هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الثلاثاء، 14 أبريل، 2009

عرض كتاب :النزعة المركزية الإسلامية -تأليف عادل الحريرى


لتحميل الكتاب:

www.ahewar.org/debat/files/83317.doc

عادل العمري:


يتناول الكتاب موضوعا فريدا غير مطروق وهو ما يعتبره الكاتب نزعة مركزية في الثقافة الإسلامية بينما اعتدنا أن نتناول النزعة المركزية الأوربية والتي تتعرض كثيرا للنقد والتحليل. ويبدو أن المؤلف قرر أن يحلل الآخر بالنسبة للمركزية الأوربية بمناسبة فتح مسألة العلاقة مع الآخر المطروقة منذ سنوات علي نطاق واسع.وهي مساهمة لا شك مفيدة.
الكاتب غير معروف وربما يكون الاسم غير حقيقي وهو أمر معتاد لكتاب الموقع المذكور.
والملفت للنظر أن الكاتب ينتقد الفكر الإسلامي من وجهة نظر حداثية معتبرا أن المركزية الأوربية تقابلها مركزية إسلامية كذلك وتشترك الثقافتان في أمور كثيرة عكسما يبدو أو عكسما يُعتقد عادة في البلاد الإسلامية.والموضوع يصدم القارئ المسلم العادي بل والمثقف أيضا.

والكتاب مركز ويصعب تلخيصه وسوف أقدم عرضا موجزا لمحتواه العام في نقاط:
1- يتناول الكتاب الثقافة الإسلامية متجنبا الدخول في ورطة تحليل "صحيح الدين" محللا فقط للرؤي الإسلامية المختلفة للنص المقدس أو ما يعتبره كل توجه إسلامي مقدسا من وجهة نظره.هكذا حدد نفسه كحكم محايد بين التيارات الإسلامية المختلفة أو علي أقل تقدير حاول أن يبدو كذلك.ولم يقدم أي محاولة لفهم النص المقدس من وجهة نظر مخالفة للمركزية أو من وجهة نظر إسلامية معتبرا نفسه خصما مباشرا للإسلام وليس مصلحا.وكان الكاتب واضحا في إعلان هويته كناقد للفكر الإسلامي ومن أنصار الحداثة رغم انتقاداته للمركزية الأوربية التي تخللت كتابه.ولم ينح منحي الإصلاحيين الذين يرون أن الفهم الصحيح للإسلام يقدم إسلاما إنسانيا يحترم الآخر ويعترف به ويقيم علاقة سلام معه ولا يفرض نفسه علي أحد. وفي هذا يخالف غيره من خصوم الإسلام العرب الذين يقدمون أنفسهم في ثوب الإسلاميين المصلحين والذين يوجهون نقدهم للإسلام بين السطور هربا من الرقابة البوليسية وتهديدات الإسلاميين المتشددين.
2- ركز الكاتب علي ما أسماه الإسلام التقليدي من سنة وشيعة ومعتزلة ..إلخ بينما أشار بسرعة لآراء التوجهات الإسلامية العلمانية والعقلانية المحدودة الأثر معتبرا إياها أحيانا آراء نشازا في الإسلام حسب تعبيره.وكان اهتمامه الأول موجها للإسلام السني المتشدد باعتباره السائد في الثقافة الإسلامية.وقد أغفل بشكل واضح وغير مبرر الموقف الصوفي رغم شعبيته في فترة ما ليست قصيرة،مكتفيا بإشارة سريعة له . ومن الواضح أن هدفه لم يكن أيديولوجيا محضا بل أراد انتقاد الإسلام السياسي المعاصر بشكل أساسي.
3- يعرض الكاتب بالتفصيل رؤية التوجهات السائدة في الإسلام السني المعاصر منتقدا كذلك أسسه الأيديولوجية المستقاة من التراث السني.
4- حسب المؤلف يقسم الإسلام الناس إلي مسلمين وكفار بشكل حاد وحاسم معتبرا الكفار أعداء المسلمين إلي الأبد وأن بينهم حالة حرب تتخللها فترات من الهدنة.ويري الإسلاميون حسب عرضه أن العالم يجب أن يصبح مسلما إما بالاعتقاد أو الخضوع للمسلمين بدفع الجزية لهم والدخول في طاعة الدولة الإسلامية.
5- يستعرض باستفاضة آليات محاولة الإسلام فرض لنظامه علي الصعيد العالمي والمحلي داخل كل بلد إسلامي وكيفية إخضاع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم للدولة الإسلامية.وحلل باستفاضة وضع أهل الذمة داخل الدولة الإسلامية حسب ما قرر الفقهاء من اتجاهات مختلفة وحسب نص القرآن والحديث حسب الفهم الذي يقدمونه لهما.
6- كما استعرض علاقة الحرب بين الإسلام والآخر بما تتضمنه من قواعد الحرب في الإسلام وشروط الجهاد وأهدافه وآلياته،مبرزا كيف يميز الإسلام بين المسلمين والكفار في الحرب واستخدامه لأساليب لا أخلاقية منها اغتيال الخصوم الفكريين واغتصاب نساء المقاتلين ونقض العهود والغدر..إلخ.وهي صورة تصيب القارئ العادي بالصدمة خصوصا أن المصادر التي استند إليها إسلامية.
7- يستعرض الكاتب تفصيلا موقف الإسلام السياسي المعاصر من الآخر منتقدا موقفه في مسألة حقوق الإنسان والثقافة الحداثية (أو الغربية) ككل وراح ينقد بقسوة الفكر الإسلامي كاشفا ما اعتبره جوانبا غير أخلاقية فيه كما انتقد التاريخ الإسلامي شاملا حتي تاريخ دولة الرسول والراشدين مقارنا بينها وبين الدول الغربية معتبرا أن الكل سواسية في التعامل مع الآخر بلا أخلاقية.
8- ضمن فصول الكتاب فصل بعنوان:" نظرية المؤامرة والبارانويا الإسلامية " حلل فيه الإسلام المعاصر تحليلا نفسيا سريعا كاشفا ما اعتبره علاقة بين الاعتقاد بنظرية المؤامرة والنزعة المركزية الإسلامية.
9- وجه الكاتب ردودا حادة علي ادعاءات الإسلام السياسي خصوصا الإخوان المسلمين بتغير فكرهم للديموقراطية وادعائهم الاعتراف بالآخر واحترامه وإيمانهم بالحريات العامة شاملة حرية الاعتقاد متهما إياهم بالديماجوجيا والكذب مستخدما مصادر من كتاباتهم نفسها.
10- أشار الكاتب بسرعة إلي بعض مواقف اعتبرها لا مركزية في الإسلام منها مواقف معاصرة مثل بعض مواقف القرآنيين والعلمانيين المسلمين عموما.
11- في النهاية يدعو الكاتب الإسلاميين إلي نزع القدسية عن النصوص أو على الأقل معاملتها على أنها تاريخية، وأن يتخلوا عن اعتبار فكرهم هو الحقيقة النهائية أو أن الإنسان يحمل جينات إسلامية، وبالتالى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وفتح باب النقد لكل النصوص حتى المقدسة وتقبل تحليل "الكفار" لنصوصهم وحقهم فى الدعوة لأفكارهم بل والتوقف عن تكفير المخالفين وإنهاء تقسيم البشر إلى مسلمين وكفار.



التكوين المنطقى لمفهوم نمط الإنتاج




عادل العمرى - شريف يونس
( نشرت لأول مرة عام 1991)

مقدمة لمفهوم نمط الإنتاج
عادل العمري

يستهدف هذا المقال تحديد مفهوم نمط الإنتاج وتكونه منطقيا. ويُعد تحديد هذا المفهوم من القضايا الشائكة، فطالما ُبذلت جهود لتحليل أنماط الإنتاج في مصر وخاصة في الريف، واختلفت الآراء استنادا – في الغالب – إلى تباين تحديدات مفاهيم مختلف أنماط الإنتاج، بل ولمفهوم نمط الإنتاج نفسه. وقد اتضح ذلك مثلا في رد صالح محمد صالح على إبراهيم عامر، وهو تقريبا أبرز حوار حول الموضوع (من طرف واحد مع ذلك) تم في مصر. أما مفهوم نمط الإنتاج فلم يجر تناوله من الناحية النظرية المحضة في بلادنا، فهنا يعتمد الجميع تقريبا على التعريفات الدارجة.

ولا يكفى ان يقرر المرء ما يقصده هو بمفهوم هذا الشىء أو ذاك ، أو أن يضع من تلقاء نفسه "تعريفات" معينة يسير فى بحثه على أساسها. فرغم أهمية هذه العملية فى حد ذاتها، إلا أنها ، لكي تكون محاولة علمية بحق ينبغي أن تتم بطريقة موضوعية – منطقية، وبمعنى أوضح ينبغى اكتشاف حركة المفاهيم، باعتبارها موضوعات، مع الاهتمام بكشف حركتها المنطقية، وبالتالي استنباطها من بعضها، بصفتها عملية موضوعية لا تتوقف على موقف هذا الذهن أو ذاك، بل تتم باعتبارها عملية اكتشاف للحركة الموضوعية للمفاهيم .
ولم تطرق فكرة المفهوم Notion نفسها طرقا حقيقيا فى أدبياتنا ، وعادة ما يجري التعامل مع "المفهوم" استنادا إلى شروحات شبه مدرسية. ونظرا لأهمية هذه القضية فسوف نبدأ بتحديد المفهوم نفسه:
تحوي اللغة نوعين من الكليات: Universals التصورات Concepts ، والمفاهيم .Notions والنوع الأول يشمل الكليات التى لا يمكن استنباطها، أي أن وجودها ليس وجودا موجبا ضروريا Essential، ونقصد هنا الضرورة المنطقية. مثال ذلك تصورات الكلب ، القطار، ... الخ فوجودها عرضى Contingent ، غير مبرر منطقيا، وهى لا تنبثق من كليات أخرى، فليس من الضرورى ان ينتقل تصور الحيوان منطقيا إلى تصور الكلب رغم أن الكلب حيوان.
أما النوع الثاني من الكليات؛ المفاهيم، فهي تلك التى توجد على نحو ضروري، مرتبطة على نحو مطلق بالوجود الإنساني نفسه أو مترتبة عليه بشكل منطقي. وهي نوعان : مفاهيم المنطق (مثل الكلي والجزئي والفردي)، والمفاهيم الحسية (مثل قوى الإنتاج ، علاقات الإنتاج ، نمط الإنتاج). وهذه المفاهيم تترتب تراتبا منطقيا، فتتضمن بعضها بالقوة Potentially أوبالفعل. Actually
وبقدر ما يمكننا استنباط
[1]هذه المفاهيم من بعضها بشكل منطقي نكون أقدر على معرفة حقيقتها .
وقد قدم هيجل تحديدا واضحا للمفهوم: فهو فى أعرض معانيه "طبيعة أو ما هية الأشياء"
[2]، وبتعبير آخر: "القلب الحقيقي للأشياء؛ نبض حياتها . [3] إنه إذن حياة موضوعية تقوم بذاتها، بل وتقوم الأشياء على أساسها .. فهو "يكون الأساس المطلق ، إلا أنه لا يكون كذلك إلا بقدر ما يكون الأساس" [4] .
وليس معنى ذلك أن العرضي من وجهة نظر المنطق الجدلي عبث محض، وإلا استحالت معرفة الكلب أو اختراع القطار، فالعالم الحي يحوي الروابط الضرورية التي تجعل الكلب حيوانا، رغم أن الحيوان ليس كلبا بالضرورة، وتجعل القطار أداة أو حتى وسيلة انتقال، رغم ان الأداة ليست بالضرورة وسيلة انتقال ووسيلة الانتقال ليست بالضرورة قطارا .
فالعرضي إذن هو العرضي من وجهة نظر الفكر، أي أنه غير منبثق من الفكر  فلا يمكن استنباطه، ذلك لأنه لا يحوي "غاية" داخل ذاته، ومن ثم فهو يبدو أمام الفكر كمعطى مباشر ليست له "غاية" ذاتية.
غير ان الانفصال بين المنطقى والعرضى ليس مطلقا . فمقولة التصنيف نفسها (الهوية والاختلاف) هى إحدى مقولات المنطق الجدلى التى يمكن استنباطها . ومن جهة أخرى يمكن الحصول على أى مفهوم من المفاهيم الضرورية منطقيا بالتجريد البسيط من المعطى – مثلا مفهوم تقسيم العمل أو أدوات الإنتاج . هناك إذن تداخل بين المعطى والمنطقى، بين العرضى والضرورى ، بين المادة والفكرة .
والخلاصة ، ان المنطق الجدلى يرتب المفاهيم منطقيا بقدر ما ان هذه المفاهيم الجزئية تشكل عناصر فى عملية تطور منطقى ، بمعنى عملي تنطوى أية لحظة منطقية لوجودها على إمكان لحظة منطقية أخرى أكثر تركيبا ، صعودا إلى مفهومها الذى يحتوى على تحديداتها كاملة فى صورة تحديد مطلق . غير ان العملية المنطقية ومقولاتها لابد ان تنطوى فعليا على تحديدات جزئية معطاة .. فوسائل الإنتاج هى العصا والفأس والمحراث ... الخ وهى تتواجد من خلال هذا الجزئى .
ويستهدف هذا البحث تحديد التكوين المنطقى لمفهوم "نمط الإنتاج" بهذا المعنى . ومن الواضح ان هذا المفهوم حسى .. وسنقوم هنا أولا بإلقاء الضوء على المنهج الذى سنبحث به مفهوم نمط الإنتاج . ولا بأس من الإشارة هنا مسبقا إلى أننا سنستخدم منهج الديالكتيك بالطريقة التى عرضه بها هيجل – إلى حد كبير – وبالطريقة التى استخدمه بها ماركس فى "رأس المال" أساسا :
وفقا للديالكتيك يشكل المفهوم حقيقة الوجود أو العنصر العقلى فيه ، هذا بكل اختصار . ولنحلل هذه الفكرة :
قبل هيجل ، وبالتحديد عند كانط بلغت الفلسفة فى تأملها فكرة التفاعل بين مقولات الذهن والتجربة
[5] ، وأما مع هيجل فقد تم تجاوز هذه المقولة وظهرت مقولة المفهوم ، فصارت الازدواجية السابقة إلى الوحدة المطلقة بين الوجود والماهية [6] فى هذه اللحظة يصير الوجود "فى ذاته و لذاته" . وقد استنبطه هيجل من دائرة الماهية كالآتى : "كل جوهر يضع أولا على انه عرض Contingency ثم كنتيجة ، ثم كجوهر فعال" [7] و "هكذا تؤدى الحركة الجدلية للجوهر من خلال السببية والتفاعل إلى انبثاق المفهوم مباشرة" ... "وبذا يكون المفهوم حقيقة الجوهر". [8]وبمعنى أوضح ، إذا تصورنا التفاعل بين السبب والنتيجة نجد انهما يكونان شيئا واحدا ، فالشىء ينتقل إلى ضده وضده ينتقل إليه ، أى انه ينتقل فى النهاية إلى نفسه .. فالمفهوم إذن هو الشىء الذى يتوسط نفسه بنفسه[9] ، أو يحدد نفسه بنفسه ، وهذا يعنى انه واحدى .Unitary وهو إذن ليس مجرد أهم جانب فى الظاهرة، وإنما هو يشكل كل ما هو ضرورى فى الظاهرة : الظاهرة فى علاقتها بنفسها ، كانعكاس داخل ذاتها، وحدة الظاهرة مع نفسها باعتبارها وحدة أضداد ، أو هو الوحدة المطلقة للأضداد . فانتقال الشىء من لحظة إلى أخرى لا يؤدى هنا إلى نفى مطلق لنفسه ، وإنما ينتقل مع احتفاظه بنفسه أيضا ، ولذلك فهو ينتقل داخل نفسه ويوجد لذاته For itself ، فالشىء ينتقل إلى شئ ولذلك نقول أنه بمعنى ما يظل نفسه . هذه الوحدة مع الذات أو هذا الشىء الذى يحدد نفسه بنفسه هو المفهوم . [10]
وعادة يتبنى الباحثون عندنا طريقة مختلفة لدراسة الظواهر ، فنظرا لتعقد الواقع وتشابك الظواهر يميل معظم الباحثين إلى رصد الكثرة والتعدد والتشابك والتفاعل على حساب الوحدة ، ويجرى النظر إلى المفاهيم على أنها تعريفات موجزة أو ملخصات لا تفى بالغرض ، اعتقادا منهم بأن المفهوم مجرد وبسيط ، كذلك يجرى التعامل مع مفهوم الديالكتيك كما لو كان عملية تفاعل معقدة فحسب . وهنا يتوقف صاحب هذه الرؤية عند لحظة من منطق الديالكتيك حسب عرض هيجل له ، هى مقولة التفاعل، وكثيرا ما نجد "جدليين" يستخدمون تعبيرات من قبيل الحركة الجدلية ، العلاقة الجدلية أو العملية الجدلية قاصدين التفاعل بين شيئين أو عدة أشياء أو ظواهر (أنور عبد الملك مثلا
[11]).
وتعد هذه الطريقة – من وجهة نظر المفهوم – تبسيطا بالغا للأمور ، لأنها ترصد الظواهر من خارجها ولا تذهب إلى أبعد من تحديد جزئى لماهية الظواهر . أما المفاهيم فهى تتضمن كل الجوانب الضرورية منطقيا Essential للظاهرة (الضرورية لوجودها نفسه) . وفى مقابل نظرية المفهوم ، تكتفى "نظرية" العوامل والنظرية التعددية أو الثنائية وكذلك البنيوية بتحليل العرضى ، ومن ثم تعجز عن تفسير الواقع ومعرفة حقيقته . فالحقيقة هى أساسا الجانب الضرورى من الظاهرة . ذلك الذى يحدد وجودها ككل، أى مفهومها، وبلغة التفكير العادى : هى الفكرة التى تتضمنها الظاهرة .
لننتقل خطوة أخرى فى تحديد المفهوم :
لكل ظاهرة جوانب عديدة ، سبب وجوهر وكمية وكيفية .. إلخ . إلا أن هذه الجوانب كلها تتحد فى شئ ما .. واحد بمعنى من المعانى . هذه الوحدة هى المفهوم . وفى الحقيقة لا يمكن للمرء ان يحدد مفهوم شئ إلا من خلال دراسته جيدا ، ذلك لأن المفهوم يُعد كلية عينية ، شئ بالغ الثراء ، لأنه يتضمن كل ما يكون الظاهرة على نحو ضرورى . إلا أن معرفة العرضى تعد ضرورية لمعرفة الضرورى ، فاللاضرورى (أو العرضى) يكون جانبا من الظواهر . كما ان الاستنباط نفسه يتطلب معرفة مسبقة بما نستنبطه ، أى ان مرحلة تسبق مرحلة العقل فى عملية المعرفة هى الفهم . ومع ذلك فلا يكفى لكى يعرف المرء ظاهرة ما ان يرصد عناصرها، بل يحتاج الأمر أيضا إلى الاستنباط ، أى تقديم عرض منطقى لهذه العناصر.
ونضيف أخيرا ان العرضى يوجد على نحو مستقل منطقيا عن الضرورى ، ومع ذلك يُعد تحديده ضروريا لتحديد المفهوم نفسه ، حيث أنه ، أى الأخير ، يظهر من خلاله وإن كان هذا يتم بمحض الصدفة – من الناحية المنطقية – ولهذا السبب بالذات لا يكون الاستنباط مطلقا وخالصا أبدا فى تحليل الظواهر ، وربما كان كذلك أيضا فى المنطق نفسه ، أى فى ترشيح العقل الخالص (وهذه نقطة تحتاج إلى مبحث خاص) . ومع ذلك، ورغم كل الإضافات وعناصر الصدفة العقلية ، يظل العقلى موجودا ، وفعالا ، مشكلا حقيقة الوجود . ولكن وجود اللاعقلى بتلك القوة يجعلنا ننظر إلى العقلى نظرة مغايرة لنظرة هيجل ، فهو ليس حرا طليقا على نحو مطلق ، بل حر بمعنى انه يقود نفسه ويقود اللاعقلى ، وإلى هذه الدرجة فحسب يتمتع بالقدرة على المبادرة ولكنه من جهة أخرى يكون مضطرا إلى التحقق من خلال اللاعقلى بالذات وليس أى شىء آخر .. إنها إذن حرية مسئولة وليست حرية الطفل .
أما التعريف ، فيكون ذا قيمة علمية – منطقية بقدر ما يهتم بإبراز المفهوم بالذات ، ولهذا اعتبر هيجل ان التعريف Definition هو "اختزال المحتوى إلى مفهومه" .
[12] ولا يكون التعريف صحيحا ( وإنما مجرد إيجاز ركيك) إلا إذا أبرز مفهوم الموضوع[13]، ولهذا قدم هيجل التعريف كمجرد لحظة - Moment ونقصد لحظة منطقية – فى المفهوم نفسه . [14]
ولتوضيح حجم المشكلة نقدم مثلا شائعا : تحدد الغالبية العظمى من باحثينا نمط الإنتاج الرأسمالى بعدد من السمات (الإنتاج بالآلات – الإنتاج السلعى- الملكية الخاصة – العمل المأجور .. الخ[15] )، كمحددات متعددة غير مترابطة بشكل ضرورى – منطقى ، مما يحدث اضطرابات بالغة فى التحليل . وغالبا ما يقرر كل باحث تغليب أحد العوامل ويركز عليه ، فتتضارب نتائج الأبحاث ويجرى حوار الطرشان بين من يزعمون استخدام المنهج نفسه بصدد الظاهرة نفسها . ولا يمكن التغلب على هذا القصور إلا بالبدء بتحديد الشىء المطلق فى نمط الإنتاج الرأسمالى ، أى الشىء الذى يحدد هذا النمط مبدئيا ويحدد ، من ثم ، باقى جوانبه.
والمعرفة البشرية هى عملية انعكاسية
[16] ، تتجاوز الإدراك الحسى . ولكى تكون أكمل ما يمكن لا يجب الاكتفاء بعرض الظواهر الاجتماعية وتحليل المعطيات المباشرة ، بل ينبغى أيضا اكتشاف عللها .. ما هو عقلى فيها ، أى اكتشاف منطقها الداخلى . وبالتالى لا ينبغى دراستها كما هى فحسب ، بل أيضا دراستها فى حركتها ، تكونها وآفاق تطورها . ولأن هذه الجوانب ليست حاضرة على نحو مباشر ، فانه ينبغى بجانب التحليل المباشر استنباط مفاهيم الظواهر الاجتماعية من مفاهيم أعم ، أى تحليل انبثاق الظواهر وتطورها تحليلا عقليا ، أو – على الأقل – إبراز العلاقة المنطقية بينها .
وهذا ينتقل بنا إلى مسألة أخرى تتعلق بالديالكتيك ، هى مسألة موضوعية المفاهيم : فالمفاهيم ليست مجرد أفكار ذاتية بل هى حقيقة الوجود الإنسانى نفسه ، فنحن لا نحول الموضوعات إلى مفاهيم فى الذهن ، ولكننا نكتشف المفاهيم الموضوعية نفسها ، بتوسط الذهن الذى يتشكل أيضا من مفاهيم فعملية الاكتشاف والتفكير تتطلب منطقا ما ، هو نفسه المنطق الموضوعى . وهذا يعنى ان المنطق أو الفكر الخالص شامل ، موضوعى وذاتى .. فالعقل لا يكتشف فى الموضوع سوى نفسه ، وهذا ما نقصده حين نقول أننا نكتشف فقط فى عملية البحث منطق العالم أو معقوليته . وتعنى ، بالنسبة لنا ، موضوعية المفاهيم أساسا ان معرفتها ممكنة ، ان كل ظاهرة اجتماعية يمكن اكتشاف حقيقتها . ومن الأمور الشائعة فى أدبياتنا. ومن بينها الأدبيات الماركسية ، تناول بعض الظواهر الاجتماعية كأشياء فى ذاتها ، بالمعنى الكانطى لهذا ، فيتم النظر إليها من خارجها، كسمات وخواص وأسباب ونتائج ومستويات .. دون التطرق إلى مفاهيمها .. وهذا هو الناتج الحتمى للتحليل العاملى والبنائى والجدلى المبتذل الذى يهمل الوحدة الداخلية للموضوعات . فمثلا درجت الكتابات الماركسية "الرسمية" على تحديد نمط الإنتاج كمركب من قوى وعلاقات الإنتاج دونما اهتمام بتحديد هذا المركب نفسه ، فالتآلف بين قوى وعلاقات الإنتاج ينتج مركبا جديدا هو نمط الإنتاج ، الذى يظهر كمفهوم متميز يتطلب هو نفسه الفحص والدراسة والتحديد . وبتطبيق هذا الأمر على كافة المفاهيم العينية ، فهى مركبة من مفاهيم أقل عينية (أكثر تجريدا) .. فإذا وصفنا كلامنا بأنه "مركب من .."، لتوقفت عملية المعرفة عند أبسط مفهومين . ومن الواضح ان فكرة الشىء فى ذاته هذه تؤدى إلى مشاكل نظرية جسيمة ، فلا يتم رصد الموضوعات دائما حيث ينبغى لعدم تحديد مفاهيمها .
وننتقل الآن إلى نقطة جديدة :
تنتقل الموضوعات ، أو بالأحرى المفاهيم الموضوعية ، من لحظة إلى أخرى .. ليس فى الذهن ، بل أولا فى الواقع الاجتماعى الموضوعى . وتتم العملية بطريقة معينة ، أى تحكمها "قوانين" موضوعية محددة . فمن الأمور الملموسة تماما بالتجربة ان المجتمع الإنسانى يتطور ، ويعنى التطور- جوهريا الانتقال من لحظة بسيطة إلى لحظة أكثر تعقيدا ... فالتطور هو عملية تركيب بهذه المعنى .. وتتضمن هذه العملية التحليل أيضا ، فكل مرحلة تتضمن – بالقوة – المرحلة التالية ، فتخرج هذه من جوف تلك ، وهذا تحليل ، ولكنها لا تخرج منها فحسب إنما تلتهمها أيضا فى الوقت نفسه ، ولذلك تكون أكثر تعقيدا . وتنطبق هذه الصيروة على عملية المعرفة كذلك : فالذهن يبدأ بالأبسط، بالأكثر تجريدا، إذ لا يمكنه ان يدرك الموضوع إلا إذا أدرك أصله . فمثلا يمكننا ان ندرك مفهوم ريع الارض فى المجتمع الرأسمالى بعد ان ندرس مفهوم رأس المال أصلا ، ولكن العكس غير ممكن .. ذلك ان ريع الارض يتضمن بالفعل رأس المال
[17] .
والطريقة العلمية فى البحث تحاكى تطور الواقع نفسه والتطور الطبيعى للمعرفة أو "المنطق الطبيعى" بتعبير هيجل
[18]، أى أنها تبدأ بالمجرد وتنتهى إلى العينى . فالأخير هو كذلك لأنه يتشكل من تحديدات أخرى ، وبالتالى يكون رصده العلمى وهو يتشكل ، أى وهو يصبح عينيا . لذلك ينبغى ان ننطلق من أكثر المفاهيم عمومية نحو رصد و دراسة انتقالها إلى مفاهيم أكثر عينية حتى نصل إلى تحقيق البحث .
وجدير بالملاحظة هنا ان هذه الطريقة فى البحث تتعلق بدراسة موضوع اجتماعى محدد أو فترة تاريخية محددة . أما دراسة الأصول التاريخية للفترة أو للموضوع ، فلا يمكن ان تشكل – منطقيا – نقطة البداية .. ذلك ان تحديد بداية الظاهرة زمنيا يستند منطقيا إلى دراسة الظاهرة نفسها . فمثلا ، لا يمكن دراسة علم الأجنة Embryology إلا بعد دراسة علم التشريح Anatomy ، ولا يمكننا معرفة أصل رأس المال قبل معرفة رأس المال نفسه . فلكى نحدد الأصل التاريخى للظاهرة لابد و ان نعرفها هى نفسها أولا .
من المشروع إذن ، بل ومن الضرورى ، ان نحدد منذ البداية الموضوع الذى نريد ان ندرس أصله التاريخى . وهذا ينقلنا إلى نقطة جديدة .
المنطقى والتاريخى (بالمعنى الشائع للكلمة : الزمنى)
المعرفة – كما رأينا – هى اكتشاف مفاهيم الموضوعات ، وقد تتطلب هذه العملية منح أولوية للتتابع المنطقى على التتابع الزمنى ، فالمنطقى هو جوهر التاريخى ، إلا أنهما متمايزان، حيث ان التاريخى يتضمن ظواهرا عرضية ، بينما يتمثل المنطقى فى جوهر حركة التاريخ أو ظواهره الجوهرية . وتأتى الفجوة بين المنطقى والتاريخى من إمكانية تميز المفاهيم عن بعضها منطقيا دون وجود فواصل زمنية بينها .. فليس من المتصور مثلا ان توجد قوى الإنتاج دون علاقات الإنتاج ، بينما يمكن تصور أسبقية الأولى على الثانية منطقيا . وهذا لا ينفى إمكانية حدوث تطابق منطقى وزمنى ، فبوجه عام تنبثق المفاهيم الأكثر تجريدا قبل المفاهيم الأعقد فى المنطق أو التاريخ أو فى الإثنين معا . المفاهيم الأكثر تجريدا قبل المفاهيم الأعقد فى المنطق أو التاريخ أو فى الإثنين معا . كذلك من الممكن ان ينبثق مفهوم أكثر تجريدا قبل (زمنيا) مفهوم أعقد ، بينما ينضج الثانى قبل الأول . ففى هذه الحالة يتفق التتابع الزمنى مع التتابع المنطقى ولكن لا يكون نسخة منه .
ونشير أخيرا إلى ظاهرة شائعة ، هى ما يسمى بالنزعة أوروبية المركز – Euro centr ism ، التى تتمثل فى قياس كل الظواهر الإنسانية على تاريخ أوروبا ، الذى يُعد فى هذه الحالة النموذج المثالى لفعل قوانين التاريخ . فكثيرا ما نجد باحثين يلجأون إلى فرض تصورات مسبقة على واقع لا يتضمنها ، لسبب واحد هو إنها تنطبق على "النموذج الأصلى"
[19].

* المقولات الاجتماعية – الاقتصادية
على أساس ما سبق سنقدم فيما يلى عرضا للتكوين المنطقى لمفهوم نمط الإنتاج
قدم ماركس بخصوص التكوين الاجتماعى ـ الاقتصادى مساهمة- هامة
[20] وقد ساهم مفكرون سابقون على ماركس فى وضع تصورات موضوعية للآليات الداخلية لتكوين المجتمعات ، خاصة من الفرنسيين [21]، إلا أن ماركس قام بتعميق هذه التصورات مستفيدا من منطق هيجل ومسجلا فى الوقت نفسه قطيعة كاملة مع مذهبه . [22]
ولم يحدد ماركس موقفه بشكل واضح من منهج هيجل فى صورة عرض تفصيلى كما لم يلتزم بتقديم عرض شامل للمقولات الاجتماعية – الاقتصادية التى اكتشفت بطريقة تجريبية .
[23] فقد ركز فى "الأيديولوجيا الألمانية" (مع انجلز) على تأسيس نظريتهما المادية للتاريخ . واستعرضا باستفاضة أغلب هذه المقولات فى سياق البرهنة على صحة نظريتهما المادية ، لذلك تميز عرضهما بطابع عملى – وصفى، وبعد ذلك حاول ماركس تقديم عرض نظرى فى مقدمة " مساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى" ولكنه لم يكن عرضا شاملا ، ونحاه جانبا بعد ذلك . [24] وقد قام بعض الباحثين الماركسيين لاحقا بمحاولات لبناء نسق عام من المقولات الاجتماعية – الاقتصادية اعتمادا على إشارات متناثرة لماركس وانجلز . [25] ويتلخص التصور الشائع بهذا الخصوص فى القول بأن قوى الإنتاج تحدد علاقات الإنتاج بشكل مستقل عن وعى وإردة البشر ، ويشكلان معا – كوحدة – أسلوب الإنتاج ، الذى يُعد أساسا لبناء الاجتماعى ككل، فينتج البناء الفوقى ويشكلان معا التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية [26] .
غير ان هذا المخطط عام وفضفاض للغاية ، كما لم يجر أبدا عرضه فى صورة نسق منطقى ، بل ويظهر اختلاط مقولاته واضطرابها لدى كثير من الباحثين : فتذهب مثلا كل من الموسوعة الفلسفية (السوفيتية) وقاموس الاقتصاد السياسى (فولكوف) ، إلى اعتبار علاقات الملكية أساسا لعلاقات الإنتاج (شاملة الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك) ، دون ما تحديد للعلاقة بين علاقات الملكية وعلاقات الإنتاج ، كما نجد خلطا بين مقولتى نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج . وجدير بالذكر ان ماركس لم يحدد مفاهيما مثل نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج بشكل واضح ومباشر ، حيث أنه ركز جهوده أساسا على تحليل عمل النظام الرأسمالى، ولم يتطرق إلى دراسة أساليب الإنتاج السابقة على الرأسمالية إلا فى سياق البرهنة على تاريخية الرأسمالية .
[27] ولذلك لم يدرسها أو يعرض وجهة نظره بالتفصيل .
لقد كرس ماركس جهده لتحديد نمط الإنتاج الرأسمالى (مفهومه) ، بأنه عملية إنتاج فائض القيمة
[28] ، وشرح هذه المقولة فى ، مساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى – رأس المال – نظريات فى فائض القيمة – أسس نقد الاقتصاد السياسى . وكان أوضح ما وجدناه لماركس بصدد مفهوم الإنتاج هو ما يلى :
"مهما كان الشكل الاجتماعى للإنتاج ، يبقى العمال ووسائل الإنتاج دائما العاملان اللذان يشكلانه ، ولكن فى حالة انفصالهما يصبح كل منهما على ما هو عليه فقط بالقوة . فلكى تسير عملية الإنتاج ينبغى ان يتحدا . وتتميز الحقب الاقتصادية المختلفة لتركيب المجتمع عن بعضها حسب الطريقة الخاصة التى يجرى بها هذا الاتحاد"
[29] - "يحدد الشكل الاقتصادى الخاص الذى ينتزع به العمل الفائض من المنتجين المباشرين العلاقة بين الحكام والمحكومين ، كما يظهر إلى الوجود مباشرة من الإنتاج نفسه ، ومن ثم يتفاعل معه كعنصر محدد . فعلى هذا الأساس ُيقام التكوين الاقتصادى ككل" [30].

وقد جرت محاولات عديدة لتحديد المفاهيم الاجتماعية – الاقتصادية بشىء من التفصيل، انطلاقا من أفكار ماركس ، وإضافة جوانب أخرى لهذه المسألة (مثلا استعرض هارولد ولب
[31]، عددا من الأفكار حول موضوع تمفصل أنماط الإنتاج، تضمنت تحديدات مختلفة لنمط الإنتاج كمفهوم)، وتكمن نقطة ضعف كافة هذه الأفكار – من وجهة نظرنا – فى وضع تحديداتها دون مبرر منطقى ، ودون إمساك بمفهوم نمط الإنتاج نفسه بما هو كذلك . كذلك اتسم تحديد بولانتزاس [32] بنفس الخلل ، فهو يحدد نمط الإنتاج كتشكيلة من عدة مستويات: اقتصادى وسياسى وأيديولوجى ، دون تبرير أو إمساك بالمفهوم نفسه. كذلك ربط سمير أمين (بل ويكاد يكون قد ساوى) بين نمط الإنتاج ونمط توليد الفائض ، ولكنه للأسف لم يطرح على نفسه مهمة التشريح النظرى لمفهومه .[33]
والانتقاد الأساسى الذى نوجه لهذه الأطروحات هو أنها تفتقد إلى منهج لتحديد المفاهيم، فتحددها على غير أساس سوى الملاحظة المباشرة، فتتعامل مع الكل المعقد (المجتمع) كما هو، دون محاولة لكشف منطقه الداخلى، وربما اعتقادا بأن هذا الكل أكثر واقعية وأغنى من أية مفاهيم . والأمر كما نرى عكس ذلك تماما: فالفكر كما قال هيجل بحق أغنى من موضوعاته ، لأن الوقائع فى حد ذاتها وجود مباشر بحت ، ولكن الفكر هو الذى يكشف إمكاناتها، أى آفاق تطورها، بل وأصولها أيضا . فالمفاهيم ليست معطيات جاهزة ولكنها شئ يوجد ويصير ويتعين.
والطرح المبرر هو الطرح المبرر عقليا ، الذى لا يكتفى برصد الموضوعات ، بل ينبغى ان يعرض عرضا منطقيا كنسق قادر على تبرير نفسه .. أو كوجود ضرورى عقليا و بحد أدنى يبرز فيه عنصر الضرورة المنطقية .
وعلى العموم ، تبدو الطريقة العاملية هى الأكثر عملية ، ولكن الروح العملية لا تنفع فى القضايا النظرية المحضة ، إذ ان المطلوب فى هذه الحالة هو الروح المنهجية .
وسوف نستعرض فيما يلى التكوين المنطقى لمفهوم نمط الإنتاج – كمفهوم.

أولا : قوى الإنتاج PRODUCTIVE FORCES
يبدو نمط الإنتاج للوهلة الأولى ، فى أبسط لحظاته وأكثرها عمومية وتجريدا ، كعلاقة بين الإنسان والطبيعة ، فيها يستخدم الإنسان الطبيعة فى إنتاج حاجاته بوصفه كائنا حيا متميزا . وهذه اللحظة البسيطة المباشرة هى قوى الإنتاج . وفيها يظهر الفرد والجماعة البشريان متحدان فى هوية بسيطة فى مواجهة الطبيعة، وبمعنى آخر تكون قوى الإنتاج نتاجا للجماعة البشرية وأفرادها على حد سواء ، أى تظهر الجماعة كتجمع لأفراد متجانسين وليس ككيان عضوى، أى كما لو كانت الجماعة فردا واحدا .. فما دمنا لم نعرض لعلاقات الإنتاج الاجتماعية بعد، فإن الجماعة ككيان عضوى توجد وجودا كامنا فحسب .
ورغم غرابة هذا التجريد للوهلة الأولى ، إلا أنه بديهى وشائع أيضا : فرجل علم الاقتصاد الذى ينادى فى كل حين بتمسكه بالحقيقة الملموسة ولا شئ سواها ، يقيس تطور قوى الإنتاج فى أى مجتمع بمصطلحات من قبيل : متوسط إنتاجية العامل ، إجمالى الناتج القومى، الأصول الثابتة .. الخ ، وهى تنطوى كما هو واضح على التجريد المشار إليه بكل خصائصه .
غير ان حقيقة ان الفرد الإنسانى "حيوان سياسى" لا يفهم وجوده كقوة عمل متطور إلا فى المجتمع ، تجعل من الضرورى الإشارة من حين إلى آخر إلى دور الجماعة ككيان عضوى فى تشكيل مفاهيم قوى الإنتاج .. ولكن هذا فقط بغرض الإيضاح .. والأهم من ذلك ان دور الجماعة هذا يعامل هنا كمعطى للفرد المنتج غير المتمايز عن غيره من الأفراد . أما تحليل دور الجماعة العضوية الفعلية فى تشكيل الفرد فلا يأتى دوره إلا فى مفاهيم متأخرة .. مفاهيم علاقات الإنتاج .
1- قوة العمل Lobour Power
تشكل قوة العمل البداية البسيطة المطلقة لنمط الإنتاج ، فإذا ما جردنا عملية الإنتاج الاجتماعى وإعادة الإنتاج من كل تحديداتها الجزئية "وسائل الإنتاج ، أشكال الملكية ، علاقات التبادل ... الخ" لن يتبقى لنا سوى تلك البداية البسيطة : ان يضع الإنسان نفسه ككائن متميز منفصل عن الطبيعة ، أى كنوع:Genus Homo Sapiens.
فمن الضرورى إذن البدء بتحديد طبيعة النوع الإنسانى .. ذلك ان كل موجود جزئى فى الكون ينفصل عن الطبيعة بمعنى ما ، كما انه يتميز عن الموجودات الأخرى . كذلك فإن الكائنات الحية تشارك الإنسان فى حقيقة انها تميز نفسها بإعادة إنتاج نفسها كنوع يتجاوز أفراده ، ويستخدم الطبيعة فى عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج هذه . فمن المعروف ان أبسط خلية حية تنتقى من الطبيعة المواد الملائمة لها وتتمثلها وتستخرج منها طاقة فتتحرك وتتكاثر مبقية على نوعها . كما انها تقبل تغيرات معينة فى بيئتها وتتكيف معها .
وإذا كانت الحياة فى أبسط أشكالها تشكل نسقا من ردود الأفعال الفيزيائية والكيمائية ، فانها تصل فى مراحلها العليا إلى درجات من القدرة الذهنية أو الإدراك الصريح : فالقردة العليا مثلا لديها القدرة على التخيل، بمعنى تحويل معطيات البيئة المباشرة إلى أدوات تناسب أهدافها ، فاستخدام فروع الاشجار ذات الطول المناسب فى إسقاط الثمرة لا يكمن لا فى فرع الشجرة ولا فى الثمرة ولا فى جوع القرد ولا فى طبيعة جسده الفيزيقى، وانما يكمن فى علاقة يقيمها القرد ذهنيا بين هذه العوامل .
هذه كلها درجات من "الوعى" أو الانفصال أو التحديد إزاء الطبيعة ، وهى كلها تدخل فى تحديد النوع الإنسانى أيضا . ولكن ما يميز هذا الأخير هو القدرة على تكوين تصورات مجردةعن الأشياء وعن العالم فى مجموعة ... اللامتناهى . ومعنى هذه القدرة ، التى يمكن ان نسميها القدرة على إنتاج الفكر ، أو تكوين مفاهيم ، ان ينفصل الإنسان جوهريا عن الطبيعة كوعى أو كقدرة علىالمعرفة ، وهذا يستتبع قدرته على ان يرى فى الطبيعة ككل موضوعا لذاته .
من جهة أخرى تتحدد هذه القدرة بأنها قدرة كائن نوعى ، هو فى التحليل الأخير موجود طبيعى (باعتباره مادة ، كائن حى ، حيوان ، فقاريات ، ثدييات ، رئيسيات) .. ومن ثم فهو لا يتمثل الطبيعة كمحض وجود خارجى ، فهى داخلة فى صميم تكوينه . وتمثل هذا الارتباط بالطبيعة فى نظام الحاجات : ضرورة ان يعيد الإنسان إنتاج جسده . ولكن إعادة الإنتاج هذه إعادة إنتاج من وجهة نظر النوع البشرى ، أى إعادة إنتاج القدرة على الوعى أيضا . لذلك نجد ان نظام الحاجات ليس معطى ماديا محضا ، ورغم ان له أساس مادى . وإذا القينا نظرة سريعة على نظام الحاجات المادية فى التاريخ ، فسنكتشف تطورا مذهلا لحاجاتنا المادية بالمقارنة بإنسان الكهف
[34].
ويتمثل مفهوم قوة العمل فى الارتباط الضرورى بين انفصال الإنسان عن الطبيعة والارتباط بها ، بين المعرفة والوجود ، بين الإمكان (الحرية) والضرورة .... يتمثل فى مشروع للعمل ، بحسبان العمل إعادة إنتاج للطبيعة وفقا لحاجات الإنسان المادية (المتزايدة – إذ يدخل فيها عنصر القدرة على الوعى كما ذكرنا) وأول تبديات هذه القوة هى اللغة ، أو بمعنى أدق القدرة على إنتاج اللغة من حيث هى تعبير عن تصور العالم لأشياء وما بينها من علاقات ، من حيث هى تحديد للعالم ، وتعبير عن ديناميكية القدرة على التفكير الانعكاسى فى تماسها مع الطبيعة.
واللغة تنتجها الجماعة البشرية ، وتتبدى فيها لأول وهلة هذه الجماعة كذات تواجه الطبيعة . ويتبدى إبداع الجماعة من خلال الفرد ، فالفرد هو الذى ينتج المعرفة ، ولكنه ينتجها داخل الجماعة ، التى لا يقتصر دورها على استيعاب المعرفة وتعميمها، وانما تختبرها وتصحهها أيضا . ويتميز الإنسان الفرد بأنه لا يتكون كفرد إلا فى الجماعة، فلم يشهد التاريخ قط "بشرا" أفرادا ، وقد ُوجد أفراد يعيشون فى الغابات كمتوحشين ولكنهم لم يشبهوا أبدا الإنسان العاقل . الجماعة إذن وجود سابق منطقيا على الفرد كفرد ، والفرد لا يبدع ولا يعمل إلا على أساس من الحصيلة المعرفية المتراكمة فى حياة الجماعة . ولكن ليس معنى هذا ان الفرد الإنسانى مجرد تجسيد لوظيفة اجتماعية ، وانما هو مبدع . فرغم وجود ظاهرة الفيتيشية السلعية فى المجتمع الحديث ، يظل المجتمع البشرى معبرا عن محصلة إرادات أفراده ، رغم ان هذه الإرادات نفسها تتحدد بنقطة انطلاقها وهى المعرفة الجماعية ، ذلك ان وجود الفرد فى المجتمع البشرى سابق على ماهيته ، ومعنى ذلك ان لدى البشر طاقة أخرى بخلاف الغرائز الطبيعية : قدرة على تحديد ماهيتهم ، هى نفسها القدرة الإبداعية التى نسميها قوة العمل ، أى القدرة على العمل
[35].
ومن الواضح على ضوء ما سبق ان النوع الإنسانى لا يوجد بالفعل إلا بعد تكون حصيلة عامة من اللغة – المعرفة تسمح بقيام مشروع للعمل ، يتيح لأفراد الجماعة تحولهم إلى قوة مبدعة . غير انه ينبغى ان نلاحظ هنا اننا مازلنا – منطقيا – فى "لحظة" لم يتمايز فيها الفرد بعد عن غيره من الأفراد، فقوة عمل الجماعة تتبدى عن طريق أفراد غير متمايزين، كل منهم هو الفرد بصفة عامة، وهو بهذا القدر لا يتمايز عن الجماعة إلا بقدر تمايز الجزء عن الكل ... فالمجتمع هنا هو مجموع جبرى لأفراده ، والفرد هو الفرد الاجتماعى بصفة عامة .
وربما تجدر الإشارة هنا إلى ان الاعتراف بحقوق الفرد الإنسانى المبدع بصفته هذه أمر منوط بالمجتمع وطبيعة المرحلة التاريخية التى يمر بها ، وهو أمر لا يتحقق واقعيا رغم شعارات حقوق الإنسان – إلا فى مجتمع شيوعى لاطبقى عالمى . وقبل ذلك ظلت وستظل كل جماعة تعامل الجماعات البشرية الأخرى كمحض موضوعات لنشاطها المبدع (مثلا: "الجماعات البربرية" فى نظر الحضارات القديمة ، العبيد فى حضارات اليونان والرومان ، النظريات العرقية وأشكال الاستعلاء العنصرى المعاصرة) ، فضلا عن معاملة أفراد المجتمع الطبقى الواحد لبعضهم البعض كوسائل لتحقيق أهدافهم ، وهى نظرة "طبيعية" أو مترتبة منطقيا على الحط من شأن قوة العمل ، واعتبارها فعليا مناط القهر والاستغلال الطبقى .
2- وسائل الإنتاج Means of Production
وصلنا إلى ان قوة العمل تتمثل فى مشروع للعمل . وحين ينظر الناس إلى أنفسهم كقوة عمل ، أى كقوة مبدعة ، فإنهم يكونون قد بدأوا مسيرة تحديد ماهيتهم . وإذا تصورنا الناس فى ذاتهم لما تبين لنا قط أية ماهية تميزهم، بل وإذا ظلوا على هذا الحال لما صاروا أبدا من الوجود إلى الماهية . ولكن الأمر يسير على خلاف ذلك ، فقوة العمل هذه باعتبارها لنفسها كذلك ، تنزع إلى الكشف عن ذاتها من خلال اكتشاف العالم ، وهى تكتشف نفسها بتوسط الآخر . فالذات إذن تتمثل العالم باعتباره عالمها الخاص .. ملكها .. ان لها الحق فى تسخيره . وهذا ما نسميه بالامتلاك Appropriation .
ان لحظة اكتشاف العالم هو أول لحظة تخرج فيها الذات من نفسها ، فكأنها تستخرج العالم من جوفها ، لأنها لا تكتشفه فحسب ولكن تتمثله أيضا وتكتشف فيه نفسها ، فهى العالم والعالم هى ، فتتعامل معه كأنها خلقته خلقا . وحتى اعتقاد بعض الناس ان الله هو الذى خلق العالم لا ينفى وجود هذه الفكرة .. فالإنسان يتعامل مع نفسه – من الناحية الفعلية – على انه اله هذا الكون .. لا ينبغى ان يقف أمامه شئ .. فالعالم ملك للبشر دون ان يقرر لهم أحد ذلك، وهى ملكية تمثلوها بأنفسهم وصارت بذلك حقيقة موضوعية . وحتى الأشياء التى عبدها البشر فى العصور القديمة ، عبدوها لأنها حسب اعتقادهم على الأقل – كانت تخدمهم اما بشكل مباشر، أو غير مباشر، أو اتقاء لشرها ، وهذه وسيلة لترويضها . وحتى عبادة الموتى لم تنشأ إلا من اعتقاد البشر بتأثيرهم على الأحياء . وبعض الأديان تقر صراحة بحق البشر فى تسخير الكون كله، والله نفسه كفكرة وضعت فى خدمة البشر أيضا .
وتتبدى وسائل الإنتاج فى البداية كمجال للعمل ، أى كموضوع مباشر لقوة العمل . ويعتمد تحديد مدى وطبيعة هذا المجال تماما على قوة العمل نفسها ، فما نحدده بوصفه مجالا للعمل يعبر بالضرورة عن مستوى تطور قوة العمل بالذات، وهو تحديد يجرى تجاوزه باستمرار بفعل المبدعة لقوة العمل . ولكن بصفة مبدئية يعتبر الكون بأكمله مجالا محتملا لقوة العمل .
غير ان موقف الطبيعة ليس سلبيا تماما ، فالموجودات الطبيعية لها قوة حضورها أو خصائصها التى تفرضها فرضا على الإنسان ، فقوة العمل لا تعمل فى فراغ أو فى مقولة مجردة تسمى الطبيعة واقعية تتميز بالتنوع ، وبالتالى بالحاجة إلى تصنيف من جانب الإنسان حتى يمكنه ان يموضع عمله فيها . وهذا التصنيف أو التمييز الذى يعتمد على طبيعة الموجودات هو موضوعات أو وسائل العمل .
وتدخل ضمن وسائل العمل قوة الإنسان العضلية ومهارته الحركية وإمكاناته الفسيولوجية عموما .. ولكن تحديد استعمال هذه الإمكانات بطريقة عملية وفقا لخطة قوة العمل يشكل لحظة أعلى من "وسيلة العمل" : أدوات العمل . وبقدر تطور قوة العمل ، بقدر ما يزداد ويتسع تمايز أدوات العمل، فيضم الإنسان إلى قدرته على تحويل الطبيعة (إعادة إنتاجها وفقا لأغراضه) أجزاء من الطبيعة . ومن ثم فأدوات العمل تمثل التموضوع الكامل لقوة العمل فى الطبيعة، أو تحولها الكامل إلى موضوع .
وتعد أدات العمل على نحو الخصوص معبرا دقيقا ومباشرا عن مستوى تطور البشر، لأنها الواسطة التى يتعامل من خلالها الناس مع موضوع ومجال العمل ، فإذا افترضنا غيابها جدلا تساوى تقريبا كل البشر ، حيث انهم يمتلكون جميعا أداة إنتاج فسيولوجية : أجسادهم . وفى هذه الحالة يكون المقياس الأساسى لتطور قوة العمل هو مستوى التطور البيولوجى . وتنطبق هذه القاعدة على كل من وسائل العمل التى يصنعها الناس وتلك التى يستولون عليها فحسب .. فالإنسان البدائى لم يتطلع أبدا إلى غزو الفضاء ، ولم يعتبر الطاقة المتولدة من حركة مياه البحر وسيلة إنتاج .. فالإنسان هو الذى يحدد وسائل إنتاجه (مجاله – موضوعه – اداته) وفقا لطاقتة الإبداعية المتراكمة فى كل لحظة. وهذا ينطبق كذلك على وسائل الإنتاج التى يصنعها بنفسه (خامات – أدوات). غير ان أدوات العمل هى التجسيد الكامل لقوة العمل ؛ فأنت تستطيع ان تقطع الخشب نفسه بمنشار يدوى أو بمنشار كهربائى، وتستطيع أن تستخدم الماء نفسه فى توليد البخار أو الأكسيجين أو الكهرباء، فأدوات العمل هى الوسيط بين الإنسان الطبيعية، هى الامتداد المباشر لقوة العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن أيا من موجودات الطبيعة يمكن مبدئيا ان ُيعتبر مجالا أو موضوعا أوسيلة أو أداة للعمل،( تبعا لخطة أو مشروع الإنتاج، فيمكنك ان تعد البحر مجالا للعمل، ومادته (من مياه وأسماك.. الخ) موضوعا للعمل، أو أداة للعمل (طاقة الأمواج مثلا).
ومن الواضح حتى الآن ان البشر قد حدودا وسائل إنتاجهم دون ان ينتجوها بأنفسهم، إلا أنهم حدودها فى حدود قدارتهم، وبهذا المعنى تعد تعبيرا عن هذه القدرات. وكل جيل يجد نفسه فى موقف مماثل: فهو يجد وسائل إنتاج لم ينتجها، شاملة الجزء الذى أنتجته الأجيال السابقة (بجانب الطبيعة)، ولكنها مع ذلك تكون فى مستوى تطوره (علومه – ثقافته) فى اللحظة التى يصبح فيها قوة عمل (قادر على العمل) .. ذلك ان المجتمع يُعد أفراده بإكسابهم خبراته المختزنة بحيث يصبحون قادرين على استخدام وسائل الإنتاج المتاحة .. ولا شك ان الأفراد يقومون بتطوير هذه الوسائل .
والخلاصة ، ان وسائل الإنتاج تسبق منطقيا عملية العمل، رغم انها خلال التاريخ أصبحت – جزئيا – نتاجا للعمل . ومع ذلك لا تزال الطبيعة بمكوناتها المختلفة وسيلة الإنتاج الرئيسية للبشر وستظل كذلك أبدا . وهذا لا ينفى ان وسائل الإنتاج هى من حيث الجوهر نتاج لقوة العمل البشرى ، بمعنى ان وجودها كوسائل إنتاج يتحدد بواسطة البشر أنفسهم لم يحددها لهم أحد ، وبهذا تكتسب معنى اجتماعيا ، لا فيزيقيا .
وللإيجاز : تتشكل وسائل الإنتاج من مجال العمل – موضوع العمل – أداة العمل ، التى تمثل ثلاث لحظات فى تموضع قوة العمل فى الطبيعة، وتتضمن وسائل الإنتاج قوة العمل صراحة ، فهى تمثل قوة العمل فى وجودها داخل ذاتها Within itself ، فهى لم تعد مجرد قدرة بل أداة للعمل ، فصارت من ذات إلى موضوع .
3 - عملية العمل Labour Process
تموضعت قوة العمل تموضعا كاملا فى أدوات العمل ، فمن جهة تمثل أدوات العمل الحد الذى وصلت إليه قوى العمل فى تمثل الطبيعة وفقا لاغراضها ، وتمثل من جهة أخرى الحد الذى تفرضه الطبيعة بخصائصها على قوة العمل وهى تتمثلها . ذلك ان الإنسان ُيخضع الطبيعة بواسطة قوانينها هى، بقدر فهمه لهذه القوانين . ولا شك ان تحديد أدوات العمل ينطوى صراحة على تحديد مجال وموضوع العمل .. فتصميم (أو حتى انتقاء) أداة العمل يراعى طبيعة موضوع العمل ومجاله وفقا لمشروع العمل .
هذا التموضوع الكامل لقوة العمل يؤدى منطقيا إلى وحدة قوة العمل ووسائل الإنتاج ، وتتحقق هذه الوحدة فى عملية العمل بحسبانها إجراء التفاعل بين التحديدات التى تنطوى عليها فكرة أداة العمل . وتظهر هذه الوحدة أولا كوحدة مباشرة : استهلاك أو افناء لقوة العمل ووسائل الإنتاج ، فتحول الذات وسائل الإنتاج إلى نفسها، أى تمتصها فى جوفها مرة أخرى ؛ تستخدمها
[36]، وتحول ذاتها إلى وسيلة إنتاج بتحويل وسائل الإنتاج إلى الصورة التى تريدها ، ويكون ناتج عملية العمل تحول كل من الذات والموضوع إلى الآخر ، وتستولى الذات بصفة فعلية على الطبيعة . وهذا الجانب السالب لعملية العمل إنما يشير إلى انها دوما عملية نوعية محددة الهدف .
وثانيا : يتبدى هذا الاستهلاك المتبادل للذات والموضوع فى عملية العمل النوعية بشكل موجب فى الناتج "أو المنتج"
[37] Product ، الذى يبدو كحد متناه ، كناتج جزئى محدد يعبر عن مدى تموضوع قوة العمل فى الطبيعة الناشئ أصلا عن تعين القدرة على الوعى فى مشروع للعمل كما مر بنا .. لقد تموضعت قوة العمل فى الطبيعة من جديد، ولكن بشكل موجب ، إذ تحقق مشروع العمل .
ثالثا: ولما كانت القدرة على الوعى لا متناهية ، وبالتالى تتمثل الطبيعة من حيث احتوائها على إمكانيات لا متناهية (الأمر الذى لا يحدث عند أرقى الحيوانات التى يتوقف "مشروع عملها" عند حد توفير ما يعول جسدها .. ومن ثم فالحد المشار إليه لا يبدو عندها حدا وانما محض نهاية)، فانها تدرك مشرع العمل كما يتبدى فى المنتج النوعى بوصفه حدا . وهذا الإدراك المزدوج لعملية العمل بصفتها عملية غائبة محددة – مطلقة – ومحدودة – نسبة – هو فى الوقت نفسه استيعاب لهذا الازدواج أو التناقض . وهو استيعاب يتمثل فى : خبرة الإنتاج، مهارة العمل، والمعرفة العلمية بالطبيعة (سنشير إليها عموما باسم الخبرة) .
ذلك ان الخبرة تجمع بين الخبرة بالناتج وبعيوبه أو حدوده ومن ثم تتجاوز الناتج. ولا شك ان أى قارئ يعرف بتجربته الشخصية كيف ان نشاطه الذى يتقنه ويهتم به- سواء كان إنتاجا ماديا أو أى نوع من النشاط – هو بالتحديد المجال الذى تظهر له فيه "العيوب" أو "النواقص" ، أى الحدود بأوضح ما يكون ، انه كلما ازداد فهما وإتقانا لموضوعه كلما زاد إدراكه لهذه الحدود وبذل المحاولات لتجاوزها .
وهذه المعرفة التى تكتمل فيها عملية العمل ، وبالتالى قوى الإنتاج تختلف عن مشروع العمل أو القدرة على الوعى التى بدأنا بها تحليل مفهوم قوى الإنتاج ، فقد ُأثريت بالحد ، واتضحت طبيعتها باعتبارها المحرك الأول للتاريخ .. وهنا تتبلور مقولة ماركس الشهيرة ،" ان الإنسان إذ يغير من الطبيعة فانه يغير من نفسه"
[38].
واضح إذن ان مفهوم الخبرة يحوى كل المفاهيم السابقة صراحة ، فهو يحوى وحدة الذات والموضوع داخل الذات ، يحوى قوة العمل ووسائل الإنتاج كإمكان وكضرورة فى الوقت نفسه ، أى كحركة تطورية تتجاوز نفسها باستمرار ، فتظهر كقوة مبدعة لا متناهية مع تناهيها فى كل لحظة معطاة ، ويظهر لا تناهى الطبيعة مع تناهى موجوداتها .. وهنا يستكمل مفهوم قوى الإنتاج حيث تصبح قوة العمل لذاتها .

ثانيا : علاقات الإنتاج RELATIONS OF PRODUCTION
كى يتابعنا القارئ هنا فى استنباط علاقات الإنتاج من قوى الإنتاج . ينبغى التأكيد أولا على نقطة منهجية ، هى ان تمايز مقولات نمط الإنتاج هو تمايز منطقى وليس تاريخى إلا فى مرتبة تالية (من الناحية المنطقية) . فلم يشهد التاريخ بشرا لديهم قوى إنتاج بغير علاقات إنتاج أو فردا منتجا دون تراث اجتماعى إنتاجى . وقد ذكرنا منذ البداية ان الفرد المبدع يوجد فى المجتمع دائما .. ولكن من الواضح ان المجتمع المنتج لا يظهر بالفعل إلا بقدر ما يتمايز أفراده عن بعضهم البعض كقوى إنتاج ، وليس كمحض اختلافات طبيعية ، ورغم ان هذه الاختلافات الطبيعية هى أساس لتمايزهم كقوى إنتاج .
وسوف نعرض لاحقا للحظات المنطقية لتمايز الفرد والجماعة ، ولكن الذى يهمنا هنا هو توضيح اننا قد وصلنا بالفعل إلى أساس هذا التمايز ، وهو مفهوم الخبرة : فالخبرة باعتبارها المحصلة النهاية لقوى الإنتاج تعنى ان يتمايز الأفراد من حيث هم قوى منتجة . ومن الممكن ان يقال ان الأفراد يتمايزون من حيث مشروع العمل الذى يتبنونه . أو من حيث إمكاناتهم الذهنية والجسيمة ، أو من حيث النوع Sex والعمر ، ولكن من الواضح ان أيا من هذه التمايزات هى تمايزات "طبيعية" أو استاتيكية، غير قابلة للتقييم فى حد ذاتها كقوى منتجة: فمشروع العمل ذو طبيعة كيفية محضة ومن ثم لا يمكن عمل مقارنة كمية بين مشاريع العمل الفردية المختلفة فى حد ذاتها ، كما ان التمايزات الطبيعية للأفراد منظورا إليها على حدة ليست إلا تمايزات تدخل فى باب تمايز وسائل الإنتاج، ولكن النظر إلى هذه التمايزات الطبيعية فى ضوء عملية العمل هو الذى يقيم معيارا لهذه التمايزات كقوى إنتاج، وهو معيار يبدو أولا فى صورة التناسب ، تناسب تمايز الفرد – الحاصل أو الكامن – مع مشروع العمل، وهو تناسب يقاس فى عملية العمل نفسها ، ولا يتبدى علنا إلا فى الخبرة .. ذلك ان دوام وتقديم صلاحية الفرد المعين فى عملية العمل النوعية هو مقياس اعتباره خبيرا (أو ماهرا أو عارفا) . وهنا تظهر الجماعة متمايزة عن الفرد باعتبارها مقياسا ، هذا المقياس هو التقاليد الإنتاجية والخبرات الوسطية للجماعة فى أية لحظة تاريخية معطاة .
وغنى عن البيان ان هذا يتضمن أيضا تمايز الجماعة عن نفسها عبر الزمن، فباستيعابها لتقاليد وخبرات إنتاجية جديدة يتغير المقياس نفسه ، وتتطور قوى الإنتاج الاجتماعية .
1- تقسيم العمل التقنى Technical Division of Labour
هو ببساطة تقسيم العمل داخل الجماعة إلى عمليات مختلفة . ولا يمكن فى الحقيقة تصور عملية العمل دون أفراد منظمين بشكل أو آخر ، فلم يشهد التاريخ قط عملا دون تقسيم عمل ولو بأبسط الأشكال
[39].
ويظهر تقسيم العمل فى البداية كمحض اختلاف فى قوى إنتاج الأفراد وهو الاختلاف الذى توصلنا إليه فى مفهوم الخبرة .. والذى يشمل الاختلافات الطبيعية بين الناس (ومن ثم فهو اختلاف له أساس فسيولوجى أو طبيعى ولكنه ليس اختلافا "طبيعيا")، فتوفر درجات من الخبرة يتضمن كما رأينا درجات القدرات الطبيعية للأفراد ، ولكنه يشكل أيضا عنصر الزمن والمران ، ويتضمن هذا الاختلاف، فى ضوء رغبة النوع فى إعادة إنتاج الطبيعة وفقا لاغراضه ، إنقسام الناس إلى خبراء ومتعلمين أى تبادل الخبرة أو نقلها .. وهو أمر يحدث يوميا داخل كل فرع إنتاجى .
ومع تطور قوى الإنتاج تظهر قطاعات إنتاج جديدة متزايدة (الزراعة مثلا) ، كما تنقسم عمليات القطاع الواحد إلى عمليات عمل نوعية متمايزة ، فتتعدد من ثم مشروعات العمل داخل القطاع الواحد إلى عمليات عمل نوعية متمايزة ، فتتعدد من ثم مشروعات العمل داخل القطاع الواحد وتتعدد وسائل الإنتاج ، ويتم تقسيم العمل – كعلاقة – بين البشر بتوسط وسائل الإنتاج – فالعمل لا يتم إلا بتوسطها – بين الإنسان وذاته .
غير ان تقسيم العمل له أصل "طبيعى" ان جاز التعبير ، فمن جهة قد تفترض أو تحتم عملية العمل النوعية تعاون عدد من الأفراد (مثل صيد حيوان كبير- راجع الهامش السابق) ، ومن جهة أخرى تتعدد حاجات الإنسان بوصفه كائنا حيا طبيعيا
[40] وتتعدد الحركات المتتابعة للعامل فى أية عملية عمل نوعية . غير ان هذا الجانب – فى حد ذاته – من تقسيم العمل لا يميز النوع الإنسانى، فله نظائر فى الحيوانات المتطورة ، ولعله يأخذ مكانه الصحيح منطقيا فى مقولة نظام الحاجات أو وسائل الإنتاج .. ومع ذلك فهذا الجانب هو الأساس التاريخى الذى بنى عليه تقسيم العمل التقنى .
ونحن نتوصل إلى وضع مشابه لهذا الأصل التاريخى حين نجمع لحظتى تقسيم العمل التقنى اللذين عرضنا لهما توا : تقسيم العمل على أساس الخبرة إلى قطاعات، فأخذهما سويا يعنى توزيع الأفراد وفقا لخبراتهم على قطاعات مختلفة للإنتاج، متكاملة فيما بينها .. إذ يصبح الفرد المتمايز عضوا فى جهاز كبير للإنتاج، ولا يكتسب عمله دلالة حقيقة إلا فى إطار التقسيم التقنى العام للعمل مأخوذا ككل . وتصبح عملية العمل عملية اجتماعية صراحة ، وتعلو الجماعة فوق الفرد .
ولا يتم توزيع الأفراد على وسائل الإنتاج
[41]بطريقة إرادية تماما ، أو باتفاق تام داخل الجماعة ، فإرادات الأفراد تتفاعل معا ، وتتفاعل مع إرادة الجماعة ، وهو كتفاعل يتضمن التناقض . وقد بدأ تقسيم العمل تاريخيا بشكل عفوى إلى حد كبير عاكسا القدرة المبدعة للجماعة ككل ، ولكن مع تطور قوى الإنتاج وعملية العمل أصبحت عناصر التخطيط والعقلانية تلعب دورا متزايدا فى إعادة تقسيم العمل ، ولكن ما تزال فوضى الإنتاج وفوضى "التخطيط" سائدتين فى المجتمع المعاصر .
ويعبر مستوى تطور تقسيم العمل عن مستوى تطور القوى المنتجة
[42]، فالأخير لا يمكن رصده إلا عن طريق الأول ، بينما لا تصلح فروق الإنتاجية فى حد ذاتها كمقياس حيث أنها لا تعبر بدقة عن مستوى تطور أدوات الإنتاج ، إذ تدخل فيها عناصر أخرى: موضوعات العمل . أما مستوى تطور تقسيم العمل فتحدده مباشرة نوعية العناصر المشتركة فيه، أى قوة العمل ، فهو علاقة بين الناس تتوقف نوعيتها على درجة تطور الناس أنفسهم . فرغم ان الطبيعة تدخل فى تحديد تقسيم العمل ، بقدر ما تقدمه من موارد متاحة مثلا ، أو بقدر ما تقيمه من صعوبات أمام نشوء تقسيمات متقدمة للعمل (البيئة الاستوائية مثلا) ، إلا أن معيار تقسيم العمل يظل معيارا مطلقا لدرجة تطور قوى الإنتاج من حيث هى تطور للبشر أنفسهم: فكلما ظهر تخصص جديد دل ذلك على تطور فى الخبرات والمعارف ، وعلى سبيل المثال احتاج البشر إلى تقسيم العمل بين الزراعة والرعى حين ظهرت الزراعة ، بكل ما يمثله هذا الظهور من خبرات وإمكانيات جديدة للبشر . وعلى هذا الأساس يمكنك الاطلاع على مستوى تطور بلد من البلدان من خلال مطالعة تركيب العمالة .
ولكن ينبغى ان نلاحظ هنا ان تقسيم العمل التقنى ، وأن كان يبدو هو نفسه كقوة إنتاج، إلا أنه فى الحقيقة أغنى من ذلك ، هو علاقة إنتاج تتضمن كل عناصر قوى الإنتاج : فهو يشبه قوة العمل ولكنه أكثر عينية ويقوم بوظيفة أكثر تطورا ، فهو يزيد من كفاءة قوة العمل ويتضمن قيام الأخيرة بعملية العمل فعلا . وهذه المكونات العديدة تجعله تقسيما للعمل وليس مجرد قوة عمل أو قوة إنتاج ، انه قوى الإنتاج ككل وهى تعمل: قوى الإنتاج فى حالة علاقة إنتاج .
2- علاقات الملكية Relations of Property
أ- حق التصرف Right of Disposal
[43]
فى مقولة تقسيم العمل التقنى ظهرت عملية العمل بشكل أكثر عينية ، فهى لم تعد مجرد خبرة الفرد ، وأنما أصبحت عملية مركبة متعددة الجوانب ، حيث يتم تقسيم العمل بين الأفراد على نحو محدد . وهنا نجد ان الجماعة تعود للظهور على نحو مباشر، بعد ان كانت غير متمايزة عن أفرادها .. ففى التقسيم التقنى للعمل تعمل الجماعة ككل وتصبح عملية العمل عملية جماعية، نشاط الجماعة لا نشاط الذات (الفردية)، ويظهر الفرد كمجرد وظيفة داخل عمل الجماعة . ورغم ان تقسيم العمل يتم بطريقة غير ارادية تماما من قبل الجماعة إلا أنه بعد ان يتم تصبح عملية العمل هى فعل الجماعة ككل تجاه وسائل الإنتاج وقوة عمل الأفراد .
الجماعة تمتلك الآن وسائل الإنتاج وتعمل بها بطريقة معينة .. وليست ملكية الجماعة لوسائل الإنتاج هنا مجرد "حق" نظرى منحته الجماعة لنفسها ، وإنما هى واقع عينى: فالجماعة الآن ككل – لا كمجرد مجموعة من الأفراد ، وإنما كمجموعة من الأفراد العاملين فى إطار شكل معين لتقسيم العمل – تمتلك وسائل الإنتاج كموضوع لها وتمارس عملية العمل بالفعل .. وهذه هى الملكية فى مباشرتها . وتقوم الجماعة بموجب هذه الملكية بالتعامل مع وسائل الإنتاج التى تحت يدها فى الحدود التى تقررها حسب مستوى تطورها (أى الجماعة) . وهذا هو ما يسمى، بلغة القانون، حق التصرف . فالجماعة فى تقسيم العمل تعطى نفسها حق توزيع الأفراد على وسائل الإنتاج ، أى حق "التنازل" عن هذه الأشياء للأفراد. وبقيامها بذلك فانها تعلن عن حقها فى الملكية .
وملكية الجماعة هى أول مقولات الملكية لأنها الشرط الأولى لأية ملكية .. فالملكية ليست غريزة فردية بل هى تاليه للمجتمع كما ذهب ماركس بحق
[44] .. إلى حد انها تتخذ الصورة الملائمة لمستوى تطور تقسيم العمل ، أى ان شكلها يتحدد حسب مستوى تطور قوى الإنتاج ، وفى النهاية تطور البشر – الحيوان السياسى . والملكية ليست علاقة إحالة مجردة مثل الامتلاك ، إذ ان الجماعة تستحوذ الآن على وسائل الإنتاج فى عملية العمل ، فملكيتها للارض من أجل الرعى تختلف عن ملكيتها للارض نفسها من أجل الزراعة أو استخراج المعادن .. الخ.
كذلك تعد ملكية الجماعة أصل الملكية عموما، لا مجرد مرحلة تاريخية (المشاعية البدائية مثلا) ، فهى أساس الملكية الفردية فى كل حين .. ان الجماعة تملك الملكية الفردية نفسها، لأنها تسمح بها فى حدود معينة تقررها ، وهى التى تنظمها وتضمنها وترسم أهدافها ، بشكل إرادى فى حدود معينة ولا إرادى جزئيا ، وفقا لمستوى تطورها .
وتجدر الإشارة هنا إلى اننا قد فضلنا الربط بين حق التصرف وملكية الجماعة، لأن هذا الحق يوجد على نحو ضرورى (منفردا) كملكية جماعية ، أما الأفراد فقد يملكون حق التصرف وحدة بشكل عابر . وسنستأنف إيضاح هذه النقطة لاحقا .
ب- الانتفاع (الحيازة) Possesion
ملكية الجماعة هى ملكية مباشرة، فالجماعة تملك كل وسائل الإنتاج التى تحت يدها ، ولكن فى ممارسة الملكية لا تقوم الجماعة مباشرة بالتصرف ، وإنما يتم هذا من خلال الأفراد . فوسائل الإنتاج تكون فى تقسيم العمل فى حوزة الأفراد مباشرة ، وهذه هى علاقة الحيازة . فملكية الجماعة تحدد نفسها أولا فى صورة حيازة الأفراد لوسائل الإنتاج ، وهذه الحيازة كعلاقة مباشرة بين الذات والموضوع هى ملكية الجماعة فى حالة غير مباشرة .
وقد رأينا ان تقسيم العمل التقنى يتضمن استحواذ كل فرد على أداة إنتاج معينة، وهذا يعنى ان الحيازة هى علاقة استخدام ، أو بلغة القانون حق الاستعمال . والتراتب المنطقى يسير كالآتى : تقوم الجماعة بتوزيع أفرادها على وسائل الإنتاج التى تمتلكها، وبذلك تقرر لنفسها حق التصرف (أو ممارسة الامتلاك) ، وينتج عن هذا الحق استحواذ الناس على وسائل الإنتاج ، أى الحيازة(
[45])
والحيازة كمفهوم تالية منطقيا لملكية الجماعة، وهى نفى لها ، لأنها تضع ما تملكه الجماعة فى أيدى الأفراد ، وهى فى الوقت نفسه تتضمن ملكية الجماعة لأن الاقتصار على حق الاستعمال للأفراد يتقرر بواسطة المالك ، أى الجماعة فى حالتنا هذه . وعلى الصعيد الواقعى – العملى، نجد ان حيازة الأفراد تترتب على ملكية الآخرين ، فالملكية سابقة على الحيازة وكونك مجرد حائز يعنى ان حق التصرف يوجد لدى الآخر ، ونقصد فى الحالة الأولى الحيازة بوجه عام كمفهوم ، وفى الحالة الثانية نتكلم عن الحيازة فى وجودها الفعلى . وتؤكد هذه الحالة الأخيرة صحة التسلسل المنطقى المذكور ، فالحيازة فى الحالة الثانية تترتب على حق التصرف فقط ، وهى الشئ المشترك بين الملكية الفردية وملكية الجماعة .
ج- الملكية (الفردية) Ownership
الحيازة هى نفى لملكية الجماعة (أو لحق التصرف عموما) ، ولكنها تتضمنها أيضا .. فالحيازة تعنى ان الآخر هو الذى يملك .. ولكن الحيازة هى حالة طارئة بالضرورة ، فوسائل الإنتاج تنتقل من يد إلى أخرى ، وهذا الانتقال لا يتم بقرار من الجماعة كشخص وإنما يتم بين الأفراد وبإراتهم، أو بارداة بعضهم ضد الآخر ، ولكن على ضوء حق الجماعة . إذن ينتقل حق الاستعمال على ضوء حق التصرف ، فالحيازة فى حد ذاتها تعبير غير مباشر عن حق التصرف ، ولكن انتقال الحيازة يعيد حق التصرف إلى الظهور المباشر مرة أخرى ، وفى هذه الحالة يتضمن الحيازة صراحة . وبذلك ينتج انتقال الحيازة مركبا من حق التصرف وحق الاستعمال، وهذه هى الملكية بحق؛ الملكية الفردية، فالجماعة تملك فقط حق التصرف بينما يملك الأفراد حق الاستعمال أيضا فمالك الارض يستطيع ان يتصرف فيها وان يستعملها أيضا، وحتى فى حالة تنازله عن حق الاستعمال لشخص آخر يكون قد تصرف فيها على نحو ما، ويكون أيضا قد حدد استعمالها أو حق استعمالها للآخر باعتباره مفوضا منه ، أى يستعملها بالنيابة عنه .. وبإمكانه ان يستردها ويستعملها مرة أخرى، أى انه يحتفظ دائما بحقه فى استعمالها . وفى هذه الحالة تكون الحيازة مترتبة على ملكية الفرد لا على ملكية الجماعة بشكل مباشر .. وكما ذكرنا من قبل، هذا لا ينفى أسبقية الحيازة على الملكية الفردية: فالأولى هى حق الاستخدام فقط ، وملكية الجماعة هى حق التصرف فقط .
ومن المفهوم – كما سنرى بعد – ان المفاهيم السابقة منطقيا تتحدد مرة أخرى بالمفاهيم اللاحقة لها ، ولكننا نهتم فى العرض المنطقى بتبيان الأسبقية المنطقية أساسا .
ويمكننا ان نتصور العلاقة بين اللحظات الثلاث للمكلية كالتالى: حق التصرف المحض هو ملكية الجماعة، وهذه لا تحوز أبدا بصفتها جماعة ، فحتى ملكية الدولة لا تعد حيازة جماعية ، وحتى الطرق العامة لا ُتحاز إلا بواسطة الأفراد، فالجماعة تملك حق التصرف بشكل مجرد جدا دون ان تحوز أبدا، فهى تحوز من خلال أفرادها . وقد يقال ان الجماعة تملك أيضا من خلال أفرادها ، ولكن الأمر يختلف ، فهى تملك لأنها تضمن الملكية وتضع حدودها ، ولكنها لا تحوز لأن فعل الحيازة لا يمكن ان يتم إلا بواسطة الأفراد .. وملكية الجماعة لا ُتنسب مباشرة لشخص محدد ، ولكن توجد بغض النظر عن ملكية الأفراد فى صورة نظام وقيود وحدود مسموح بها بحكم الظروف التى يفرضها تطور الجماعة ، وقد يقال أيضا ان الجماعة تضع أيضا حدود وشكل الحيازة ، ولكن لا شك انها تفعل ذلك بصفة مالك ، لا حائز .
والحيازة تتضمن الملكية كإمكانية فحسب ، بينما تتضمن الملكية (الفردية) الحيازة صراحة ، فلا يمكن للفرد ان يملك شيئا لم تسبق حيازته، وإذا كان هذا الشئ لم تسبق حيازته من آخر (أرض مهجورة مثلا) فهو يحوزها أولا ثم يملكها .
وإذا أعدنا صياغة مفهوم الملكية لوجدنا ان ملكية الجماعة ملكية مجردة تماما، بعكس الملكية الفردية المتحققة، فالملكية لا توجد بالفعل – أى لا يتحقق مفهومها – إلا فى الملكية الفردية .. ونقصد من هذا ان حق التصرف لا يوجد أبدا فى حالة عينية إلا فى الملكية (الفردية) ولا يمارس من قبل الجماعة إلا فى سياق تحقيق الملكية الفردية . وعلى ذلك فلحظات الملكية هى: الملكية فى ذاتها (للجماعة) – داخل ذاتها (حق الاستعمال)- لذاتها (فردية) .
ولابد هنا من التأكيد على ان ما نقصده بالملكية الفردية هو المفهوم نفسه لا صورة عينية من هذه الملكية، فحتى فى المجتمع المشاعى كانت الملكية فردية بمعنى معين حددته الجماعة، فالأفراد يملكون أشياءهم الخاصة ويشاركون بحق فى التصرف والاستعمال بالنسبة لكل وسائل الإنتاج .. وينطبق الشئ نفسه على المجتمع الاشتراكى .. كذلك ُوجدت ملكية الجماعة فى كل مراحل التاريخ "كحق" للجماعة فى تحديد الحيازة والملكية . وعلى هذه الأساس يُعد مدى تطور الملكية مقياسا لمستوى تطور الجماعة ، لأنها بالتحديد مقياس مباشر لتطور الفرد :
ففى المجتمعات القديمة كانت الملكية ضعيفة للغاية ، فكانت حقوق الفرد تجاه الجماعة محدودة بسبب صعوبة ظروف الحياة وتأخر قوى الإنتاج . وكان تطور حق الملكية مصاحبا لتطور المجتمع، خصوصا فى المراحل المراتبية وبالذات فى ظل الرأسمالية . فبالمقارنة مع المشاعية، يملك الفرد فى المجتمع الرأسمالى(حتى العامل) حقوق تصرف واستخدام أوسع بكثير ، فعلى الأقل يملك العامل حق تصرف واسع تجاه قوة عمله ، بينما كان يملك حقوقا محدودة للغاية فى المشاعة حيث تقسيم العمل "طبيعى" بدرجة كبيرة . وستصبح الملكية الفردية أقوى فى ظل الاشتراكية مما هى عليه فى ظل الرأسمالية ، رغم تأميم وسائل الإنتاج .. فالفرد سيملك حقوق ملكية واسعة للغاية تجاه قوة عمله (من كل فرد حسب طاقته) وسيملك حقوق استعمال واسعة جدا (لكل حسب حاجته)
[46] .
وسوف نعيد صياغة المسألة للايضاح : الملكية الفردية باعتبارها حق الفرد فى التصرف والاستعمال هى مقياس تطور علاقات الملكية عموما .. وهذا لا يقاس بحجم الملكية الفردية المقننة تجاه ملكية الجماعة المقننة : فبغض النظر عن القانون سيتخذ حق الملكية فى الاشتراكية عدة صور :
1. حق استعمال وتصرف فى قوة العمل (من كل حسب طاقته) .
2 . حق استعمال وتصرف فى الناتج (إلى كل حسب حاجته)
3. حق استعمال وتصرف فى وسائل الإنتاج (حق تغيير نوع العمل – تحول العمل إلى لهو – تجاوز التخصص الصارم بشكله الحالى – مشاركة الفرد بحرية فى وضع خطط الاقتصاد وتحديد الحاجات وموصفات الإنتاج ... الخ) .
فملكية المجتمع فى الاشتراكية
1. ملكية الجماعة ككل : لا تصرف إلا من خلال الجماعة .
2. الحيازة للأفراد (والمجموعات) .
3. يملك كل فرد فى حدود ما تسمح به الجماعة .
ومن الملاحظ أننا حددنا مفهوم الملكية الفردية بشكل يختلف عن معناها الشائع والمستخدم عموما، ولكننا نعتقد ان هذا التحديد أكثر واقعية من التعريف الشائع، ذلك ان حق التصرف وحق الاستعمال وجدا لكل الأفراد فى حدود معينة (فحتى العبد يملك طعامه) إلا أن ما تغير على مدى التاريخ كان هو حدود الحق نفسه : فالملكية الإقطاعية الكلاسيكية تختلف عن الملكية الرأسمالية ، كلاهما ملكية خاصة بالطبع ورغم ذلك فانهما لا تتطابقان.
وينبغى التشديد هنا على ان المعنى القانونى للملكية الفردية يطمس حقيقة الوضع المفترض للفرد فى المجتمع الاشتراكى ، ويصوره كترس فى آلة كبيرة معقدة ، بينما تصوره الاشتراكيون العظام بشكل مختلف : فالهدف النهائى هو الفرد بالذات ، والاشتراكية تحقق الملكية الفردية بقدر كبير من المساواة ، فوسائل الإنتاج تكون ملكا لكل الأفراد ، ويحق لهم جميعا وبالقدر نفسه التصرف والاستعمال فى حدود ما تسمح به ظروف تطور المجتمع . كذلك يطمس المعنى الشائع حقيقة هامة أخرى ، هى ان ملكية الدولة فى المجتمعات المراتبية هى ملكية خاصة للطبقة السائدة وليست ملكية عامة، فالقطاع "العام" هو فى الحقيقة ملك الدولة مباشرة ، وملك الطبقة السائدة بشكل غير مباشر ، ويمكن لهذا السبب ان نسميه قطاع الدولة .
وأخيرا ، نلاحظ ان الملكية الفردية مؤقتة مثل الحيازة تماما، ولكنها بانتقالها من شخص إلى آخر لا تتغير كمفهوم، بل يتغير الشخص فحسب .. فلا ينتج عن انتقال الملكية مفهوم جديد كما حدث عند فحص انتقال الحيازة : فانتقال الحيازة سمة للحيازة كحيازة ، اما انتقال الملكية فليس كذلك، فهو انتقال عرضى .
وسوف نقدم فيما يلى ملاحظات إضافية حول فكرة الملكية خارج السياق المنطقى السابق:
1. يمكن تعريف الملكية كالآتى: من وجهة نظر من يعمل : "السلوك الذى يسكله الفرد ازاء الشروط الطبيعية للعمل وعلاقات الإنتاج" ، ومن وجهة نظر من يعيش : "هى تبنى أو حيازة الشروط الموضوعية للنشاطات الفعالة المنتجة للحياة أو التى تعيد إنتاجها"
[47].
2. الفرد لا يملك إلا بوصفه عضوا فى الجماعة ، فهى التى تعطيه هذا "الحق" أصلا . فالجماعة لا تظهر كنتيجة للحيازة المشتركة وإنما كشرط مسبق لهذه الحيازة . أما الفرد فانه لا يكون فردا إلا من خلال انتمائه للجماعة، فلا يملك إلا على أساس من اعترافها له بهذا الحق . وعلى هذا الأساس ُتعد الملكية علاقة اجتماعية بالدرجة الأولى ، فهى علاقة بين الذات وشروط إنتاجها تحددها الجماعة .. فالجماعة هى التى تثبت الملكية وتضمنها . فالملكية إذن تتم من خلال علاقة إنتاج اجتماعية ، وبشكل أكثر تحديدا هى علاقة إنتاج اجتماعية تتضمن تقسيم العمل وتتجاوزه ، فهى ليست مجرد علاقة بين الناس ووسائل الإنتاج بل علاقة بين الناس تتخذ صورة علاقة مع وسائل الإنتاج، فالملكية فى أنضج لحظاتها (Ownership) ، ليست مجرد شرط تقنى للعمل ، وإنما تعبر عن توازنات اجتماعية معينة وتبلورها .. فانقسام الناس على أساس الملكية يعنى بالضبط نشوء قوى اجتماعية .. وحتى الملكية الجماعية فانها تعبر عن الوحدة الاجتماعية للجماعة ، تلك التى تظل موجودة تماما وبقوة فى المجتمع المراتبى . وعلاقة الذات بشروط إنتاجها لا تتغير إلا من خلال الجماعة أيضا ، ولهذا كله تعد ملكية الجماعة هى الشكل الاصلى للملكية (وهو أمر مؤكد حتى من الناحية القانونية) .
4. ويتضح الطابع الاجتماعى للملكية إذا واصلنا تحليلها من الداخل : فتختلف أشكال الملكية من طور إلى آخر من أطوار تقسيم العمل ، فالملكية العامة تحولت إلى ملكية خاصة (وهذه معان قانونية) عند مستوى متقدم لتقسيم العمل التقنى، واتخذت اشكالا تتناسب مع مستوى تقسيم العمل من فترة لأخرى ومن مجتمع لآخر ، فملكية العبيد ظهرت فى مناطق معينة : اليونان، روما والدول – المدن فى الشرق الأوسط مثل بابل وآشور، وملكية الدول على نطاق واسع ظهرت فى الشرق أساسا، اما الملكية الإقطاعية الكلاسيكية فقد ظهرت فى أوروبا بعد سقوط روما ، وفى اليابان . وكانت الملكية فى العهود قبل الرأسمالية تعنى أساسا ملكية ثروة عينية ، باستثناء المجتمعات التجارية أما فى المجتمع الرأسمالى ، فقد صارت الثروة تعنى كمية من المال. بينما أصبح العامل يملك قوة عمله كاملة.
5. يجب ان نميز بين علاقات الملكية الفعلية وعلاقات الملكية القانونية . فالملكية ليست علاقة قانونية ولكن لها شكل قانونى .. فهى فى الأصل واقع اجتماعى تاريخى . وهذا التمييز بين الواقعى والقانونى يشكل أساسا لبعض التفاوت بينهما: فكثيرا ما ينتهك الحق القانونى وأحيانا يكون شكليا فحسب .. كذلك توجد فجوة بين الحيازة والملكية تعززها الفجوة بين الواقعى والقانونى: فالسيد يملك الارض والقن يحوزها، وملكية السيد ليست قانونية فحسب ، بل هى أساسا ملكية فعلية ، فالعبرة هى بمن "يملك" القدرة على التصرف . ومن الأمثلة الدالة على وجود تفاوت بين الواقع والقانون نظام الشركات المساهمة، فملكية نسبة من الاسهم ليست هى كل شئ فإذا طبقنا التحديد السابق لمعنى الملكية (القدرة على التصرف) ، لوجدنا ان صغار المساهمين يملكون فعليا أقل مما يملكونه قانونا، فالسيطرة تكون فى أيدى كبار أصحاب الاسهم .. كذلك يشارك الرأسمالى الوظيفى Functional Capitalist ،أى رجل الأعمال، بغض النظر عن ملكيته المحتملة لرأس المال فى السيطرة على الشركة ويحصل على أرباح مجزية .
وتظهر هذه التفاوتات فى ظل الرأسمالية بالذات بفضل اتخاذ الثروة شكل القيمة ، تلك الوضعية التى تؤدى إلى درجة عالية من الديناميكية فى علاقات الملكية : فالرأسمالى يملك على الورق ما يدل على أملاكه الفعلية ، وهذه المرونة تؤدى إلى ضخامة الفجوة المذكورة .
كذلك توجد حالات لا هى بالحيازة الخالصة ولا هى بالملكية التامة رغم ان شكلها القانونى قد يتخذ صورة منهما .. فعلى سبيل المثال قد يمتلك الشخص حق الاستعمال قانونا ولكنه يمتلك فعليا بعض حقوق التصرف ، كذلك قد يملك الفرد ملكية كاملة من الناحية القانونية ولكنه لا يملك فعليا سوى بعض حقوق التصرف التى يبيحها المجتمع من الناحية الفعلية .. ففى حالات عديدة ينظم القانون أشكالا من تداخل الملكية والحيازة .
وقد تناولنا فيما سبق مفهوم الملكية الواقعى لا القانونى فاستخدمنا كلمة "حق"مثلا استخداما مجازيا، بالمعنى الواقعى لا القانونى .


3- تقسيم العمل الاجتماعى Social Division of Labour
الملكية من حيث الشكل هى علاقة بين الناس ووسائل الإنتاج. إلا أن هذه العلاقة إنما تعبر عن علاقة اجتماعية بين الناس، وهى تنبثق من تقسيم العمل التقنى وتتحدد به . فمن تقسيم العمل التقنى انتقلنا إلى مقولة الملكية، وهنا نجد أنفسنا نعود مرة أخرى إلى تقسيم العمل: فالملكية الفردية لا تكون كذلك إلا فى مواجهة الآخر ، فملكية فرد ما تعنى لا ملكية الآخر والعكس بالعكس . وتتبلور علاقة الملكية فى تقسيم وسائل الإنتاج كثروة، وهذا يختلف عن تقسيم العمل التقنى، حيث ان الملكية لا تلعب دورا مباشرا فى تقنية العمل وإنما تلعب دورا هاما فى عملية العمل من زواية أخرى: اجتماعية: من يعمل ولماذا يعمل ، ومن لا يعمل ؟ وهذا يتحدد على أساس: من يملك ماذا ؟ وتسمى هذه العلاقات أو التقسيم الجديد بتقسيم العمل الاجتماعى
[48].. ،وهو ما يمكن تعريفه كالتالى : هو تقسيم العمل بين الأفراد والمجموعات على أساس علاقات الملكية .. فملكية الثروة هى التى تحدد الوضع الاجتماعى للأفراد من حيث المساواة أو التمايز فى عملية العمل التى تصبح بذلك عملية اجتماعية ، أى تتحول من عملية تقنية بحتة (إنتاج الأشياء) إلى عملية إنتاج للثروة : فالمنتج يصير ثروة بمجرد امتلاكه .
ولنضرب بعض الأمثلة : فى الجماعة المشاعية تملك المشاعة جل وسائل الإنتاج، لذلك يكون من الطبيعى ان يعمل كل الأفراد بهذه الوسائل على أساس تقسيم عمل يميز الكفاءات وحدها ، أى تمييز تقنى محض (بما فى ذلك حتى الأعمال "الإدارية") فيتم التقسيم الاجتماعى للعمل على أساس من المساواة – تقريبا – بين الأفراد . وفى المجتمع العبودى لا يملك العبد شيئا ، بينما يملك السادة وسائل الإنتاج وضمنها العبيد . و من "الطبيعى" هنا ان تعتمد عملية العمل اليدوى على العبيد أساسا (بجانب الملاك الصغار الأحرار) ، بينما يتفرغ السادة للهو أو للنشاط الفكرى والحكم .
ويحدد التقسيم الاجتماعى للعمل موقف الناس من عملية الإنتاج الاجتماعى، أى إنتاج الأشياء كثروات لا عملية العمل كتقنية، فيساهم الكل بأدوات إنتاجهم وقوة عملهم ، أو يساهم البعض بأدوات إنتاجهم أو قوة عملهم .. الخ ولتوضيح الأمر، نفترض وجود تقسيم تقنى للعمل فحسب ، فى هذه الحالة يعمل كل فرد حسب كفاءته دون أى اعتبار لوضعه الاجتماعى، أما إذا اخذنا تقسيم العمل الاجتماعى فى الاعتبار ، نجد ان الفرد يعمل حسب كفاءته ، ولكن على أساس وضعه الاجتماعى، الذى يوضع فى الاعتبار أولا .. بينما يحتل الكفاءة الشخصية المحل الثانى: فالبرجوازى لا يعمل بوابا وعامل الترحيلة لا يعمل رجل أعمال ، وأبناء ملاك الأراضى يصبحون من الصفوة .. هذه طبعا هى القاعدة ، ثم يليها العنصر الشخصى: فموظفى الدولة فى مصر الفرعونية يمكن ان ينحدروا من أصول فلاحية ( وهذه قاعدة عامة)، ولكن على أساس هذه القاعدة يتحول بالفعل قلة (أكثر كفاءة ، مع عناصر صدفية أخرى) من أبناء الفلاحين إلى موظفين وبعضهم فقط ، قلة القلة، يصير من كبار الموظفين.
ثالثا : نمط الإنتاج MODE OF PRODUCTION
يحدد التقسيم الاجتماعى للعمل موقع الناس المباشر من الإنتاج الاجتماعى ، أى من إنتاج الثروة .. أى ان عملية العمل تجرى الآن فى ظل علاقات اجتماعية معينة (تختلف ، من المساواة إلى درجات واشكال من التفاوت) . وإذا كان التقسيم التقنى يحدد لنا الطريقة الفنية لإنتاج الأشياء ، فإن التقسيم الاجتماعى يحدد لنا الطريقة الاجتماعية لإنتاج الثروة . ومن الطبيعى ان هذه الثروة توزع على أفراد المجتمع بشكل ما ويتم استهلاكها فى إعادة بناء قوة العمل وإعادة إنتاج وسائل الإنتاج والتوسع فيهما (والاستهلاك الترفى أحيانا) ..
أمامنا إذن ثلاث عمليات: الإنتاج والتوزيع والاستهلاك نحللها فيما يلى:
1. الإنتاج (أو نمط الإنتاج بما هو كذلك) Production as such
الناس يرتبطون الآن بوسائل الإنتاج من خلال تقسيم اجتماعى للعمل .. ومن ثم لم يُعد العمل هنا مجرد إبداع فنى أو تقنى ، وإنما هو إبداع اجتماعى، طريقة اجتماعية للإنتاج، نمط الإنتاج . وهنا تعود عملية العمل إلى الظهور ، ولكنها تصير عملية إنتاج من خلال علاقات الإنتاج .. عملية تتم بطريقة اجتماعية معينة هى نمط الإنتاج .
والمقصود بالإنتاج هنا إنتاج الثروة ، لا مجرد إنتاج أشياء ، فالثروة مفهوم ذو محتوى اجتماعى ، يتضمن المحتوى المادى أو التقنى ويتجاوزه . والثروة هى دائما الفائض
[49]، الذى يوجه لأعمال مثل الحروب أو التراكم أو أية أشكال للترف . وفى سياق تطور قوة العمل يتحول الفائض باستمرار إلى ضرورى ، فالحاجات، الإنسانية تنمو باستمرار، والتطور نفسه هو المسئول عن نمو الحاجات، فالعمل الإنسانى يتميز كما قلنا مرارا بالإبداع ومن ثم يميل تلقائيا إلى التطور، أى إلى إنتاج المزيد من الفائض. فلو سار الإنتاج مستهدفا الضرورى فحسب لما صار الإنسان إنسانا ولعاش دائما كما يعيش القرد .. فالفائض نتاج حتمى لتطور قوة العمل . إذن .. البشر ينتجون الفائض بفعل كونهم بشرا فحسب، والإنتاج الإنسانى هو قبل كل شئ إنتاج للفائض[50]، وبالتالى تتحدد طريقة الإنتاج عموما (ضرورى وفائض) بطريقة إنتاج الفائض .
وتجدر الإشارة هنا إلى ان مقولة الإنتاج لم ُتستنبط من قبل (فى عملية العمل مثلا)، لأن الإنتاج كفعل إنسانى هو إنتاج الفائض الضرورى، أى إنتاج الثروة ، أى انه عمل ذو طابع اجتماعى أولا .. فعملية العمل لا تتم أبدا إلا بأفق الإنتاج الاجتماعى، فالبشر ليسوا مجموعة من التكنوقراط، بل هم أولا مجتمع . ان عملية العمل لا تزال حتى هذه "اللحظة" مستمرة، ولكنها صارت الآن "لحظة" فى عملية إنتاج (بمعنى إنتاج الثروة) . ويتحدد إنتاج الضروى بالطريقة نفسها التى ينتج بها الفائض، وتتأكد هذه الفكرة إذا ما أخذنا فى الاعتبار ان إنتاج الضرورى لا يشكل أية خصوصية للإنسان ، وان الضرورى هو نفسه فائض تحول إلى ضرورى فى لحظة تاريخية ما (يمكن فقط ان نتصور لحظة أنتج فيها "الإنسان" الضرورى فقط قبل تحوله فورا إلى الإنسان العاقل) ولهذا كله يتضمن إنتاج الثروة إنتاج الأشياء أيضا بما هى كذلك .
لنوضح المسألة أكثر : يمكن فهم طريقة الإنتاج بمعنى تقنى أو بمعنى اجتماعى .. وبالنسبة للمعنى الأول ، فهو يتعلق بالطريقة العملية: فالطريقة التى يزرع بها العبد يمكن أيضا ان يزرع بها السيد (إذا اضطرته الظروف للعمل – فرضا) ، والمعنى الثانى يتعلق بالعلاقة الاجتماعية: فالعبد هو الذى يعمل والسيد يلهو ويفكر .. الخ ، على حساب العبد . والمعنيان مع ذلك مرتبطان ، فطريقة الإنتاج الاجتماعية تتحدد على أساس التقسيم الاجتماعى للعمل والملكية والتقسيم التقنى للعمل .. أى ان التقنية تحدد نمط الإنتاج فقط من خلال التوسطات المذكورة ، وتطور التقنية يؤدى طبعا إلى تطور نمط الإنتاج (نستخدم لفظ التطور بمعنى التطور الجوهرى)، ولكن تطور الأول يحمل معنى تقنيا: إنتاجية أعلى فى الشروط الطبيعية نفسها بينما يعنى تطور الثانى تغيير النظام الاجتماعى، فالإنتاج بواسطة الجماعة غير الإنتاج بالعبيد والأقنان، غير الإنتاج بالعمل المأجور .. فالفائض يختلف من حيث طبيعته الاجتماعية فى كل هذه المراحل .
وتكون النتيجة النهائية لعملية الإنتاج هى شكل معين للفائض وكم وأنواع معينة من الأشياء التى لاتكون مجرد منتجات لعمل البشر ، بل ثروة اجتماعية .
2. التوزيع Distribution
المنتجات هى وسائل إنتاج، وهى هنا نتاج للعمل الاجتماعى . غير ان هذه الأشياء ليست مجرد وسائل إنتاج ، فهى أيضا ثروة، ولذلك تصبح ملكا للجماعة التى أنتجتها (ولا تصبح ملكا لجماعات أخرى إلا عبر آليات يتجاوز بعضها مقولة نمط الإنتاج نفسها) . وهذا الفائض اذن هو ملك الجماعة، التى تتكون من مجموعات وأفراد، ولذلك يطرح الفائض نفسه بصفته ملكا للجماعة كمادة للتوزيع . ونظرا لانقسام الجماعة إلى وحدات أصغر ، يتم التوزيع على هذه الوحدات ، وهذا يقودنا إلى نمط التوزيع، فكيف يوزع الفائض داخل الجماعة
[51]؟ .
وتتضمن عملية الإنتاج عملية توزيع ُتعد الشرط الأولى لها: تبدو "كعملية توزيع لوسائل الإنتاج على المنتجين وتوزيع هؤلاء على اقسام الإنتاج المختلفة" .
[52] إلا أن هذا التوزيع – الذى سبق ان رصدناه فى "علاقات الإنتاج" – ليس سابقا على الإنتاج بما هو كذلك، فهو توزيع لمنتجات (وسائل عمل وقوة عمل) ، وإذا عدنا إلى تقسيم العمل، نجد انها عملية طبيعية Natural وليست تاريخية .. فلكى يتخذ التوزيع بعدا تاريخيا لابد وان يسبقه إنتاج .. ولذلك وصفنا عملية التوزيع فى تقسيم العمل بأنها توزيع الناس على وسائل الإنتاج .
التوزيع الحقيقى تال للإنتاج ويتحدد به ، فنمط الإنتاج يحدد نمط التوزيع : فيمكننا ان نحدد شكل الفائض فقط بعد تصور طريقة إنتاجه كفائض .. فنتصور مثلا فائض القيمة بعد ان نحلل عملية بيع وشراء قوة العمل ، ونستطيع ان نتصور نصيب العبد من الإنتاج ، فقط بعد ان نعرف انه عبد، أى يعامل اجتماعيا كوسيلة عمل، لا كقوة عمل .
ومن الطبيعى ان يتصور المرء ان التوزيع يحدد وضعه داخل نظام الإنتاج على نحو سابق على الإنتاج نفسه، فهو (الفرد) يجد نفسه وقد ولد بلا أرض أو رأسمال (مثلا) ولكنه يحتل موضعا معينا من الإنتاج على أساس وجود الملكية العقارية والرأسمالية . وقد يتعيش بعض الناس على النهب ، إلا أن هذا نفسه يتطلب وجود أشياء قابلة للنهب ، والتحويلات الخارجية لمصر مثلا هى عملية توزيع سابقة على الإنتاج فى الداخل، ولكنه مترتبة على الإنتاج فى الخارج . فالإنتاج كفهوم يسبق التوزيع منطقيا ، ولكن الأول يتطلب شرطا أوليا: وجود قوة عمل ووسائل إنتاج وملكية ... وعلى الأخص يتطلب تقسيما اجتماعيا للعمل .
وهذه الأسبقية المنطقية للإنتاج تعنى ان التوزيع يتضمن نمط الإنتاج صراحة فطريقة توليد الفائض هى التى تحدد طريقة توزيعه، فإنتاج فائض القيمة (مثلا) يتضمن بالقوة التوزيع فى صورة أجور وأرباح ..
[53] الأجور تقابل قوة العمل والأرباح تقابل رأس المال (والفائدة لرأس المال البنكى والريع للملكية العقارية) . ويوضح هذا المثال ان نمط التوزيع يبرز أو يحقق التقسيم الاجتماعى للعمل .
ومثلما يتحدد نمط الإنتاج بطريقة إنتاج الفائض الضرورى ، تتحدد طريقة التوزيع بطريقة توزيع الفائض الضرورى . فكل الناس تقريبا يحصلون على الضرورى اجتماعيا لاستمرار وجودهم (مع ملاحظة ان الحصول على الضرورى الذى كان فائضا دافع جوهرى لانخراط الناس فى عملية الإنتاج ، خصوصا فى المجتمعات المراتبية) . إلا أن الطابع الاجتماعى للتوزيع يبرز فقط عند توزيع الفائض ، فالتوزيع حسب الحاجة يعكس مساواة اجتماعية ، أما التوزيع فى صورة ريع وربح وفائدة فيعكس نوعا معينا من التفاوت الاجتماعى
[54].
3. الاستهلاك Consumption
رأينا حتى الآن ان الإنتاج يتمثل فى طريقة إنتاج الفائض الضرورى ، وأنه يحدد طريقة توزيعه . ويوجد الفائض الآن على هيئة وسائل إنتاج مملوكة للبشر .. وبهذا يرتبط الناس مرة أخرى بوسائل الإنتاج ، ولكن على مستوى أكثر عينية من لحظة عملية العمل ولحظة الملكية ، ففى التوزيع ، تكون علاقة البشر بوسائل الإنتاج تعبيرا عن علاقات اجتماعية بينهم، فوسائل الإنتاج هى الآن ثروة (بجانب انها أشياء) ، لذلك يُعد التفاعل بينهما الآن لا مجرد عملية عمل ، وإنما استهلاك للثروة . ففى عملية العمل كانت قوة العمل قد تموضوعت من خلال وسائل الإنتاج ، ولكن الآن يتموضع الناس كقوة عمل اجتماعية من خلال الثروة ، ويجرى استهلاك الثروة و استهلاك المنتج الضرورى كذلك .
ويتكون مفهوم الاستهلاك فى ثلاث لحظات
ا- الاستهلاك كاستهلاك محض: فالاستهلاك يبدو لأول وهلة فى وجوده المباشر كنفى للمواد المنتجة ؛كتحويل لها من الوجود إلى العدم .
ب- الاستهلاك ينتج كل من قوة العمل ووسائل الإنتاج . الإستهلاك هو أيضا إنتاج ، وهو يتم فى سياق نمط الإنتاج نفسه، أى بالطريقة نفسها .
جـ- إعادة الإنتاج : المنتج لا يصبح منتجا إلا وهو يستهلك ، كما ان الاستهلاك ليس هو نهاية المطاف، وإنما يخلق الحاجة إلى الإنتاج ، فهو حافز عليه .
وبطريقة أوضح ، نحدد هوية الإنتاج والاستهلاك فيما يلى :
1. هوية بسيطة ومباشرة: الإنتاج هو نفسه استهلاك (إنتاج استهلاكى) والاستهلاك هو نفسه إنتاج (استهلاك إنتاجى) .
2. هوية غير مباشرة : كل من الإنتاج والاستهلاك وسيلة للآخر . فالإنتاج يخلق الاستهلاك (من خلال التوزيع) والاستهلاك يخلق الإنتاج كاحتياج .
3. هوية مركبة ومباشرة : كل منهما يخلق الآخر باستكمال نفسه، الاستهلاك يستهلك المنتجات دافعا إلى تكرار الإنتاج، والإنتاج بتحقيقه لنفسه كإنتاج يخلق الاستهلاك .
وبوجه عام ، الإنتاج هو الاستهلاك ، إلا أن نقطة البدء هى الإنتاج ، فهو الذى يحدد العملية ككل، كالفرد ينتج ويستهلك جاعلا من نفسه منتجا من جديد ، وهكذا يبدو الاستهلاك كلحظة فى الإنتاج ، أو هو الإنتاج نفسه فى حالة أكثر عينية: وهو يتحقق .
كذلك يخلق الإنتاج الاستهلاك بعدة عمليات : خلق مادة الاستهلاك ، خلق طريقة أو نمط الاستهلاك، خلق الحاجة لمواد استهلاكية معينة .
ومن جهة أخرى ، يحدد نمط الإنتاج نمط الاستهلاك ، أو بمعنى أصح، يتحقق نمط الإنتاج فى النهاية كنمط استهلاك اجتماعى، شاملا الاستهلاك الإنتاجى، وبهذا تظهر فكرة إعادة الإنتاج باعتبارها مفهوم الإنتاج ، ومن الآن سنعتبر نمط الإنتاج هو نمط إعادة الإنتاج . وجدير بالملاحظة ان إعادة الإنتاج هى المعنى العميق للاستهلاك ، فالأخير يتضمن ثلاث لحظات كما اوضحنا من قبل : الاستهلاك المحض ، الاستهلاك الإنتاجى، مركبها : الاستهلاك – الإنتاج ، وهذه هى إعادة الإنتاج .
وإذا اردنا تحليل عملية إعادة الإنتاج فى حد ذاتها لوجدنا انها تشمل: إعادة إنتاج قوة العمل – إعادة إنتاج وسائل الإنتاج – والأهم من هذا كله إعادة إنتاج نمط الإنتاج نفسه، متضمنا إعادة إنتاج كافة المفاهيم السابقة . وبذلك يتضح ان نمط الإنتاج يقوم بإعادة إنتاج نفسه . ولتوضيح المسألة أكثر : يتحقق نمط إنتاج الفائض تماما فى نمط استهلاك الفائض من خلال نمط التوزيع ، ويكتمل هذا الاستهلاك فى عملية إعادة إنتاج نمط إنتاج الفائض نفسه . وإذا ضربنا مثلا بنمط الإنتاج الرأسمالى ، يتضح لنا انه عبارة عن طريقة إنتاج فائض القيمة ، الذى يتم فى صورة ربح ، فائدة ، ريع (بينما يوزع الضرورى فى صورة أجور) فيستهلك العمال الأجور، والرأسماليون الأرباح، والمودعون الفائدة، وملاك العقارات الريع. ويكتمل الاستهلاك ككل فى إعادة إنتاج قوة العمل وإعادة إنتاج وسائل الإنتاج (إعادة بسيطة أو مضيقة أو موسعة) كرأسمال، وتنتج فى النهاية إعادة إنتاج فائض القيمة .
يتضح لنا أعلاه الطابع المزدوج للاستهلاك : نمط استهلاك تقنى ونمط استهلاك اجتماعى. ويتعلق الأول بنوع وكمية المنتجات المستهلكة وطريقة استهلاكها المباشر، بينهما يتعلق الثانى باستهلاك المنتج من حيث هو ضرورى وفائض ضرورى . وقد توصلنا من قبل إلى ان الاستهلاك هو التحقيق النهائى للإنتاج ، والآن نتساءل : ما هى العلاقة بين مكونى الاستهلاك المذكورين ؟ .
حددنا من قبل ان قوى الإنتاج تحدد علاقات الإنتاج ثم تتحقق من خلالها فى نمط الإنتاج . ولقوى الإنتاج مفعول مزدوج : الأول انها تتبلور مباشرة فى عملية العمل التى تساوى عملية إنتاج الأشياء كأشياء ، والثانى أنها تحدد على نحو غير مباشر نمط (إعادة) الإنتاج القائم . ولكن إنتاج الأشياء بما هى أشياء يتطور محفزا إنتاج الفائض ، فيكون التقنى هو السابق منطقيا على الاجتماعى رغم ان الأخير يؤثر بدوره على الأول .. فإنتاج الفائض كفائض يحفز إنتاج الأشياء كأشياء؛ يحفز التطور التقنى ، أى ، فى النهاية ، يحفز من جديد إنتاج الفائض بشكل غير مباشر.
******************
بعد هذا العرض ، نشير إلى ملاحظة هامة : هى ان هذا التسلسل لا يعنى ان التفاعل بين المقولات يسير فى اتجاه واحد ، بل تؤثر المقولات العينية أيضا فى المقولات المجردة فعلاقات الملكية مثلا تؤثر على تقسيم العمل التقنى وعلى مستوى تطور قوة العمل،و تلعب طريقة إنتاج الفائض دورا هاما تجاه علاقات الملكية وتقسيم العمل … الخ . والخلاصة، ان المفاهيم الأعلى تؤثر على المفاهيم الأدنى أيضا ، إلا أن هذا التفاعل لا يعلو على التسلسل المنطقى المعروض هنا، بل العكس هو الصحيح . ولهذا نظرنا إلى طريقة البحث التى تقف عند رصد الكثرة المعقدة من العلاقات الملموسة على انها طريقة ادنى من طريقة الجدل إلى استخدمناها هنا .
وتتخذ هذه الملاحظة منحى عينيا ملموسا عند تحليل فترات التحول الاجتماعى، إذ يمكن للمراقب ان يرصد تأثيرا ملموسا للمفاهيم الأعلى على المفاهيم الأدنى، ولكنه إذا وقف عند هذ الحد لما استطاع ان يرصد مجرى الأحداث بالدقة اللازمة : فعلى سبيل المثال، إذا رأينا فى الفترات الرجعية ان علاقات الإنتاج القائمة تعيق تطور قوى الإنتاج ، فإن هذا يجب ألا يعمينا عن فهم الطابع اللحظى لهذا المفعول وعن فهم ان تطور القوى المنتجة هو الذى خلق هذه الحالة نفسها محفزا نشوء علاقات إنتاج جديدة.. بالضبط مثلما تصور البعض فى فترة ما ان "الفكرة تحكم العالم"
[55] وفشلوا فى فهم ان هذا كان ظاهر الأمر فحسب ،وان تلك الفكرة التى بدت وكانها تحكم العالم لم تكن سوى تعبيرا عن ذلك العالم نفسه، الذى يعمل، بآليات يمكن اكتشافها بدقة ، على استبدال "الفكرة" بغيرها .

**********************
تعليقات إضافية على مقولة نمط الإنتاج ومفاهيم أنماط الإنتاج الرئيسية
1. يبين لنا العرض السابق ان نمط الإنتاج يتركب من قوى وعلاقات الإنتاج ، فهو طريقه لتوليد الفائض تعيد إنتاج نفسها . وتتم هذه العملية بواسطة قوى إنتاج منظمة بطريقة معينة ، ليست تقنية فحسب ، وإنما اجتماعية أيضا ، حيث لا يتعلق الأمر بإنتاج أشياء فقط وإنما بإنتاج فائض كذلك ، والفائض هو الذى يتمتع بالأولوية فى عملية الإنتاج .
وواضح ان النتيجة المذكورة تتفق مع الفكرة القائلة بان نمط الإنتاج هو مركب من قوى وعلاقات الإنتاج، والتى سبق نقدها من زاوية معينة ، ولكن هذا الاتفاق هو جزئى فقط . أولا : لأن نمط الإنتاج هو طريقة إنتاج الفائض الضرورى ، هذا التحديد الجوهرى تهمله الفكرة المذكورة . وثانيا : اننا انتقدنا تحديد الطريقة التى جرى بها تحديد نمط الإنتاج بأنه مركب كما انتقدنا قصر نمط الإنتاج كمفهوم على انه مركب .. لأنه فى الحقيقة ليس كذلك فى حد ذاته ، وإن كان يتركب من الناحية المنطقية من قوى وعلاقات الإنتاج : فتكون المفهوم يتميز عن تحديد المفهوم، وهذا التمييز يهمله أصحاب فكرة المركب بإهمالهم تحديد المفهوم .
كذلك يبين لنا العرض السابق ان عملية إعادة الإنتاج تتم على المستوى الاقتصادى وبشكل يحدده نمط الإنتاج لنفسه دون أية عوامل أخرى – من الناحية المنطقية .
2. من طبيعة عملية العمل - لأن البشر قوة إبداعية - ان تتطور، وبالتالى يكون من طبيعة البشر ان يتجاوزوا ذواتهم .. ان يصنعوا لأنفسهم تاريخا اجتماعيا (أمر لا يوجد قط لدى الكائنات الأخرى) . ولا ينفى التطور صحة النسق السابق ولكنه يضيف عنصرا تاريخيا محددا، فالمفاهيم المذكورة لا توجد فى حالاتها النقية هذه، وإنما توجد من خلالها تعيناتها .. فتقسيم العمل التقنى (مثلا) يتخذ فى التاريخ صورا مختلفة ويتطور من مرحلة إلى أخرى : انفصال الريف عن المدينة، انفصال العمل الذهنى عن العمل اليدوى .. الخ وقل مثل ذلك بالنسبة لكافة المفاهيم.
ويقف على رأس السلسلة مفهوم قوى الإنتاج، خصوصا البشر أنفسهم ، فتطورهم من مرحلة إلى أخرى يؤدى إلى تطور التكوين الاجتماعى – الاقتصادى ككل . ولكننا لا نستطيع ان نتنبأ أو نحدد عند أية مرحلة بالضبط من تطور الناس يحدث التطور للمقولات التالية ، ولذلك لم نضع تصورا تاريخيا أوليا ، وسوف نعود إلى هذه النقطة .
وفهم التطور التاريخى على أساس منطقى هو سلاح فعال للوقوف على تشخيص الظواهر الاجتماعية المختلفة، ومن الأمور الملفتة للنظر فى عصرنا هذا وجود علاقات إنتاج رأسمالية مبنية على قوى إنتاج ارقى بكثير من تلك القائمة فى المجتمعات المعتبرة اشتراكية، فإما ان يكون النسق المذكور خاطئا (أى ان قوى الإنتاج لا تحدد علاقات الإنتاج) أو ان تكون الاشتراكية شيئا مختلفا جوهريا عما هو موجود
[56] وهناك ظاهرة أخرى لا تقل أهمية : التخلف (أو ما يسمى بالعالم الثالث) : فالرؤية السائدة تقول بالطابع الرأسمالى لهذه البلدان، ولكن هذه الرؤية لا تفسر هذا التاخر المزمن لقوى الإنتاج ، كما لاتفسر سقوط أنظمة متخلفة عديدة فى أيدى أحزاب اليسارية وقيام انظمة جديدة ، فهل يمكن عند المستوى الحالى لتطور قوى الإنتاج، (الراكدة جدا) فى المجتمعات المتخلفة، ان يقوم تناقض مصيرى بينها وبين علاقات الإنتاج "الرأسمالية" ؟ فإما ان نعتبر النسق المذكور خاطئا وإما ان نعيد النظر فى فكرة الطابع الرأسمالى للبلدان المتخلفة[57].
3. رغم اننا لم نضع مخططا تايخيا، إلا أنه من المفيد ان نلقى الضوء على الأشكال التاريخية لنمط الإنتاج، حيث ان هذه القضية : أولا : لم تصبح بعد واضحة تماما، وثانيا : مفيدة لتوضيح واختبار النتائج السابقة :
تصر الرؤية الماركسية الكلاسيكية على تصور التاريخ الإنسانى فى مراحل محددة مسبقا : المشاعية، الرق، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية
[58]. وتوجدرؤية تالية من حيث الانتشار يمثلها أصحاب فكرة "نمط الإنتاج الآسيوى" ، الذى يعتبره بعضهم بديلا للرق والإقطاع فى الشرق عموما، ويعتبره آخرون سابقا على الرق فى مناطق معينة[59] ، ولكن تتفق الرؤيتان على فكرة التعاقب التاريخى لأنماط الإنتاج، ولكن هناك من يخرج على هذه القاعدة، فيرى سمير أمين مثلا ان أنماط الإنتاج لا تتعاقب بالضرورة تعاقبا تاريخيا محددا ، فيقول " ان مفهوم نمط الإنتاج هو مفهوم مجرد ولا ينطوى على نظام للتعاقب التاريخى لكل فترة تاريخ الحضارات" [60]، ولكنه لم يحدد كيفية انتقال نمط ما للإنتاج إلى آخر والأساس الذى يتحدد به النمط الجديد.
ونحن نرى ان فكرة التعاقب التاريخى هى الأكثر انطباقا على الوقائع، فحتى رصد تبادل المواقع بين ما يسمى النمط الآسيوى والإقطاع
[61]، أو رصد تدهور مجتمعات معينة إلى حالة من الخراب[62] ، هو أمر لا ينفى نفيا مطلقا فكرة التعاقب بشكل عام، خصوصا ان الخلاف حول النمط الآسيوى لا يزال قائما، كما ان ظاهرة انحطاط بعض المجتمعات بعد فترة من التطور، بفعل رأس المال الأجنبى لم تخضع بعد للتحليل من زاوية تحولات علاقات الإنتاج ونمطه .
كذلك تتفق فكرة التعاقب التاريخى مع المنطق ، فنمط الإنتاج يتحدد بقوى الإنتاج، ويستتبع ذلك بالضرورة ان حدوث تطور جوهرى فى القوى المنتجة يدفع نحو تحول نمط الإنتاج. ومن زاوية أخرى لا ينفى تحول نمط إنتاج تاريخيا إلى نمط إنتاج آخر كون هذا التحول منطقيا أيضا ، فكل ظاهرة تحمل – بالقوة – الظاهرة التالية لها ،وبالتالى تتحول وفق التطور التاريخى هو تطور تعاقبى، ديالكتيكى .
غير اننا لا نستطيع وضع مخطط لحركة التاريخ ، فما يمكن رسمه من أنساق هو الضرورى Essential فحسب ، فيمكن تصور حتمية الانتقال من المشاعية إلى المراتبية وان الأخيرة حالة تنفى نفسها بدفعها قوى الإنتاج إلى الأمام وتطوير الأفراد، مما ينزع أسس المراتبية ذاتها ، فيقوم المجتمع الشيوعى . كذلك يمكن رصد وفهم واستنباط ان تطور المجتمع بوجه عام- كمجتمع – يتبلور فى تطور الفرد كفرد ، فيصبح انضح وأكثر حرية، وهذا الأمر يتسق المعروض هنا، فالفرد هو وليد الجماعة والنوع .
وهذه المسألة وثيقة الصلة بموضوع هذا البحث – فى تطبيقه على بلادنا – فأغلب باحثينا يتعاملون مع تاريخ مصر وكانه الطبعة الثانية (أو الثالثة) من تاريخ اوروبا. فلابد عندهم من ان يتحول الإقطاع إلى الرأسمالية ، التى يجب ان تمر بمرحلة صعود تاريخى يعقبه هبوط .. الخ ونحن نرى ان البحث يكون أجدى إذا التزم فقط بالإطار العام المنطقى – الضرورى، ثم يحلل الوقائع على ضوئه.
وقد تحدثنا من قبل بخصوص وضع نسق تاريخى شامل ، وعدم إمكانية ذلك لا تنفى أبدا منطقية التاريخ العينى، وإنما يمكن اكتشاف هذا المنطق فى الوقائع نفسها ، فلا يكفى رصد الوقائع ، بل ينبغى أيضا الكشف عن معقوليتها، فالبحث يكشف منطق الاحداث .. والفرق بين البحث ومنهج البحث هو ان هذا الأخير يوضح بشكل قبلى بالنسبة للبحث نفسه استنادا الىمعرفة سابقة أشمل .

والآن نستعرض مفاهيم أنماط الإنتاج الرئيسية المعروفة والمعاصرة :
[63]

1. نمط الإنتاج الإقطاعى
الأمر الشائع لدى تحديد مفهوم نمط الإنتاج الإقطاعى (أو الإقطاع) وصفه بعدد من السمات (مثلا : ابراهيم عامر
[64] ، فتحى عبد الفتاح [65]) . والرأى الأقل انتشارا يحدد الإقطاع بالقنانة [66]، بينما رأى بول سويزى فى رده على هذا الرأى ان الإقطاع هو "الإنتاج من أجل المنفعة" [67]، بمعنى الإنتاج "الطبيعى"، مقابل الإنتاج من أجل السوق (وهو تحديده للرأسمالية) . ومن الواضح ان هذا التعريف غير محدد ، إذ يتضمن أنماط إنتاج عديدة غير الإقطاع (نمط الإنتاج العائلى مثلا) … بينما طريقة العوامل أو السمات لا تؤدى بنا إلى مفهوم نظرى واضح .. وهى غير عملية فضلا عن ذلك ، إذ كيف نحدد نمط الإنتاج إذا غابت بعض السمات؟ بالأغلبية مثلا ؟!
من الواضح ، بناء على عرضنا السابق لمفهوم نمط الإنتاج ، ان المنطلق المنطقى لتحديد مفهوم الإقطاع هو كشف طريقة إنتاج الفائض الضرورى فيه . ومن الواضح ان هذه مسألة تتطلب دراسة النظم التىاعتبرت إقطاعية على مدى تاريخ العلم .. الكشف عن قوى وعلاقات الإنتاج فى هذه الأنظمة ، انها تعتمد على عمل الأقنان، الذى يتضمن الاستغلال والاعتماد الشخصى والتزام الإقطاعى إزاء القن وإزاء الإقطاعى الأكبر … الخ . والمحدد الجوهرى للعلاقة الإقطاعية هو استئثار السيد بجزء من قوة عمل القن بطريقة قسرية ، وهذا التحديد يمكننا من الكشف عن الإقطاع فى كل لحظاته وتفسير حتى أشكاله المتحورة ، فالقنانة تتضمن بالفعل قوى إنتاج متأخرة وعلاقات إنتاج وتقسيم عمل محددين .. وكافة ما يسمى بسمات الإقطاع ، إلا أن تحور هذه الجزئيات يؤدى إلى اضطراب الأطروحات المستندة إلى "نظرية" العوامل .
والقنانة لا توجد بصورة واحدة ، إذ اتخذت فى التاريخ عدة صور .. ولكن يظل الجوهر واحد : انتزاع جزء من عمل القن قسرا ، بل لا يكون الأخير حتى حرا فى اختيار سيده . ويمكن إيجاز هذه الصور فى :
1. ريع العمل : وهو نظام يعمل بمقتضاه القن فى أرض السيد أياما محددة كل اسبوع أو فى الموسم الزراعى .. قسرا بدون مقابل ، كجزء من علاقة القنانة ككل .
2. الريع العينى : هنا يعمل القن فى الارض ، حيث لا تكون للسيد أرض منفصلة ويدفع له ريعا عينيا كحصة محددة من الإنتاج .
3. الريع النقدى : هو أرقى من القنانة ، حيث ُيدفع الريع العينى نفسه فى صورة نقود .. فيبيع القن جزءا من الإنتاج فى السوق حتى يمكنه دفع الريع للسيد .. وهذا الشكل من القنانة يمثل آخر مراحل الإقطاع الكلاسيكى .
وفى الشكلين الأخيرين يستطيع القن ان يستخدم عمالا مأجورين وان يطور وسائل الإنتاج .. الخ . ولهذا يعبر الانتقال من ريع العمل إلى الريع العينى والنقدى (قد يوجدان معا فى نفس المكان والزمان) عن تطور الإقطاع ، كما يفتح بابا لتطور قوى الإنتاج .
ولا يعنى ظهور الإنتاج التجارى نهاية الإقطاع ، بل لقد أدى نمو التجارة إلى ما ُعرف "بالقنانة الثانية" فى شرق أوربا فى نهاية القرن الخامس عشر
[68] . فهنا أدت ظروف معينة إلى اشتداد القنانة كنتيجة مترتبة على اتساع الإنتاج السلعى . وفى كل الأحوال ينبغى ان يكون واضحا ان التحولات فى شكل الريع مع استمرار القنانة ليست إلا تحولات داخل الإقطاع نفسه . كما ان الإقطاع لا يرتبط بالزراعة وحدها .. فوجود علاقة القنانة فى المدن أو فى الصناعة ُيعد دليلا على وجود الإقطاع .. ومن المعروف ان معظم الحرف فى أوربا الإقطاعية عملت لفترة طويلة فى إطار علاقة القنانة، كما اندرج سكان المدن عموما فى الإطار نفسه لفترة طويلة[69]. وبالتالى يُعد الكلام عن قنانة رأسمالية، أو رأسمالية تستخدم العمال بالسخرة تناقضا منطقيا . وفى أفضل الأحوال يمكن اعتبار بعض أحوال استخدام الأقنان للإنتاج من أجل السوق ، فى ظروف معينة، وضعا انتقاليا أو وسطيا بين الإقطاع والرأسمالية، ذلك أن الرأسمالية كما سنرى ليست مرادفة للإنتاج السلعى.
2. نمط الإنتاج الآسيوى
أول من أشار إلى وجود نمط إنتاج "آسيوى" هو ماركس (مقدمة المساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى) . ولكنه لم يكرر المصطلح مرة أخرى . وقد أعيد فتح الموضوع عامى 1930-1931 فى الاتحاد السوفيتى ، ثم أوقف الحوار بقرار رسمى من ستالين، ومنذ ذلك الوقت سادت نظرية المراحل الخمس التى تعد تحريفا لأفكار ستالين والتى روجها الكتاب السوفيت قبل الستينات .
وقد تجدد فتح الموضوع فى الستينات ، خصوصا مع تقدم المعارف التاريخية الخاصة بالعالم غير الأوربى ، وشارك الباحثون السوفييت فى المناقشات حول النمط الآسيوى بطريقة فعالة
[70]، وتبنى كثير من المنظرين الماركسين الفكرة، وقد أسهمت فكرة النمط الآسيوى فى دحص فكرة المخطط التاريخى الخماسى وطرح مفهوم التعاقب التاريخى لأنماط الإنتاج للنقاش .
ويتبنى قيلون فى مصر فكرة وجود نمط إنتاج آسيوى ، على رأسهم المرحوم أحمد صادق سعد ، الذى قدم مساهمات هامة فى هذا الصدد ، وقدم فى سياق فكرته دراسات قيمة فى تاريخ مصر . ونأخذ على صادق سعد أساسا اعتماده بالكامل تقريبا على التحليل العاملى وإهماله ابراز عامل الوحدة فيما أسماه بالتكوين الشرقى ، بل انه لم يحدد أصلا أسباب اعتباره لنمط الإنتاج فى مصر قبل التحديث نمطا مختلفا عن النمط الإقطاعى ، كما لم يحدد ما يقصده بنمط الإنتاج عموما رغم تخصصه فى تقديم ونشر فكرة النمط الآسيوى فى مصر . ومع ذلك ، يمكننا ان نستخلص ان أصحاب نظرية النمط الآسيوى يعدون طريقة إنتاج الفائض فيه هى "العبودية المعممة"
[71]بمختلف الأشكال .
ولا نميل للأخذ بفكرة النمط الآسيوى. فالقنانة المعممة (وهو التعبير الأكثر ملاءمة لوصف الوقائع التاريخية المعروفة) تختلف عن القنانة الأوربية فى كونها معممة، وهوفارق هام، ولكنه يقع داخل الإقطاع ولا يبرر تمييزه كنمط إنتاج مستقل تماما، خصوصا ان القنانة المعممة قد ُوجدت فى أوربا الإقطاعية أيضا، على الأقل فى جوانب ملموسة : فعلى سبيل المثال كان الفلاح المشارك (مستاجر بالمزارعة) فى فرنسا يؤدى السخرة الملكية وعشور الكنيسة ، وكانت الارض المشاع تديرها القرية باعتبارها كلا ، والضرائب المباشرة تفرض على القرية باعتبارها وحدة . كذلك عرفت فرنسا نظام الالتزام والضرائب فى صورة شراء حق جمع العشور وضريبة التاى الملكية، وتكونت من القائمين بهذه الأعمال فئة مغلقة Caste من الملتزمين
[72] .
كذلك ُوجدت أشكال الإقطاع الأوربى فى النمط "الآسيوى" فقد عرفت مصر هذا الشكل فى فترات مختلفة خاصة فترات الدولة المركزية ، كما ان القنانة المصرية لم تكن معممة تماما ، إذ كان للفلاح حقوق وواجبات خاصة تجاه الملك والمالك بخلاف المشترك القروى .
[73]وهذا التداخل والتزامن بين شكلى القنانة فى المجتمعات الاوربية والشرقية يسند الرأى الذى ذكرناه .ويبدو ان دور الدولة المركزية هو الفارق الحاسم بين الإقطاع الأوربى والإقطاع الآسيوى ، وهو ما أنتج فروقا فى أشكال القنانة، فغلبت فى الشرق القنانة المعممة وغلبت فى الغرب القنانة الفردية . لهذا نميل إلى الأخذ بتسمية الإقطاع الشرقى ، مثلما ذهب ابراهيم عامر[74] .
3. نمط الإنتاج الخراجى
يقوم النمط الخراجى كما وصفه سمير أمين
[75] ، على ربط بقاء الجماعة بجهاز اجتماعى سياسى لاستغلال هذه الجماعة بواسطة اقتطاع خراج .. وهو يتميز بانقسام المجتمع إلى طبقتين : الطبقة الفلاحية المنظمة فى جماعات (مشتركات) والطبقة القائدة التى تحتكر وظائف التمييز السياسى للمجتمع وتفرض على الجماعات الزراعية خراجا غير سلعى .
وهو يقسم هذا النمط إلى نوعين من الأشكال : الشكل البكورى ، ويقصد به "نمط الإنتاج الآسيوى" والشكل المتطور : الإقطاع . وهو تقسيم يتشابه شكليا مع تقسيمه للرأسمالية إلى نامية ومتخلفة (محيطية) ، علما بأن الشكل المحيطى فى نمط الإنتاج الخراجى عنده هو الإقطاع ، بينما "الآسيوى" هو الشكل المركزى . ويظهر الإقطاع عنده كحالة حدية حيث تكون الجماعة فى وضع متدهور بسبب فقدانها للملكية المباشرة للارض . والفكرة بوجه عام متماسكة وتتفق مع التاريخ، فكما رصد سمير أمين ، ينزع النمط الخراجى المتطور إلى ان يصبح إقطاعيا تقليديا .
4. نمط الإنتاج الرأسمالى
استعرض موريس دوب
[76] ثلاثة تحديدات لمفهوم الرأسمالية:
1. أكثرها شيوعا تحديد ورنر سومبارت، فهو يلتمس ملامح الرأسمالية فى "الروح" التى ألهمتها حياة العصر كله ، والتى ألفت بين روح المشروع والمغامرة وبين "الروح البرجوازية"، وأن هذه الأخيرة هى التى خلقت المؤسسة الاقتصادية الملائمة لها.
2- التحديد الثانى يعرف الرأسمالية بأنها الإنتاج السلعى مقابل الإنتاج الطبيعى ، وهو تحديد ينحدر أصلا من المدرسة التاريخية الألمانية (بوخر مثلا) .
3- تحديد ماركس : الذى يرى ان الإنتاج الرأسمالى هو إنتاج فائض القيمة . وُيعد كتاب رأس المال وبقية أعمال ماركس الاقتصادية دراسة فى عملية إنتاج فائض القيمة ، فالأمر لا يقف عند حد وضع تعريف ، إذ قام ماركس فى أعماله بدراسة تكوين الرأسمالية منطقيا وتاريخيا .
ونحن نرى ان تحديد ماركس هو الذى يمسك بالمفهوم تماما ، ففائض القيمة هو شكل الفائض الاجتماعى فى ظل الرأسمالية .
ونضيف إلى الأفكار أو التحديدات الثلاثة طريقة جد شائعة عندنا ، خصوصا بين الماركسيين ، وهى تحديد الرأسمالية بعدد من السمات، فى الغالب تأثرا بلينين.
[77]
وقد اسُتخدم تعبير نمط الإنتاج الرأسمالى عندنا بمعان مختلفة (وخصوصا عند تناول المسألة الزراعية) فيرى ابراهيم عامر ان "جوهر الأسلوب الرأسمالى فى الإنتاج هو العمل الأجير"
[78] .. وهو هنا يلتزم بتحديد مفهوم واحدى .. غير أنه لم يتلزم به على مدى بحثه ، إذ اعتبر ان ظاهرة الفلاح الصغير "لا تنفى انه من العمال الزراعيين المعدمين"[79] ، ثم راح يحدد الرأسمالية بعد ذلك بعوامل خمسة [80] . أما فتحى عبد الفتاح، فقد لجأ إلى الطريقة العاملية مباشرة : فالزراعة الراسمالية فى رأيه تقوم على الملكية الرأسمالية والعمل المأجور والإدارة القائمة على أسس حديثة وزراعة المحاصيل النقدية ... الخ . [81]
ومن الأفكار واسعة الانتشار كذلك الربط بين الملكية الفردية للارض وبين انتشار الرأسمالية [82].
أما صالح محمد صالح
[83]، فقد حدد الرأسمالية بعدة عوامل : تطور وسائل الإنتاج، الإنتاج السلعى ، العمل المأجور، تكوين السوق القومى . إلا أنه وقع تحت تأثير نزعة تقنية ، فأعطى مسألة تطور وسائل الإنتاج الاهتمام الاكبر ، وميز بين هذا التطور كمحدد لعلاقات الإنتاج ونمط الإنتاج وبين نمط الإنتاج نفسه ، فقرر مثلا "ان الرأسمالية ليست فى الواقع شيئا آخر سوى الإنتاج الآلى الحديث فى ظل المجتمع الطبقى ، بكل ما يعنيه ذلك من استغلال واستبعاد العمل المأجور ..." (ص 67)، "إحلال الإنتاج الآلى الحديث محل التكنيك البدائى القديم دليل حاسم على النمو الرأسمالى ، فى الزراعة كما فى الصناعة" (ص 68) . وقد عثرنا على عمل بدون اسم مؤلف [84]التزم فيه صاحبه بتحديد "استخدام العمل المأجور" كمفهوم لنمط الإنتاج الرأسمالى دون ان يتورط فى التحليل العاملى إلا نادرا .
غير ان التحديد الكامن الأصيل الأكثر شيوعا لدى معظم الباحثين عندنا للرأسمالية هو أنها تساوى الإنتاج السلعى والتجارة ، أى التعامل بالنقد . ويتضح هذا فى أعمال ابراهيم عامر ، وأحيانا صادق سعد ، ومحمد دويدار (الذى تصور النظام فى مصر الناصرية رأسماليا ، حيث سيطر" رأس المال التجارى" فى المدينة و " رأس المال الزراعى" فى الريف
[85]) ويقصد بالأخير ، كما يظهر من مجمل تحليله سيطرة الزراعة التجارية . وفى هذا التحديد يقع أيضا سمير أمين رغم جهوده النظرية الكبيرة وأطروحاته العميقة.[86]
نعود إلى مفهوم نمط الإنتاج الرأسمالى : يعنى إنتاج فائض القيمة استخدام العمل المأجور .. وهذا الأخير هو دوما عمل حر ، فالعامل يختار "سيده" بإرادته ولا ُيجبر على العمل لدى شخص معين، وهو "حر" أيضا من وسائل الإنتاج، فلا يملك أو يحوزسوى قوة عمله ، ومن ثم فهو مضطر للعمل مقابل أجر محدد . وهنا يدفع الرأسمالى للعامل كمية ثابتة من القيمة التبادلية مقابل استخدام قوة عمله – على عكس الإقطاعى، الذى يدفع له القن الريع. وهذا الاختلاف الشكلى – "والشكلى" لا تساوى تافه كما جرى العرف – لاستغلال قوة العمل بين الإقطاع والرأسمالية ، له مغزى عميق وتأثير ملموس على آليات عمل النظام ككل : فسعر قوة العمل يتحدد فى السوق ، وإذا أصبحت قوة العمل فى مجموعها فى السوق ، يكون من الضرورى ان ُيطرح الإنتاج الرأسمالى فى مجموعه فى السوق، واتساع السوق على هذا النحو يخلق قانون القيمة، وآليات معينة لتسوية معدل الربح وتحديد الأسعار .. الخ إلا أن اتساع السوق فى حد ذاته لا يدل على اتساع الرسملة بنفس القدر ، لأنه من الممكن ان يتسع السوق لأسباب أخرى غير نمو قوة العمل الحر ، مثلما هو الحال فى نمط الإنتاج السلعى الصغير ، أو نمو التجارة البعيدة . وكثيرا ما شهد العالم هذه الظاهرة (اتساع النشاط التجارى دون رسملة) ، كما هو الحال فى مصر الفاطمية مثلا . كذلك يمكن ان يعبر نمو السوق عن نمو التجارة الخارجية فحسب أو نمو التحويلات الخارجية ... الخ . ان التنقيد لا يساوى الرسملة ، ويمكن تصور وجود مجتمع خدمى (مثل لبنان – سابقا)، حيث توجد أنشطة سياحية وخدمية واسعة، وبالتالى تنقيد واسع للاقتصاد وأنشطة مالية ملموسة ، دون ان يتحول الفلاحون الصغار إلى عمال مأجورين ينتجون فائض القيمة . فالمقياس الأهم على الإطلاق هو نمو العمل المأجور فى الإنتاج .
ولا نعد القطاعات الخدمية رأسمالية إلا بقدر ما تكون تابعة لرأس المال الصناعى (بالمعنى "الماركسى" للكلمة) . وعلى هذا الأساس يجب ألا نتسرع فى "اكتشاف" الرأسمالية فى كل حالة إنتاج سلعى . وحتى التجارة فى المجتمع الإقطاعى ليست نشاطا رأسماليا ، فرأس المال التجارى فى حد ذاته هو رأسمال بمعنى انه قيمة متزايدة بذاتها ، وهذا هو معناه من وجهة نظر الرأسمالى والمرابى على حد سواء ، إلا أنه لا يعبر فى ذاته عن وجود نمط الإنتاج الرأسمالى ، فالإنتاج بالعمل الحر هو فقط الذى حول رأس المال التجارى قبل الرأسمالى إلى رأسمال رأسمالى . أما قبل ذلك فكان التاجر مجرد ملحق بالإقطاع وعنصر مكمل للإقطاعى . . ولذلك تختلف التجارة فى ظل الرأسمالية عنها فى ظل الإقطاع . فرأس المال التجارى الرأسمالى هو مجرد جزء متحور من رأس المال الصناعى- المنتج . وهكذا ف" فى المراحل قبل الرأسمالية هيمنت التجارة على الصناعة ، أما فى المجتمع الحديث (الرأسمالى) فإن العكس هو الصحيح" .
[87]وهذا التحول الأخير كان معبرا عن الانتصار النهائى للرأسمالية فى أوربا .
إذن يُعد مدى انتشار العمل المأجور فى الإنتاج هو المقياس الأخير لانتشار نمط الإنتاج الرأسمالى ، كما تعد هيمنة الإنتاج الرأسمالى على السوق (على التجارة) المقياس الأخير لسيادة هذا النمط .. وتظهر هذه الهيمنة فى دور الإنتاج الرأسمالى فى توجيه آليات السوق ككل : تحديد معدل الربح ، تحديد الأسعار، وبالتالى توجيه عملية الاستثمار وتوزيع العمالة والتحليل (الفك) المستمر لأنماط الإنتاج الأخرى . كذلك تجدر الإشارة إلى ان وجود التعاقد لا يعنى وجود الرأسمالية، فقد وجدت التعاقدات فى ظل القنانة أيضا ، كما يمكن ان يجرى التعاقد ين التجار والممولين فى المجتمع قبل الرأسمالى .
وأخيرا .. نشير إلى ضرورة التمييز بين النقود ورأس المال، فالأخير هو مال مستثمر فى إنتاج فائض القيمة ، أى أنه يعبر عن علاقة اجتماعية معينة . ولكى تصبح النقود رأسمالا يتطلب الأمر استثمارها بحيث تدر فائض قيمة من العمل المأجور .. فضخامة تحويلات العاملين بالخارج مثلا لا تدل فى حد ذاتها على نمو رأسمالى ، ولا تصب فيه إلا من خلال نمو العمل المأجور ، وبالتالى نمو إنتاج فائض القيمة .
5. نمط الإنتاج الصغير
هنا يمارس الفرد العمل فى قطعة أرض صغيرة أو فى ورشة صغيرة سواء كانت ملكه أو ملك آخرين ، ولكن دون سخرة . وهو فى أنضج حالاته يكون عائليا ، أى يتم إنتاج الفائض بواسطة العائلة ، بغض النظر عن تركيبها وطبيعتها (ثنائية – أحادية ... الخ).
أما الإنتاج السلعى الصغير فهو الشكل المنحل لنمط الإنتاج الصغير ، حيث يدخل الإنتاج بأكمله أو فى معظمه إلى السوق ويخضع لقوانينه ، وعادة ما يتم فى هذه الحالة تحويل جزء من الفائض عن طريق السوق إلى طبقات أخرى .
ويتخذ نمط الإنتاج الصغير عموما أشكالا شتى ، يمكن تناولها فيما يلى :
1. العمل الحرفى .
2. استئجار قطعة الارض الصغيرة : شرط ألا تكون هناك علاقة قنانة ، فيتم الاتفاق الحر بين المالك والفلاح على إيجار محدد، سواء كانت عينيا ام نقديا. وهذه العلاقة تتضمن حصول المالك على جزء من عمل الفلاح ، بالاتفاق لا قسرا . غير ان هذا لا يشبه العمل الحر ، فالفلاح يدفع إيجارا للارض ولا يبيع قوة عمله ، تماما مثلما يمكن ان يدفع الحرفى إيجارا عن دكانه . لذلك لا يمكن وصف العلاقة بين المالك والمستأجر بأنها رأسمالية ، لأن الفائض لم يتخذ شكل فائض قيمة . كذلك لا توصف العلاقة بأنها إقطاعية طالما ان الفائض لم ينتزع بالسخرة . فنمط الإنتاج يكون نمط إنتاج صغير أو عائلى ، أما المالك فهو مجرد مالك أرض ، فملاك الارض يشكلون طبقة خاصة بصفتهم ملاك أرض، حتى فى ظل الرأسمالية
[88] ، فهم مجرد ملاك أرض فى مواجهة كل من الرأسمالى والمستأجر الصغير ، بينما يشكلون فى المجتمع الإقطاعى طبقة من إقطاعيين فى مواجهة الأقنان .

2- الإيجار بالمزارعة ، يتم الإيجار لمدة زرعة واحدة ، إلا أن مالك الارض يساهم مع الفلاح فى تكلفة الزراعة ، ويتم اقتسام المحصول بينهما بنسبة ُيتفق عليها . وفى هذه الحالة يضاف لمالك الارض صفة أخرى هى انه ُمقرض المال
[89] (ما يشبه الرأسمالى المصرفى) ، ولكنه لم يصبح أبدا رأسماليا بالمعنى المفهوم .

3- خدمة العمل : يمنح مالك الارض قطعة صغيرة لمدة محددة للمزارع كأجر مقابل قيامه بالعمل فى أرض المالك ، ويبدو هنا ان الفلاح قد تحول إلى عامل مأجور ..
والحال غير ذلك تماما ، فالفلاح يمارس فى الارض التى حصل عليها "كأجر" نمط الإنتاج الصغير، أى انه لا يزال فلاحا . كذلك فإن هذا الأجر ليس أجرا بحق ، فالفلاح لا يأخذ حق التصرف فى الارض ، وإنما حق الاستعمال فقط لمدة محدودة .. فيكون هذا "الأجر" شكليا جدا لانه ليس كمية من القيمة وإنما مجرد حق استعمال قد يؤتى ثماره وقد لا يؤتى !. وبذلك يظل الفلاح نصف قن ويظل المالك شبه إقطاعى، فالفائض ينتج وينتزع بطريقة تتضمن القنانة جزئيا (سخرة لمدة محددة) وتتضمن العمل الحر جزئيا (العمل باتفاق مقابل استعمال قطعة من الارض) ، ولكن حرية الفلاح الجزئية تظل حرية الفلاح الصغير لا العامل، لأنه بحصوله على أجره الشكلى يعمل بنمط إنتاج صغير ولا يستطيع ان يرفع "أجره" فى السوق إلا من خلال هذا العمل بالذات .
وجدير بالذكر ان نمط الإنتاج الصغير فى كل هذه الأحوال قابل بسهولة للتحول فعليا إلى ما يشبه القنانة ، عن طريق الربا أو التسليف . فالمزارع الصغير فى أى من هذه الأشكال يرتبط بالارض بسبب تراكم الديون عليه، وهى ديون قد يطالب بها المالك من الناحية الفعلية، وإنما يستخدمها فى إبقاء المزارع فى الارض وفقا للتعاقد "الحر" ، وفى تحديد الشروط الفعلية لهذا التعاقد . هكذا مثلا كان حال مصر فى عهد محمد على وخلفائه، الذين ربطوا شعبا بأكمله بارض الدولة عن طريق المتأخرات المتعاظمة عاما بعد عام، والتى كان الفلاح ُيعفى من جزء منها من حين إلى آخر .
6. الفلاحون الأحرار : وهنا يزرع المالك الصغير ارضه بنفسه وبأفراد عائلته، ويسمى النمط فى هذه الحالة بنمط الإنتاج العائلى.
7. نمط الإنتاج الكونيالى
قدم مهدى عامل هذه الفكرة فى كتاب مشهور
[90] ، وهو يصف هذا النمط بأنه بنية اجتماعية رأسمالية تتمحور حول تبعيتها البنيوية للامبريالية، أو لنمط الإنتاج الرأسمالى فى البلدان "الامبريالية" ويسمى مهدى عامل النمط الكولونيالى ، بنية فى حالة تفكك بنيوى بسسب سيطرة الرأسمالية عليه (ص 265). وهو يؤكد على اختلاف أو تمايز الكولونيالية كبنية عن الرأسمالية فى البلدان "الامبريالية" ، مؤكدا أنها لا يمكن ان تجد مستقبلها فى "اكتمالها" إلى بنية رأسمالية مشابهة لبنية البلدان الغربية ، وأن الفارق بين التطور الكولونيالى والتطور الرأسمالى ليس فارقا كميا، وإنما شكلين تاريخيين متمايزين من البنية الاجتماعية الرأسمالية (ص 266، ص342). وفى النهاية لم يقدم لنا مهدى عامل شكلا متميزا لإنتاج الفائض فى ما يسميه بنمط الإنتاج الكولونيالى .
ويصر مهدى عامل على وصف النمط الكولونيالى بالرأسمالية ، استنادا إلى عامل أساسى، وهو اندماج البلدان المتخلفة فى السوق العالمى ، وبالتالى اتجاه إنتاجها أو معظمه إلى السوق، وهو بذلك يتفق موضوعيا على الأقل مع الرأى القائل بتحديد الرأسمالية بأنها الإنتاج السلعى .. فهو ينفى أهمية علاقات الإنتاج الفعلية فى تحديد نمط الإنتاج ، ويصر على ان مآل المنتج هو الأهم . ولما كان السوق العالمى لديه رأسماليا، تكون البلدان المتخلفة رأسمالية . وهذا يفسر إهماله التام لطبيعة قوة العمل المنتجة نفسها ولعلاقات الإنتاج.
والذى يمكن استخلاصه من مهدى عامل هو ان نمط الإنتاج الكولونيالى هو حالة من حالات النمط الرأسمالى ، أو الرأسمالية التابعة .. ولكن هذا التحديد لا يقدم لنا أبدا نمطا خاصا فى الإنتاج وكان من الأجدى لمهدى عامل ان يتحدث عن بنية كولونيالية خاصة بدلا من نمط إنتاج كولونيالى.

***************************
تقودنا فكرة تحولات أنماط الإنتاج إلى مقولة جديدة ؛ تمفصل أنماط الإنتاج القديمة والجديدة (منطقيا – تاريخيا) .
- فمن الممكن نظريا وعمليا ان توجد قوى إنتاج فى حالة تفاوت فى درجة تطورها ، بل يبدو ان هذه هى طبيعة الأمور من الناحية الواقعية .. وهذا يعنى بدوره إمكانية وجود أكثر من نمط إنتاج فى المجتمع نفسه فى وقت واحد .
وبفضل الميل الحتمى لتطور قوى الإنتاج يميل نمط الإنتاج الأعلى تاريخيا إلى إزاحة نمط الإنتاج الأقدم والحلول محله ..وهذا يعنى عجز النمط الأقدم عن إعادة إنتاج نفسه ، إذ يتم الجمع بين إعادة الإنتاج والاضمحلال، وهذا هو ما يحدث – فعلا – وسوف نعود إلى هذه النقطة – وتكون إعادة إنتاج مضيقة تاريخيا . فيعاد إنتاج النمط من خلال الآخر ولصالحه وتسمى الفترة التى يحدث فيها انتشار نمط الإنتاج على حساب الآخر بالفترة الانتقالية .
- وُيعد نمط الإنتاج الرأسمالى النمط الأكثر ثورية فى أنماط الإنتاج التى عرفتها البشرية حتى الآن ، فتطور قوى الإنتاج يتم فى خطوات واسعة وسريعة ، ولهذا يميل إلى السيادة بسرعة على أنماط الإنتاج السابقة عليه .
- وخلال عملية إحلال نمط الإنتاج محل آخر ، تمر فترة يكون فيها النمط الجديد ناشئا والقديم سائدا، وفى فترة تالية يصبح الجديد سائدا والقديم متنحيا .. وهذا يقودنا إلى مسائل أخرى :
من طبيعة نمط الإنتاج السائد ان يعيد إنتاج نفسه ، ومعنى هذا ان سيادة نمط على آخر تنزع عن النمط المسود مفهومه .. ذلك ان نمط الإنتاج هو نمط إعادة الإنتاج . فكيف إذن يمكن الحديث عن نمط (إعادة) إنتاج لا يعيد إنتاج نفسه ؟ ولا يكفى اعتبار السيادة الكمية فحسب (نسبة المشاركة فى إنتاج الفائض) ، فهذه قد تتغير نتيجة عوامل عرضية (كارثة طبيعية مثلا) ، فالسيادة هى حالة كيفية، أى سيادة النمط كنمط، وبالتالى لابد وان يصيب النمط السائد، بفعل سيادته، جوهر مفهوم النمط الآخر ، فيصبح أمامنا نمط إنتاج فى غير هوية مع مفهومه ، أى نمط إنتاج متحللDisintegrated
[91].
وكما يؤثر نمط الإنتاج السائد على نمط الإنتاج المتحلل، يتأثر به هو أيضا، ولكن فى حدود أقل كثيرا، وهذا ما يعبر عن سيادته: فهو يعيد إنتاج نفسه بآلياته الأصلية متخذا الصورة المفهومية لنمط الإنتاج ، مع وجودا استثناءات هامشية لا تؤثر فى مساره ككل .
أما النمط الناشئ الجديد .. فهو لا يكون متحللا ولا سائدا ، وإنما يعيد إنتاج نفسه مستعينا بالنمط القديم – أى انه لا يكون مكتملا بذاته كنمط إنتاج – ولكن على حسابه ، لأنه يكون الأكثر تطورا فى المجتمع . ومن الأمثلة الناضجة لهذه الظاهرة تكون الرأسمالية فى أوربا : ففى الفترة الأولى من النمو الرأسمالى كان رأس المال التجارى يسيطر على رأس المال الصناعى، ذلك ان الرأسمالية لم تكون سائدة ، ولذلك لم تكن رأسمالية تماما، ولم ينتصر رأس المال ويسود على الإقطاع إلا بأن انقلب على نفسه، فسيطر رأس المال الصناعى على رأس المال التجارى ، الذى تحول ، من ثم ، إلى مجرد صورة متحورة من رأس المال الصناعى، وبذلك فقط أصبح النمط الرأسمالى متسقا مع مفهومه
[92] .
ويتلخص الاستنتاج الرئيسى لهذه النقطة فى ان نمط الإنتاج لا يكون فى هوية مفهومه إلا وهو سائد، أما فى غير هذه الحالة فانه لا يكون خالصا .
6. وهناك شكل آخر لتمفصل أنماط الإنتاج حيث يتم هذا بين نمط إنتاج فى بلد، ونمط إنتاج آخر فى بلد ، وهنا تسير الأمور فى أحد اتجاهين :
أولهما : قيام علاقة خارجية بين النمطين ، أى دون تأثير هيكلى ملموس، مثال هذا العلاقة بين النمط العبودى فى روما وإقطاع بلدان الشرق قديما .
وثانيهما: قيام علاقة هيكلية (عضوية) بين النمطين : فإما ان ينتج نمط إنتاج جديد تماما (وهذا ما حدث بعد الغزو الجرمانى لروما) ،وأما ان يسود نمط إنتاج الطرف الأقوى
[93] ،و إما ان ينتج تمفصلا ، فى صورة هيمنة هيكلية من النمط الأحدث على النمط الأقدم ، فيحلله دون ان يحل محله بالكامل ، وهذا هو الوضع فى حالة البلدان المتخلفة .. فالسيطرة أو السيادة من الخارج تحول نمط الإنتاج القديم جزئيا إلى الرأسمالية دون ان يكتمل هذا التحول . إلا أن نمط الإنتاج القديم لا يستمر كما كان من قبل، ولكن يأخذ فى التحلل باستمرار وتنشأ وضعية شبه رأسمالية – شبه قبل رأسمالية ، توصف فى معظم الأدبيات الاقتصادية بالرأسمالية المتخلفة، وهى فى الحقيقة حالة استثنائية لمجتمع يغيب فيه نمط إنتاج سائد (وتنطبق هذه الوضعية على مصر).
مقدمة تعقيبية
شريف يونس
بعد لأى ، استقر الأمر بيننا – نحن كاتبا هذا المقال – على ان أكتب مقدمة مستقلة للعمل ذاته : مفهوم نمط الإنتاج، أشرح فيها جوانب الاختلاف فى فهم المنهج . وسيجد القارئ ان مقدمة عادل أكثر اتساقا مع أسلوب المقال وطريقة العرض فيه ، فقد ُكتبت فى نفس وقت كتابه المقال وبنفس الروح . اما هذه "المقدمة" فلا تهدف إلا إلى تلمس المشكلات المنهجية لمقالنا هذا بهدف إشراك القارئ المهتم معنا فى معالجة مشاكل المنهج الجدلى فى صيغته الماركسية، وفى الحوار الدائر بيننا بصدده ، خصوصا واننا لا نتوقع ان يصل بحثنا لهذه المشاكل إلى نتائج حاسمة فى وقت محدد .
لقد كانت قناعتنا وقت كتابة هذا المقال ان المنهج الجدلى كما عرضه هيجل فى "علم المنطق" "وموسوعة العلوم الفلسفية" هو ذاته منهج ماركس ، ولا يكمن الخلاف بينهما إلا فى المجال الذى يطبق فيه هذا المنهج : أى ان كتاب "رأس المال" يعرض تكون مفهوم رأس المال ، تماما كما يعرض منطق هيجل مفهوم الوجود وصولا إلى حقيقته : الفكرة المطلقة . وترافق مع هذه القناعة وعى بأن فصل منهج هيجل عن مضمونه يكاد ان يكون مستحيلا ، بل ان تصور منهجه كنهج صورى ينطبق على مواضيع مختلفة، تصور يتعارض جذريا مع عرض هيجل لمنهجه وحين كتب مقالنا هذا لم نكن قد استطعنا بعد تحديد المشكلات الجوهرية فى مثل هذا التعارض .
لا شك ان لب المشكلة المنهجية للعلوم الإنسانية عموما هو مشكلة البنية أو التركيب ، أى منهج فهم الظاهرة الإنسانية من حيث هى كل مترابط يتحرك فى الزمان، أما المشكلات المنهجية الأخرى، مثل مناهج غربلة الوقائع وتصنيفها التى تدرس عادة تحت عنوان مناهج البحث فتالية فى الأهمية ، كما أنها تتأثر بموقف الباحث من مشكلة البنية الاجتماعية ومنهج تركيبها .
والمنهج التركيبى للماركسية هو – عن وعى – المنهج الجدلى الذى نحن بصدده الآن. يقوم مذهب هيجل على ان الحقيقة تركب نفسها بنفسها وتمر بمراحل ثلاث منطقية، هى المباشرة والتوسط والمباشرة فى التوسط ، تناظر دوائر ثلاث فى منطقة هى دائرة الوجود ودائرة الماهية ودائرة المفهوم Notion ويتضمن المفهوم كلا من الوجود والماهية فى وحدتهما واختلافهما، على ان تعنى الوحدة هنا التحديد المتبادل . فمثلا تشكل الغاية المتحققة مفهوما يتكون من الغاية "الأصلية" والوسيلة . فالغاية هنا مبدأ مجرد والوسيلة توسط مجرد ، أما الغاية المتحققة فهى هذا التفاعل بين الغاية والوسيلة وناتجه ، ومن ثم فهى حقيقتهما . ولما كانت الغاية تعود إلى الذات ، والوسيلة إلى الموضوع فإن وحدتهما ، أى حقيقتهما ، وهى وحدة مطلقة بين الذات والموضوع . وفى مثل هذه الوحدة المطلقة بين الذات والموضوع لابد وان تقام وحدة مطلقة بين الوجود والفكر .
ولا تقتصر وحدة الفكر والوجود على هذا المثال ، بل هى تمتد لتشمل كل ما فى الوجود ، بمعنى انها تفترض ان الفكر يغطى كل مساحة الوجود وعمقه . وهنا تبدو لنا النتيجة الغريبة : ذلك أنه إذا كان المقصود بالفكر الفكر البشرى (وبالذات الذات الإنسانية) استحالت هذه الوحدة المطلقة مع الوجود (مع الموضوع) ، كما يعرف الجميع حتى رجل الشارع. والواقع ان هيجل يقصد هنا الفكر المطلق الأزلى، اللامتناهى الذى يضم بداخله المتناهى . ماذا يترتب على هذه الصيغة فى صورتها المطلقة؟ لا أقل من إلغاء الزمن والتطور ، فالفكر المتحد اتحادا مطلقا بالوجود، والذات المتحدة اتحادا مطلقا بالموضوع، قد تحققا بالفعل فى هذا الاتحاد، أما الفكر العرضى؛ فكر الفرد، (الذى يقف هنا بطريقة غريبة خارج هذه الوحدة المطلقة) ، فليست أمامه من مهمة سوى استيعاب هذه الوحدة المتحققة بالفعل. ليست هناك مشكلة معرفة فى مذهب هيجل إذا شئنا الدقة ، فالفكر قد تحقق بالفعل واتحد مع الوجود، وليست المعرفة هنا عملية متطورة متراكمة Process وإنما هى بنية كامنة فى صميم الواقع فى امتداده عبر الزمن والمكان، استوعبتها تماما فلسفة هيجل الخاصة .
دعونا الآن نترك هذه القمم الساحقة وننظر بعين العطف والتفهم إلى الإنسان ،هذا الكائن المتواضع الذى فشل فى استنباط الطبيعة من فكره المحدود ! وا اسفاه، لم يكن فشله هذا عرضيا بالمرة ، بل كان ضروريا ، فهو ككائن طبيعى – جزئى مندرج فى الطبيعة بكل عمق ممكن لمعنى الاندراج ، يستمد منها وجوده ذاته ، إجمالا وتفصيلا ، صحيح انه برهن على استقلاله النسبى فى عمله القصدى لتغيير الطبيعة بالشكل الملائم له ، مستندا إلى تمتعه بشمول الفكر وإدراكه للمطلق
[94] ولكن فكره (وعمله) مهما عرض من خواص الشمول ، إنما ينطلق من موقفه كموجود جزئى . ومن هنا كانت معرفته تتخذ شكل معرفة تراكمية (تاريخية) ، فهى ليست نسقا معطى سلفا، وليست اللامتناهى الذى يضم بداخله المتناهى وهذا هو مغزى الفكرة المادية الشهيرة (والماركسية مادية) :الوجود سابق على الوعى .
أما المعرفة البشرية (وهى شكل من أشكال العمل) فإنها تتأسس على وجود معطى سلفا، سواء بالنسبة للبشر عموما أو لكل فرد على حدة فالمعرفة تبدأ دوما من معطى مدرك بالحواس ، تحيله المعرفة من بعد إلى كلى – فكرة . ومع ذلك فهذا التحويل محصور دائما رغم طابعه الكلى فى جانب معين ، بمعنى انه لا يتغلب أبدا على استقلال المعطى ، ولا يدمجه تماما فى الفكر ، وذلك من ناحيتين:
- فأولا : لا يدرك البشر الوجود فى كليته وإطلاقه إلا كمقولة (الطبيعة – الكون ..) ولا يستوعبونه إطلاقا فى توصيف عينى من حيث حدوده وأوضاعه وإمكاناته . وهذا ما أشارت إليه نقائض العقل الشهيرة عند كانط .
- ثانيا : لا يدرك البشر بالنسبة لكل موجود جزئى على حدة إلا جوانب من خواصه أو "حقيقته" فإذا راجعنا تصورات الناس عن أبسط الأشياء ، كالحجر مثلا ، بدءا من الإنسان البدائى الذى عرف فى الحجر صلابته إلى عالم الجيولويجا المعاصرة لنا ، لوجدنا ان كلا منهم قد عرف شيئا حقيقيا عن الحجر ، ومع ذلك فما زال الحجر معطى يتحدى الفكر ، بمعنى انه قابل للمزيد من المعرفة .
غير ان استقلال المعطى لا يفسر ذاته عملية المعرفة ، فإذا اقتصرنا عليه وقعنا فى مادية فجة عاجزة عن تفسير النشاط البشرى إذ تنظر إلى الإنسان كتلق سلبى فحسب ، ومن هنا أهمية الميتافيزيقا عموما ، ومفهوم هيجل خصوصا . فالمعرفة البشرية تتضمن توسطا يحيل الجزئى إلى مفهومه ... ذلك ان المعرفة هى معرفة بالكلى رغم استنادها إلى الجزئى : فاللغة نفسها كما أوضح هيجل (وافلاطون من قبل) عبارة عن تصورات كلية ، بل ان الكلية ليست خاصية للغة فحسب ، وإنما لمعنى الوجود البشرى الفاعل بأكمله ، فالبشر يفرضون الكلية والنظام على الطبيعة – بوسائلها طبعا- ويكافحون كى تبقى منتجاتهم فى الحالة التى يريدونها عليها ، وفصلها عن التأثيرات الجبارة للطبيعة .. يكافحون كى لا تحول الألوان أو تصدأ الآلة أو يهترئ القماش . بل ان اللغة تقوم بتثبيت وحفظ مكونات العالم فى صيغ كلية
[95] كما تثبت قوانين الحركة ذاتها فى صيغة رياضية (نيوتن – أينشتاين) . والأكثر أهمية من ذلك هو ان هذا الكلى (أو القانون أو المعرفة) لابد وأن يكون كامنا فى قلب العالم ذاته . صحيح ان قوانين الفلك ليست مكتوبة فى السماء ، ولكنها مطوعة فى حركة الأفلاك ذاتها ومعنى ذلك ان الفكر البشرى (والعمل البشرى عموما) يتضمن بالضرورة مبدأ وحدة الفكر والوجود بقدر ما يكون الفكر البشرى مناظرا لظاهرة موضوعية .
فإذا كانت المعرفة موضوعية ، أى تنتمى إلى صميم العالم الطبيعى والاجتماعى، فإنها إلى هذا الحد تكون معرفة مطلقة وليست ظرفية أو تاريخية فحسب (رغم انها لا تحدث إلا فى الزمن) ، بمعنى انها تنسحب على مجمل وجود الشئ محل المعرفة مهما امتد فى الزمان أو المكان، فالذرة مثلا تتكون من نواة والكترونات تدور حولها ، وهذا هو حالها من قديم وجودها ، لا من لحظة معرفتنا بهذا الأمر والتبادل السلعى المتطور (الذى يقسم السلع والنقود) يستند إلى مبدأ وجود قيمة كامنة اجتماعية فى المنتجات المختلفة قابلة للقياس، وهى كمية العمل البشرى الضرورى اجتماعيا – سواء إدراك الناس ذلك أم لا .
أكثر من ذلك .. فمن الواضح ان العلم – مهما كان موضوعه جزئيا – لابد وان يفترض وجود قانون باطن فى موضوعه، أى أنه لابد من ان يفترض مبدأ وحدة الفكر والوجود فى المطلق ، كمقدمة ميتافيزيقية ضرورية لتوجيه العلم (والعمل) يستند إليها الوجود البشرى ذاته . وعلى سبيل المثال ، حين يواجه العالم الكيميائى ظاهرة جديدة تثير اضطرابا فى قوانين العلم ، فانه يفترض مسبقا بالضرورة ان هناك قانونا ما ، يمكن اكتشافه يستطيع تفسير هذه الظاهرة، حتى لو فشل هو فى اكتشافه. وسيكون القانون الجديد أزليا أيضا ، بمعنى تطابقه مع موضوعه فى كل اتساعه الزمنى والمكانى
فإذا لم نكن قد نسينا استقلال الوجود بوصفه معطى ، لا تضح لنا ان مبدأ وحدة الفكر والوجود لابد ان يفهم هنا كمجرد مبدأ ، أو كمبدأ مجرد لا يتجاوز مطلقا استقلال المعطى . ولابد ان ينعكس ذلك بالطبع على تصور مبدأ وحدة الفكر والوجود ذاته .. إذ ان هويتهما فى هذه الحالة تنطوى على تباين أعمق من الوحدة ذاتها . ومعنى ذلك ان المنهج الجدلى هو وجه واحد من وجهى المعرفة، ومن هذا التباين ينشأ التطور التاريخى (الذى هو ليس استنباطا للمقولات) وتظهر المعرفة كعملية تراكمية Process
[96]. فالمعرفة إذن نسبية ومطلقة فى الوقت ذاته .
ليس هذا حلا سعيد للمشكلة ، وإنما هو إبراز لها . فالمعرفة لابد ان ُتصاغ صياغات نظرية متماسكة، وفى الوقت نفسه تكون واعية إلى حد ما بنسبيتها، مدركة لاقامتها على رقعة محدودة من الوجود ولامتدادها إلى عمق محدد فيه . ولما كانت كل معرفة هى بالكلى ، ولما كنا لم نقم بإلغاء حقيقة الجزئى، فلابد من ان نتصور المنهج التركيبى (الجدلى) كمنهج تطبيقى أيضا، أى كمنهج صورى ، فالمنهج يحتفظ باستقلاله كوجه آخر لحقيقة احتفاظ المعطى باستقلاله ، بينما يتحد بالظاهرة المعطاه فى نظرية هذه الظاهرة .
المنهج إذن منهج واقعى بقدر ما يكون هو المنهج الباطن للظاهرة ، وهو لا يثبت واقعيته هذه إلا بقدر ما يستطيع ان يبرهن على احترامه للمعطى ، وقدرته على إدماجه فى تصور عام. ليس الاختلاف بين المنهج الجدلى وغيره من المناهج هو إلغاء المعطى، وإنما تحويله لما يصل إليه الفهم Understanding من تحديدات وعلاقات إلى منظومة منطقية تبرز كلية الظاهرة من حيث هى تحديدات متبادلة يكمل بعضها بعضا ويترتب بعضها على البعض الآخر . وكما كان الوجود أساسا للمعرفة (أعرض منها وأشمل وأقل تحديدا فى الفكر فى الوقت ذاته)، كذلك تقوم الوحدة الجدلية فى الجدل المادى بالضرورة بين طرفين غير متطابقين، أو بين أساس و "مؤسس عليه" بقدر ما تعرض الظاهرة نفسها مثل هذه الوحدة، أو هى وحدة متباينة بين شكل ومضمون كما أشار بليخانوف على لسان تشير نشيفسكى فى تحديد أساس المنهج الجدلى: " التغير الأبدى لشكل أوجده محتوى أو سعى معين ، كنتيجة لتركز هذا السعى والتطور الأرقى لذاك المحتوى ذاته"
[97].
لننظر إذن إلى الكيفية التى طبق بها ماركس المنهج الجدلى ، بعد ان تبينا ان قلب الجدل ليقف على قدميه ليس أمرا بديهيا أو واضحا بذاته. ويبدو لى ان ماركس قد أدرك بوضوح ان المادية تنطوى بالضرورة على مبدأ ان تباين الفكر والوجود أعمق من وحدتهما فى المنهج الجدلى ، وان كان قد اهتم أساسا- فى حدود علمى – بالنتائج المترتبة على هذا التباين المشار إليه .. ومن أهم عباراته فى هذا الصدد :
" لا شك ان منهج العرض يجب ان يختلف عن منهج البحث فى الشكل . فعلى الأخير ان يمتلك المادة فى تفصيلاتها، ويحلل أشكال تطورها المختلفة ويتتبع الترابطات الداخلية لهذه الأشكال . وفقط بعد انجاز هذا العمل يمكن وصف الحركة الواقعية Actual وصفا وافيا . فإذا ما أُنجز هذا الوصف بنجاح ، أى إذا انعكس الموضوع فى الذهن انعكاسا مثاليا كما فى صفحة مرآة ، حينئذ ربما يبدو كما لو كان لدينا مجرد بنيان قبلى Apriori "
[98].. ومن الواضح هنا اننا بصدد العناصر التالية :
- ان المادة موضوع البحث مستقلة ، متنوعة أصلا ، لابد من معرفتها فى تنوعها بالإجراءات البحثية العادية .
- تخضع المادة إلى تحليل (أى تجريد) يصل بنا إلى مقولات عامة هى الأشكال المختلفة لتطور الظاهرة .
- إدراك العلاقات المختلفة المتبادلة بين هذه الأشكال (المقولات) ، أى فهمها كأجزاء من كل واحد تشكله الظاهرة .
- يأتى بعد ذلك "منهج العرض" ، الذى يستهدف عرض هذا الكل . وهذا العرض هو وصف للحركة الواقعية . وهذا الوصف هو الانعكاس المثالى للموضوع فى الذهن . وفى نفس الوقت يبدو هذا العرض كبنيان قبلى .
فما يبدو أمامنا إذن كبنيان قبلى ليس محض خداع، وإنما هو ذاته الحركة الواقعية للظاهرة ، أى ان الظاهرة لابد وان تعكس نفسها فى الفكر على هيئة بنيان Structure ، لأن الحركة الواقعية ذاتها مركبة هذا التركيب .
- ان هذه المراحل المركبة توضح ان الحركة الواقعية ، كما تعرض وفقا لمنهج العرض تختلف عن الحركة الظاهرة Phenomenal المدركة بمحض المشاهدة أو جمع المادة . أى ان الموضوع له ظاهر وباطن . ويبدو ان ماركس يشير هنا إلى مسألة معروفة فى العلم، هى اختلاف حركة الأفلاك الحقيقة كما يركبها العلم عن الحركة الظاهرية المرصودة بالتليسكوب مثلا . فعن طريق تركيب مشاهدات عديدة تبدو للوهلة الأولى متعارضة مع بعضها البعض نصل إلى تصور الحركة الواقعية (مثلا تبدو الشمس وهى تشرق كل صباح كما لو كانت تدور حول الارض بينما العكس هو الصحيح)
[99].
لنتبع إذن بعض النتائج التى تترتب على "قلب الجدل الهيجلى" أو التصور المادى للمنهج الجدلى .
1- لا يجوز بالطبع الانطلاق من أفكار مجردة فى منهج العرض، وإنما من تصورات ومقولات عينية بسيطة ، تعد أساسا لما يليها من مقولات . وبالنسبة "لرأس المال" يشير ماركس إلى ذلك صراحة : "أنا (أى ماركس) بادئ ذى بدء لا انطلق من مفاهيم، يعنى إذن لا أنطلق أيضا من مفهوم القيمة وليس على بالتالى ان أقسمه بأية كيفية كانت . أما ما أنطلق منه فهو الشكل الاجتماعى الأبسط ، الذى يعرض ذاته فيه فى المجتمع الحالى منتوج العمل ، وهو البضاعة (...) إذن فأنا لا أقسم القيمة إلى قيمة استعمالية وقيمة تبادلية على انهما طرفان متعارضان ينشطر فيهما المجرد ، أى القيمة"
[100] . فالقيمة إذن لا تتمايز ذاتيا وتنتج السلعة وإنما السلعة تشكل وحدة بين قيمتين مستقلتين، (وسنفحص طابع هذه الوحدة فى النقطة التالية) ، وهى إذن نقطة الانطلاق الحقيقي بقدر ما هى أبسط مؤسسة واقعية فى المجتمع الرأسمالى .
2- ومع ذلك لم ير ماركس فى السلعة محض مادة للتبادل ، وإنما رأى فيها انشطارا أساسيا إلى قيمة استعمالية وقيمة (تبادلية) يتحدان فى السلعة . وهنا يبرز أمامنا منطق التعريف الأرسطى: وحدة النوع والفصل . فجانبا السلعة هنا لا يشتقان من بعضها البعض وإنما يعمل أحدهما كأساس للآخر (نوع للفصل) ، فتعريف السلعة هنا هو ببساطة : قيمة استعمالية تنتج بغرض التبادل (بغرض تحقيق قيمة تبادلية) . وبالمثل نجد ان عملية الإنتاج الرأسمالية هى عملية عمل Labour Process تجرى بغرض إنتاج القيمة الزائدة . ورأس المال النقدى Money Capital هو نقد يقوم بوظائف دوران رأس المال ، و"التركيب العضوى لرأس المال هو التركيب القيمى لرأس المال بقدر ما يتحدد بتركيبه التقنى ويعكس تغيراته"
[101] . وفى كل هذ الأحوال تجمع المقولة العينية بين طرفين لا يتطابقان فى المدى المفهومى أو الماصدقات ، تماما مثل النوع والفصل عند ارسطو ، وإنما يشكل أحدهما أساسا للآخر ، فماله قيمة تبادلية لابد وان تكون له قيمة استعمالية والعكس غير صحيح ، وهكذا بالنسبة لما ذكرناه من تعريفات .
وحين يأخذ ماركس على الاقتصاديين البرجوازيين عدم رؤيتهم للإنتاج الرأسمالى كنظام عابر للإنتاج ، لا يقصد ان يطالبهم بشجب الإنتاج الرأسمالى ، وإنما يشير فى اعتقادنا الى عجزهم عن رؤية هذا الازدواج بين خصوصية الإنتاج الرأسمالى وبين الإنتاج بصفة عامة كأداة للتحليل . وهذا بالضبط ما يحققه الشكل المزدوج للتعريف عند ماركس ، فهنا نجد منذ البداية وفى قلب التعريف ذاته عملية الإنتاج الرأسمالى كشكل اجتماعى لمضمون معين هو عملية العمل بصفة عامة . وعموما يرى ماركس فى علاقات الإنتاج شكلا اجتماعيا لقوى الإنتاج يتحدان فى نمط الإنتاج المعين ، ولأنها وحدة تباين ، نشطة وفعالة ، لابد وأن يؤدى نمو قوى الإنتاج إلى تجاوز حدود علاقات الإنتاج المعينة ودفعها إلى ازمة (تمس قوى الإنتاج بالطبع) تسمح بالقضاء على علاقات الإنتاج القائمة .
وفى إطار هذه الوحدة المتباينة ، يقوم النوع بدور الأساس للفصل ، أو المادة بالنسب للصورة أو المعطى . فالقيمة الاستعمالية تقوم بدور المادة فى مقولة السلعة وهكذا بالنسبة للأمثلة الأخرى ، وما يقوم بدور المادة يؤخذ فى عموميته ، أى بقدر ما يرتبط بالصورة وليس فى تميزاته العديدة فالقيمة الاستعمالية فى حد ذاتها يمكن تقسيمها بعشرات الطرق ، ولكنها لا تدخل من حيث انواعها فى مقولة السلعة وإنما تدخل فقط كأساس جوهرى للقيمة (التبادلية) .
3-فإذا انتقلنا إلى حركة المقولات من البسيط إلى المركب ، لوجدنا أيضا تأثير المعطى ، فليست هناك عند ماركس أية محاولة للادعاء بإمكان الاستنباط المحض لفكرة من فكرة أو من مقولة إلى أخرى . ليست هناك محاولة لاظهار الحركة فى صورة قياس ، وإنما تكمن القوة المحركة للمقولات فى افتقارها إلى تفسير الواقع (الظاهرة) . وعلى سبيل المثال ليس هناك عيب منطقى بحت فى تصور ان السلع تباع وفقا لقيمتها (وفقا لتحليل ماركس فى الجزئين الأول والثانى لرأس المال) ، ولكن عدم كفاية هذا التصور لتفسير الحركة الواقعية لرأس المال التى تفضى إلى قانون تساوى معدل الربح (بسبب المنافسة واختلاف التركيب العضوى لرأس المال فى قطاعات الإنتاج المختلفة) يؤدى عند ماركس إلى انشاء مقولة سعر الإنتاج (الكتاب الثالث ، الجزء الثانى) . كذلك فإن تصور إنتاج فائض القيمة المطلق (باطالة يوم العمل) لا يشير بذاته مهما بلغت "قوة" التفكير التأملى" إلى الطريق الآخر لزيادة إنتاج فائض القيمة، وهو تقصير وقت العمل الضرورى بزيادة الإنتاجية (إنتاج فائض القيمة النسبى) ، وإنما لابد هنا من تصور المنافسة بين المنتجين داخل القطاع الواحد لزيادة حجم منتجاتهم وباتالى السعى إلى تحقيق ميزة نسبية
[102].
وعلى ذلك يستمد التركيب الجدلى مشروعيته من قدرته التفسيرية للواقع ، أى من قدرته على استيعاب المقولات التى ينتجها الفهم من ملاحظة الظاهرة فى كل بنائى يغطى حركة الظاهرة الفعلية .
3- فإذا فحصنا "منهج العرض" فى "رأس المال" لوجدنا ان كل مقولة تحتوى على ماسبقها من مقولات فى جوفها ، تماما مثل "علم المنطق" لهيجل . ومع ذلك فماركس يشير صراحة إلى ان هذا المنهج الذى يتقدم من المجرد إلى العينى "وهو ببساطة الطريق الذى يتمثل به التفكير ما هو عينى ويعيد إنتاجه كمقولة عقلية عينية . ولكن هذا الطريق ليس بأى حال عملية تطور العالم العينى ذاته فمثلا تفترض أبسط مقولة اقتصادية مثل القيمة – التبادلية وجود السكان ، بل وسكان ينتجون وفقا لشروط محددة ، كما تفترض شكلا متميزا للعائلة أو المجتمع أو الدولة .. الخ . "فالقيمة التبادلية يستحيل ان توجد إلا كعلاقة مجردة وحيدة الجانب لكل عينى متواجد أصلا"
[103] ،" فالأبسط والأعقد إذن يتواجدان سويا فى الزمان ، والمقولة الأعقد تشكل أساسا عينيا للمقولة الأبسط ، ولكننا لا نستطيع ان نتمثلها عقليا إلا بهذا الصعود من البسيط إلى المركب لأن التصور العينى عينى لأنه تركيب Synthesis من تعريفات عديدة وبذلك يمثل وحده الجوانب المتعددة "[104].
4- ونظرا إلى ان منهج العرض يبدأ بوحدة متماهية بين الشكل والمضمون كما سبق ذكره كان لابد وان تبرز المقولات الأعلى هذا التناقض الضمنى ، ومن ثم فإن ما يتحقق فى نهاية التحليل هو التوصل إلى الكل العينى كوحدة متناقضة فى طريقها إلى التفكك . وما "يتحقق" هو التناقض لا الهوية ، لأن الهوية ذاتها متناقضة تناقضا جوهريا لأن شقيقها غير متساويين (على عكس الهوية المستوعبة تماما لتناقضاتها عند هيجل) . وهكذا نجد "رأس المال" ينهى تحليله الأساسى بمقولة ميل معدل الربح إلى الهبوط (الكتاب الثالث) . وغنى عن البيان ان هذا التطوير للتناقض يستند منذ البدء إلى تأسيس تاريخية الظاهرة الرأسمالية فى قلب المقولات ذاتها كما ذكرناه . هنا إذن نجد التأسيس المنهجى لثورية الماركسية .
5- ليس القانون العقلى فى بنائه الجدلى هدفا فى حد ذاته عند ماركس، بل كشفا للصيغة اللاعقلية لحركة المجتمع الحديث . فالقانون الاجتماعى هو نتيجة لاغتراب الفاعل الاجتماعى عن الحركة الاجتماعية التى ينتجها . ليس هناك تبرير (كما يبرر هيجل الدولة باشتقاقها من الإرادة) وإنما دعوة للعمل : "ان سلاح النقد لا يستطيع بالطبع ان يحل محل نقد السلاح، والقوة المادية يجب ان تقبلها قوة مادية أيضا، ولكن النظرية تصبح قوة مادية حين تستولى على الجماهير"
[105]، والنظرية الاجتماعية التى تحتاج إلى الاستيلاء على الجماهير لا تنتمى فى الواقع إلا إلى عهد الاغتراب، وعهد ما قبل التاريخ ، بينما يبدأ التاريخ الحقيقى عند ماركس عندما يبدأ الناس فى صنع تاريخهم بوعى . ليست الماركسية دعما لقانون اجتماعى ، وإنما دعوة لثورة اجتماعية، وليس المجتمع لديها موضوعا فلسفيا تأمليا، وإنما سعى امتد على مدى آلاف السنين لتحقيق الحرية .
6- الديالكتيك إذن مبدأ لإبراز الواقعى من وراء الحادث ، ولكشف تناقض الشكل والمضمون، وهو فوق ذ ذلك سلاح ضد الاغتراب . واذ يلتحم الديالكتيك بالاغتراب ويكشفه ، فانما لإلغائه ذاته .. انه برومثيوس وقد وعى ان عقابه على يد الآلهة شرط ضرورى لخلق عالم من البشر الأحرار من الاغتراب ومن الديالكتيك على حد سواء .
**********************
[1] يمكننا تحديد الاستنباط بأنه عملية نشطة Active لاكتشاف الحركة الذاتية للمفاهيم .[2] Hegel’s Science of Logic, Translated by A. V. Miller, USA, 1967 p. 577 .[3] Ibid, p.. 35 . [4] Ibid., p.. 37[5] ولتر ستيس ، فلسفة هيجل ، ج1، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام ، ط 3 بيروت 1983 ، ص ص 223-4 .[6] لا شك ان كانط قد تعامل مع كثير من المقولات التى صنفها هيجل داخل المفهوم ، ولكنه لم يتناولها إلا فى اطار الازدواجية المذكورة ، فلم تتخذ عنده نفس المحتوى الذى اتخذته عند هيجل ، ولم تتجاوز عنده مرحلة الفهم (عند هيجل المفهوم يقابل العقل وهى مرحلة معرفية أعلى من الفهم) .[7] ولتر ستيس ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 227 .[8] Hegel. Op. Cit., p..577[9] ولتر ستيس ، المرجع السابق ، ج1 ، ص 228 .[10] حتى انتقال مفهوم الى آخر هو انتقال داخل مفهوم أوسع . فمثلا تحول نمط الإنتاج الإقطاعى إلى نمط الإنتاج الرأسمالى هو – بلغة المنطق – انتقال مفهوم الإقطاع إلى مفهوم رأس المال، إلا ان مفهوم نمط الإنتاج يظل قائما فى الحالتين، ويكون قد انتقل داخل ذاته Within itself.[11] انظر مثلا : تغيير العالم ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد 95 . وكذلك يلجأ نيكوس بولانتزاس إلى نفس الطريقة فى فهم الجدل ، ويستخدم تعبيرات مثل "ديالكتيك التمييز بين الأشياء" وغيرها . أنظر : السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية، ط3 ، ص 38 .[12] Op. Cit ., p. . 795[13] للتوضيح ، نقدم هذين التعريفين لنمط الإنتاج الرأسمالى :
1- هو الإنتاج السلعى . 2- هو إنتاج فائض القيمة .
فبينما يركز التعريف الاول على سمة تشترك فيها انماط إنتاج أخرى ، يبرز التعريف الثانى مفهوم الرأسمالية بحق (انظر بعد) .
[14] انظر تطبيقا لوجهة نظرنا هذه : مقالنا "منهج لينين فى تناول الامبريالية – تحليل نقدى"، الراية العربية ، الكتاب الثانى ، سبتمبر 1988 (نُشر فى geocities.com/sameh562001 )[15] أنظر على سبيل المثال : صالح محمد صالح ، الإقطاع والرأسمالية الزراعية فى مصر ، ط1 ، دار ابن خلدون 1979[16] الانعكاس هو تجاوز المباشر نحو معرفة الكلى عن طريق الفكر ، أى الانتقال من الادراك الحسى إلى الفهم . انظر : هيجل ، موسوعة العلوم الفلسفية ، ترجمة د. امام عبد الفتاح امام ، ج1، ط1 ، بيروت 1983 ، ص ص 92-96 . [17] نقلنا هذا المثال عن ماركس :
Grundrisse, translated by M. Nicolas, England, 1973 , p. . 107
[18] Hegel, Op. Cit, p.p. . 35 – 6[19] خذ مثلا محاولة صالح محمد صالح (المرجع السابق) ، فهو يكتفى بمجرد الاعتراف بوجود ظاهرة تبعية "البراجوازية" المصرية ، ولكن لا يأخذها فى الاعتبار أثناء التحليل نفسه . وهناك أيضا تصورات البعض حول الصعود التاريخى للبرجوازية المصرية وهبوطها التاريخى ، والتدليل على هذا بذكر عموميات شبيهة بما حدث فى أوربا، وكان يجب على هؤلاء المجتهدين على الأقل التأنى فى إطلاق هذا الوصف ، وعلى اقل القليل طرحه بتحفظ مع معالجة القضايا النظرية التى تتمخص عن هذه الفكرة (بالنسبة لحالة مصر) .[20] استعرض ماركس أفكاره الخاصة بهذا الموضوع أساسا فى "الأيديولوجية الالمانية" (1845-1846) .[21] Plekhanov :The Development of the Monist View of History, Mos – cow, 1974, chs. II, III.[22] كان ماركس فى البداية هيجليا ، ثم اتخذ فى وقت مبكر موقفا مناهضا لكل من مذهبه ومنهجه . وهذا واضح تماما فى "مخطوطات 1844" و "الأيديولوجيا الالمانية" (1845-46) و "بؤس الفلسفة" (1846-47). إلا أنه بعد ذلك (1858) اعاد الاعتبار لمنطق هيجل دون مذهبه ، بل واعتبر نفسه "تلميذا لهذا المفكر العملاق" -"مقدمة الطبعة الثانية لرأس المال 1873) . فبعد ان هاجم بعنف أى نسق للاقتصاد السياسى (فى بؤس الفلسفة) ، راح يستعين بالديالكتيك فى بذر نسق جديد للاقتصاد السياسى : " وتوجد مقولات مشتركة لكل مراحل الإنتاج والتى يكرسها الذهن كمقولات عامة، ولكن ما يسمى بالشروط الأولية العامة للإنتاج ليست سوى تلك اللحظات المجردة التى لا يمكن الإمساك عن طريقها بأية مرحلة إنتاج تاريخية حقيقية" (Grundrisse, p.. 88) . غير ان ماركس ظل رافضا لفكرة "تسلسل المقولات" "كفكرة" ووصف هذه الفكرة بانها "مفهوم سديمى عن الصيرورة التاريخية" وقصر عرضها "داخل المجتمع البرجوازى الحديث" . (Ibid., p.p. 107-8)[23] هنرى لوفيفر ، المنطق الجدلى، ترجمة ابراهيم فتحى: دار الفكر المعاصر القاهرة 1978 ، ص 67. ويدعى لوفيفر ان هذا المشروع (النسق) أنجز بعد ذلك ، ونحن نرى ان ماركس قد وضع بذرته فقط (راجع الهامش السابق).[24] قال ماركس عن هذه المحاولة " ُوضعت جانبا ، إذ بدا لى بعد ذلك ان استباق النتائج التى تحتاج إلى مزيد من الأسانيد يحدث تشوشا، وعلى القارئ الذى يود حقا ان يتابعنى ان يتقدم من الجزئى الى العام" :
A Contribution to Critique of Political Economy, Moscow 1970, p.. 19
[25] تتكرر هذه المحاولات فى أعمال المفكرين السوفييت .[26] عرض ماركس هذا المخطط فى مقدمته الجديدة ل "مساهمة فى نقد الاقتصاد السياسى" وهو موجز لما قدمه تفصيلا من قبل فى "الأيديولوجيا الالمانية" ، مع بعض التغيير فى المصطلحات.[27] Claude Meilassoux . From Reproduction toProduction : A Marxist Approach to Economic Anthropology . Edited by : Harold Wolpe , The Articlation of Modes of Production , Routledge and Kegan paul, london, 1980, p. 182Cabital, vol.. I, Moscow 1974 , p. . 477 [28] Ibid, vol. II , p.. 36 . [29]Ibid ., Vol. III, p. 791[30]Op. Cit., the “Introduction” [31][32] السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية، ترجمة عادل غنيم ، ط2، بيروت 1983 ، ص 10 .[33] التطور اللامتكافئ ، ط3 ، بيروت 1980 ، ص ص 18-19[34] ترتبط كل احتياجات الانسان بالطبيعة بدرجة أو بأخرى ، بما فى ذلك احتياجاته الروحية التى تعبر عن فقر الانسان النسبى إزاء العالم وتجاوزه لهذا الفقر فى الوقت نفسه . ويُعد كل من الفن والدين والفلسفة محاولة من جانب الانسان لصياغة وإعادة صياغة علاقته بالكون فى شموله ، واستيعابه عن طريق استيعاب هذه الصياغة أو العلاقة . ولكن هذا التصور العام كامن هنا فحسب ، فهو لا يظهر إلا فى البناء الفوقى الذى هو ليس موضوعنا هنا .[35] يختلف العمل الانسانى بالطبع عن "عمل" الأنواع الأخرى من حيث هو نشاط مبدع . فالفرق بين " النساج والعنكبوت ان الأول يقيم بناءه كتخيل قبل الشروع فى تحقيقه" Marx,Capital Vol. I,p. 174. غير ان هذا ليس هو الفارق المطلق بين الانسان والحيوان – كما لاحظنا من مثال القرد . فالفارق المطلق هو إدراك اللامتناهى فى الطبيعة .[36] هذا الاستخدام يُعد حيازة مجردة جدا، حيازة تقنية ان جاز التعبير ، فالذات تحوز هنا وسيلة الإنتاج كوسيلة إنتاج ، لا كثروة ، أى كشئ لم يكتسب منطقيا قيمة اجتماعية بعد .. وهذا يختلف عن موضوع الحيازة الذى سنحلله لاحقا : فالحيازة الأولى هى علاقة بين الذات والموضوع، أما الثانية، فهى علاقة إنتاج بين الناس تتخذ صورة علاقة بين الأفراد ووسائل الإنتاج .[37] الناتج فى هذه اللحظة لا يمثل بعد ثروة اجتماعية ، وانما هو مجرد شئ يمثل الوحدة الإيجابية للذات والموضوع، الجانب الفنى للنشاط البشرى ، الذى لم يكتسب – منطقيا – صفة اجتماعية بعد، مجرد إنتاج لنشاط الفرد كفرد ، ولا يظهر جانبه الاجتماعى بحسبان المجتمع وحدة عضوية ، كفائض أو كثروة إلا فى مقولة نمط الإنتاج .[38] Capital vol. I, p. 173[39] ارنست ماندل ، النظرية الاقتصادية الماركسية ،ط1، بيروت 1973، ج1، ص 27 . والمقصود هنا هو المبدأ الرئيسى لتقسيم العمل ، ذلك ان تقسيم العمل امر لا مناص منه فى اية لحظة ، ولو فى أبسط الصور ، ففى ابسط الحالات يستلزم صيد حيوان كبير ان يقف شخص على شماله والآخر على يمينه! "تقسيم مؤقت".
[40] أشار ماركس وانجلز ان تقسيم العمل قام فى البداية بطريقة "طبيعية" "على أساس القوة العضلية ، الحاجات ، والصدف ..."
The German Ideology, progress publishers, Moscow 1984 , p. . 43 .
[41] يختلف "التوزيع" هنا عن مقولة التوزيع الواردة لاحقا ، فهو هنا ليس مقولة مستقلة ، بل مجرد لحظة فى تقسيم العمل ، ولا يفترض حدوث إنتاج اصلا .[42] Marx & Engels, Op . Cit., p.. 32 . [43] سنستخدم كلمة "حق" منذ الآن بمعنى واقعى لا قانونى ، أى بمعنى الامكانية الواقعية.[44] "لا يبدو ان الجماعة الطبيعية ظهرت كنتيجة للتملك المشترك للأرض بل كشرط مسبق له" Crundrisse , p.. 472 .
“تعد مختلف مراحل تطور تقسيم العمل أشكالا مختلفة للملكية ، أى ان المرحلة القائمة فى تقسيم العمل تحدد ايضا علاقة الأفراد ببعضهم البعض فيما يتعلق بأداة ومنتج العمل" German Ideology , p.p. 32-33
[45] الحيازة هنا ناتجة عن ملكية الجماعة ؛ علاقة اجتماعية تتخذ صورة علاقة بين الناس ووسائل الإنتاج . وهى أكثر ثراء من "الامتلاك" ، فهذا الأخير هو علاقة بين الذات بوجه عام والموضوع بوجه عام لا بين أفراد محددين وأشياء محددة .[46] رصد ماركس التحول فى الملكية الفردية بشكل يختلف عن هذا ، فالملكية الخاصة فى صورة ملكية الفرد لوسائل الإنتاج قد تحولت إلى تشريك الإنتاج فى ظل الملكية الرأسمالية ، وهذا هو النفى الاول ، وهذه الملكية بفعل تطورها الخاص تتحول الى الملكية الاشتراكية ، وهذا هو نفى النفى: فى النفى تم نزع ملكية اغلب الأفراد بواسطة القلة وفى نفى النفى تقوم الاغلبية بنزع ملكية الاقلية .
Capital, vol. I, p.p. 715-6
[47] د. حكمت قفلجملى : تطور أشكال الملكية ، ترجمة فاضل جنكر ، ط1، بيروت 1978 ، ص 23 .[48] التعريف الأكثر شيوعا لتقسيم العمل الاجتماعى يذهب إلى انه تقسيم للعمل على الصعيد الاجتماعى (الماكرو) مقابل التقسيم على مستوى الوحدة (المايكرو) . والحقيقة ان هذا التقسيم لا يقوم على أساس موضوعى، فتقسيم العمل عموما هو علاقة اجتماعية، ولكنه يتميز الى مستوى تقنى يتعلق بفن العمل نفسه، ومستوى اجتماعى، أكثر عينية، يتعلق بالعمل كوضع اجتماعى، من حيث المساواة او التمييز الاجتماعى ، وذلك يتضمن علاقات الملكية . وكلتا المقولتان تشتملان على تقسيم العمل على مستوى الوحدة والمجتمع معا . وإذا أردنا ان نضع تعريفات : نحدد التقسيم التقنى بانه انقسام الناس على أساس نوع العمل ، أما التقسيم الاجتماعى فهو انقسام الناس من الناحية الاجتماعية الى قوى اجتماعية (افراد، مراتب، فئات مغلقة، ُنخب ....) قالتقسيم الاجتماعى للعمل يتضمن صراحة علاقات الملكية ، أما التقسيم التقنى فيسبقها منطقيا ويتضمن عملية العمل كفن .[49] من الأفكار الشائعة حول مسألة الفائض ، خصوصا لدى الماركسية الأرثوذوكسية ، ان هذه الظاهرة حديثة ومستجدة وان البشر عاشوا معظم تاريخهم بدون فائض (انظر مثلا : ارنست ماندل ، النظرية الاقتصادية الماركسية ، ج1 ، ص ص 24-8) . والحقيقة ان هذا يمكن فقط ان ينطبق على الانسان المتوحش السابق على الانسان العاقل .. فحتى الانسان البدائى كان يحقق فائضا .[50] للتوضيح : سنسمى الفائض منذ الآن الفائض الضرورى أو سنعنى به ذلك . [51] من الممكن ان يوزع الفائض على صعيد أعلى من المجتمع البشرى الواحد ، إلا اننا نتعامل الآن مع العناصر الضرورية فى مفهوم نمط الإنتاج .[52] Marx, Grundrisse, p. 96 .[53] هذا هو الشكل الأصلى للتوزيع الرأسمالى ، ولكن وجود رأس المال البنكى (رأسمال صناعى متحور) يخلق مقولة الفائدة ، ووجود الملكية العقارية يخلق مقولة الريع .[54] تناول ماركس فى ال Grundrisse مفهوم التبادل معتبرا إياه تاليا للتوزيع ، ومعتبرهما معا "لحظة" واحدة تمثل الجزئى فى ثلاثية : الإنتاج (الكلى)، التوزيع والتبادل (الجزئى) ، الاستهلاك (الفردى) على حد وصفه . غير ان تناول ماركس لفكرة التبادل لم يكن واضحا تماما .. وإن كان يبدو انه يعتبره الوجه الآخر للتوزيع ، وهو اعتبار له وجاهته حيث ان التبادل والتوزيع يشكلان لحظة منطقية واحدة فى عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج . عموما يكتسب التبادل تميزه عن التوزيع من حيث ان الثانى هو توزيع للثروة على الأفراد والجماعات التى يتشكل منه المجتمع فى عملية الإنتاج ، بينما التبادل هو إعادة توزيع للأشياء التى تتجسد فسها الثروة . Plekhanov, Op. Cit., p. . 15[56] فكرة أولوية قوى الإنتاج على علاقات الإنتاج ماركسية (جدا!) وشهيرة على أوسع نطاق، وطالما أكدها ماركس نفسه (مثلا فى "الأيديولوجيا الالمانية" ، صفحات 75-6، 81، 85، 88-91، 94، 210، 229، 248، 386، 482- مرجع سبق ذكره) وقد لعبت هذه الفكرة دورا هاما للغاية فى تكوين تصورات الماركسيين الروس قبل الثورة ن ثم تم لتغاضى عنها وتحويلها الى مسألة نسبية تصلح أساسا لكل تلفيق بعد صعود الستالينية وتبنى شعار "الاشتراكية فى بلد واحد" . والمثال الذى قدمناه طالما اثار معارضى الماركسية (منهم عندنا مثلا : عادل حسين فى : الاقتصاد المصرى من الاستقلال الى التبعية، نحو فكر عربى جديد) . [57] القضية أُثيرت فى مصر كثيرا، ولكنها لم تؤد الى تطور نظرى ملحوظ .. فكل معسكر – داخل اليسار – لا زال يكرر عرض فكرته بأساليب مختلفة، أما النسق ، او المقولات الماركسية ، فتعامل كما لو كانت أدوات للزينة اوأساليب بلاغية.[58] من الطريف ان مؤسس الماركسية نفسه كان ضد هذه الفكرة ، فقد احتج فى خطاب الى هيئة تحرير "المذكرات الوطنية" الروسية إلى كاتب معين، "لأنه حول رسمه التاريخى التخطيطى لأصل الرأسمالية فى أوربا الغربية الى نظرية تاريخية فلسفية للدرب العام الذى قدر على كل شعب ان يخطو خطواته عليه"
نقلا عن احمد صادق سعد فى ضوء النمط الآسيوى للإنتاج، تاريخ مصر الاجتماعى- الاقتصادى ، دار ابن خلدون، ط1،بيروت 1979 ، بيروت 1979 ، ص 10 .
ومن الجدير بالإشارة فى هذا الصدد ان فكرة المراحل لخمس لا تعود الى ستالين، الذى ُنسبت اليه الفكرة ظلما ، فقد أشار فقط الى وجود نمإذج خمسة أساسية لعلاقات الإنتاج: نقلا عن : جورج طرابيشى ، مقدمة ترجمته وتقديمه لكتاب "حول نمط الإنتاج الآسيوى ،جان شينو وآخرون" ط1، بيروت 1972، ص 23 .
[59] صادق سعد، المرجع السابق ، ص ص 22-3 .[60] التطور اللامتكافىء ، مرجع سبق ذكره ، ص 15 .[61] صادق سعد مثلا .[62] سمير أمين ، التراكم على الصعيد العالمى ، ط2، دار ابن خلدون، بيوت 1978 ، ص 387 .[63] أنظر مقالنا : "ما وراء البيروقراطية السوفيتية" ، حيث حللنا نمط الإنتاج اللبيروقراطى .(منشور على نفس ال web ). [64] الأرض والفلاح ، القاهرة 1958 ، ص ص 32-3 . ولكنه اعتبر ان السخرة هى الشكل الرئيسى للاستغلال (ص 33) .[65] القرية المصرية ، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة ، 1973 .[66] موريس دوب ، دراسات فى تطور الرسمالية ، ترجمة د. رؤوف عباس ، دار الكتاب الجامعى، القاهرة 1978 ، ص 52 .[67] نشر الرد رؤوف عباس فى المرجع سابق الذكر ، ص ص 422-5 .[68] موريس دوب ، المرجع السابق ، ص 56 ..[69] المرجع نفسه ، ص ص 93-103[70] جان شينو وآخرون ، حول نمط الإنتاج الآسيوى ، مرجع سبق ذكره . [71] وهو تعبير مأخوذ عن ماركس ، استخدمه لتمييز وضعية العامل فى الشرق عنه فى الرق والإقطاع فى أوربا Grundrisse , p.p. . 495 – 6 [72] نورمان هامبسن : التاريخ الاجتماعى للثورة الفرنسية ، ترجمة فؤاد اندراوس ، مراجعة د. محمد احمد انيس ، دار الكاتب العربى للطباعة والنشر ، القاهرة .[73] انظر بهذا الخصوص : د. شفيق شحاته ، تاريخ القانون الخاص فىمصر ، ج1 ، ط3 ، القاهرة 1951.[74] المرجع السابق ، ص 69[75] ) المرجع السابق ، ص ص 15-17[76] المرجع السابق ، المقدمة . [77] تناول لينين نمو الرأسمالية فى روسيا بطريقة تميل كثيرا الى "العاملية" ، فاستعرض نمو السكان العاملين بالصناعة على حساب سكان الريف ، ونمو الإنتاج السلعى ، ونمو استخدام الآلات ونمو العمل المأجور ، وأخيرا نمو السوق القومى. وقد بذل جهدا كبيرا للغاية فى كشف اتحاد هذه العوامل ، إلا أنه لم يستعرضها "كلحظات" فى عملية واحدة ملموسة، وانما اعتبرها محددات أو مؤشرات لنمو الرأسمالية . ورغم انه رأى ان "الرأسمالية هى مرحلة فى تطور الإنتاج السلعى تصبح فيها قوة العمل كذلك سلعة" (طبعة موسكو الانجليزية، 1964، ص 581)، إلا أنه رفع تكوين السوق القومى الى مرتبة أعلى كمعيار ، حتى انه وضعه عنوانا فرعيا للكتاب . ومن الواضح ان طريقة لينين كانت ناجحة عمليا فى دحض "النارودنيك" ، إلا أنها من الناحية المنهجية المحضة ليست واحدية Unitary .[78] المرجع السابق ، ص 38. [79] نفسه ص 39. وقد توصل باحثون آخرون الى الفكرة نفسها
Harold Wolpe, Op . Cit., p.. 41 .
[80] نفسه ، ص ص 43-4 . ونحن لا نعترض على تواجد هذه العوامل جميعا ، وانما ينصب اعتراضنا على المنهج ، إذ يجب تبرير وجود هذه العوامل عقليا ، ثم الكشف عن العلاقة المنطقية فيما بينها ، ثم تحديد العامل فى وحدتها جميعا .. أى المفهوم .[81] القرية المصرية ، ص 133 ، ص ص 137-8 .[82] نجدها خصوصا عند : محمود متولى، الأصول التاريخية للرأسمالية المصرية وتطورها، وابراهيم عامر ، المرجع السابق، ص 93، حيث يقول : " ما ان استقرت الملكية الفردية للارض الزراعية فى مصر حتى نشأت معها اشكال الاستغلال الرأسمالى للارض الزراعية ، باعتبار الأرض رأسمال يدر دخلا، أى ينتج فائض القيمة" .[83] ) المرجع السابق .[84] المسألة الزراعية ، القاهرة 1985 .[85] المجتمع المصرى بين التخلف والتطوير ، دار الجامعات المصرية ، الاسكندرية 1978 ، ص 363 .[86] حين وصف سمير أمين "التشكيلات المحيطية" رصد ما أسماه بغلبة الرأسمالية الزراعية، التى اتضح انه يقصد بها الملكية الزراعية التى "عمادها المالك الكبير" ، المزارع الذى ينتج من أجل التصدير : التطور اللامتكافئ ، ص 256 (التشديد من عندنا) . ثم حدد سمة ثانية: "تكوين برجوازية محلية ، تجارية أساسا" : نفسه (التشديد من عندنا) .[87] Marx, Capital, vol. III, p.. 330 .[88] Marx, Capital, Vol. III, ch. LII[89] Ibid., p. 803 .[90] مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكى فى حركة التحرير الوطنى، 2ج ام، ط 3 ، دار الفارابى ، بيروت .
وقد قدمنا نقدا شاملا لمفهوم نمط الإنتاج الكولنيالى تحت عنوان : "تناقضات مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالى" ، بحث قدم الى ندوة : "النظرية والممارسة فى فكر الشهيد مهدى عامل" التى عقدت بمركز البحوث العربية ، القاهرة، فى 27-29 مايو 1988 .
[91] هذا المصطلح فى اللغة الانجليزية أكثر من رائع فى تعبيره عن فكرتنا المقصودة فتحلله يعنى حرفيا : غير المتكامل مع نفسه : Dis – integrate- d[92] نجد هذه الفكرة عند ماركس، وإن كان قد استخدم تعبيرات مختلفة : " داخل نمط الإنتاج الرأسمالى ، يختزل رأس المال التجارى من وجوده المستقل السابق إلى مرحلة خاصة فى توظيف رأس المال" ، " وعلى العكس، حيث يسود رأس المال التجارى نواجه بأوضاع متردية ، وهذا حقيقى حتى داخل البلد نفسه" Capital, Vol. III, p.. 327 " فى المراحل قبل الرأسمالية هيمنت التجارة على الصناعة ، أما فى المجتمع الحديث فإن العكس هو الصحيح" Ibid., p.. 330[93] أشار ماركس بهذا الصدد أنه فى حالة الغزو ، اما ان يحل نمط إنتاج الغزاة محل نمط إنتاج المهزومين ، او يترك هذا الأخير على حاله (غزو الترك والرومان مثلا) أو يحدث تأليف بين النمطين وينتج نمط إنتاج ثالث : Grundrisse, p. 97 .[94] سيجد القارئ صدى لهذه الفكرة فى شرح الجزء الخاص لمقولة قوة العمل فى هذا المقال.[95] هنرى لوفيفر ، المنطق الجدلى ، ترجمة ابراهيم فتحى ، دار الفكر المعاصر ، القاهرة 1978 ، ص 108[96] ينتقد هيجل فكرة محدودية المعرفة، ويقول ان المعرفة بالحد هى معرفة بما وراء الحد ، وهذا صحيح فقط إذا كانت معرفتنا بالحد مطلقة . أما إذا عممنا القول على المعرفة عموما، فمن الواضح انه لن يكون هناك داع لبذل أى جهد معرفى أصلا .. بل ولا داعى للنشاط البشرى بمجمله .[97] The Development of the Monist View of History, Moscow, 1980, p.p. 86-7[98] Capital, Vol. l, progress publishers, Moscow, 1986, p. 28 . [99] ليس معنى ذلك ان الباطن حقيقى والظاهر زائف ، فالظاهر هو تجل للباطن يرتبط به ارتباطا ضروريا (وان كان يرتبط ايضا بموقع راصد الظاهر) ، فهو وجه أصيل له . ولكن الاقتصار على الظاهر وحده خطأ مقابل لأن الباطن لا يقل فى حقيقته عن الظاهر، وانما هو داخل فى تصور الظاهر ذاته . وفى المثال المذكور كان النجاح فى معرفة الحركة الحقيقية (دوران الأرض حول الشمس) تفسيرا فى الوقت ذاته للحركة الظاهرية كما نراها على سطح الأرض .[100] ماركس ، ملاحظات هامشية فى خصوص كتاب "بحث فى الاقتصاد السياسى" لأدولف فاجنر، فى ملاحق رأس المال ، مكتبة المعارف ، بيروت ترجمة محمد عيتانى ، ج 605 (يقابلان الثلث الأخير من الجزء الأول).[101] Capital, Vol. I, p. . 574[102] كذلك ينطبق واقع عدم دقة تعبير الاستنباط على انتقالات هيجل الجدلية بين المفاهيم ، ولكنه لم يعترف بذلك ، بل اهتم تماما بتصوير حركة المفاهيم كاستنباط فعلى (قياس) . وعلى سبيل المثال فإن تصور الوجود الخالص لا يفضى بحد ذاته الى تصور العدم إلا إذا قارناه بالوجود المتعين مثلا ، فيكون افتقاره الى التحديد هو ما يجعله مرادفا للعدم . [103] A Contribution to the Critique of Politcal Economy, Moscow 1970 p. 206 [104] Loc. Cit.[105] من مقدمة ، مساهمة فى نقد فلسفة الحق عن هيجل .

يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل