المؤسسة تشكل دولة للمسيحيين المصريين، فيتكلمون كممثلين لعموم المسيحيين سياسيا بينما يقوم بعضهم بتكفير أقسام كبيرة منهم؛خاصة البروتستانت. فيعتبر بعض كبار رجال الكنيسة المتشددين أن هناك شئونا غير دينية خاصة بالمسيحيين لا يجوز لغيرهم تناولها وأن الكنيسة فوق القانون وأن البابا خط أحمر ويطالبون المسيحيين بتأييد مبارك وابنه.. إلخ.

وفي مقابل حماية الدولة، لا توجه  الكنيسة جزءا من اهتماماتها السياسية أبدا إلى قضايا مثل تزوير الانتخابات أو التعذيب أو قانون الطوارئ أو أيِّ انتهاك من قبل الدولة لحقوق الإنسان أو ظاهرة الفساد وتحلل المجتمع المصري، وتكتفي بتحقيق امتيازات طائفية للمسيحيين فقط، ويسير مسيحيو المهجر على النحو نفسه. ويسعفنا هنا المقارنة بين كنيستنا والكنيسة الكاثوليكية في دول في أمريكا اللاتينية والتي تحالفت مع الحركات اليسارية ضد الحكومات القمعية هناك، مسترشدة بما أسمته لاهوت التحرير[21].  

وتبدو الكنيسة في السنوات الأخيرة ظاهريا كدولة دينية مسيحية داخل الدولة. ولكن هذا هو ظاهر الأمور فحسب. فقد أوكلت الدولة للكنيسة التصرف في الأمور الشخصية للمسيحيين طبقا لتعليمات الديانة المسيحية وذلك الحق تمنحه قواعد الشريعة الإسلامية التي أقر بها الدستور، فهيَ تمارس سلطة بتوكيل من الدولة أو في حدود ما يسمح به الدستور. وقد ألغى البابا شنودة لائحة 1938 الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين فيما يتعلق بالزواج والطلاق دون تدخل أو اعتراض من الدولة ثم أصر على رفض حكم المحكمة بخصوص الزواج الثاني متعللا بالكتاب المقدس ووافقته الدولة أيضا – عمليا - مقررة حل المشكلة بإصدار قانون موحد للزواج للطوائف المسيحية[22]. هذه الحقوق الممنوحة للكنيسة لم تغير وضعها القانوني كمؤسسة خاضعة في النهاية لسلطان الدولة، فللأخيرة الحق حتى في عزل وسجن البابا. وعمليا لم تستطع الكنيسة الأرثوذكسية ممارسة دور الدولة لأتباعها؛ فلم تستطع انتزاع مكاسب حقيقية لهم، فحتى الآن لا تستطيع بناء كنيسة بدون مشاكل وأحيانا مذبحة ما بل لا تستطيع حماية رعاياها من سب دينهم والدعاء عليهم في المساجد بل ومن تعرضهم لأشكال عديدة من التمييز بل ومن المذابح التي تحدث من حين لآخر ولم تستطع حتى إجبار الدولة على معاقبة المعتدين عليهم حسب القانون في معظم الحالات. بالعكس، تقوم قوة الكنيسة حاليا على قدرتها على قهر رعاياها دينيا، وبصفة خاصة فيما يتعلق بمسألة الطلاق والزواج. كما أنها تربط خدماتها بالصلة المنتظمة بالكنيسة واضطرار معظم الرعايا لقبول شروط الكنيسة، بل الدفاع عنها، وهذا دال في حد ذاته على النزعة الطائفية القوية من جانب، وعلى قيامها على القهر من جانب، مثلها مثل أيِّ منظمة تقوم على هوية ثقافية. ربما لذلك تلجأ إلى تضخيم المكاسب الوهمية مثل احتجاز بعض المسيحيات المتحولات للإسلام، وتقديم خدمات صحية بسعر منخفض وخدمات أخرى تشبه ما تقدمه المنظمات الإسلامية، لزيادة نفوذها على أتباعها. كما تحاول أن تبدو كدولة أو عن طريق تصرفات تدل فعليا على التحول إلى لوبي خاص: إجراء تعداد لعدد المسيحيين – الاهتمام بأن يحصل المسيحيون على بطاقة انتخابية في بعض الدوائر لتكوين كتلة انتخابية مؤثرة - توسع الأديرة بالاستيلاء على أرض الدولة بنظام وضع اليد- ممارسة دور القضاء في بعض المشاكل بين رواد الكنيسة- دعم بعض المرشحين للمجلس التشريعي وحشد المؤيدين من رواد الكنيسة.. إلخ.

 وهى تظهر كأنها دولة داخل الدولة ولكنها في الحقيقة مجرد مؤسسة  متحالفة – في النهاية – مع الدولة الرسمية، ليست جزءا من جهاز الدولة وليست أحد مرافقها، مثل كل المؤسسات الدينية في مصر المعاصرة ومؤسسات الإعلام الخاصة والأحزاب المسماة بالمعارضة وغالبية الجمعيات الحقوقية. وهيَ لا تحمي المسيحيين بل تقمعهم لصالح النظام أساسا مقابل فتات يحصل عليها رجال الكهنوت في صورة وظائف دينية وسلطة معرفية وأموال؛تشمل تبرعات ونذور ودعم أقباط المهجر. فرغم أن عصر مبارك هو أكثر عصور الاضطهاد الطائفي لمسيحيي مصر في التاريخ الحديث، باستثناء أثريائهم، فالكنيسة تؤيده وتؤيد مشروع توريث ابنه للسلطة وتجر وراءها كثيرا من أتباعها. وفي هذه النقطة بالذات يظهر تواطؤ رجال الكنيسة مع النظام فيخيفون المسيحيين من الإخوان، بالضبط مثلما تفعل الدولة مع البلدان الغربية، لدفعهم لتأييد نظام مبارك باعتباره بديلا أفضل. رغم أن غالبية الإخوان والتيار المسيطر في الجماعة غير راغب ولا هيَ قادرة على استلام السلطة[23] ولا هم قادرين ولا راغبين في ممارسة مزيد من الاضطهاد الطائفي. بل من الواضح أن مجرد انطلاق إشاعة عن استلامهم للحكم – فرضا – سيؤدي إلى انهيار النظام والمجتمع كله في أيام. والمؤكد أن تأييد الكنيسة لعائلة مبارك وللتوريث يزيد الفتنة الطائفية اشتعالا لأنه يمثل تحديا لجموع الشعب المصري الرافض للنظام. في الواقع منحت الدولة للكنيسة دور تمثيل المسيحيين سياسيا ليس رغما عنها بل لتفتيت المعارضة الشعبية ولضمان وضع نسبة من السكان في حظيرة النظام.

وإذا كان الأمن يعتقل ويعذب ويقتل أعداءه فيمكن مواجهة ذلك بالطرق القانونية المختلفة، أما حين تمارس الكنيسة نشاطا بوليسيا  وتحت حماية الدولة فمن يواجهها وكيف؟ فهيَ سلطة أشد جبروتا من جهاز الأمن لأنها غير مقننة، ولذلك تشكل هذه الظاهرة تراجعا خطيرا عن نظام الدولة الحديثة، ولأن السلطات الرسمية تحميها، يجد المعارضون لسياستها من المسلمين والمسيحيين صعوبة في مواجهتها، فيلجأ المسلمون للمظاهرات الغاضبة والتي لا تجدي شيئا بينما يتزايد عدد المسيحيين الذين يتخلون عن العقيدة المسيحية للإسلام، والبعض من الأرثوذكسية يتحولون للبروتستانتية.

مشكلة كاميليا تفجر المشهد الطائفي :

جاءت حادثة كاميليا شحاتة لتفجر المشهد الطائفي والذي صار يقف على مفترق طرق:
تركت المواطنة كاميليا شحاتة وهيَ زوجة كاهن منزلها واختفت؛ فقامت الكنيسة بتنظيم مظاهرات كبيرة تطالب الأمن بالبحث ، على أساس أنها قد خطفت من قبل بعض المسلمين لأسلمتها. وبعد أيام اعتقلتها مباحث أمن الدولة وسلمتها للكنيسة التي تتحفظ عليها في مكان ما، ثم صدرت من الكنيسة تصريحات مثيرة؛ فُنسب إلى الأنبا أغابيوس القول بأن كاميليا تخضع للتأهيل النفسي لـ"غسل مخها المغسول"[24] وصرحت قيادات كنسية أخرى أن حالتها الصحية شبه ميئوس منها[25]، وأعلن البابا شنودة أنه لن يسمح بظهورها حتى لو حدثت مظاهرة كل يوم، ولن يرضخ لضغوط أحد[26] وصرح مصدر كنسي أنها شأن كنسي خالص وليس لأحد الحق أن يراها[27]، وصرح أحد مسؤولي الكنيسة بأن "مشكلة كاميليا أزمة مركبة واتخاذ قرار في شأنها أمر معقد ويحتاج لحسابات متعددة"[28]، دون أن يشرح لماذا هي كذلك.

انطلقت بعد أيام شائعات بأن السيدة قد أرادت أن تعلن إسلامها وأن الأزهر رفض استقبالها، ويبدو من سياق الأحداث أن هذا هو ما حدث فعلا، فلا يوجد مبرر آخر لاحتجاز الكنيسة لهذه المواطنة و"غسل مخها". وعلى أثر نشر هذه المعلومات تحرك بعض المسلمين وراء قيادات إسلامية سلفية في مظاهرات متكررة من أجل الإفراج عن كاميليا بحجة أنها مسلمة وليست مواطنة مصرية بل نادى البعض  بمقاطعة المسيحيين اقتصاديا، وكأن كل المسيحيين مشاركون في الجريمة بينما كثير منهم ضد الكنيسة في هذا الموضوع.

وراح بعض المسيحيين يدافع عن موقف الكنيسة واعتقال كاميليا بعد أن كانوا يطالبون بحرية الاعتقاد، أيْ من وجهة نظرهم حق المسلمين في التحول للمسيحية. وإزاء صعوبة ذلك راحوا يتقبلون قيام الكنيسة بقمع المتحولين للإسلام أسوة بقمع المجتمع المسلم للمسلمين المتحولين للمسيحية: المساواة في "الظلم" وليس في "العدل". أما الكنيسة فتلجأ لاعتقال زوجات الكهنة – بمساعدة جهاز أمن الدولة - درءا لما قد تعتبره فضيحة تحولهن للإسلام، عكس إسلام بقية النساء وهو موقف تمييزي.

وقد وجدت الدولة والكنيسة نفسيهما في مأزق خطير بعد المظاهرات واحتجاجات بعض المسلمين. ولمعالجة الفضيحة صرحت الدولة أن السيدة تركت بيتها بسبب خلافات زوجية، كما أنكرت الكنيسة إسلامها، ثم  نُشر شريط فيديو مجهول المصدر للسيدة وربما لشخصية تشبهها (؟؟) تنكر فيه إسلامها، ثم جاءت معركة تبدو مصطنعة بين الأنبا بيشويْ ومحمد سليم العوا حول القرآن والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين.. وقد قال العوا على قناة الجزيرة أشياء كثيرة تتضمن أكاذيب صريحة لا تليق بشخص في مناصبه المهمة، منها اكتظاظ الكنائس بالأسلحة وجلب أسلحة من إسرائيل للكنيسة، ولكنه أنكر إسلام كاميليا وأنكر أن الأمن قد سلمها للكنيسة، ثم جاء على قناة دريم 2 ورفض ذكر مصادره، وهو ما يثير الشك في نيته، والظاهر أن هذا هو هدفه الأساسي من معركته مع بيشويْ، كمساهمة في تهدئة الرأيِ العام المسلم. ومؤخرا نشر الصحفي عادل حمودة قصة وفاء قسطنطين وكاميليا بطريقة تبرِّئ الكنيسة تماما[29]، مناقضا لكل تصريحات رجال الكنيسة أنفسهم، والتي اعترفوا فيها باحتجاز وفاء وكاميليا، وبأن أمرها شأن كنسي... إلخ.
رغم الصخب الشديد الذي ترتب على ظهور مشكلة كاميليا تتعمد الكنيسة الغموض فيما يبدو على أمل أن يُنسى الأمر كله، وهذا يعكس ضعف موقفها: فبأيِّ حق تحتجز مواطنة سواء اختلفت مع زوجها أو غيرت عقيدتها أو لأيِّ سبب آخر؟؟. أما غموض الدولة فليس إلا مجاملة للكنيسة، التي تستمر في تأييد عائلة مبارك وتدعو أتباعها لانتخابها، وربما لاستمرار سخونة الموقف لإشغال الناس عن أمور أخرى مثل انتخابات مجلس الشعب.

كذلك كشفت مشكلة السيدة كاميليا حدود المنظمات الحقوقية ودعاة حقوق الإنسان والمرأة في الداخل والخارج وأحزاب المعارضة والمنظمات الديموقراطية والجمعية الوطنية للتغيير وأنصار البرادعي وبقية دعاة التغيير ومرشحي الرئاسة. وكان الفضل في ذلك للمتظاهرين المسلمين، الطائفيين للأسف. فأين هذه المنظمات من أزمة كادت تعصف بالمجتمع كله؟؟ الغريب أن أغلب المنظمات الحقوقية العلمانية شبه صامتة صمتا يصعب تبريره. وقد اتصلت (الكاتب) بنفسي بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان وب HRW بخصوص موضوع كاميليا دون أيِّ رد فعل!!. وقد اقتصر موقف مؤسسات "المجتمع المدني" عموما على إصدار قليل من البيانات أو بلاغات للنائب العام، تتميز بالحذر من تبني المشكلة مثلما حدث في مشاكل أخرى مثل حادث مقتل خالد سعيد، مثلا فأدان المدير التنفيذي للمبادرة المصرية لحقوق الإنسان تصرف الحكومة، كما ذهب  مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان مدى أبعد فوصف اختفاء السيدة بأنه "اختطاف" من قبل الكنيسة وألقى  باللوم على الحكومة  لسماحها للكنيسة بالقيام بدور الدولة. كما  طالبت جماعة «مصريون ضد التمييز الديني» النائب العام بالتحقيق في مزاعم خطف أجهزة أمن الدولة للمواطنة كاميليا شحاتة وتسليمها لقيادات كنسية للتحفظ عليها واحتجازها دون رغبة منها في مكان غير معلوم، وإعلان جميع الحقائق على الشعب و محاكمة كل من يثبت مشاركته في تضليل الجماهير ونشر الشائعات والتحريض على الكراهية بما يهدد أمن الوطن وسلامته، على ألا يستثنى من ذلك أيُّ شخص، سواء قيادات دينية إسلامية أو مسيحية، أو إعلاميون في الصحف والفضائيات. وقد جاءت أغلب هذه المواقف متأخرة وبعد تصاعد المظاهرات الطائفية للمسلمين، ولم تقم المنظمات المذكرة بعمل أية وقفات احتجاجية أو مظاهرات بينما فعلت ذلك في مناسبات أقل أهمية.

ولم يكن الموقف الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين شاذا، بل ظلت تحلق داخل السرب، فهيَ صامتة تماما  تقريبا، مخالفة لمبادئها المعلنة، ومتضامنة – عمليا – مع الدولة والكنيسة، وقد تقدم برلماني إخواني بمجرد سؤال للحكومة عن موقف وفاء قسطنطين وكاميليا، وربما شارك بعض أفراد  الجماعة متطوعين في الوقفات الاحتجاجية.

والظاهر أن المنظمات الديموقراطية تجد حساسية من الدخول في مواجهة مع الكنيسة، وهذا اعتراف ضمني بتمثيل الكنيسة للمسيحيين المضطهدين واعتبارها تناضل لتحريرهم، ومن المحتمل أنها تتحاشى غضب مسيحيي المهجر وحساسية مسيحيي الداخل. وتتحاشى جماعة الإخوان الصدام مع البابا لتقليل عدد أعدائها ولتفادي عداء جمهور المسيحيين الملتف حول الكنيسة.

كذلك لم نسمع أن البرلمان الأوربي ولا الخارجية الأمريكية ولا الكونجرس الأمريكي أو غيرها من مؤسسات الغرب "الديموقراطية" أصدرت بيانات تدين الحكومة المصرية أو الكنيسة مثلما حدث في قضايا أقل تأثيرا في الرأي العام؛ قضية سعد الدين إبراهيم مثلا.

ورغم كل شيء حفزت حادثة كاميليا فكرة حرية الاعتقاد بين بعض المسلمين؛ فرغم المظاهرات الطائفية للسلفيين المسلمين وتصاعد النعرة الطائفية، ظهرت اتجاهات من بين المسلمين ومنهم رجال دين  تنادي بحرية الاعتقاد لكل المواطنين، وبدأ الإعلام يتناول "حكم الردة" في الفقه الإسلامي المتشدد بالنقد.
كما ارتفعت أصوات ناشطين مسيحيين مناهضة للكنيسة بالنقد الحاد لمواقف الأخيرة وسياستها الطائفية، التي تشكل خطرا على الجمهور المسيحي، الذي تزعم أنها تحميه. فقد نظم عدد منهم تجمعاً على "فيس بوك" للمطالبة بمحاكمة الأنبا بيشويْ، فيما أعلنوا نيتهم تنظيم محاكمة رمزية له في باحة الكاتدرائية عقب عظة البابا . واتهموه بدفع إشعال نيران الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، مطالبين البابا بعزله من منصبه كسكرتير عام للمجمع المقدس، ومن  جميع رتبه الكهنوتية وإعادته إلى الدير.

وتأتي أهمية موضوع كاميليا أنه أعاد إلى الأذهان حادثا كان يبدو فرديا ولن يتكرر، وهو تحفظ الكنيسة على المواطنة وفاء قسطنطين منذ 2005، ولكن مع تكرار السيناريو أصبح واضحا أن هذه ستكون سياسة الدولة والكنيسة مع زوجات الكهنة، مما استفز الكثيرين من الطائفيين وغيرهم. وهذه السياسة فجرت قضية الدور السياسي للكنيسة. وقد كان تصرف الكنيسة في هذه القضية قصير النظر ومستفزا لقطاعات واسعة تشمل كثيرا من المسيحيين العاديين، خصوصا أنه تضمن تمييزا بين زوجات الكهنة وبقية المسيحيات، كما كان مناقضا لمطلب حرية الاعتقاد الحيوي للغاية لدى عموم الأقليات الدينية في مصر، فكان من الغريب أن ترفع الكنيسة مبدءا ثم تنقضه بهذه الطريقة الفجة. أما موقف الدولة فكان أكثر استفزازا؛ لأنها هيَ التي خلقت هذا المشهد الدرامي، وبدت وكأنها تتعامل مع الكنيسة كدولة مستقلة. وجاءت الواقعة مصحوبة بتصريحات مستفزة من جانب الكنيسة ومهددة ضمنيا للمسلمين، لتثير الجماهير التي لم تنته بعد من قضية قتل خالد سعيد وغيره على أيدي الشرطة، والتي عانت مؤخرا من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، ومواقف مستفزة من جانب الدولة، مثل حكم قضية مدينتي ثم الالتفاف حول الحكم، وتخفيف الحكم على هشام طلعت مصطفى بدون مبرر مقنع، والقمع العنيف للناشطين السياسيين، خصوصا من الإخوان المسلمين، وحادث سرقة لوحة زهرة الخشخاش وإفلات وزير الثقافة من المسؤولية كالعادة، والحرائق المتوالية في عدد من المؤسسات الهامة. وبينما سلم الأمن كاميليا للكنيسة أغلقت الحكومة قنوات فضائية إسلامية وألغت برنامجا يكشف عن فضائحها وتآمرت للقضاء على صحيفة الدستور. كل هذه التعبئة أدت لاستمرار موجة الاحتجاج ضد الكنيسة وتصاعدها، فلقد فاض الكيل بالجماهير ومن المحتمل ألا تقف الموجة عند قضية كاميليا بل قد تمتد لقضايا أخرى أكثر حيوية وعلى رأسها نظام الحكم نفسه.
إن شبح انتفاضة 18 يناير 1977 يبدو في الأفق.  

موقف السلطة الرسمية :

تستطيع الدولة أن تقضي على "الفتنة". فمن السهل أن يُطبق القانون على الجميع وأن يطبق الدستور الذي ينص على حرية الاعتقاد على جميع المواطنين، ومن السهل إنهاء المشكلة الكبري المزمنة للكنيسة: قانون موحد لبناء دور العبادة، مناقشته مؤجلة منذ سنوات، ولن تحدث مضاعفات مهمة إذا تم تنحية الموضوعات الدينية من كتب اللغة العربية في المدارس. ولكن النخبة  لا تملك تصورا ولا إرادة حقيقية لحل المشكلة، فهيَ تتكون من كتل متناحرة ومهتمة أكثر بتحقيق مصالح ضيقة، والأهم أنها تفتقد لمشروع تحديثي حقيقي. فالطبقة الحاكمة تتكون أساسا من حلف بين البيروقراطية ورجال أعمال فاسدين، وتتحالف النخبة السياسية الحاكمة معهم، كما صار جهاز الدولة بسلطاته الثلاث وكل أجهزته أداة في أيدي هذا التحالف، فالدولة كثيرا ما تحمي الفساد وتقننه، بكل الأساليب: تفصيل قوانين، أحكام قضائية غير قانونية، وتواجه بعض عناصره من حين لآخر، وتلتزم بالدستور أحيانا وتخالفه كثيرا، ولاتنفذ أحكام القضاء الغير ملائمة لمصالح النخبة الحاكمة، وتستخدم بعض البلطجية كرديف للشرطة وفي الوقت نفسه تقبض على كثير منهم وتسجنهم وتعذبهم بقسوة..إلخ. ولهذا كله تعجز الدولة عن اتخاذ إجراءات جذرية لمواجهة مشاكل البلاد، فهيَ تلعب بكل المتناقضات لصالح الطبقة المسيطرة، فتضرب وتتحالف في نفس الوقت أو تترك الساحة جزئيا لكافة قوى المجتمع الفاعلة، ويأتي استخدام الصراع الطائفي لامتصاص طاقة الناس في ضرب بعضهم البعض لإفساح المجال أمام النخبة لممارسة نشاطها في هدوء وتقسيم المكاسب فيما بين أفرادها بعيدا عن الاحتجاجات الشعبية. ومن الجدير بالملاحظة أن النخبة المسيطرة تشمل عددا لابأس به من "رجال الأعمال" المسيحيين بالغي الثراء، ويملكون نسبة لا بأس بها من الاقتصاد والمندمجين قلبا وقالبا مع "رجال الأعمال" المسلمين، وتربطهم مصالح مشتركة معا. ولأن الصدامات الطائفية – رغم فوائدها للنظام -  قد تسبب له اضرارا منها مس سمعته في الخارج والداخل، يحاول الأخير وضعها تحت السيطرة دون أن يستطيع أو يحاول جديا في التصدي لأسبابها المعروفة جيدا.  

أما رجال الكنيسة فأهم ما يعنيهم هو المحافظة على سلطتهم وامتيازاتهم والواقع أن كبارهم أصبحوا أغنياء. ومنهم حتى رهبان، وهذا يتطلب منهم المحافظة على  ما يعتبرونه وطنهم؛ الكنيسة الأرثوذكسية نفسها، ولكنهم عاجزون عن هذا رغم جهودهم؛ فقد بلغ مثلا عدد المتحولين إلى الإسلام سنويا أرقاما ضخمة، قدرت ب 5 و 10 آلاف سنويا، وقدرها البابا مكسيموس، المنشق على كنيسة البابا شنودة ب 50 ألف شخص[30]، بخلاف المتحولين لملل مسيحية أخرى، خاصة البروتستانتية[31]. فقدرة الكنيسة على المحافظة على "شعبها" تضعف بسبب قمعها لهذا الشعب وتشددها، مثلما الحال في موضوع الطلاق والزواج الثاني على سبيل المثال.

في الواقع مازالت الدولة تحاول السيطرة على الموقف: تستغل الإسلاميين لإرهاب الغرب والمسيحيين والعلمانيين، وتترك لقادتهم قدرا من النفوذ ووهم القوة، وتستغل الكنيسة للسيطرة على عامة المسيحيين، بينما تترك لرجالات الكنيسة بعض المكاسب لقاء هذه المهمة وتستخدم الصراعات الطائفية لامتصاص بعض الغضب الشعبي من سياساتها. ولكن هل ينقلب السحر على الساحر؟.

دعوة:

ليس هناك أيُّ مفر من تعايش أصحاب كل الأديان في مصر، والبديل الوحيد للتعايش هو المعارك الطائفية التي يخسر فيها الجمهور العادي أكثر مما قد تخسر الطبقة المسيطرة وأعوانها من نخب مختلفة ورجال دين وإعلاميين، بل ربما يكسبون. وبناء على القراءة السابقة للواقع المصري لا يمكن توقع أن تقوم الدولة المصرية بحل المشكلة الطائفية من تلقاء نفسها.  

إذا أراد مسيحيو مصر أن يتحرروا من الاضطهاد الديني فعلا فليس أمامهم إلا الانخراط في الحركات الديموقراطية بصفتهم مواطنين مصريين وليس مواطنين تابعين للبابا، ومن المهم أن يتحرروا من سلطان الكنيسة نفسها ومن سلطة الكهنة وخداعهم وأن يتبنوا مع بقية السكان مطالب وطنية عامة على رأسها تغيير النظام القائم وإعادة توزيع الثروة الوطنية والتنمية والتحديث الحقيقي شاملا العلمنة، خصوصا أن هناك أصوات من المسلمين تنادي بنفس الشيء وكثير من المسلمين ليسوا معادين لهم.

من الصعب مطالبة الآخرين بالعلمانية دون أن يتبناها من يطالب بها. وليس من المتصور أن تعلوا أصوات المنادين بالتخلص من المسلمين، وهو مستحيل حسب موازين القوى، دون رد فعل عنيف من جانب الأخيرين خصوصا مع وجود جو التعصب والتحفز الحالي. كما أن تأييد النظام الفاسد المكروه من مجمل الشعب المصري يضع المؤيدين في معسكر الأعداء.

من الطبيعي جدا أن يكون الطرف المضطهد والضعيف أكثر اهتماما بحل مشكلته، أما التقوقع والانعزال عن المجتمع فيزيد المشكلة ويحفز التعصب لدى الطرفين. وليس من المتصور أن يتحرر المسيحيون من التمييز والاضطهاد مالم يتحركوا من أجل الصالح العام للشعب المصري ككل، وأن يتبوءوا مركز القيادة في العلمنة، والتي لا تقتصر على تجاوز الطائفية وإنهاء اضطهاد المسيحيين.  

وسيستطيع المنادون بالديموقراطية وحقوق الإنسان أن يثبتوا وجودهم ويحققوا أهدافهم فقط حين يتخلصوا من علاقتهم بالدولة والمؤسسات الغربية المانحة، فمن المستحيل أن يستطيع مفكرون وأدباء وليبراليون حكوميون يعملون في مؤسسات تابعة لدولة مستبدة ويسعون للترقيات والمنح الحكومية، أو في منظمات تعيش على دعم مؤسسات غربية أغلبها مسيسة الدخول في مواجهة حاسمة مع أصحاب الفكر الديني المتعصب وقوى التخلف. وحين يتحررون من هذا وذاك سيصبحون أكثر قدرة على ذلك.




[1] سليم نجيب،   أوضاع الأقباط قبل وبعد ثورة يوليو 1952،   http://www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=8257

[2] وذكر البابا شنودة أن هناك أحداث عنف غير معلنة
[4] على سبيل المثال كانت الخارجية المصرية هى أول من أثار مسألة الرسوم المسيئة لنبى الإسلام بينما لم يعر الإخوان المسلمون الأمر أهمية تذكر، وتركز الدولة على التعليم الديني كمادة أساسية وتقدم مادة دراسية محافظة للغاية بل متشددة. 
[5] بخصوص هذا الحادث رفضت محكمة النقض طعن النيابة العامة على الحكم بحبس 4 متهمين وبراءة 92 متهما،   وقالت المحكمة في حيثيات حكمها انها حكمت بالبراءة على المتهمين بسبب تناقض أقوال الشهود مع المجني عليهم،   وعدم تطابق الأقوال مع الأدلة المقدمة في الدعوى فضلا عن شيوع الاتهام،   فضلا عن عدم جدية تحريات الشرطة وعدم الدقة في تقدير الخسائر التي لحقت بالممتلكات والمبالغة فيها،   وعدم ضبط أي من المتهمين حال ارتكابهم جرائم القتل،   وبناء الاتهامات على مجرد الظن والاحتمال،   واستبعاد أعداد كبيرة من المتهمين اثناء التحقيقات لعدم اطمئنان النيابة لارتكابهم هذه الجرائم.   وأشار رئيس المحكمة الى ان رجال الشرطة أدوا واجبهم،   لكنه لفت الى تقاعس بعض رجال الدين عن التدخل والقيام بدورهم مما أدى الى اشتعال الموقف وتفجر الأحداث الدامية،   http://www. aawsat. com/details. asp?section=4&article=24952&issueno=8106

[6] منها مقال: الوحدة الوطنية ليست بالسرقة العلمية،   http://dostor. org/weekly/press/10/april/27/14585
[7] نشر ذلك في عدد من الصحف ووسائل الإعلام الأخرى بتاريخ 1 نوفمبر 2010، منها: http://youm7. com/News. asp?NewsID=298591

[8]  عزت أندراوس، جماعة الأمة القبطية وأمل الشباب القبطي لمستقبل أفضل للأقباط عن طريق خلط الساسة بالدين،   http://www. coptichistory. org/new_page_441. htm

[9] سعد هجرس،   وهابيون..   حتي في الكنيسة القبطية،   http://www. ahewar. org/debat/show. art. asp?aid=170034


[11] نقلا عن صحيفة اليوم السابع: http://youm7. com/News. asp?NewsID=112295&SecID=97&IssueID=120
[15] استشهد البابا في هذا الصدد بقرارات صادرة عن المؤتمر الإسلامي المنعقد في القاهرة عام 1971 وبالخط الهيمايوني  للتأكيد علي أحقية المسيحيين في الاحتكام الي الشريعة المسيحية، كما استشهد بالشريعة الاسلامية نفسها في إقرارها لحق المسيحيين للاحتكام الي شريعتهم فيما يتعلق بأحوال الزواج والطلاق. 
[16] القمص عبد المسيح أستاذ اللاهوت الدفاعي وكاهن كنيسة العذراء بمسطرد. 
[17] حوار مع صحيفة المصرى اليوم،   http://www. almasry-alyoum. com/article2. aspx?ArticleID=269653&IssueID=1894

[19] صرح بيشوى لصحيفة الشروق:  "البابا لم يطلب منى أن أفعل شيئا على الإطلاق ولم يضغط علىّ،   ووافق فقط على أن أصدر بيانا اقترحه علىّ أحد الصحفيين الأقباط لتوضيح موقفي"،   http://www. shorouknews. com/ContentData. aspx?id=303552

   [20]كثيرا ما اتهم رجال الكنيسة الأرثوذكسية الغرب بتمويل ما يعتبرونه "مؤامرة" نشر البروتستانتية في مصر خصوصا بين أتباعهم، فهذا كمثال  الأنبا موسى،   أسقف الشباب بالكنيسة الأرثوذكسية، يتهم  مدارس السلام الأمريكية بالضلوع فيما أسماه المؤامرة الإنجيلية للتبشير بالبروتستانتية بين الأرثوذوكس المصريين وتحدث عما أسماه بمخطط إنجيلى... وهو يذكرنا بخطاب الحكومة حين تقرر تشويه معارضيها.   http://www. coptreal. com/WShowSubject. aspx?SID=25321

[22] ضمن حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا: "ان قرار التصريح بالجواز والطلاق قرار إداري يخضع لرقابة القضاء الإداري..   فـالكنيسة الارثوذكسية تقوم - بحسب الأصل - علي رعاية الأقباط الارثوذكس كافة، وهي في سبيل ذلك خول لها القانون السلطات اللازمة وتقديم الخدمات اللازمة لهم، وهذه المهمة من مهام الدولة ومن ثم فإن ممارسة الكنيسة في هذا الخصوص إنما هو نشاط إداري دعت إليه اعتبارات الصالح العام، وتغدو القرارات الصادرة منها علي هذا النحو قرارات إدارية تتعلق بتنفيذ القوانين واللوائح، وتخضع لرقابة القضاء من حيث مدي مشروعيتها، ولذلك فإن التصريح بالزواج ثانية كنسيا حسبما ورد النص عليه في المادة 69 من لائحة الأقباط الارثوذكس الصادرة عام 1938 لا يعدو في حقيقته الا أن يكون قراراً إداريا يخضع لرقابة القضاء الإداري"
[23] اتفقت الجماعة مع الحكومة على ترشيح 150 شخص فقط في الانتخابات البرلمانية، وهذا ليس تصرف منظمة تخطط للاستيلاء على السلطة. 
[24] أعلن ذلك خلال تسجيل بثته قناة "الكرمة" القبطية فقال أن كاميليا تخضع لتأهيل نفسي؛ لمداواة ما تعرّضت له من تأثير من أطراف مسلمة،   وقال "هما عملوا لها غسيل مخ،   وإحنا هنغسل المغسول"،   نافيا أن تكون  قد أشهرت إسلامها. وقد نشر هذا التصريح في عديد من وسائل الإعلام ولم تنفي الكنيسة هذا ولم تنكره وسائل الإعلام المسيحية ولا الأنبا أغابيوس نفسه. 
[25] تناقلت هذا مواقع الكترونية عديدة دون أي نفي من جانب الكنيسة. 
[29]  ليست فتنة طائفية وإنما محنة ديمقراطية   http://www. elfagr. org/Portal_NewsDetails. aspx?nwsId=3586&secid=61

[30] حوار على قناة الجزيرة،   برنامج بلا حدود،   11 مايو2008، منشور فيديو على: http://www. alkhawbah. com/vb/t675. html

[31] ذكرت مصادر إعلامية عديدة خبرا يقول بتحول الأنبا دانيال البراموسي ومعه أكثر من 10 آلاف أرثوذكسي إلى البروتستانتية عام 1994 ولكن لم نجد مصادر موثوقة لهذه المعلومة.  

يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل