هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

الرأسمالية الطفيلية - رؤية ثالثة

 عادل العمرى - شريف يونس
نُشر هذا المقال عام 1988 فى مجلة "الراية العربية" وقد رأيت إعادة نشره الآن نظرا لاقتناعى أنه مازال مفيدا فى ظروف العملية الثورية الدائرة فى مصر والحوارات المصاحبة لها حول التغيير المنشود - عادل
 شهدت الأعوام القليلة الماضية حوارا حول الطابع العام للطبقة المسيطرة في مصر ، شارك فيه عديد من الكتاب المنتمين للمعارضة اليسارية .
 وقد انقسمت الآراء إلا أنها تميزت إلى اتجاهين رئيسين عبر كل عن رؤيـة محددة لإمكانيات واتجاهات التغيير المطلوبة والممكنة للتجاوز الأزمة التى تحيط ببلادنا
ويمكننا إيجاز وجهتي نظر هذين الاتجاهين كالأتي : -
الاتجاه الأول:
تضمنت أطروحاته فكرة ان الطبقة المسيطرة في مصر تمتلك إمكانيات تاريخية بشكل من الأشكال وأن ما يعيق تحقيق هذه الإمكانيات هو وجود فئة أو فئات طفيلية داخل هذه الطبقة . وقد أجمع أصحاب هذه الرؤية على ان هذه الفئات هي السائدة في المجتمع والسلطة ، وعلى هذا الأساس تكون إزالتها كفيلة بانطلاق التطور الاقتصادي والاجتماعي . وهذا ما تبلور في شعار "ترشيد الرأسمالية" الذي يتبناه هذا الاتجاه . ويضاف إلى هذا ان هناك تناقضا في المصالح بين الفئات الطفيلية وغير الطفيلية[1] .
ويقام التمييز بين المجموعتين المذكورتين من الفئات الاجتماعية على أسس تباينت من رأى لآخر ، فالبعض حدد الطفيليين بأنهم أولئك الرأسماليين العاملين في مجال التداول لا في مجال الإنتاج ، وكان هذا هو الرأي الغالب ، الذي ميز الرأسمالية إلى "منتجة" و"غير منتجة " ، وهو يعتبر هذه الأخيرة طبقة طفيلية . وقد لجأ محمود عبد الفضيل (أعمق ممثلي هذا الاتجاه) إلى استخدام تعبير أكثر ليونة ، فبدلا من الرأسمالية الطفيلية تحدث عن صفة ريعية (ويقصد طبعا صفة طفيلية)"غالبة على الأقسام الواسعة من الرأسمالية المصرية"[2] ، وبهذا لم يعد يتحدث عن رأسمالية منتجة وغير منتجة بل وصف بالريعية رأسماليين يعملون في مجال الإنتاج السلعي : "توجد جيوب هامة للرأسمالية الطفيلة ذاتها في قلب الأنشطة السلعية"[3] إلا أنه حدد وجود "خصوصية لمجال التداول" فيما يختص بالطابع الطفيلي للطبقة المسيطرة.
وداخل نفس التيار حدد البعض الفئات الطفيلية بأنها تلك التى تمارس الجريمة الاقتصادية ، وأفضل المعبرين عن هذه الفكرة هو إبراهيم العيسوى[4] ، الذي تبلور رأية النهائى في وصف معظم أفراد المجتمع بالطفيلية ، ولكنه راح يفرق بين طفيليين محترفين يمارسون التطفل بشكل دائم ، وطفيليين يضطرون إلى ممارسة التطفل لفترات تطول أو تقصر . وواضح أنه يختلف كثيرا عن رأى هذا الاتجاه عموما ،فالنشاط الطفيلى فيما يرى يتركز أساسا في فئة معينة من كبار الطفيليين ، وبذلك يظل كلامه متضمنا الاعتراف بوجود فئة طفيلية محددة ضمن الطبقة المسيطرة.
الاتجاه الثاني:
يرى هذا الاتجاه ان الطفيلية هي طابع عام يشمل الطبقة المسيطرة في مصر ككل ، ولا يختص بقطاع التداول ولا حتى بأى قطاع اقتصادى محدد . ويعتقد أصحاب هذا الرأي ان هذا الطابع الطفيلى للطبقة المسيطرة قد بات سائدا في العصر الحالى ، الذى وصفة حسام عيسى بأنه عصر تدويل رأس المال[5] ووصفة صلاح العمروسى بأنه عصر هبوط الرأسمالية التاريخى[6] بينما وصف محمد دويدار الأمر بأنه طابع ريعي يسم الطبقة المسيطرة في الفترة الحالية[7] . ويرى هذا الرأي ان الطبقة المسيطرة في مصر لا يمكن ان تتخلص من طابعها الطفيلى السائد لأنه يرتبط ببنيتها في هذه المرحلة من تطورها .
إلا أنه رغم بعد شقة الخلاف – كما هو ظاهر بين الاتجاهين السابقين – فهما يتفقان في مسألة نعتقد إنها بالغة الأهمية ، وهى ان سيادة الفئات الطفيلية (في الحالة الأولى) والطابع الطفيلى العام(في الحالة الثانية) ، هو أمر حديث برز في السبعينات منذ انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي ، أو – في أفضل الحالات – برز منذ فشل الناصرية وسقوطها "وعودة" التبعية للغرب . ونحن نختلف مع هذه الفكرة المشتركة بالتحديد ونرى ان اتفاق التيارين السابقين عليها إنما يقرب كثيرا جدا من شقة افتراقهما في بقية جوانب هذه القضية ، أو على الأقل يحمل إمكانية اتفاقهما في ظروف معينة على تحديد الموقف من النظام الاجتماعي القائم ، لصالح الاتجاه الأول : فإذا كانت السياسات الإصلاحية الناصرية (ولبعض الحكومات السابقة عليها كذلك) ُتنعت من قبل الجميع بالثورية والتقدمية ، فإن إصلاحية جديدة – وهى أمر ممكن نظريا، وقد يتحقق عمليا في ظروف سياسية معينة – كفيل بالتحول مائة وثمانين درجة من معارضة النظام القائم إلى تأييده ، هذا إذا تمسك الجميع بأفكارهم . وقد أردنا بهذا الاستنتاج ان نبين فقط المنزلق السياسي المتضمن في الفكرتين المطروحتين ، وذلك لتوضيح مدى أهمية القضية النظرية التى نحن بصددها إلا أن الأمر الأهم – طالما أننا في حالة حوار فكرى – هو التحديد العلمي للأساس النظرى لأى موقف سياسى ، ولذلك سنقصر حديثنا على المناقشة النظرية البحتة لفكرة الرأسمالية الطفيلية كما طرحها أصحاب الآراء سابقة الذكر[8] .
تحديد المفاهيم :
قدم أصحاب الآراء سابقة الذكر تحديدات متباينة من حيث العمق والدقة لمفهوم الطفيلية . فنجد إبراهيم العيسوى يصف كل نشاط غير ضرورى للنظام الرأسمالي بأنه طفيلية (هذا هو جوهر ما نفهمه من أطروحاته) ، واتفق معه محمد عبد الشفيع من منطلقات أخرى تماما . كما وصف خليل أبو راشد بالطفيلية "كل نشاط اقتصادي يحقق دخلا من غير طريق منتج "[9] . وراح رفعت السعيد يميع هذا المفهوم ليشمل الشرائح التي تحصل على "فائض القيمة " من عمليات أخرى غير عملية الإنتاج" أو عمليات ذات طابع إنتاجى وإنما لا تلبى احتياجات حقيقة للمجتمع "[10]
يفتقد هذا النوع من التعريفات لمعان واضحة أو محددة ، فالطفيلية على النظام الاجتماعى القائم يمكن ان تتخذ أو يضفى عليها معنى نسبى أى بالنسبة للنظام نفسه أو معنى مطلق أى تعد طفيلية بوجه عام بالإضافة لطفيليتها على النظام نفسه وفى الحالة الأولى قد توجد فئات أو ممارسات طفيلية ومن الممكن مثلا ان نفهم الجريمة الاقتصادية وهى طفيلية بالمعنى الأول بطرق مختلفة :
1ـ فقد لعبت بعض أشكال الجريمة الاقتصادية دورا محفزا للنمو الرأسمالى فى بريطانيا ابان القرنيين 18 و19 حيث لم يكن جهاز الدولة هو والنظام التشريعى قادرين على تمهيد الطريق أمام الرأسمالية بأقصى سرعة و كفاءة ممكنتين ، وبذلك لعبت الرشوة مثلا دورا تقدميا .
2ـ أما الجريمة الاقتصادية المتمثلة فى أنشطة تعيق التطور الثورى لقوى الإنتاج وهو أمر ُوجد دائما فى كل النظم حتى أوقات صعودها التاريخى فتكون عائقا طفيليا .
3ـ وقد تلعب الجريمة الاقتصادية فى مجتمع يمر بمرحلة انحدار تاريخى دورا منشطا للإنتاج و يؤدى إلى زيادة تحقيق الفائض الاحتمالى وهو أمر وارد تماما مثل سرقة براءات الاختراع و الاستفادة منها وبذلك تلعب دورا تقدميا يحفز تناقضات النظام .
4ـ وقد تؤدى الجريمة الاقتصادية إلى إعادة توزيع الفائض المنتزع داخل طبقة مسيطرة رجعية من الناحية التاريخية فتكون الجريمة الأخلاقية مجرد نقطة فى بحر من جريمة تاريخية ان صح التعبير.
ومن المتصور كذلك ان بعض ألوان الجريمة الاقتصادية تكون طريقة لتوزيع الفائض مرتبطة ارتباطا مطلقا بالنظام نفسه ، أى تشكل جزءا أصيلا من آليات عمله وتتخذ صورة العرف ، سواء في فترة صعود أو هبوط النظام . فلأسباب معينة يكون المجتمع الرأسمالي – على سبيل المثال – مضطرا – حتى خلال فترة صعوده – إلى سن قوانين يضطر هو نفسه إلى انتهاكها في الوقت ذاته . وهذا التناقض يسم كافة المجتمعات الحديثة ، فالتفاوت الاجتماعي وضع لا يكون مقبولا في صورته المباشرة من قبل الكادحين ، ولذلك تلجأ الحكومات إلى تغطيته بالشرائع والقرارات والنظم التى تقر المساواة بين الأفراد إلى هذا الحد أو ذاك . إلا أن التفاوت نفسه يحتم اختراق هذه التشريعات ؛ فيميل أفراد الطبقة المسيطرة إلى تخطى أية عقبات تعيق استغلالهم للشغيلة أو مراكمة الثروات حتى لو وضعت هذه العوائق بواسطة دولتهم نفسها[11].
إذن لا تصلح الجريمة الاقتصادية في ذاتها لتقديم دلالة محددة وذات مغزى مهم فيما يتعلق بظاهرة الطفيلية ، وأبسط الأسباب – كما أوضحنا أعلاه – هو أنها لا تلعب دائما دورا رجعيا ومعاديا للتطور.
 أما الربط المطلق بين الطفيلية والنشاط غير الإنتاجى (سواء نظر إليه على أنه عمل غير منتج أو رأسمال غير منتج ) فإنه يفتقد هو الآخر لدلالة ذات مغزى ؛ فالإنتاج بالمعنى العام للكلمة هو إنتاج قيم استعماليه ، سواء فى صورة منتجات مادية أم خدمات لا للاستعمال المادى فحسب ، بل وللاستهلاك المعنوي أيضا . ومن وجهة نظر إنسانية بحتة (أو إذا ما تصورنا وجود مجتمع إنسانى – لا طبقي) فكل نشاط يؤدى إلى تطور البشر يعد نشاطا منتجا وأى نوع آخر من النشاط هو بالقياس نشاط طفيلي ، لأنه يبدد قوة العمل . إلا أن هذا المقياس يجب ان يتضمن مراعاة المرحلة التاريخية التى يعيشها البشر ، فالرأسمالية على سبيل المثال لعبت دورا عظيما في تطوير القوى المنتجة (البشر في النهاية) ، رغم أنها مارست أنشطة لا تنتج قيما استعمالية على نحو مباشر بل ورغم أنها دمرت في سياق تطورها الكثير من الطاقات البشرية ، ولكن هل يمكن اعتبار هذا الجانب "الطفيلى" ! منفصلا عن ومعاديا للجانب الثورى ؟ الحقيقة ان هذه "الطفيلية" كانت – بوجه عام- ضرورية تاريخيا، ولذلك بالذات لا يمكن اعتبارها طفيلية . والأمر يشبه إلى حد كبير السياسات والقرارات "غير الإنسانية " للثورات، فهي تكون إنسانية بقدر ما تكون ضرورية للثورة نفسها. وإذا ما استخدمنا تعبيرا فلسفيا نقول ان الطفيلية في هذه الحالة هي مجرد "لحظة" في التطور لا يمكن تحليلها منفصلة عن سياقها .. ويمكننا ان نعتبر ألوان التبديد المختلفة في هذه الحالة مجرد أشكال غير مباشرة للاستهلاك المنتج وليست بظاهرة طفيلية[12].
   وقد تصدى كل من صلاح العمروسي ومحمد عبد الشفيع لفكرة تقسيم الرأسمالية إلى جناح منتج وآخر غير منتج بما فيه الكفاية ، وليس لدينا حججا أخرى أساسية بهذا الخصوص ، ويمكننا ان نقدم خلاصة أفكارهما كما فهمناها:
لعبت الرأسمالية كطبقة فى مرحلة تاريخية معينة دورا لا غنى عنه للتطور الإنسانى وفى سياق هذا الدور قامت بحكم طبيعة تكوينها نفسه بممارسة أنشطة غير منتجة بالمعنى الذى ذكرناه سابقا ونشير بالذات إلى نشاط التداول. وتلعب هذه الأنشطة دورا لا غنى عنه لتحقيق الدور التاريخى للرأسمالية و إذن لا تعد بحد ذاتها طفيلية ،أما حين انتهى الدور التاريخى لهذه الطبقة فإن نشاطها ككل أصبح طفيليا معرقلا للتطور و لا يمكن رد هذا الدور إلى مجرد وجود أنشطة للتداول أو الخدمات أو اتساعها الزائد، ذلك ان هذه الأنشطة أو حتى اتساعها الكبير ينتجان عن المنحنى العام لعملية الإنتاج الرأسمالى نفسها ،و ان تقليص هذه الأنشطة فرضا رغم ان هذه الامكانية محدودة لا يصلح مسارها العام بل لا يلبث رأس المال الاجتماعى ان يتخذ نفس طريقته فى العمل بما يتفق مع التناقضات التاريخية المتفجرة داخله.
إذن يصبح تحديد مفهوم الطفيلية تحديدا مطلقا ضروريا لفهم القضية التى نتناولها أصلا فضلا عن تناولها بشكل علمي ، ومجد فى النهاية ..
وقد قدم أنصار الاتجاه الثاني تحديدا علميا لهذا المفهوم ، فوصف دويــدار بالريعية (ويقصد بها الطفيلية ، كما نظن) "كل طبقة يصبح دورها تاريخيا إعاقة تطور قوى الإنتاج فى المجتمع "[13]. كذلك حدد العمروسي "ان الجوهر الدقيق لمفهوم الطابع الطفيلي يكمن فى تعويق العلاقات الرأسمالية تطور القوى المنتجة عند مرحلة محددة من التطور الرأسمالى "[14] ولا نختلف مع جوهر كلام دويدار خاصة ، إلا أننا نقدم تحديدا نعتبره أكثر وضوحا : الطفيلية هى كل نشاط أو وضع من شأنه ان يعرقل عملية التطور الاجتماعي لقوى الإنتاج فى ظل ظروف أخرى ممكنة تاريخيا فى نفس الوقت.
ونحن لم نضع هذا التحديد وفقا لهوى خاص أو لهدف عملي بحت ، بل انطلاقا من حقيقة موضوعية هى ان العامل الاقتصادي متمثلا فى قوى الإنتاج هو المحرك الأول لتاريخ المجتمع ، ولذلك يعتبر أى عائق أمام هذه الحركة عائقا للتطور الإنسانى نفسه ، وُيعد بالتالى عملا مخربا. وحيث أننا نتناول قضية تتعلق بالوجود الاجتماعي – الاقتصادى، فقد لجأنا إلى التركيز على تحديد معنى اجتماعي ـ اقتصادي وتاريخي للطفيلية باعتبارها ظاهرة اجتماعية وليست سلوكا فرديا ، وباعتبارها ظاهرة تاريخية تلعب دورا مخربا وليس باعتبارها ظاهرة أخلاقية أو قانونية محصورة فى إطار العلاقة بين الخير والشر بالمعنى الذى يتقبله المجتمع الحالى . ونحن نعتقد بأن التاريخ هو عملية صراع بين الجديد والقديم بمعنى التاريخى واللا تاريخى ، ولذلك حددنا الطفيلية كمفهوم فى إطار هذا الصراع وكسمة لطرفه الثانى. وبهذا المعنى وحده يكون هناك معنى لطرح فكرة طفيلية الطبقة المسيطرة أصلا ، ويكون من المجدي تركيز الاهتمام بها وتحديد موقف منها حيث ان هذا التحديد هو الذى يجبرنا على اتخاذ موقف حاسم وواضح ودقيق من العلاقات الاجتماعية القائمة .
والان كيف يمكن ان نحدد ما إذا كانت الطبقة السائدة فى بلد ما طفيلية أم لا ..؟..
من الواضح ان قياس هذا بمعدل نمو إنتاجية الآلات أو قوة العمل لا يقدم لنا أى مقياس حقيقي لأننا لا نملك مقياسا معينا لتحديد الإنتاجية الملائمة لنمط إنتاج معين فى مرحلة ما من تطوره .. كما ان العلاقات الإنتاجية الرجعية لا تمنع بل تعرقل فحسب تطور القوى المنتجة كما يتبدى فى الإنتاجية . كما ان مجرد بعض ، أو حتى كثير من الأنشطة غير المنتجة لا يدل بحد ذاته على طفيلية النظام ، إذ يجب – وهذا هو الأهم – تحديد المغزى العميق لوجودها . اما المقياس الأهم ، بل والممكن فهو تحديد قدرة النظام على تحقيق الفائض الاحتمالى [15]. فهذا المقياس هو أولا مباشر ، وثانيا يوضح على نحو مباشر قدرة النظام على تطوير قوى الإنتاج فى الظروف التاريخية القائمة.
   ويتأتى هذا الأمر بتحليل المنحى العام لعملية التراكم فى المجتمع ككل ، أى شكل استخدام الثروة من القيم المادية وقوة العمل فى مجموعهما . ووفقا لهذا المعيار يتبين الطابع الطفيلي للاقتصاد باتجاه متزايد نحو تبديد الفائض الاحتمالي ودائما ما يترافق مع هذه العملية تبديد للفائض الفعلى[16] كذلك . وتتخذ هذه العملية أشكالا متباينة من بلد لآخر.
 وعلى هذه الأسس النظرية نبدأ فى دراسة الطابع الطفيلي من عدمه للطبقة المسيطرة فى مصر .
 *************************
 ـ طفيلية النظام القائم وطابعها الخاص[17]:
 فى رده على صلاح العمروسي حاول محمود عبد الفضيل ان يدافع عن مفهوم الفئة الطفيلية ، وكان أكثر أصحاب هذه الفكرة وضوحا وتماسكا .وقد استطاع ان يفجر بشدة قضية بالغة الأهمية ، هي مسألة خصوصية التطور الاقتصادى فى مصر الحديثة بالنسبة لأوربا الرأسمالية . وهو أمر طرحه البعض من قبل فى سياق تحليل ظاهرة الطفيلية أيضا ، ولكن فى العموم .فقد أشار "دويدار" إلى دور التبعية – التخلف فى إنتاج الطابع "الريعى" للطبقة المسيطرة والدولة فى مصر ، كما طرح محمد عبد الشفيع المسألة بشكل أكثر حدة : "ولكن هذا الوضع القائم كله من وجهة نظرنا عقبة دون التطور الاقتصادى الاجتماعي المتواصل ، ولا نقول أنه (طفيلى) لأنه لم يكن تقدميا فى مرحلة ما بعكس الحالة التي وصفها لينين بخصوص الامبريالية .انه استمرار وتعميق لأسلوب "إنتاج التخلف الذى نشأ وتبلور عبر القرون الثلاثة الماضية .(ولعلنا بذلك نستثنى الانقطاع المؤقت الذى أحدثه "نظام إنتاج الدولة" الناصرى فى عقد الستينات )[18] " ولم يوضح لنا الكاتب لم يستثنى ما اعتبره انقطاعا فى العهد الناصرى ولماذا اعتبره انقطاعا أصلا وما إذا كان قد أوقف" تعميق أسلوب إنتاج التخلف " كما يسميه .. فهو أول من نفى فى خضم الحوار المذكور فكرة خصوصية مرحلة الانفتاح بالنسبة لطفيلية النظام القائم إلا أنه سرعان ما تراجع أمام تأثره بالناصرية (وهو أمر سنعود إليه بالتفصيل المناسب فيما بعد) . ورغم أنه الأكثر راديكالية فى أطراف الحوار إلا أنه فى سياق طرحة للقضية تبنى فكرة وجود فئة طفيلية محددة فى البلدان الرأسمالية فى عصر انحطاطها التاريخي تتمثل كما يرى فى أصحاب رأس المال المالى[19] بناء على الاعتماد على لينين وفهم عباراته فهما خاطئا رغم ذلك ، كما لاحظ العمروسى بحق [20].
اما الأخير ، ففى سياق محاولته دحض أصحاب نظرية الفئة الطفيلية ذهب بعيدا فى إبراز خصوصيات ما يسميه بالرأسمالية المصرية ، فهو يرى ان "الطابع الطفيلى للرأسمالية المصرية وصل أشد تحقيقاته فداحة فى عصر الانفتاح "ص91(إذن كان موجودا من قبل ؟) ."وفضلا عن ذلك فقد استوردت الرأسمالية المصرية منذ النشأة النزعات الاستهلاكية الترفية السفيهة من الغرب الإمبريالى، خاصة أنها نشأت من قلب طبقة ملاك الأراضى بنزعاتهم الاستهلاكية "ص 91 . كما يقول بأن أمراض الأزمة العامة للرأسمالية ، أى مرحلة تدهورها وتعفنها .." قد شهدنا عناصر منها تصيب رأسمالية في البلدان والمتخلفة وهى في مرحلة شبابها فما بالنا بمرحلة الشيخوخة والتدهور "ص 90، كما رصد الطابع الاحتكاري " للرأسمالية المصرية " ص91. ورغم رصده للدور الطفيلي للحماية الجمركية فى مصر إلا أنه امتدحه :"رغم الدور التقدمي للحماية الجمركية إلا أن الرأسمالية المصرية اتخذت منها وسيلة لتضخيم أرباحها على حساب المستهلكين من الطبقات الشعبية ، كما أدت إلى إضعاف الحافز على التطور والابتكار "ص 92 (التشديد من عندنا) .كما رصد غياب " قاعدة تكنولوجية متطورة " للصناعة المحمية بحواجز جمركية كبيرة ، وأنها "تفتقد قوى الدفع الذاتى لتطوير القوى المنتجة وتوسيع السوق القوى " .." وغابت منها أهم فروع إنتاج وسائل الإنتاج " . ويصف هذا الهيكل ككل بأنه " هيكلا صناعيا مشوها ومفككا ويحمل فى صلب تكوينه عوامل الركود والتعفن السريع والأزمة وضيق السوق ومشكلات التمويل "ص 91 كما وأشار إلى دور "التبعية للرأسمالية العالمية فى تشابكها مع العلاقات الرأسمالية العالمية المتخلفة "ص 104.
ولنرجع إلى محمود عبد الفضيل ، وهو قد رصد الخصوصيات التالية لما تسمى بالرأسمالية المصرية ،وذلك خلال رده على صلاح العمروسي ، إذ ان الأول رغم تبنيه فكرة الفئة الطفيلية الأقل راديكالية سار شوطا أبعد بكثير من الثانى فى إبراز خصوصية طفيلية الطبقة المسيطرة فى مصر مسددا نحوها نقدا أكثر راديكالية . فهو لا يرى ان الجانب الطفيلي غالب على "الرأسمالية المصرية" فى مرحلة انحدارها فقط ، بل ان السمات الطفيلية قد تكون ملازمة لأقسام واسعة من الرأسمالية المصرية فى مرحلة صعودها " ، بل يؤكد ردا على العمروسى ان أشكال المضاربات كانت مصدرا أساسيا من مصادر التكاثر والتراكم المالى "دون ان تقود بالضرورة إلى تطوير قوى الإنتاج فى المجتمع المصرى "[21]، إلا أنه توقف عند استنتاج مجرد تماما ، هو ان هذه الطفيلية تدل على ان هناك خصوصية للتطور الرأسمالي فى مصر متهما اليساريين المتشددين بالاعتماد على النصوص والقياس على وقائع التاريخ الأوربى (سنعود إلى هذا الأمر بعد قليل ) .
وطرح عبد الفضيل كذلك مسألة خصوصية مجال التداول بالنسبة للطابع الطفيلي ، فاعترض على الفكرة التى دافع عنها العمروسى و القائلة بتكامل الإنتاج والتداول فى نمط الإنتاج الرأسمالى ، معتبرا ان هذا ممكن فقط فى مرحلة نضوج الرأسمالية لا فى مرحلة جنينيتها أو تدهورها ، كما لا ينطبق هذا الكلام على "النمو المشوه" فى العالم المتخلف ، وراح يستعيد كلام موريس دوب[22] حول دور أرباح التجارة البعيدة فى توليد الفائض فى بدايات التكوين الرأسمالي فى أوربا ، معتبرا ان هناك تمايز بين مجال الإنتاج ومجال التداول ، وانه من الممكن الحصول على الفائض من مجال التداول .كما أشار إلى عوائد المصريين العاملين بالخارج كعامل مهم أدى إلى غلبة دور التداول وفى النهاية استنتج عبد الفضيل ان العلاقة بين الإنتاج والتداول بالنسبة لحالة مصر قد لا تكون علاقة تكامل .
 وسوف نقوم فيما يلى بعرض وجهة نظرنا فى هذه القضايا من خلال نقد الاطروحات السابقة ، ولنبدأ بتحليل اطروحات الأستاذ صلاح العمروسى :
 سار "صلاح" بعيدا فى إبراز خصوصيات ما أسماه بالرأسمالية المصرية وذلك لايقاع الهزيمة بخصومه ، إلا أنه لم يواصل السير حتى النهاية . فقد طرح فكرة صحيحة تماما : ان تراكم صور النهب والغش والاحتيال ..الخ فى مرحلة الصعود التاريخى للبورجوازية (يتكلم عن أوربا) يصب فى النهاية فى التطوير الثورى للقوى المنتجه عكس الحال فى مرحلة الهبوط التاريخي . واعتمادا على هذه الفكرة الصحيحة اعتبر ان الطابع الطفيلي الذى ميز "الرأسمالية المصرية " منذ البداية " يختلف دوره ووزنه فى مرحلة الصعود والتقدمية والثورية عن مرحلة التدهور والرجعية وتبديد الفائض والنزعات الاستهلاكية وتعويق القوى المنتجة "ص89" . (التشديد من عندنا)والحقيقة ان الأستاذ العمروسي قد خلط بين الطفيلية والجريمة الاقتصادية فى هذه النقطة بالذات رغم أهميتها البالغة ، وهى المسألة التى عالجها بنقد مرير فى أول كتابه فهو يخلط بين المضاربة والغش والنهب ..الخ ، معتبرا كل هذه صور من الطفيلية دون ان يميز بين ما هو طفيلي منها وما هو غير قانونى فحسب ، فالمضاربة نشاط من طبيعته ان يحجز كمية من رأس المال فى عملية لا تفيد النشاط الإنتاجى ، اما أشكال الغش فلا تتضمن بالضرورة هذه الطفيلية .
وكان الأحرى ان يقول الكاتب ان الجريمة الاقتصادية فى عمومها كانت فى فترة صعود الرأسمالية تصب فى تطوير القوى المنتجة مثلها مثل معظم ألوان النشاط المالى والإنتاجى فى ذلك الوقت . وسوف نعود بعد قليل إلى هذه النقطة.
 ورغم ان العمروسى قد استطاع ان يحدد بعض خصوصيات تطور الطبقة المسيطرة فى مصر إلا أنه أصر على التعامل معها كمجرد صورة (اعتبرها مشوهة ) من الرأسمالية الأوربية ، وهو قد اعتمد أساسا فى رده على الآخرين على إبراز اضطراب اطروحاتهم وعلى العودة إلى ما اسماه "بالأصول" أى الاستعانة بنصوص ماركس ولينين أكثر مما اعتمد على تقديم أفكار بديلة أكثر وضوحا.
 والحقيقة انه قد طرح قضية لم يستطع ان يفسرها إطلاقا ، فرغم إصراره على وصف النمو الاقتصادى فى مصر الحديثة بالتشوه والتفكك والتخلف والتبعية ، ورغم كل هذا الذى نقلناه عنه ، فإنه لم يتخلص أبدا من رؤيته النمطية :"فالرأسمالية المصرية .." حققت صعودا تاريخيا أعقبه هبوط تاريخى ، فرأيناه على سبيل المثال – يتحدث عن "نجاحات نسبية"فى"تقويض أشكال التبعية المباشرة "(التشديد من عندنا ) و"تحقيق دفعة من التنمية الصناعية "ثم يقول " فإن طريق التطور الرأسمالى وصل فى النهاية إلى طريق مسدود واثبت عجزه عن بلوغ مستويات التطور التى تنطوي عليها من الناحية النظرية العلاقات الرأسمالية "ص 91. ويبدو ان غياب التحليل العينى يمنح المرء فرصة استخدام الكلمات المجردة على هواه .. ورغم ذلك (أو لذلك بالذات) عجزت هذه الكلمات عن إقناعنا بفكرته ، وإذا كنا بصدد موضوع الطفيلية التى لم يختلف معنا – جوهريا –على مفهومها فإن الأستاذ العمروسى مطالب بأن يحدد إذا ما كان هذا النمو المشوه المتخلف ...الخ ،حسب وصفه قد حقق أقصى ما يمكن فى ظل الظروف التاريخية التي جاء فيها ؟؟ هل يمكن الكلام عن طبقة تقدمية وثورية تفتقد فى نفس الوقت " قوى الدفع الذاتى لتطوير القوى المنتجة " والى " أهم فروع وسائل الإنتاج "والى " قاعدة تكنولوجية متطورة " كما وصفها نفسه ؟.
 والحقيقة ان فكرة العمروسى يمكن أن تتعرض للنقد الآتي :-
 1- تحدث عن طابع طفيلى مبكر للطبقة المسيطرة وان لم يصفها بهذا على نحو مباشر ، إلا أن هذا هو ما نستنتجه من وصفة الصحيح جدا " للرأسمالية المصرية .." فى بداية تكونها ، ورغم هذا لم يتخلص من رؤيته لهذه الطبقة كأنها مرت بفترة صعود تاريخى وكنا نتمنى ان يوضح لنا كيف لعب "التلاعب والغش والفساد "أى الجريمة الاقتصادية ، بالذات دورا ما فى تطوير القوى المنتجة كما فعلت أوربا فى مرحلة صعود الرأسمالية،علاوة على ان يشرح لنا كيف تنسجم طفيلية طبقة مع تقدميتها وثوريتها. والحقيقة ان أطروحة الكاتب بهذا الصدد مضطربة تماما فهو يقول: "ثمة طابعا طفيليا كامنا (التشديد من عنده) فى صلب تكوين الرأسمالية وهو طابع تاريخي وليس أخلاقيا ولم يكن الطابع الرئيسى للرأسمالية فى مرحلتها التقدمية وتطويرها الثورى لقوى الإنتاج. ولكن هذا الجانب الطفيلي يتحول إلى سمة أساسية فى مرحلة الانحدار والتدهور "صـ71-72. وهو يتحدث بعد ذلك عن المضاربة والغش والابتزاز .. الخ كأشكال للطفيلية خالطا بذلك بين الطفيلية والجريمة الاقتصادية (الغش ..الخ) وهو ما يناقض مفهومه للطفيلية كما اوضحنا من قبل ، كما انه يناقض نفسه مرة أخرى حين يعزى إلى الطفيلية دورا تقدميا فى مرحلة الصعود التاريخى ويتناسى تعريفه للطفيلية سابق الذكر . انه يحاول ان يرد على خصومة بقلب المائدة بما فيها أو عليها ، فالطفيلية لدية هى دائما طابع عام للطبقة ، وذلك لكى يفلت من فكرة الفئة الطفيلية ، واقعا بذلك فى خطأ نظرى كبير ، إذ يعزى للرأسمالية الاوربية فى فترة صعودها طابعا طفيليا تقدميا (!!!).وذلك حتى لا يرى فئة أو فئات طفيلية محددة المعالم وجدت فعلا.
 واذا أردنا ان نعود إلى أرضية صلبة للحوار فلنتكلم عن دور تقدمى لبعض أشكال الجريمة الاقتصادية فى فترة صعود الرأسمالية ، هذا ما حدث فى أوربا فعلا ولنتناسى خطأ العمروسي فى الخلط بينها وبين الطفيلية . وبالنسبة لمصر يختلف الأمر ، فقد ترافقت اشكال النهب المختلفة القانونية وغير القانونية طوال تاريخ مصر الحديثة مع تبديد بشع للثروة ولقوة العمل . وهاك أرقاما بسيطة تخص توزيع الفائض الفعلى خلال الفترة من 1937-1953[23]:

استهلاك فاخر 38%
توظيفات سائلة وشبه سائلة 15%
توظيف عقاري 34%
استثمارات إنتاجية 14%
 وفى الفترة نفسها بلغ معدل الادخار النسب التالية [24]:
1939 5% من الناتج الاجمالي
1942    23%   
1944    29 %     
1950    13%                    
ونلاحظ ان هذا المعدل قد ازداد خلال الحرب كأمر اجبارى لعدم ورود البضائع المستوردة من الخارج، وان هذا المعدل الكبير من الادخار لم يقابله معدل استثمار مماثل وانما قابلته أرصدة استرلينية ضخمة ثم استهلاكها بعد ذلك .
  لقد أصاب الفائض المتحقق، كما هو واضح، تبديد بشع ،إلى جانب تخريب لم يسبق له مثيل في الفائض الاحتمالى الذي يمكن ان نتبينه فى الأرقام الخاصة بحجم البطالة الصريحة والمقنعة طوال تاريخ مصر الحديث ، خاصة بعد الانفجار السكانى.
هل يستطيع إذن الأستاذ العمروسى ان يشرح لنا كيف صبت المضاربات والغش .. .. الخ فى تطوير القوى المنتجة ؟ ..
واذا اردنا ان نقارن بين الرأسمالية الاوربية وطبقتنا المسيطرة لوجدنا أنه بالنسبة للأولى كان معدل امتصاص الصناعة لفائض العمالة الريفية حتى 1850 حوالى 80% ، وبلغ 30 40% خلال الثورة الصناعية الاولى ، هذا رغم الجريمة الاقتصادية والوان النهب الخارجى والداخلي " غير الاخلاقية " .. اما بالنسبة للبلدان المتخلفة ، فقد بلغ هذا المعدل فى الفترة من 1950-1970 حوالى 10% فقط[25]، اما فى حالة مصر بالذات فبلغ استيعاب الصناعة للعمالة الجديدة فى الفترة من 1937-1960 نحو 20% ، ومن 1960-1970نحو 18%[26]هذا دون حساب نسبة الاستيعاب من زيادة عرض قوة العمل ككل [27].
   وهذا الانخفاض من 20%إلى 18% إلى 17% له معنى واحد ، هو تفاقم ظاهرة اختلال الاقتصاد لصالح القطاعات غير المنتجة ، ومع المقارنة بأوربا يتضح ان هذا الاختلال بالنسبة لاقتصاد حديث يعنى ميلا قويا للركود .
   2- رغم ان العمروسى قد استشهد بلينين فى ربطه بين الطابع الاحتكارى للرأسمالية وطابعها الطفيلى مستخدما ذلك فى دحض محمد عبد الشفيع ، إلا أنه تناسى هذه الفكرة لدى رصده "لوجود اشكال عالية من التركيز" وأوضاع احتكارية لدينا هنا (ص91) ، ومن المعروف ان هذه الاوضاع كانت قائمة دائما فى مصر الحديثة ولعبت فعلا دورا هاما فى عرقلة تطور قوى الإنتاج حتى "بالشكل المشوه" كما يسميه صلاح العمروسى . وقد تخلى الكاتب هنا بالذات عن كلاسيكيته المتشددة ، ونقصد انه لم يصف هذه الرأسمالية الاحتكارية منذ بداية تكوينها بالطفيلية رغم أنه اطلق عليها عديدا من الصفات الطفيلية إلا أنه تعامل مع هذه الصفات (أو هذا ما فهمناه من كلماته ) على انها مجرد نقط نظام أو تحفظات على ثوريتها !.
3- يرى الكاتب ان الطابع الطفيلى الحالي كان نتاجا " لبلوغ طريق التطور الرأسمالي (. . . . ) إلى طريق مسدود "ص91 ، ومعنى هذا ان التناقض بين قوى وعلاقات الإنتاج الرأسمالية فى مصر قد نضج .. وهو أمر لم يدلل عليه أحد من انصار نظرية صعود وهبوط الرأسمالية المصرية . وكان ينبغي عليه ان يحدد لنا هذا الأمر ، خاصة أنه يقدم دراسة فى هذه القضية بالذات . ونحن لا ننكر ان النمو الاقتصادي فى مصر قد بلغ حالة أزمة بالغة الحدة إلا أن هذا النمو المعاصر ليس النمو الرأسمالي وإنما نمو التخلف ، ومما يميز هذا النوع من النمو هو أنه دائما ما يكون نمو داخل أزمة ، وأنه بقدر ما يتحقق بقدر ما تنمو أزمته الخاصة ، ولذلك لم يخل تاريخ مصر الحديث منذ نهاية محمد على عن حالة أزمة مزمنة ، وكثيرا ما بلغت هذه الازمة درجة من الحدة (1947-1953 على سبيل المثال ..) وهى حدة قابلة للإنكسار ودائما ،وليس من المستحيل ان تشهد مصر خلال السنوات القادمة نموا اقتصاديا ملموسا بمعاونة الولايات المتحدة .. ومن الغريب ان الكاتب يعتبر هذه اللحظة الحادة من الأزمة هى نهاية طريق "التطور الرأسمالي" كما يسميه ناسيا الأمر الأهم وهو الأزمة المزمنة للنظام منذ نشأته فى القرن التاسع عشر ، والتى لازمته حتى فى أوقات انتعاشه الحاد ، ففترة الانتعاش لهذا النظام لا تنفى الأزمة الدائمة ، المزمنة بل تعززها ، وهى تتبدى فى طفيلية شاملة .. طابع طفيلى عام يعكس ميلا للركود ، فالنمو المتخلف يعيق نفسه بحكم طبيعته نفسها (نمو تصديرى احلال واردات على حساب النمو ذو التوجه الداخلي) لذلك وجدت دائما طاقة عاطلة ملموسة فى ادوات الإنتاج والعمالة مع تبديد واسراف ..الخ ، وكان من الاحرى ان يقول الكاتب ان طريق النمو الرأسمالي فى مصر الحديثة (بالطريقة التى يفهمه بها) كان دائما مسدودا .. ولهذا بالذات كان طريق النمو الدائم للأزمة على المدى الطويل : نمو إنتاج الفائض ونمو الميل إلى تبديده فى نفس الوقت.
   ان اصرار الكاتب على رؤية نمطية لتطور الاقتصاد المصرى الحديث قد أوقعه فى مشاكل لا حل لها إلا بالتخلى عن هذه النظرة كلية ، فقد برهن بدون ان يقصد (ودعمنا نحن هذه الفكرة) على الطابع الطفيلي العام للاقتصاد المصري الحديث ككل ، والذى أسماه الرأسمالي .. والذي بسبب طفيليته هذه لا يمكن ان يعد تطورا تاريخيا . وتحل فكرة نمو التخلف هذه الاشكالية ، وهى تحل محل فكرة النمو الرأسمالى الذى صعد تاريخيا ثم اصبح معاقا فى مرحلة الهبوط التاريخي للرأسمالية .. واذا كان العمروسى قد نجح فى توضيح الطابع الطفيلي للاقتصاد فى عصر الانفتاح فإنه قد فشل فى تفسير ديمومة هذه الظاهرة منذ نهاية محمد على وحتى اليوم ، بل حاول على العكس ان يقدم الفترة الحالية مقابل الفترة السابقة على الانفتاح ، خصوصا الفترة الناصرية ، وهو أمر سنعود اليه فيما بعد.
   وسوف نقدم بصدد هذه النقطة إضافة أخيرة : ان النظام المتخلف القائم فى مصر هو نظام رجعى منذ نشأته ، لأنه يحل محل نظام ثورى موجود بالقوة ، بل و يعمل على قمع القوى السياسية التى تبشر به[28]. وما اضطرار الأستاذ العمروسى إلى استخدام مصطلحات مثل "النمو المشوه" ، ما وضعه لعديد من التحفظات على الطابع الذى يعتبره ثوريا لهذا النمو قبل عصر الانفتاح ، إلا تعبيرا عن احساسه بالاشكالية التى تواجهه.
   واذا كانت التقدمية والثورية لدى الأستاذ العمروسي تعنى اقامة بضعة مصانع راكدة ومتأخرة ، فإن شرف التقدمية والثورية فى هذه الحالة لا يكون من نصيب رجال الأعمال وملاك الأراضى المصريين وانما يكون بالدرجة الاولى من نصيب الطبقة التى تعد مسئولة عن إنتاج هذه المصانع نفسها ؛ الرأسمالية الأوربية والأمريكية ، بما يعنى منح دور ثورى للامبريالية . اما إذا أصر الكاتب على وجهة نظره ، فتصبح الأنظمة العميلة الأكثر اندماجا فى السوق العالمية أكثر ثورية من النظام المصري قبل وبعد 1952 حيث شهدت معظم هذه البلدان حركات تصنيع اوسع (امريكا اللاتينية ، شرق آسيا) ولعب رأس المال الامريكي الدور القيادي فى هذا التصنيع ، كما يصبح النظام السعودى أو نظام قابوس بطلا ثوريا بالنسبة لانظمة معتدلة كالهند والجزائر.. أليس كذلك ؟! وقد أردنا فقط من هذه الإشارة ان نوضح إلى أى حد تتمخض فكرة الصعود والهبوط المذكورة عن مشاكل لا حل لها .
وننتقل الآن إلى أطروحات محمود عبد الفضيل:
1- رغم انه قد رصد حقيقة طفيلية الطبقة المسيطرة فى مصر خلال تاريخها الحديث واعتبرها ضمن خصوصياتها كطبقة متخلفه إلا أنه لم يحاول اكتشاف المغزى الحقيقي لهذا الأمر وراح يستشهد - كما فعل العمروسي بماركس : رأس المال الربوى فى نهاية عصر الإقطاع له سمات طفيلية بارزة ، إذا انه " يلتصق بنمط الإنتاج كطفيلي ، يمتص دمه ويحطم أعصابه" مستنتجا ان إشارة ماركس هذه تعنى ان "الطابع الطفيلي الغالب على قسم معين من أقسام رأس المال فى مرحلة تاريخية معينة ليس بدعة من ابتداع اليسار المصرى ذى النزعة الإصلاحية "إلا أن الأستاذ عبد الفضيل يتناسى هنا ان نظام الإقطاع نفسه فى نهاية عمره كان نظاما طفيليا فى كليته وأن رأس المال الربوى لم يكن سوى ملحقا به ، أحد مكوناته ، كما ان هذا الوضع كان خاصا بمرحلة انحلال الإقطاع دون ان يتعلق بمرحلة صعوده التاريخي ، إذن كان ينبغي لعبد الفضيل ان ينتبه إلى انه قد قد رصد حالة لا علاقة لها بما يريد ان يستنتجه منها . والأمر فيما يتعلق بمصر الحديثة هو كما ذكر عبد الفضيل نفسه ملازمة الجانب الطفيلى دائما بل وغلبته (هذا المعنى موجود ضمنا فى كلمات عبد الفضيل نفسها) .ورغم ذلك فإن هذا المثال يشترك مع خصوصية مصر الحديثة فى مسألة هامة ، فالطبقة المسيطرة فى مثاله (فى الفترة التى ذكرها)، وفى مصر الحديثة ككل طفيلية بالكامل وهو الأمر الذى لايلتفت اليه مثبتا بمثاله خطأ فكرته الأصلية لا صوابها . وكان من الأفضل له ان يضرب الأمثلة التى ضربناها فى هامش12 . إلا أن الأمر يظل ضد صحة فكرته أيضا ، فهو لم يستطع ان يحدد لنا أى فئة صاعدة تاريخيا (أو غير طفيلية) من الطبقة المسيطرة فى مصر، وقد ذكر أمثلة( لا نعرف ان كان لم يجد أفضل منها!) :" أصحاب الورش الصغيرة (ورش النجارة فى دمياط ) وتجار الموسكى المرتبطين بالسوق المحلية" ، وقد فات الأستاذ عبد الفضيل ان هذه الفئات تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة لا إلى "الرأسمالية" ، كما فاته ما هو أهم ؟ ان صغار المنتجين الصناعيين فى مصر المعاصرة يعتمدون أصلا على الصناعة الكبيرة (ورش إصلاح سيارات ، ورش إنتاج اجزاء الغسالات ……الخ).
   كما ان التاجر الصغير هو جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الطفيلي القائم فهو مجرد تابع لتاجر الجملة . وبامكاننا ان نقدم له أمثلة أكثر تعبيرا عما يريد ان يقول : صناعة المخللات ، المخابز البدائية ، صناعة بعض انواع الحلوى ، صناعة النشوق، التطريز (اليدوى) ، السجاد اليدوى، صناعة رتق ورف الملابس ، صناعة الحصير ، الفخار، الغزل والنسيج اليدوي .. .. الخ، فهذه الصناعات موجهة أساسا للسوق الداخلي وهى قطاعات لها جذور قديمة فى الثقافة والبناء الاقتصادى المحلى وهى ليست تابعة للخارج بأى شكل .. ومع ذلك هل يمكن اعتبار هذه الفئات تقدمية؟ ان هذا لا يعدو إلا أن يكون شيئا مضحكا : أولا : هذه الفئات طفيلية بالمعنى العلمي للكلمة ، فهي لا تبذل أى جهود لتطوير القوى المنتجة بل تؤبد تأخرها ، ولا يمكن وصفها بأنها تحمل نظاما اقتصاديا ثوريا. ثانيا : آخذه فى الانخراط فى الاقتصاد التابع- الرجعى ككل ، أى فى القطاعات الأخرى التى نوافق عبد الفضيل على اعتبارها طفيلية منذ نشأتها ، فعلى سبيل المثال ، تلجأ بعض هذه الصناعات (المحلية جدا) شيئا فشيئا منذ عقود عديدة إلى التحول من صناعات داخلية التوجه إلى صناعات معتمدة على التكنولوجيا المستوردة (مثل صناعة الخبز) وماليا كذلك (تربية الدواجن وصناعة اللحوم ) .. أى إلى احلال الواردات . ومن الأمور الغريبة ان عبد الفضيل فى رده على العمروسي قد رصد حقيقة نوافقه عليها ، ان هذه الغلبة للطابع الطفيلي لم تؤد إلى تطور القوى المنتجة( و نفهم من هذا التعبير أنه يعنى إعاقة تطور القوى المنتجة لا وقف تطورها). ، فأين إذن دور الفئات الثورية (أو غير الطفيلية ) فى الرأسمالية المصرية المزعومة ؟ وكان الأجدر به ان يستنتج لا مجرد وجود خصوصية لما يسميه التطور الرأسمالى فى مصر ، بل ان يحدد هذه الخصوصية ، وهى فى هذا المقام خصوصية تتعلق بسيادة الطابع الطفيلي دائما فى هذا الاقتصاد .. المعيق للتطور ، الرجعى دائما ..
واستكمالا لهذه النقطة نضيف ان الأستاذ عبد الفضيل لم ينتبه لمغزى مثاله بالذات ، فمعظم صغار الملاك بوجه عام يدفعون ثمن وضعهم الاجتماعي غير الثوري ، أى انهم يعدون ضحية لطفيليتهم وينتمون إلى الجماهير الكادحة ، ومن هذه الزاوية فقط هم ثوريون . وهنا نتذكر فكرة ابراهيم العيسوي حول الطفيليين المحترفين والطفيليين الذين يضطرون إلى ممارسة النشاط الطفيلي .. فالفئة الأخيرة ضحية للنظام القائم الطفيلي ككل ، وهى تستمد ثوريتها من كونها ضحية لا من كونها تعمل فى مجال اقتصادي بعينه . وبالمثل تتضمن الطبقة العاملة جماعات طفيلية (العمالة الزائدة) إلا أنهم ضحايا للنظام وليسوا اصحابه ولهذا السبب هم ثوريون ايضا . وكل هذه الفئات الطفيلية من صغار الملاك والعمال تعد من حفار قبر النظام دون ان تشكل جزءا من الطبقة المسيطرة المسماه بالرأسمالية ، بل ان وجودها نفسه يدل على طفيلية النظام الذى يفرزها ، والنظام كما هو مفهوم هو نظام الطبقة المتحكمة فى الثروة.
   2- اما بالنسبة لخصوصية دور التداول فقد استطاع عبد الفضيل ان يتجاوز تعميم الفكرة المجردة القائلة بتكامل الإنتاج والتداول (كما طرحها العمروسى) إلا أن تحليله تضمن عددا من القصورات الهامة :
أولا : إذا كان الكاتب قد أقر بإمكانية تمايز التداول واستقلاله الجزئى عن الإنتاج متمثلا فى الحصول على الفائض من التداول نفسه فإنه لم يؤكد على ان هذا الفائض بالنسبة لأوربا فى فترة التكوين الرأسمالي كان يتكون أساسا من خارج الإنتاج الرأسمالي ، خاصة عن طريق التجارة البعيدة . ومن الأمور المحسومة فى الفكر الاقتصادي ان انتصار الرأسمالية فى اوربا لم يكتمل بإلغاء القنانة فقط بل وبتحقيق سيادة رأس المال الصناعى على رأس المال التجاري ، تلك السيادة التى تجسدت بالنسبة لبريطانيا مثلا فى حل شركة الهند الشرقية بقرار من الملكة فكتوريا[29].
   إذن كان هذا الطابع الخاص للتداول متوافقا مع مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية وليس خاصا بالنظام الرأسمالي عموما . وخلاصة الأمر ان هذا التمايز قد دل على نقص التكوين الرأسمالي ، أي انه مشروط . وتظل بالتالي فكرة التكامل بالمعنى الذى طرحها به العمروسي منطبقة على الرأسمالي "الناضج" حسب تعبير عبد الفضيل. ويتلخص استنتاجنا الرئيسي هنا فى ان تمايز التداول ليس مجرد امكانية مجردة أو حالة لا يمكن تفسيرها أو مجرد احدي حالات العلاقة بين الإنتاج والتداول فى ظل الرأسمالية بل يظل التكامل (حسب شرح العمروسى) احد سمات الرأسمالية . أما التمايز فهو الاستثناء الذى يؤكد القاعدة ولا يخرج عليها ، فقد حدث فى فترة لم تكن الرأسمالية خلالها قد حققت انتصارها أو سيادتها فى المجتمع ، وبالتالى لا يعد وجود هذا التمايز أو الدور الفريد للتداول فى مصر المعاصرة مجرد أحد حالات العلاقة بين الإنتاج والتداول فى ظل الرأسمالية ، بل يعد دليلا على نقص الرسملة وعلى طابع خاص للنمو الاقتصادي فى مصر الحديثة ، أو على الأقل يثير التساؤل حول طبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيها وسوف نعود بعد ذلك لمناقشة هذه القضية .
   ثانيا: ذكر عبد الفضيل ان الاقتصاد المصري حاليا يتميز بغلبة التداول على الإنتاج و لكنه لم يتوقف طويلا عند هذه الإشارة . وجدير بالملاحظة ان هذا الوضع لم يكن قائما فى أوربا الرأسمالية قط ، ففى بداية تكوين الرأسمالية كان رأس المال التجاري يقاوم رأس المال الصناعى ويعرقل نموه إلا أنه لم يسيطر عليه ، انما كان يسيطر على جزء من الورش الصغيرة (نمط الإنتاج الصغير) معيقا تطورها ، بينما تطورت الرأسمالية أساسا بواسطة المنتج الذي صار تاجرا ورأسماليا وهو الذى اسماه ماركس بالطريق الثوري حقا[30] ، والذى كان يناضل ضد "التجارة البعيدة " دون ان يخضع لها ويتأقلم معها ،وهذا عكس الحال فى مصر .
فنحن نتفق مع عبد الفضيل فى ان التداول هنا غالب على الإنتاج ، إلا أننا نفهم من كلمة "غالب" لا مجرد "الغلبة الكمية"، بل الهيمنة ، بمعنى ان رأس المال الإنتاجى هو فى الحقيقة جزء من رأس المال التجارى وليس العكس هو الصحيح. وهذه هى الخصوصية الأساسية للتداول فى بلادنا وفى العالم الثالث ككل . ويشمل التداول التجارة الخارجية والبنوك فى مجملها لأنها تمول أساسا التجارة الداخلية المتمثلة فى تجارة السلع والخدمات ومختلف الأنشطة المالية (تأمين مضاربة سمسرة تجارة عملة .. ... الخ).
   وتتبلور هيمنة التداول على الإنتاج فى هيمنة التبادل الخارجى على عملية الإنتاج فمن خلال هذا التبادل يتم حفز نمو قطاعات تصدير معينة ، وبنفس الشكل يتم حفز اقامة الصناعة الحالة محل الواردات .. والتابعة تكنولوجيا . وقد تكون هذا الوضع بالقضاء على احتكار دولة محمد على وفتح السوق المصرى على مصراعيه أمام المنتجات الأوربية ، مما حفز التوسع فى إنتاج القطن للتصدير واقامة بنية أساسية وصناعات تخدم هذه العملية (سكك حديدية ، تلغراف ، حلج وكبس القطن ، تطوير الموانى ،مشاريع رى وصرف ضخمة ..) وذلك على حساب القطاعات الأخرى ، خاصة الصناعات التحويلية . وعزز تصدير رأس المال إلى مصر من اتساع التجارة الخارجية بشكل ملموس خاصة الواردات الممولة من القروض . وبدأ الاستهلاك (العام والفردى) يتحول إلى السلع المستوردة الجيدة والرخيصة ، كما اخذت المنتجات المحلية تعتمد بشكل متزايد على الآلات المستوردة بينما صارت الصناعات المحلية تماما نحو الانزواء وأخذت ُتنزع من قاعدتها الإنتاجية المحلية (الإنتاج المحلى لوسائل الإنتاج الذى مات تقريبا) ثم أُنشئت الصناعات الحالة محل الواردات منذ الحرب العالمية الأولى أساسا ، وفى سياق هذا كله نمت المدن نموا سرطانيا (باستثناء فترة قصيرة فى عصر اسماعيل).

توضح لنا هذه الآليات كيف لعب التبادل الخارجى دور إنشاء وإعادة إنشاء الاقتصاد الحديث فى مصر[31] داخل هذا الاقتصاد اتسعت المبادلات الداخلية المرتبطة بالتجارة الخارجية عبر هذا البناء الجديد نفسه.


هذا هو المعنى العميق لغلبة التداول على الإنتاج وهو ما يمكن ان نعبر عنه بشكل يوضح لنا مغزاه تماما كالأتى : الاقتصاد المصرى الحديث هو ككل اقتصاد تداولى وليس باقتصاد صناعي (إنتاجى) وهو أمر سنوضحه بشكل عينى بعد ذلك .
والملاحظة الأخيرة بهذا الخصوص هى ان رأس المال التجارى يستند فى هيمنته هذه على تحقيقه لجزء هام من الفائض المنتج بآليات غير رأسمالية (خاصة نمط الإنتاج الصغير ) والمنتج خارج الاقتصاد المحلي (خدمات مختلفة للأجانب ، تحويلات خارجية ..) ، هكذا .. يصنع التداول الاقتصاد كله خالقا وضعيه تخدم سيطرته ، وتستند هذه الدائرة المغلقة إلى الهيمنة الامبريالية ، فالتبادل الدولى لا يتم فى سلام كامل ، بل يتم مصحوبا بمختلف اشكال الضغط الأجنبى والتهديد الدائم باستعمال العنف ، وفى النهاية : التفوق الاقتصادى الكبير للبلدان الرأسمالية . ولا ننسى بالطبع ان كل هذا يتم مع وجود استعداد داخلى للاندماج فى السوق العالمية بهذا الشكل .

 ثالثا : ذكر عبد الفضيل ان الأموال المحولة من الخارج قد لعبت دورا هاما فى تحقيق غلبة التداول على الإنتاج . ولو مددنا هذه الملاحظة على استقامتها لا تضحت لنا أمور أكثر فالمعنى العميق لملحوظة عبد الفضيل هو ان التداول فى هذه الفترة يحصل على كم ملموس من الفائض من خارج الإنتاج المحلى . ويمكن ان نضيف عمقا جديدا، وهو ان التدوال يجنى فائضا بخلاف فائض القيمة المنتج بالطبع فى قطاعات الرأسمالية المحلية[32].


وبهذا يتضح تماما خصوصية التبادل فى مصر المعاصرة ، فسيطرته على الإنتاج- كما أشرنا سابقا تكسبه طابعا رجعيا- طفيليا معاديا للتطور ، يفسر لنا ، وإن بشكل غير مباشر ، بقاء ونمو نمط الإنتاج الصغير فى مصر والذى يعتصر منه رأس المال التجارى نسبة كبيرة من الفائض الاجتماعى العام[33].إلا أن هذه الخصوصية بالذات تعنى ان رجل الأعمال الإنتاجي يحصل هو الآخر على فائض ملموس جدا بخلاف فائض القيمة ، من خلال التداول المحض ، وانه بهذا الشكل لا يكون مجرد صناعى ، بل تاجر صناعى ، وهى حالة قبل رأسمالية لرجل الصناعة كما هو واضح . ففى المجتمع قبل الرأسمالى وجدت التجارة وأحيانا على نطاق واسع، إلا أن التاجر لم يكن رأسماليا Capitalist بالمعنى الحديث لهذا اللفظ ، فلم يكن يحصل على فائض قيمة بل على فائض ينتجه الفلاح والحرفي (لا العامل المأجور)، وفى فترة نشوء الرأسمالية فى أوربا الرأسمالية فى أوربا كان التاجر الصناعى يحصل على هذا الفائض بالإضافة لفائض القيمة المنتزع من العمل المأجور الذى كان لازال فى فترة تكون ونمو.

ومن الصحيح ان الفوائض المحولة من الخارج قد تكاثرت فى السبعينات ، إلا أنه قبل هذه الفترة لعبت الفوائض المحولة من الإنتاج الصغير والقطاعات الريعية وشبه الريعية (بترول- سياحة- قناة السويس) الدور نفسه . وبذلك يمكننا ان ننظر إلى قطاع الإنتاج على أنه هو الآخر ذو طابع طفيلى تابع ، لا فى الفترة الحالية فحسب، بل فى مصر الحديثة عموما ، هى نتيجة تجهض تماما محاولة عبد الفضيل اكتشاف قطاع غير طفيلى فى الاقتصاد المصرى.

ان غلبة التداول تعنى انه يقود الاقتصاد لا أنه يقهره ، فالإنتاج هو الآخر يقبل هذه الغلبة بكل رضا ، بل ويشكل مجرد جزء متحور من رأس المال العامل فى مجال التداول.


رابعا : واخيرا نود ان نضيف إلى فكرة عبد الفضيل حول خصوصية التداول، فوفقا للمعيار المباشر الذى حددناه فيما سبق للطفيلية ، فإن المجال الذى تتضح فيه إلى اقصى حد طفيلية النظام هو مجال التداول . ذلك انه يكون المجال الصريح والمباشر الأساسي لإهدار الفائض ، فتطوير القوى المنتجة يتم بالدرجة الأولى على صعيد الإنتاج لا التداول ،كما ان ضخامة قطاع التداول (نسبيا) فى حد ذاتها تدل على تأخر عملية الإنتاج نفسها[34]
ولذلك تكتسب سيادة التداول على الإنتاج مغزى طفيليا أبرز من كل المظاهر الأخرى، خاصة ان مجال التداول هو مجال العمل غير المنتج حتى فى مرحلة صعود الرأسمالية ولذلك بالذات يعتبر طفيليا بالقوةPotentially . لهذا السبب تعد ظاهرة نمو القطاعات المسماة بالثالثية (التداول ومحلقاته من خدمات وإدارة ..) فى العالم الثالث ذات مغزى طفيلى ، وهى ظاهرة ليست حديثة قط بل ميزت هذه البلدان منذ بداية انجرارها إلى السوق العالمى "وتحديثها" ، وهى ابرز مظاهر طفيلية هذه النظم وتعفنها.


ورغم ان الطفيلية تشمل النظام القائم ككل فى مصر ، إلا أن نمو التداول على حساب بل وفى مواجهة نمو الإنتاج يعد من أهم علامات الاختلال المباشرة للاقتصاد. وذلك وجدنا صلاح العمروسى الذى بذل جهدا صادقا و مثمرا لاثبات عدم اقتصار الطفيلية على التداول يستخدم ظواهر مثل تضخم القطاعات غير الإنتاجية كدليل على طفيلية الاقتصادى ككل (صـ99)، متخليا عن تشبثه بفكرة تكامل الإنتاج والتداول التى سبقت الإشارة اليها . والحقيقة ان تضخم دور التداول فى حالة مصر يعبر عن طفيلية النظام ككل ولا يعد مجرد ظهور لقطاع طفيلى . فهذه الظاهرة ، أى تضخم دور التداول انما تعبر- فى حالة مصر- عن حقيقة سبق لنا الإشارة اليها، هى ان الاقتصاد ككل تداولى، بمعنى ان التداول يحكم الإنتاج وهذا لا يعد دليلا على قوة التداول فحسب بل وعلى ضعف الإنتاج أيضا ، وهى ظاهرة تفسر لنا لماذا صبت الفوائض المحولة من الخارج ومن نمط الإنتاج الصغير فى التداول أكثر مما صبت فى الإنتاج .. لماذا لم تمثل هذه التحويلات عملية تراكم بدائى لرأس المال الصناعى ؟ والظاهرة لا تعود إلى عصر الانفتاح وتحويلات العاملين بالخارج بل انها ظاهرة أصيلة فى الاقتصاد المصرى الحديث منذ نهاية محمد على . وهذه الغلبة للتداول تعد فى حد ذاتها دليلا هاما على طفيلية النظام لسبب جوهرى هو أنها تعيق تطور الإنتاج.




وأخيرا يمكننا الآن ان نستنتج فكرة بديلة لفكرة صلاح العمروسى حول تكامل الإنتاج والتداول ، فقد نجح عبد الفضيل فى توجيه نقد لهذه الفكرة بالنسبة للاقتصاد قبل الرأسمالى والاقتصاد المتخلف ولكنه لم يقدم بديلا لها ، مكتفيا برصد دور خاص مجرد جدا للتداول ، ويوضح تحليلنا السابق ان الإنتاج والتداول فى مصر الحديثة يكونان تكاملاً، إلا أنها علاقة مناقضة تماما للعلاقة التى تصورها صلاح العمروسى ، فقد تصور الأخير ان التداول هو مجرد تابع للإنتاج دون ان يتبين خصوصية مصر المتخلفة وهى ان العكس هو الصحيح ، ان الإنتاج هو مجرد تابع للتداول ، وهذه هى أعمق خصوصيات الأخير فى حالة مصر[35].




**************************


اما محمد عبد الشفيع فقد كان أكثر الجميع جذرية فى رؤيته لطفيلية النظام القائم ، كما كما ذهب أبعد منهم فى رؤيته لخصوصية تطور الاقتصاد الحديث فى مصر .


وهو يرى ان هذه الخصوصية تتلخص فى كون هذا النظام نظاما كولونياليا


أو نظام نمط إنتاج التخلف كما يسميه[36] ، إلا أنه لم يبذل فى كتاباته حسب علمنا جهدا كافيا لشرحها . وعلى أساس هذه الفكرة لا يعترف بوجود طبقة رأسمالية فى مصر ، ايضا دون ان يشرح هذه الفكرة ، غير انه قد وضع بذلك حدودا أولية لفكرة ثالثة فيما يخص مسألة الرأسمالية الطفيلية . وهى التى بدأنا تقديمها فيما سبق ونستكملها فيما يلى :
تعد ظاهرة النمو المركب Combined Development المميز الجوهرى والخصوصية الأهم للاقتصاد المصرى ، وقد تمثلت فيما يلى:

1- استخدام أحدث منتجات التكنولوجيا فى غياب القاعدة الضرورية لإعادة إنتاجها .
2- الانفصال المتزايد بين الإنتاج والاستهلاك ، فالاقتصاد يزداد استقطابا باستمرار إلى قطاع تصديرى وقطاع لاحلال الواردات ، على حساب الإنتاج الموجه لاشباع الحاجات الأساسية .. بقايا النظام القديم.

وهذا المنحى يسم عملية النمو فى مصر عموما ، فظاهرة الميل المتزايد إلى إنتاج سلع لا تستهلك واستهلاك سلع لا تنتج محليا ، موجودة بعمق فى الاقتصاد المصرى منذ هزيمة محمد على ، وهى تعبر عن الانخراط المتوصل للاقتصاد المحلى فى السوق العالمى لصالح الأخير.

3- وجود أزمة نقص التمويل مع العجز عن الاستخدام الرشيد للفائض .. وهذا يعنى وجود زيادة فعلية للفائض ، يجرى تبديدها رغم نقص رأس المال فى الوقت ذاته ! (ليس أدل على ذلك من تبديد القروض!).
4- ترافق البؤس البالغ مع الاستهلاك الترفى حتى لدى الطبقات الكادحة ، ويتضمن هذا الازدواج تركب نمط الاستهلاك ، حيث يجرى استخدام سلع لا تناسب الظروف الثقافية والمادية القائمة بحيث يكون نمط الاستهلاك ككل غير منسجم .

 تنعكس هذه الأشكال من الازدواج فى التشريعات والقوانين والتعليم والثقافة : تشريعات دينية ووضعية ، تعليم دينى وعلمانى ، ثقافة دينية وعلمانية ، ازدواج القانون والعرف[37] ، مؤسسات متطورة تحكمها نظم موضوعية ، مع أساليب إدارة فاسدة ولا تخضع لأى نظم محددة [38]وتتبلور الازدواجية فى النهاية فى شكل إنتاج الفائض الاجتماعي (وقد سبق تناول هذا الأمر ) ، أى النمو المركب لأنماط الإنتاج : نمط إنتاج رأسمالى أنماط إنتاج قبل رأسمالية(ما يشبه حالة انتقالية دائمة... ساكنة .. ولهذا السبب لا يمكن اعتبارها مجرد حالة انتقالية ) ، وهو ازدواج ناتج عن ازدواج آخر . نمو الاقتصاد على الصعيد المحلى ، إلا أنه فى الوقت ذاته نمو ذو طابع تخارجى (بتعبير سمير أمين) ويتم هذا النمو بتوسط التداول . وينتج عن هذا الوضع المركب حالة من الأزمة الدائمة والمركبة : أزمة فيض إنتاج فى بعض القطاعات مع أزمة نقص إنتاج فى قطاعات أخرى ، وهى حالة تختلف عن أزمة النظام الرأسمالى . وينتج الطابع المزدوج للازمة كالتالى : يتم النمو بشكل مختل ، فينمو الإنتاج التصديرى واحلال الواردات على حساب الحاجات الأساسية ، ويتم النوع الأول (خاصة احلال الواردات) من النمو هو نفسه بشكل مختل بحكم طبيعة توجهه .. وتكون النتيجة هى النمو غير المنسجم مما يؤدى إلى ظاهرة الازمة المركبة . إذن فلا مجال للحديث عن تناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج الرأسمالية بل تناقض قوى الإنتاج مع الطابع المركب للنمو ، وحتى فى المشاريع الكبرى .. "الرأسمالية ".. نجد ان التناقض قائم بين قوى الإنتاج وعدم اكتمال الرسملة ، فيما اسميناه من قبل بظاهرة التاجر الصناعى[39] ، المعبرة عن الطابع المركب لعلاقات الإنتاج.

ولم يحاول قط أى من أصحاب نظرية الرأسمالية المتخلفة والمشوهة .. الخ .. تفسير هذه الخصوصيات ، اللهم إلا باللجوء إلى التعبيرات المجردة : تشوه العلاقات الرأسمالية ، النمو التابع .. التخلف.. ولكن ماهو جوهر المشكلة ؟!
فى أوربا لم تحقق الرأسمالية انتصارها إلا باستيعابها الكامل لرأس المال التجارى، فهل حققت "الرأسمالية المصرية" انتصارها بأن أخضعت نفسها لهذا الرأسمال ؟ أليست هذه القضية مما يستحق التفكير من جانب اصحاب النظرية المذكورة.

اما بعد هذا التوضيح السريع (والملائم كما نظن لحدود هذا المقال) فيمكننا ان ننظر إلى الطبقة المسيطرة فى مصر لا كطبقة رأسمالية ، بل يمكن اعتبارها وفقا للطابع المركب للاقتصاد مجرد فئات متباينة من رجال الأعمال والملاك وأصحاب الأسهم والودائع .. "طبقة " تمتلك اقتصادا يمكن ان نعتبره إلى حد ما واذا استعرنا تعبير مكسيم رودنسون اقتصادا رأسمالويا [40] CAPITALISTIQUE حيث تهيمن صيغة التاجر؛ التاجر الصناعى لا صيغة الرأسمالى الصناعى ، كما أنها لا تشكل طبقة حقيقة ، حيث ترتبط كل فئة منها أو مجموعة بالسوق العالمية بأقوى مما ترتبط بالفئات الأخرى .

مسألة الناصرية :

أشرنا من قبل إلى تراجع محمد عبد الشفيع عن فكرته الجوهرية أمام شبح الناصرية . والحقيقة ان هذا التراجع قد ابتلع كافة أفكاره حول طبيعة النمو الاقتصادى فى مصر ، خاصة انه تعامل مع الفترة الناصرية على انها مجرد "انقطاع" لم يقدم له أى مبرر.

ويتضح تعثر صلاح العمروسي هو الآخر كلما تذكر الناصرية ، فقد عرض الكثير من مظاهر طفيلية مصر الانفتاح وكأنه لم يجد ما يسنده فى الفترة السابقة التى يعتبرها فترة صعود البورجوازية ، إلا ما حدث خلال الستينات . فبعد انتقاداته الحادة "للبورجوازية المصرية" والتى ابرزناها فيما سبق بلغ الكلام عن الفترة الناصرية فوجدناه يتعثر.. فيتكلم عن " تنمية صناعية نسبية" و "استقلال نسبى " و"تعبئة للفائض () أخفت على البعض خصائص الطابع الطفيلى لطريق التنمية الرأسمالية () وقد خففت بالفعل من بعض جوانبه ، إلا أن العديد من هذه الخصائص استمرت بأشكال أخرى ، وأطلقت العنان لعناصر أخرى جديدة أخذت تستفحل فى عصر الانفتاح بعد ان تجاوزت البورجوازية الحاكمة مرحلتها التقدمية المعادية (بشكل نسبى) للاستعمار "ص92 (التشديد من عندنا).
إلا يتضح لنا من هذه العبارات مدى التشوش الذى وقع فيه الكاتب ؟فخصائص الطابع الطفيلى ، واستمرار العديد منها بأشكال أخرى بينما خففت (فقط ؟) بعضها ، ورغم كل هذا فإن تلك "البورجوازية " لعبت دورا تقدميا أيضا.. كيف يمكن ان نفهم هذا ؟. الرد المتضمن مسبقا فى كتاب العمروسى هو ان هذا الطابع الطفيلى كان غير سائد ، بل ويصب فى تطوير القوى المنتجة .. وبالطبع لابد إلا ننسى تلك الفكرة المدهشة التى يبرر بها كل تناقضاته : "بشكل نسبى " ‍! انه الحل السحرى لكل المشاكل النظرية المعقدة !.

ومن الممكن للمرء ان يعتبر أى شئ بشكل نسبى .. حكومة السادات مستقلة طبعا بشكل نسبى .. وقامت بتطوير قوى الإنتاج بشكل نسبى (صناعة الالومنيوم وغيرها).. وحاربت الاستعمار والصهيونية (فى أكتوبر ) بشكل نسبى .. كذلك يطور رأس المال الاحتكارى فى الغرب قوى الإنتاج بشكل نسبى .. وبهذا الشكل النسبى تضيع المفاهيم ..ما هى المعايير المطلقة إذن ؟؟[41] .
لم يبذل العمروسي أى جهد للمقارنة بين عصر السادات والناصرية فيما يتعلق بمسألة الطفيلية معتمدا بالطبع على عدم حاجته لهذه المقارنة ، فالرأى العام اليسارى ككل لازال يسبح بحمد الناصرية بحيث ان الجميع يتحدثون عن الانفتاح وسيادة الطفيلية متصورين الناصرية بشكل معين ، مناقض تماما لهذه الصورة .

ومن الأمور المفهومة ان الطبقات الرجعية تعرقل تطور القوى المنتجة ، ولا تمنعه ، أى تطورها فى حدود معينة ، أقل مما يستطيع نظام آخر موجود بالقوة .. ألا يصلح هذا النوع من تطوير القوى المنتجة ان يوصف بأنه نسبى ؟ اين إذن ما يمكن ان تحله نسبية الأستاذ العمروسى؟.
وسوف نقدم بدورنا تحليلا لعملية التراكم خلال الفترة الناصرية لتوضيح طفيليتها من عدمها ، اعتمادا على المعيار المطلق الذى حددناه من قبل للطفيلية ويدفعنا إلى التركيز على الفترة الناصرية بالذات فى عصر ما قبل السادات كونها لازالت تعد أقوى دعامة للتيارين المذكورين هنا : أصحاب نظرية الفئة الطفيلية وأصحاب نظرية الطابع الطفيلى القاصر على عصر الانفتاح.

المنحى العام لعملية التراكم فى الفترة الناصرية[42] 
تقدم دراسة عملية التراكم الشكل النهائى لحركة البنية الاجتماعية الاقتصادية من الداخل . وهى ليست مجرد عملية كمية ، بل تتضمن لحظات ثلاث : آليات عملية التراكم معدل التراكم العام الميل العام للتراكم . وكل من هذه اللحظات يتوسط اللحظتين الآخرتين ، فآليات عملية التراكم تحمل بالقوة منذ البداية الميل العام للتراكم ، الذى يتحدد من خلال معدله العام على الصعيد المحلى ككل بالنسبة لمجمل حجم الفائض الاحتمالى والفائض الفعلى .
وتتوقف طبيعة هذه الصيرورة على طبيعة البنية الاجتماعية الاقتصادية ، وتتوقف تحولاتها على طابع ومدى عمق التحولات الاجتماعية ، ومن ثم على الطابع العام للسياسة الاقتصادية للنظام والحكومة متضمنة موازين القوى الاجتماعية السياسية.

الموضوع فى حدود علمنا لم يدرس بشكل خاص من قبل (بخصوص مصر) اللهم إلا فى أطر أخرى وبطريقة احصائية بحتة وبشكل يكاد ان يكون عارضا وجزئيا، والأمر يستحق دراسة خاصة باعتباره كمنهج لدراسة آليات عمل النظام ككل (من الداخل ) مفتقدا حتى الآن فى أدبياتنا[43] و هى طريقة من وجهة نظرنا فعالة للوقوف على الطابع الداخلى للبنية الاقتصادية الاجتماعية .

منذ أخذت مصر تدمج فى السوق الدولى ، سارت عملية النمو الاقتصادى فى منحى محدد تميز بما يلى:

1 إنشاء وإنماء مستمر لقطاع تصديرى.

2 إعادة تكييف قطاع الصناعة مع السوق العالمى ، وذلك بالاضمحلال التدريجى للصناعات القديمة مع إنشاء صناعة حديثة تخدم قطاع التصدير أو تحل محل الواردات.

3 المحافظة على نمو القطاع غير الرأسمالى ممثلا أساسا فى نمط الإنتاج الصغير فى الزراعة والصناعة .

 4 اتجاه متزايد للاقتصاد نحو التنقيد واتساع التبادل السلعى الخارجى والداخلى

5 نمو كبير للنشاط التداولى (تجارى خدمى مصرفى).ويتلخص هذا كله فى إنشاء وإعادة إنشاء وانماء قطاع تصديرى قوى وإعادة تشكيل وتدعيم نمط استهلاك يتفق مع ميول السوق العالمى ، وتكوين وتكييف وإعادة تكييف لطبقة من رجال الأعمال تقوم بالاشراف على هاتين العمليتين.

وتتم عملية التراكم لخدمة هذه العمليات التى تعد فى النهاية "لحظات" فى عمليات واحدة : تكييف وإعادة تكييف الاقتصاد المصرى مع حاجات السوق العالمى . وهذا النمط من النمو يدفع الظاهرة المسماه بتهميش الجماهير باستمرار كظاهرة متلازمة بالضرورة مع ظاهرة أخرى تميز عملية التراكم وهى اتجاه القطاع "الثالثى " إلى النمو بمعدل أسرع من معدل النمو الاقتصادى الكلى.

ويمكننا إعادة إيجاز العملية ككل بالشكل التالى:

يسيطر رأس المال الصناعى من الخارج ، عن طريق التبادل الخارجى ، والداخلى (الذى يعتبر هو الآخر من حيث الجوهر خارجى) ، تلك السيطرة تحجز عملية النمو المتمحور حول الذات (فى حالتنا : النمو ذو المنحى القومى) ، ويؤدى هذا إلى ظاهرة التهميش ويعرقل توسع السوق الداخلى ، لذلك يميل رأس المال إلى التراكم خارج الإنتاج ويجر معه العمالة ويضفى طابعا طفيليا على الاقتصاد ككل ، هذا القطاع الوسيط نفسه ينقل أنماطا خدمية من الخارج . هكذا تتكون دائرة مغلقة ، فالقطاع الوسيط ينقل السيطرة الخارجية مؤديا بذلك إلى نمو نفسه ، ويصبح هو فى النهاية المصب الرئيسى لعملية التراكم على الصعيد المحلى.


* آليات عملية التراكم :


المصدر الداخلى النهائى للتراكم هو دائما الفائض الاجتماعى الذى ينتجه الكادحون فى وحدات الإنتاج.
وابان الفترة الناصرية عكس ماهو شائع تقلص عدد العاملين بالنسبة لعدد السكان الإجمالى (بالعكس ازداد فى عهد "الردة" الساداتية )[44] .

أما العمالة المنتجة (للفائض) بالنسبة للعمالة الكلية فظلت نسبتها ثابتة (انخفضت بنسبة صغيرة جدا).

العمالة المنتجة (الصناعة + الزراعة ) بالنسبة للعمالة الكلية[45] :

 1947 60.8 %

1960 60.75 %

 1966 60.6 %

 والانخفاض يكون أكبر من هذا إذا ما أخذنا فى الاعتبار البطالة المقنعة . هكذا استمرت عملية تهميش السكان على قدم وساق .

كما ان معدل نمو القطاعات المنتجة للفائض كان أقل من معدل النمو الاقتصادى ككل (كما سنرى بعد ) ،يعنى ان مصادر التراكم تقلصت بالنسبة للحجم الكلى للبنية الاقتصادية . وهذا لا ينفى بالطبع ان حجم هذه المصادر قد تزايد تزايدا مطلقا . مما يتضح من تزايد القيمة المضافة .

إلا أن الأمر المهم هو التبدلات التى جرت بخصوص المصادر العينية المباشرة للتراكم وكانت تتمثل حسب أهميتها قبل الانقلاب فى :
1- ريع الأرض الذى يدفعه عادة صغار المزارعين .

 2- أرباح الصناعة .

3- رأس المال الأجنبى الوارد من الخارج (وكان حجمه قد تقلص كثيرا) .

4- الدولة (الضرائب وغيرها) .

وقد ازداد دور أرباح الصناعة ، والأنشطة الوسيطة وريع الأرض كمصادر للتراكم (الذى اتجه أغلبه إلى قطاع الاسكان) ، بينما تقلص دور رأس المال الأجنبى المستثمر مباشرة أكثر فأكثر . وكان التحول الجوهرى الذى طرأ بعد انقلاب 1952 على مصادر وآليات عملية التراكم يتمثل فى الدور الفريد للدولة الناصرية فى هذه العملية . بدأت الناصرية فور الانقلاب تقوم بدور فعال فى توجيه عملية التراكم ، فأصدرت من القرارات والقوانين ما يشجع رجال الأعمال على استثمار أموالهم ، خصوصا فى الصناعة ، كما شملت إجراءاتها الإصلاحية زيادة أموال صندوق المعاشات وزادت من نصيبها فى الاستثمارات خصوصا فى الزراعة والرى ، ثم الصناعة ، وراحت تملأ الفجوة التى كانت متزايدة الاتساع بين معدل التراكم الذى كانت تراه وبين ما يوجهه رجال الأعمال إلى مجال الاستثمار ، خصوصا الصناعى . و قامت الدولة بإقامة مشاريع عديدة داعية رأس المال الفردى إلى المساهمة فى رأسمالها ، خاصة السد العالى ، وراحت فى كل المجالات تلعب الدور الذى كان يقوم به رأس المال الأجنبى فى تشجيع رأس المال المحلى ، مثل التسويق لبعض المشاريع ، المساهمة فى رأس المال الخ ، حيث أصبح ورود رأس المال الأجنبى بغرض الاستثمار المباشر محدودا للغاية .

وجاءت مرحلة تالية منذ 1956 ، أى تأميم قناة السويس ثم عمليات التمصير لتضيف الدولة مزيدا من بصماتها على عملية التراكم ، فازداد دخلها من جراء هذه العمليات وتكون قطاع دولة كبير مربح كان مصدرا هاما للتراكم فى خطة 1957 1960 الصناعية .

وبعد استقرار السلطة الجديدة داخليا وعلى الساحة الدولية بدأ رأس المال الأجنبى يرد من خلال الدولة أساسا ، التى لعبت دورا هاما للغاية فى استثمار هذا الرأس مال وبات اقتراضها هو الآلية الأساسية لدخوله.

وكان الدور الرابع للدولة دورا غير مباشر ، إذ ان السلطة البيروقراطية الجديدة وما صاحب مجيئها من اتساع كبير فى قطاع الدولة ، أديا إلى استشراء الفساد على نطاق لا مثيل له ، وأصبح قطاع الدولة بقوم بدور البقرة الحلوب للقطاع الخاص ولرجال الدولة ، وقد حول النهب الواسع كميات ضخمة من الفائض إلى الأنشطة الوسيطة كما هرب بعضها إلى الخارج ، بجانب تربية الماشية ، والمزارع وقد لعبت السياسات الإصلاحية للدولة فى الستينات الدور الأساسي فى هذا التوجه لرأس المال ، إذ انه كان من الطبيعى ان يتجه إلى تلك القطاعات التى سمح لها بالعمل وتوسيع نشاطها بواسطة الأفراد.

وقد بلغ الأمر حد ان تقوم الدولة باستثمار 90% من رأس المال الصناعى فى الستينات مع الاستمرار فى القيام بالدور التقليدى للدولة فى مصر ، أى رعاية عملية الرى والصرف واستصلاح الأراضى.

وبغض النظر عن منحى عملية التراكم، ظل للدولة الناصرية دور هام وبارز وحيوى فى توجيه التراكم وحتى فى تجميع الفائض أصلا (ضرائب غير مباشرة . نهب شبه مباشر لصغار الفلاحين قروض خارجية ضرائب مباشرة على قطاعها الاقتصادى نفسه) ، ورغم هذا الدور فإن معدل الادخار لم يرتفع (حول 12% من الدخل طوال الفترة ) بينما كان معدل الاستثمار يتجاوز هذا الرقم.


معدل الادخار بالنسبة لمعدل الاستثمار[46]

معدل الادخار /
معدل الاستثمار
%
السنة
معدل الادخار /
معدل الاستثمار
%
السنة
93.1
60-1961
87.1
52-1953
65.6
1962
99.6
1954
65.2
1963
81.5
1955
63.6
1964
92.6
1956
80.5
1965
101.1
1957
69.4
1966
88.1
1958
96.1
1967
77.8
1959
79.2
67-1968
102.6
1960
وكانت هذه الفجوة تسد بواسطة القروض الأجنبية . ويعود هذا الفشل فى رفع معدل الادخار رغم زيادة دور الدولة إلى وضع بيروقراطية الدولة نفسها التى اصبحت منذ 1952 تشكل السلطة العليا فى الدولة بالاضافة إلى كونها أداتها فى نفس الوقت ، فكان دورها فى تجميع وتوجيه الفائض الاجتماعى يسد فجوة نتجت عن تراجع رأس المال الأجنبى ، المترتب عليه تقاعس رأس المال الخاص.ورغم جهود الضباط فإن معدل التراكم لم يتعد معدله خلال فترة طويلة قبل الانقلاب ، ولم تستطع حكومة الضباط أبدا ان تصل بمعدل الاستثمار إلى ما بلغته بلدان شرقى آسيا ولا طبعا البلدان الرأسمالية ، فقد استمرت مختلف آليات تبديد الفائض سواء السابقة على الانقلاب (الاستخدام الجزئى للموارد المتاحة ، الإنفاق الترفى للطبقات المسيطرة ، تهريب الأموال للخارج ) أو بالأشكال الجديدة الآتية مع حكومة يوليو مثل الإنفاق الضخم على مؤسسة رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن ، التبديد الناتج عن سواء إدارة المشاريع وسوء التخطيط والإنفاق المتزايد على الجهاز البيروقراطى نتيجة تشغيل اعداد ضخمة من الموظفين الجدد ، وكافة الأشكال "الناصرية" الأخرى للتبديد ، شاملة التبديد البشع لقوة العمل.

فالدولة أولا : لم تقم بتجميع كامل للفائض المحقق علاوة على انها لم تجمع الفائض الاحتمالى نظرا لضيق أفق اجراءاتها وطابعها الاصلاحى ، كدولة تمثل فى نهاية الأمر كبار الملاك ورجال الأعمال . وثانيا : لم تقم بتوجيه الفائض المجمع بالشكل الامثل فأهدرت منه جانبا كبيرا على نفسها (وغير ذلك) ، وهذا يعود إلى طبيعتها كدولة بوليسية تقوم بدور قيادى فى المجتمع .

وعلى ذلك فإن دور الدولة فى عملية التراكم تميز بالآتى :

1 انه حل جزئيا محل دور رأس المال المحلى ، و الأجنبى كذلك .

2 انه كان فى خدمة مصالح النظام بعيدة المدى وقصيرة المدى أيضا . بعيدة المدى حين كانت تقوم بحفز عملية التراكم وقصيرة المدى حين كانت تقوم من حين لاخر بانفاق جزء من مواردها على الجماهير الشعبية ، أى حين كانت تحجز عملية التراكم من وجهة نظر النظام الاجتماعى نفسه .

والدولة بهذا الشكل راحت تلعب دور " المنظم" لرجال الأعمال " فتضبط معدل التراكم من حين لآخر حسب الظروف وتضبط العلاقة بين المصالح الانية والمصالح البعيدة للنظام ، دون ان تنسى فى شخص كبار رجالها ان تحصل لنفسها على نصيب محترم ، ولم تكن لها القدرة على القيام بعملية الضبط والربط بهذا الاسلوب إلا لأنها دولة رجال الأعمال ذات الطابع البونابرتى.

والخلاصة ان آليات عمليات التراكم فى الفترة الناصرية لم تتغير من حيث الجوهر :

1- فاستمر دور رأس المال الأجنبى كمصدر للتراكم ، بل وشهد نموا خلال الستينات.

2- واستمر تحويل الفائض من الريف إلى المدينة .

3-واستمرت عملية التراكم تتم من الناحية المباشرة بواسطة القطاعات الوسيطة فى الاقتصاد ، فظل اعتصار الشغيلة يتم داخل عملية الإنتاج وفى عملية التبادل أيضا (حيث استمرت الأنشطة الوسيطة ومنها الملكية العقارية تشكل المصدر المباشر الأول للتراكم) وكان الأمر الجديد هو دخول الدولة كوسيط مهم هذه العملية .

4- كما استمر التوزيع النسبى للعمالة بدون تغيير كبير.


* المعدلات العامة للتراكم


أدى استمرار الآليات السابقة لعملية التراكم ، رغم اتساع الدور الوسيط للدولة و كذلك دورها فى تحقيق الفائض ، إلى استمرار المعدل العام للتراكم بالنسبة لحجم الفائض الاحتمالى وحتى بالنسبة لحجم الفائض المتحقق ، كما هو .

ليس من الصحيح ان اعلى معدل للنمو يرتبط على نحو آلى بأعلى معدل للتراكم فإن الحالة المعنوية للمنتجين تتأثر قطعا عند لحظة معينة من نمو معدل التراكم كما ان إعادة إنتاج قوة العمل تتطلب معدلا مناسبا للاستهلاك المادى والمعنوى تتلاءم مع درجة تطور المجتمع بوجه عام ، وتعد هذه العملية ضرورة مطلقة لتحويل التراكم إلى إنتاج ، ولذلك نعتقد بأن المعدل الأسمى Optimum للتراكم هو ذلك المعدل الذى يشكل نسبة من الفائض الاجتماعى تتلاءم إلى أقصى درجة مع معدل الاستهلاك الملائم فى الظروف الاجتماعية السياسية القائمة . ومن الملاحظ ان معدل التراكم فى مصر الناصرية كان يقل كثيرا عن نسبة الفائض الكلى الذى اتجه معظمه إلى الاستهلاك الترفى وكافة ألوان التبديد الأخرى . ومن الأمور الملفتة للنظر ان الدولة التى لعبت أكبر دور فى تحقيق التراكم خلال الخمسينات والستينات ، هى التى لعبت فى الوقت نفسه أكبر دور فى تبديد الفائض ، والمسألة لا تحسب بمعدل "الحسنات" ومعدل " السيئات" وانما تشكل هاتان العمليتان وجهان لعملة واحدة ، فاستمرار التبديد والاستهلاك الترفى تحت إشراف الدولة يعبران بوضوح عن الهوية الاجتماعية للأخيرة ، نفس الهوية التى منحتها فرصة قيادة المجتمع فى فترة محددة ، واهتمامها بزيادة الفائض لتمويل الاستهلاك الترفى والتبديد بجانب برنامج الاصلاح الاجتماعى المحدود والمستهدف "تأميم" الصراع الاجتماعى.
وخلال الفترة تراوح معدل الادخار المحلى حول 12 –13%[47] ومعدل الاستثمار حول 15%[48] من الناتج الإجمالى ، بينما بلغ معدل زيادة الأخير ابان الفترة 4-5% سنويا أى ان هيكل توزيع الناتج بين الاستثمار والاستهلاك ظل ثابتا ، بل وكان من الأمور الملفتة للنظر ان معدل زيادة الاستهلاك فاق فى فترة معينة معدل زيادة الناتج ، ففى أوائل الستينات راح معدل زيادة الاستهلاك الكلى يتجاوز معدل النمو فبلغت زيادة معدل الاستهلاك فى الفترة من 60 – 1965 : 46.9% بينما ارتفع الناتج الاجمالى بـ37 % حسب التقديرات الرسمية[49] ، وقدره معظم الباحثين بأقل من ذلك (26.5 حسب تقدير هانسن – ميد[50]).
وقامت الحكومة بسد هذه الفجوة بالاقتراض من الخارج (كما لعبت معونات القمح الأمريكية دورا كبيرا).



معدل الاقتراض السنوى بالاسعار الجارية[51] :


ـــــــــــــــــــــــ


1948 1950 6 م.ج


1954 - 1956 32 م.ج


1960 1963 67 م .ج




وبذلك كان الاقتراض من الخارج يمول جزءا من الاستثمار وجزءا من الاستهلاك وهنا لعبت الدولة دورا حاسما ، بالاعتماد على الخارج لا بالاعتماد على تنمية المصادر الأساسية المحلية أساسا ، وبدلا من تجميع الفائض الاحتمالى الذى يزيد بالتأكد كثيرا عن الفائض المتحقق كما يزيد عن معدلى الاستثمار والادخار !. وهذه الحقيقة وحدها كافية لنفى أى دور ثورى للدولة الناصرية فى عملية الانماء ، التى لا تعكس بالتالى أية عملية تحويل ثورى ، خاصة ان الإغراق فى الديون لم يكن ينتظر نهاية ، فمعدل الاقتراض كان متزايدا ، كما انتهت خطط الدولة بشبح الكارثة الاقتصادية . ولذلك نستطيع ان نقرر ان دور الدولة فى تجميع الفائض لم يؤد إلى زيادة حقيقية فى معدل التراكم العام ولا إلى تغيير جذرى فى مصادره الاجتماعية كما سبق ان رأينا ، ويتأكد هذا حين نتذكر ان الضغوط الناجمة عن الديون وعجز ميزان المدفوعات قد عرقلت من عملية الانماء حتى بلغ معدل النمو نسبة سلبية فى 1967 ، اى ان معدل التراكم العام المرتفع نسبيا ابان خطة 60 1965 (بالنسبة للفترة السابقة عليها) عاد وانتكس بسرعة ، خاصة مع توقف المعونات الأمريكية .


ويعبر معدل التراكم العام عن آليات عملية التراكم ، فقد تمت عملية تعبئة الفائض عبر جماعات من ملاك الأراضى ومقاولى الانفار والسماسرة والمقاولين والمغامرين من كل صنف ، وفى المقدمة كان الدور الخاص للبيروقراطيين المرتبطين على نحو وثيق بهذه الفئات ماديا وسياسيا عوضا عن ارتباطهم بجهاز دولة فاسد ويعمل بآليات متخلفة ورجعية وتنحصر طموحاته فى مجرد البقاء وتسكين الشغيلة . ويرتبط كل هذا بشكل واضح بميل قوى إلى الاستهلاك الترفى سواء بواسطة أفراد الطبقة المالكة أو رجال الدولة وبزيادة ضخمة فى استهلاك دولة بوليسية بطبيعتها ، علاوة على عجز " الطبقة المسيطرة " عن استخدام ما يتبقى لديها من فائض قابل للتراكم وتبديد أجزاء منه أثناء عملية الاستثمار نفسها .
     وقد ترافق مع وارتبط بمعدل تراكم الثروة المادية معدل ضئيل لنمو قوة العمل عموما:
معدل نمو العمالـة [52]:


1937 – 1947 3.5%


1947 –1960 1 %







1960 –1970 2.6%
 

من الواضح ان نسبة 2.6% تنخفض بشكل حاسم إذا وضعنا فى الاعتبار البطالة المقنعة التى نمت بشدة[53]

اما الحجم النسبى للعمالة المنتجة للفائض (شاملة قطاع التشييد) فانخفض كالتالى[54] :


1959 – 1960 67.2 % من العمالة ككل

1965 – 1966 66.6%

1969 – 1970 65 %

1974 63.2%


وكان معدل نمو العمالة يقل عن معدل تزايد السكان ، وعن معدل نمو عرض قوة العمل :


نسبة التشغيل بالنسبة لعرض قوة العمل[55] :

1947 = 90 %

1960 = 73 %

1970 = 63 %

ومعنى هذا هو تزايد نسبة البطالة السافرة.


وتوضح لنا هذه المعطيات اتجاهات ومعدلات نمو العمالة ومدى عجز النظام الناصرى عن استخدام قوة العمل استخداما رشيدا.


***************************

* المنحى العام للتراكم :

تنطوى المعدلات العامة للتراكم كما حللناها على حقيقة ستتضح فى تحليل المنحى العام لعملية التراكم ، ألا وهى الميل إلى احتجاز عملية إنتاج الفائض وتبديد الجزء الأكبر من المتحقق منه كميل أصيل للنظام القائم ، مرتبط أشد الارتباط ببنيته الاجتماعية ، وتؤدى بنا هذه الحقيقة إلى توقع استمرار عملية التراكم فى اتجاه تهميش الإنتاج ، والتبديد الاستهلاكى ، وبالتالى محورة عملية التراكم حول هذا الميل الأصيل ، فتتم مراكمة الفائض لتلبية الطلب الفعال : السوق العالمى (وامتداده : السوق المحلى نفسه) ، وهو الطلب على منتجات التصدير التى يتوقف معدل نموها على حالة السوق الخارجى نفسه ، وعلى وسائل الاستهلاك السائدة والتى تشمل كما هو مفهوم اشكالا مختلفة للتبديد والترف .

وهكذا انطوت آليات تجميع الفائض وانفاقه على تبديد هائل ،كما انها تضمنت آليات عملية التراكم نفسها ، وبذلك تسير هذه الدائرة باستمرار معبرة بشكل خالص عن بنية التخلف.

ويمكننا ان نحدد الميل العام للتراكم إذا قارنا بين توزيع الاستثمارات الكلية و معدلات نمو رأس المال الثابت بين مختلف القطاعات . وفى بلد يدعى حكامه انه بلد نام Developing ينبغى ان يتجه الميل العام للتراكم لصالح القطاعات المنتجة للفائض ، وفى حالة تعبئة الفائض المتاح – علاوة على الفائض الاحتمالى – لا ينبغى ان تحصل القطاعات الخدمية إلا على الحد الأدنى الضرورى لكى يوجه أقصى ما يمكن إلى عملية التراكم . بحيث يتحقق أعلى معدل ممكن للتراكم – الإنتاج .

ويوضح لنا الميل العام لعملية التراكم حركة بنية الاقتصاد ككل ، ويحدد بالتالى وظيفة كل قطاع فى حركة البنية ودوره فى امتصاص الفائض المولد والنشاط العام للطبقة التى تمتلك الثروة والطابع العام لعملية النمو الاقتصادى ، ويتكون لدينا من جراء تحليلنا لمنحى عملية التراكم مدى عمق تحولات السياسة الاقتصادية والى أى مدى بلغت التحولات الاجتماعية.

والأرقام الصماء لا تعد مفيدة بحد ذاتها مالم نتناولها على ضوء تحليل البنية الاقتصادية وآليات عملها ، لذا فإن تحليل الميل العام للتراكم ما هو إلا وضع النقاط فوق الحروف بالنسبة لحركة وآليات عمل الاقتصاد.

وقد تلخصت الظاهرة التى وسمت الاقتصاد المصرى الحديث فى نمو الاقتصاد – كما اسلفنا – نموا مركبا ، وفيما يتعلق بالتراكم اتسمت إعادة إنتاج التخلف بالتوسع النسبى المتزايد للقطاع الاقتصادى غير المنتج للفائض – فضلا بالطبع من اتساعه المطلق – وسوف نورد فيما يلى بعض المعطيات التى تقضى عل الأوهام التى نشأت حول التنمية فى العصر الناصرى ودور التراكم البيروقراطى المزعوم فى بناء "صرح صناعى".

والمسألة تمت بصلة شبه مباشرة لشعار الانفتاح الإنتاجى المطروح اليوم فى مواجهة الانفتاح الاستهلاكى ، باعتبار ان الأول هو شعار الماضى السعيد .


كان معدل التراكم الصافى لرأس المال الدائم Fixed فى الصناعة يقل كثيرا عن معدل الربح الصافى [56]:



الســـنة
معدل التراكـم %
الســـــنة
معدل التراكـم %
1945
2.0
1957
0.42
1946
3.6
1958
4.5
1947
7.3
1959
4.3
1948
12.0
1960
2.35
1949
10.0
1961
0.18
1950
10.0
1962
3.9
1951
8.8
1963
5.9
1952
6.5
1964
2.3
1953
3.0
1965
2.7
1954
4.45
1966
3.75
1955
9.2
1967
1.5
1956
7.0

وقد بلغ معدل ربح الصناعة ككل خلال الفترة من 45-1950 نحو 20% وارتفع بعد 1952 إلى نحو 35%.

اما فى الزراعة حيث كان معدل الربح أكثر ارتفاعا بالنسبة للصناعة فإن معدل تراكم رأس المال بلغ النسب التالية [57]:
السنة
معدل التراكم %
السنة
معدل التراكم %
1960
2.9
1952
0.1
1961
3.3
1953
1.6
1962
7.4
1954
2.3
1963
7.4
1955
3.2
1964
5.1
1956
2.2
1965
5.4
1957
1.6
1966
4.3
1958
0.1
1967
3.8
1959
2.7


واذا افترضا ان معدل الربح فى الزراعة 20% (نسبة بالغة التواضع) وبفرض ثبات التركيب العضوى لرأس المال وتساوى معدل تراكم رأس المال الدائر Circulating والمتغير Variable مع معدل تراكم رأس المال الدائم المذكور أعلاه فإن كمية ضخمة من الفائض كانت تحول من الزراعة أو تبدد: 100 م ج سنويا زائد نسبة من مجموع رأس المال الدائر والمتغير حسب نسبتهما إلى رأس المال الكلى ، واذا طبقنا نفس الشروط على الصناعة فيكون المحول والمبدد سنويا هو كالآتى [58] : (بالاضافة إلى نسبة اخرى من مجموع رأس المال الدائر والمتغير).




السنة
القيمة المحولة والمبددة سنويا
1945 - 1950
31.6 م.ح
1952 - 1956
60.7 م.ح
1957 - 1960
98.0 م.ح

وللإنصاف فإن جزءا من الفائض الزراعى كان من المحتمل ان يستهلك بواسطة صغار الملاك (يملكون 35% من الأرض عام 1952 ارتفعت إلى 57% عام 1965) ولكنه يقل عن نسبة ما يملكونه من الأرض حيث ان رأس المال المستثمر فى اراضيهم يقل كثيرا عن ذلك المستثمر لدى كبار الملاك بالنسبة للفدان الواحد . وتكون بالتالى كمية الفائض المتحقق ضئيلة . وبهذا الشكل يكون استهلاك وتبديد رجال الأعمال وملاك الأراضى والدولة زائد استثماراتهم فى الأنشطة الوسيطة كبيرا للغاية ، يضاف إلى هذا ان الدولة نفسها كانت تقوم بنفس العمل : استهلاك ترفى واستثمار واسع خارج الإنتاج ونواصل توضيح الأمر كما يلى :




أنصبة القطاعات من الاستثمارات بالاسعار الجارية[59] (نسب مئوية)


السنة
الزراعة
الصناعة
الكهرباء
المواصلات
الاسكان
خدمات أخرى
52/53-56/57
11.4
23.8
6
14.1
32.5
9.8 1.8
57/58-95/60
14.9
25.7
4
18.8
23.1
12.1 1.4
59/60-64/65
23.4
26.6
7.4
19.3
10.7
10.0 2.6
65/66-66/67
21.8
27.4
17.1
13.4
12.5
6.3 1.5




والاكتفاء بجداول توزيع الاستثمارات (مثل الجدول السابق ) يعطى نتائج خادعة ، فالجانب الأعظم من الاستثمارات فى الزراعة والصناعة لايعتبر فى الحقيقة استثمارا جديدا لأنه يوجه جزئيا للاحلال والتجديد ، فاذا أخذنا هذا بالاعتبار نجد المفارقات التالية:




التراكم السنوى فى الصناعة التحويلية [60]


(رأس المال الدائم )
السنة
الاستثمارات السنوية
التراكم الصافى
للآلات فقط
1945-1950
26 م.ج
19.6 م.ج
12.0 م.ج
1952-1956
43 م.ج
25.3 م.ج
13.6 م.ج
1957-1960
53 م.ج
8.0   م.ج
8.2   م.ج
1961-1965
60 م.ج
17.6 م.ج
6.3   م.ج
التراكم فى الزراعة وتربية الحيوان(م.ج) [61]


(رأس المال الدائم)




الســــــنة
الاستثمارات السنوية
بدون تربية الحيوان
التراكم الصافى السنوى
بدون تربية الحيوان

1945-1950
32.3
5.6
6.4
5.3

1951-1955
32.7
15.1
7.5
9.7

1956-1960
32
19
13.1
11.3

1961 - 1965
78
52
46
14










واذا ما طبقت هذه الطريقة فى الحساب على بقية القطاعات لاتضحت لنا صورة أكثر واقعية لاتجاهات التراكم بدلا من الصورة الخادعة التى تعطيها الجداول التقليدية لتوزيع الاستثمارات والناتج المحلى . والمعيار الذى كثيرا مايستخدم وهو دور القطاعات فى تحقيق القيمة المضافة هو الآخر معيار غير دقيق لأسباب


متعددة[62] ، إلا أنه مع ذلك يبين اتجاها واضحا لنمو دور القطاعات الثالثية :


أنصبة القطاعات فى تحقيق الناتج المحلى الاجمالى % [63] :




السنة
زراعة
صناعة وكهرباء
تشييد
اسكان
مرافق
خدمات
55-56
34.4
13.8
2.3
7.3
0.0
21.1
60-61
31.5
20.9
2.8
6.4
0.5
19.9
64-65
29.7
22.7
4.7
3.8
0.4
21.1
67-68
29.0
22.0
3.8
5.5
0.5
24.2




وتشير الفجوة المذكورة فيما سبق بين معدل التراكم فى الزراعة والصناعة ومعدل الربح إلى ان الجزء الاكبر من الفائض يتجه إلى القطاعات غير المنتجة . وهذا التفاوت يعطينا فكرة واضحة إلى حد بعيد عن منحى عملية التراكم ،وعن الدور الفعلى لقطاع الإنتاج فى عملية التراكم ، فهو ليس نقطة تجميع لرؤوس الاموال أكثر منه مصدرا للفائض الذى يدور معظمه خارج عملية الإنتاج أو يبدد . وفى النهاية تصبح عملية إعادة الإنتاج إعادة إنتاج موسعة لبناء اقتصادى مختل (غير متوازن )،يقوم فيه الإنتاج موضوعيا بدور الحلقة الوسيطة فى عملية الدوران .ويبدو رأس المال الصناعى كمجرد جزء من رأس المال التجارى (الذى يشمل كل الأنشطة الوسيطة بما فيها تأجير العقارات والأراضى).


والحقيقة النهائية لعملية التراكم فى مصر الناصرية هى ان المصب النهائى لها هو القطاعات الثالثية ، وقد نتجت هذه المحصلة ويعاد إنتاجها من الدور الموضوعى للاقتصاد المصرى المتخلف فى السوق العالمى ، كمجرد سوق داخلى لرأس المال الصناعى فى البلدان الرأسمالية. وهو الدور الذى يفرض على الطبقة المسيطرة ان تكون من الناحية الجوهرية مجرد وسيط بين البلدان الرأسمالية وقوة العمل المحلية ، مما يسمها فى كليتها بطابع تجارى شامل ، ويكون نشاطها الإنتاجى عقدة أو حلقة وسيطة فى نشاطها التجارى الخدمي. ويفرض الطابع التجارى التخارجى للاقتصاد على الطبقة المسيطرة توجيه جانب متعاظم من الفائض إلى القطاعات غير المنتجة للفائض ، سواء بالتبديد أو "باستثمار" فى أنشطة وسيطة أو حتى مخربة بشكل مباشر ، فالدور الموضوعى للطبقة يعرقل توسع السوق المحلية مما يؤدى منطقيا إلى المنحى المذكور للتراكم .
والنمو الكبير لقطاع الخدمات إذا لم يكن مرتكزا على نمو ملائم فى القطاع المنتج يكون نموا سرطانيا ، أى يتم على حساب عملية الإنتاج (الاحتمالية) وقد شهدت مصر الناصرية هذا النوع من النمو . واذا كانت سياسة الانماء نفسها (إنماء التخلف) تعد مسئولة بدرجة أو بأخرى عن هذه الظاهرة فإن إدارة النظام تتحمل نصيبها من هذه المسئولية . فعلى سبيل المثال كان انماء قطاع الخدمات مقصودا لخدمة الأغراض السياسية للدولة ، وقد أكدت مختلف الأبحاث ان اتجاه نصف الزيادة فى الدخل المحلى إلى قطاع الخدمات وحده يعود أساسا إلى زيادة عدد الموظفين . وقد ترافق بالطبع مع هذا الميل لتراكم رأس المال الدائم ميل لتراكم البطالة والعمالة الزائدة والعمل فى الأنشطة الوسيطة على نطاق واسع للغاية .
دور الدولة فى تحديد الاتجاه العام للتراكم


تبرز المعطيات السابقة فكرة محددة ، فالدولة لم تغير المنحى العام للتراكم ولكنها قامت ببعض التعديلات الجزئية أهمها على الإطلاق تحويل التراكم من قطاع الإسكان إلى السد العالى وتوسيع و تعميق قناة السويس. وفى مجال الصناعة ضغطت الدولة وساعدت كدور بديل عن دور رأس المال الأجنبى الخاص على تحويل التراكم جزئيا من الصناعة الاستهلاكية التقليدية إلى صناعة السلع المعمرة والصناعات الوسيطة . والدور المفتقد والذى نعتقد أنه كان يمكن ان يحمل معنى جوهريا هو تحويل صناعة السلع التجهيزية إلى مركز جذب لرأس المال ، ذلك الذى يتطلب أصلا محورة العملية الاقتصادية حول قطاع قائد (فعال).والدور المميز الذى لعبته الدولة فى رأينا كان هو ضرب نشاط بناء المساكن لأنة الفعل الوحيد الذى كان مضادا للميل الطبيعى لرأس المال حتى فى حالة دخول رؤوس أموال أجنبية وفى ظل أى ظروف للنظام الاجتماعى القائم حيث ان هذه السلع ، أى المساكن تمتعت بطلب قوى بسبب زيادة عدد المهاجرين إلى المدن بعد نهاية الحرب. وكان قرار الناصرية بضرب هذا النشاط بديلا عن عجزها عن تجميع الفائض الاجتماعى لتوجيهه الوجهة التى رأت أنها ضرورية، فهذا الدور لم يكن دورا حميدا يستحق الثناء كما ذهب البعض وكان من الممكن ان يكون له معنى تقدميا لو ان هذه القيود وضعت لصالح عملية تنمية فعالة قادرة على العطاء فيما بعد ليصبح من الممكن حل مشكلة الاسكان التالية.
وأخيرا لم تكن عملية التراكم تتم فى شكل رأسمالى خالص ، فعملية النمو كانت عملية نمو للتخلف حيث كان نمو الصناعة يساوى نمو ظاهرة التاجر الصناعى. والحقيقة ان ظاهرة التاجر الصناعى اصبحت فى الفترة الناصرية أكثر تبلورا ، أو بمعنى أفضل أكثر مباشرة . إذ تمت تصفية القطاع الاكبر من رجال الصناعة ، وبذلك أزيلت تلك الغلالة الرقيقة التى أخفت حقيقة الرأسمالية الصناعية المصرية ؛ إذ أصبح القطاع الصناعى يلعب على نحو مكشوف ومباشر دور المشاغل الملكية التى أشار اليها دوب بخصوص أوربا ، فقد أصبح فى يد رجال الدولة رجال الأعمال مجرد بقرة حلوب يتم اعتصارها ومن خلالها يتم ايضا اعتصار صغار الملاك فى الريف بالذات ( أسعار التوريد الإجبارية ـ رفع أسعار السلع الصناعية ..) ، وتم كل هذا بالنهب المباشر (اختلاس..) والغش والتلاعبات المالية المختلفة مثل المضاربة الخ . ومن الطريف ان القوانين الناصرية سمحت أكثر ما سمحت بالنشاط التجارى والسمسرة والمضاربة وتأجير العقارات الخ ،بينما حجمت دور رجل الصناعة، مما حول مجمل رجال الأعمال إلى مجرد وسطاء من كل صنف ، وهو الأمر الذى بلور إلى اقصى حد ظاهرة التاجر الصناعى ، خصوصا ان القطاع الصناعى قد بات ملكا للطبقة المسيطرة ككل بما فيها رجال الدولة . وبالاضافة إلى ذلك استمر وجود ونمو نمط الإنتاج الصغير ، كما استمرت آليات عملية التراكم تتضمن فى جوهرها أشكالا غير رأسمالية (النهب من خلال التبادل لفائض لا ينتجه العمل المأجور ……).


يتلخص الاستنتاج الرئيسى من الغرض السابق فى ان أساليب التبديد الناصرية لم تصب كما يتخيل الأستاذ صلاح العمروسى فى تنمية قوى الإنتاج بل صبت فى إعادة إنتاج موسعة لكل من الفائض وأساليب تبديده وعلى عكس تصوره فإن التطوير (الذى لا مفر منه فى اقتصاد حديث) النسبى لقوى الإنتاج كان يؤدى إلى تدفق الفائض إلى الأنشطة غير المنتجه للفائض ، انها إذن طفيلية من النوع الذى وصف به النظام فى عصر الانفتاح.


واذا حاولنا عمل مقارنة صريحة بين الفترة الحالية والفترة الناصرية نجد ان كافة مظاهر الطفيلية الحالية والتى رصدها العمروسى كانت موجودة وبقوة خلال الفترة السابقة :


1- بالنسبة لظاهرة تدهور نصيب القطاعات السلعية فى تحقيق الناتج الاجمالي :


نصيب الزراعة والصناعة والكهرباء من الناتج المحلى الاجمالى بنفقات عوامل الإنتاج (%)[64]


السنة
النسبة المئوية
1937
55.0
52 / 1953
50.9
56  / 1957
50.8
59   / 1960
52.2
64    / 1965
50.2
69     / 1970
48.3



2- تضخم تكاليف الاستثمارات وتشوه هيكل توزيعها على عناصرها العينية المختلفة ، وضرب الكاتب مثالا : بلغ الإنفاق على الآلات عام 1978 : 33.1 % من الاستثمارات ، 51.2% خصص للمبانى والأرض والأثاث ، 10.5% للنقل (ص 105).فاذا قارنا بالعقود السابقة لوجدنا مايأتى:


فى الفترة من 1935 1952 بلغ نصيب المبانى من رأس المال الدائم فى الصناعة نحو 46.5% رغم توقف استيراد الآلات اثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وعلما بأن هذه النسبة تمثل التراكم الصافى ، أى القيمة الفعلية لرأس المال بأسعار سنة 1960 ن و فى الفترة من 1952 – 1967 بلغت النسبة أكثر بقليل من 50%. والواضح ان نصيب المبانى كان يزداد طوال هذه الفترة ولم تتميز الحقبة الانفتاحية وحدها بهذه الظاهرة ، بل واذا عدنا إلى الوراء ، الفترة من 1920 حتى 1935 لوجدنا ان هذه النسبة كانت أكثر ارتفاعا : 65% وفى الفترة من 1900 1920 كانت نحو 66% ،و نحن نرد هذا الارتفاع الكبير فى تلك الفترات المبكرة إلى ضخامة دور الطاقة اليدوية فى الصناعة[65].


3- رصد الكاتب ظاهرة أخرى : نمو الجهاز البيروقراطى ، متناسيا ان هذه الظاهرة بلغت أوجها خلال الفترة الناصرية ، كما أنها سابقة عليها كذلك[66] ، وُيعزى نمو نصيب قطاع الخدمات من الدخل فى الستينات إلى زيادة التشغيل فى الحكومة أساسا[67] . وهو أمر آخر أغفله الكاتب .


4- كذلك الطاقة العاطلة فى الصناعة التحويلية ، لم تتغير النسبة منذ الناصرية : 30% خلال الستينات[68] ، وقدرت رسميا بـ 10-15%[69] ، وقبل ذلك شهدت الصناعة المصرية طاقة عاطلة ضخمة ، خلال الثلاثينات ولم نستطع التوصل إلى معلومات مباشرة حول هذا الأمر إلا أن حجم هذه الطاقة يتضح إلى حد كبير إذا عرفنا ان الصناعة رفعت إنتاجها بنسبة 40% خلال الحرب الثانية[70] بالرغم من تآكل رأس المال الدائم[71] . وشهدت الفترة من 46-1947 انتعاشا مفاجئا تلته فترة ركود طويلة استمرت حتى منتصف الخمسينات ، وسرعان ما عاد الركود المزمن بعد سنوات قليلة من الانتعاش المحدود .


ومن الملاحظ ان ركود الصناعة الحديثة هو ظاهرة عامة فى العالم الثالث ، فتصل الطاقة العاطلة فى هذه البلاد فى الأحوال العادية إلى نسبة عالية جدا (تصل إلى أكثر من 50%)[72] ، وهى ظاهرة ترجع إلى طابع توجه الصناعة نفسه احلال الواردات أو الصناعة التصديرية.


ان الكثير من مظاهر طفيلية النظام فى المرحلة الحالية كانت موجودة دائما فى مصر الحديثة وبشكل خاص فى العهد الناصرى ، ومثلما يفشل النظام الحالى فشلت الناصرية فى كافة خططها الاقتصادية : خطة 57-1960 ، 1960 1965، ولم تستطيع ان تبدأ أصلا فى تنفيذ خطة 65 - 1970[73].


و إذا واصلنا المقارنة فسوف نجد ان النظام الحالى قد طور القوى المنتجة بشكل نسبى أيضا !! على الطريقة الناصرية : صناعات حربية متطورة ، (طائرات ، مدفعية ، ناقلات ) مخابز آلية ، مواد بناء ، مشروع الصرف المغطى ، مصنع الصلب الجديد ، بخلاف التطور الملحوظ الذى شهدته صناعة البناء والمزارع الحديثة .. الخ ومن المتوقع ان يقام مفاعل نووى حقيقى خلال السنوات القادمة ومن الممكن بالطبع ان تقام عديد من الصناعات الكبرى بمشاركة مباشرة مع رأس المال الأمريكى والاسرائيلى .. فاذا كانت المسألة تتلخص فى عدد من المصانع فإن المقارنة لا تكون دائما فى صالح الناصرية .. وحتى لو كانت عملية تطوير الصناعة قد تجمدت لعدة سنوات فإن هذا فى حد ذاته لا يعنى شيئا بالنسبة إلى القضية التى نحللها (إذ حدث هذا أكثر من مرة فى مصر الحديثة).


ونشير أخيرا إلى ظاهرة ذات مغزى : ان الطابع الطفيلى العام للنظام فى المرحلة الحالية يفوق طابعة الطفيلى فى المراحل السابقة ، ومن الواضح ان أنصار الناصرية يتخذون من هذه الظاهرة دليلا على ثورية الناصرية ، واذا أعدنا النظر إلى المسألة حسب تحليلنا السابق نجد ان هذه الظاهرة تنطبق على الناصرية نفسها ، فهى أشد طفيلية من الفترة السابقة عليها (20-52) ويدل هذا على التفاقم المتواصل لتناقضات نمو التخلف . ويمكننا فى النهاية ان نحدد سمة جوهرية لنمو التخلف فى مصر : ان ميل النظام إلى تبديد الفائض يفوق ميله إلى إعادة إنتاجه .ويفسر لنا هذا التناقض الطابع الحالى للازمة الاقتصادية ، الدائمة والمتفاقمة دوما ، وهو تناقض يختلف عن طبيعة التناقض فى النظام الرأسمالى : القدرة على الإنتاج تفوق القدرة على الاستهلاك ، ويدل هذا الفرق على طابع طفيلى أكثر أصالة للاقتصاد المصري الحديث ، فالاقتصاد الرأسمالى يتميز بميل أصيل إلى تطوير القوى المنتجة ، وهو يميل فى مرحلة هبوطه التاريخى إلى عرقلة هذه العملية، بينما يميل النمو المركب ، أى التخلف إلى عرقلة تطور القوى المنتجة دائما ، ومنذ لحظة بدء تكوينه ، فالطفيلية صفة لصيقة بالرأسمالية فى مرحلة معينة ، ولكنها لصيقة بالتخلف على نحو مطلق..

**************************
[1] د. شريف حتاتة . دائرة الحوار ، العدد 12 ابريل 1985م.


[2] قضايا فكرية العدد الرابع 1986 م .


[3] الطليعة : مارس 1985 م .


[4] الطفيلية- معناها وكيفية مقاومتها . ضمن كتاب : إصلاح ما افسده الانفتاح ، كتاب الأهالى .


[5] الصراع السياسى بين الوهم والحقيقة . الأهرام 5/4/1986 ص 15 ، نقلا عن محمود عبد الفضل ، قضايا فكرية ، العدد الرابع :1986.


[6] حول الرأسمالية الطفيلية ، دراسة نقدية ، القاهرة 1985.


[7] الاتجاه الريعي للدولة فى مصر . قضايا فكرية . العدد الثانى (1986).


[8] طرح محمد عبد الشفيع (الطليعة ، مارس 1984 ، ونوفمبر 1986) أفكارا مختلفة عن وجهتي النظر المذكورتين. ورغم خلافنا معه كما سنوضح الا أننا نرى أنه قد وضع أساسا لرؤية ثالثة للمسألة ، هي التى سنعرضها هنا بشكل كامل (بالطريقة التى نفهمها بها) . وتجد هذه الروءية مع ذلك جذورا ، سنوضحها أيضا ، فى اطروحات بعض ممثلى الاتجاهين الاخرين ، خاصة لدى محمود عبد الفضيل فى مقالة فى : قضايا فكرية ، العدد الرابع ، ومحمود دويدار ، وصلاح العمروسى.


[9] كتابات مصرية العدد الثالث بيروت ، يوليو 1975 ، نقلا عن صلاح العمروسي المرجع السابق صـ 14.


[10] دائرة الحوار العدد العاشر مارس 1985 ، نقلا عن صلاح العمروسي المرجع السابق . ومصدر التمييع هو الخلط بين مفهوم القيمة ومفهوم فائض القيمة ، فضلا عن عدم تحديد مفهوم " الاحتياجات الحقيقية للمجتمع"


[11] ولنتذكر هنا ظاهرة الرجل العصامى ورحلة المليون الأول الشهيرة وهل يمكن أن يصير الرجل رجل أعمال بدون أن يرتكب الجريمة الاقتصادية .. سواء فى فترة صعود أو هبوط النظام ؟؟!


[12] ورغم هذا لا ننكر إمكانية وجود فئات طفيلية محددة بالمعنى الذى حددناه لهذه الكلمة ضمن الطبقة المسيطرة ، وهو أمر يبدو وأن العمروسي يرفضه مبدئيا. فمن الأمور الممكن تصورها أن تتكون فئات معينة ضمن الطبقة المسيطرة تعرقل عمل هذه الأخيرة ابان فترة صعودها التاريخى . وهذا الأمر واضح تماما فى تاريخ الرأسمالية فى أوربا ، فشعار مقاومة الاحتكارات قديم جدا ، ومن المعروف أن الاحتكارات الصناعية الضخمة لعبت دورا معرقلا للتطور التقنى فى غرب اوربا ابان القرن السابع عشر بل ووقفت هذه الفئة من البورجوازيين ضد الثورة الفرنسية وتم حل المشاغل الملكية الضخمة فى انجلترا بعد ثورتها . كما انه من الامور المعروفة ان طبقة كبار ملاك الاراضى (ونقصد تلك المنتمية للنظام الرأسمالى وليس غيره) فى أوربا قد لعبت فى فترة ما دورا طفيليا معيقا لتطور النظام الذى انتمت اليه . فكانت تشكل طبقة طفيلية محددة تسبب مثلا فى عرقلة نمو الصناعة الانجليزية قبل الغاء قانون القمح بسبب ضخامة الربع الذى كانت تحصل عليه . وُيعد هذا الشكل فى الحصول على الدخل أساسا موضوعيا للاستهلاك الترفي حيث ان التوسع فى الملكية العقارية ليس ضروريا للاستمرار فى تحصيل الريع ، عكس الحال بالنسبة للربح الرأسمالى . وتتضح أهمية هذه الإعاقة إذا تذكرنا الدور الذي لعبة انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية الأمريكية الشمالية في القرن الـ19 بسبب غياب ريع الأرض تقريبا ، في دفع النمو الرأسمالي . ولهذا السبب دعا بعض المفكرين البورجوازيين في أوربا في القرن الـ19 إلى تأميم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين (تم هذا مثلا في فرنسا ، واليابان فيما بعد). وقد يتخيل أصحاب نظرية الفئة الطفيلية إن هذه الأمثلة تخدم فكرتهم فهى توضح إمكانية وجود فئة طفيلية محددة فى المجتمع الرأسمالى بل و ابان فترة صعوده التاريخى . والمسألة كما نرى هى حقيقة لا تحمل أى لبس ، إلا أن الوضع فى مصر يختلف كثيرا .. فأين هى هذه الرأسمالية الطفيلية والرأسمالية الثورية ؟ .. ولنقارن بين انتصار الرأسمالية الإنجليزية على كبار ملاك الأراضى فى منتصف القرن الـ19 بإلغاء قانون القمح ، وتضامن كبار رجال الصناعة فى مصر مع كبار ملاك الأراضى للإبقاء على قانون القطن المشابه كثيرا القانون القمح الإنجليزى فى مغزاه .. يتضمن المثال الأخير إن هذا الجناح الطفيلي كان يتشكل من طبقة حقيقية تنتمي للنظام الرأسمالي لها وضع خاص وفريد، فهى جزء من النظام الرأسمالي (الصاعد فى ذلك الوقت) ، إلا أنها الجزء الرجعى فيه ، والرجعي بالضرورة ودائما . وهذه الطبقة هي عالة على نفس النظام الذى تنتمي إليه ، فى فترة صعوده . ويتمثل أخيرا وضعها الفريد في كونها لا تنتمى للنظام البورجوازي إلا من حيث إنها عالة عليه بالذات ، ممثلة لشبح الإقطاع البغيض ، دون أن تحقق بذاتها أى صعود تاريخي ، بل شكلت عائقا أمام الرأسمالية . أما المثل الأول فيوضح بجلاء إمكانية وجود فئة طفيلية محددة المعالم ضمن الطبقة المسيطرة ، إلا أنها وجدت فى أوربا مقابل نقيضها : الرأسمالية الثورية ممثلة فى أصحاب المشاريع الصغيرة غير الاحتكارية ،والتى لعبت الدور الأساسى فى تطوير قوى الإنتاج بل واستطاعت تصفية الاحتكارات فى بلدان غرب اوربا فاتحة عصر المنافسة الحرة على مصراعيه.


[13] قضايا فكرية العدد الثانى 1986.


[14] المرجع السابق،ص 88 .


[15] ونقصد بالضبط المعنى الذى ذكره باران : قدرة المجتمع على الإنتاج ناقصا الاستهلاك الضرورى .
الاقتصاد السياسى للتنمية . ترجمة أحمد فؤاد بلبع، دار القلم ، القاهرة 1967 ، صـ 84.


[16] الفائض الفعلى هو وفقا لفكرية باران الفائض المتحقق ناقصا الاستهلاك الفعلى . المرجع السابق صـ 83.


[17] سنعرض وجهة نظرنا فى هذا الجزء من خلال تحليل و نقد ثلاثة من المساهمين فى الحوار : محمود عبد الفضيل كأهم مساهم من الاتجاه الآول. و صلاح العمروسى كأكبر مساهم من الاتجاه الثانى. و محمد عبد الشفيع ، أقرب الجميع إلى فكرتنا.


[18] الطليعة نوفمبر 1968.


[19] الطليعة اكتوبر 1984


[20] المرحع السابق ص ص 76-77)


[21] ذلك أن العمروسى قد اشار إلى المضاربة والغش والفساد فى مرحلة صعود الرأسمالية باعتبارها أمر يختلف دوره ووزنه فى مرحلة الصعود والتقدمية والثورية عن مرحلة التدهور والرجعية وتبديد الفائض والنزعات الاستهلاكية وتعويق القوى المنتجة ص89


[22] دراسات فى تطور الرأسمالية . ترجمة الدكتور . رؤوف عباس حامد ، القاهرة 1978


[23] سمير أمين التراكم على الصعيد العالمي.


[24] Charles Issawi , Egypt at Mid Century


[25] بول بايروك مازق العالم الثانت.


[26] حُسبت هذه الارقام بناء على معطيات مابرو (الاقتصاد المصرى من 52 1972). ووفقا لمعطيات وزارة التخطيط بلغ هذا المعدل فى الفترة من 1960- 1970نحو 14% ،من 1960-1965 نحو 16%، من 1965- 1970 نحو 12%.
[27] بلغت نفس النسبة فى الفترة من 1973- 1984/1985 نحو 17%. (النشرة الاقتصادية للبنك الاهلي .العدد الأول . المجلد 38،1985).
[28] فى ظل ظروف مشابهة من حيث اختلال الاقتصاد واتجاهات النمو ، ورغم تدنى قوى الإنتاج بشكل افدح أمكن فعلا إقامة انظمة اجتماعية أرقى فى بلدان عديدة : الصين فيتنام كويا اليمن الجنوبى.. وغيرها وراحت هذه البلدان تتجاوز التخلف.
[29] فى 1813 ثم الغاء احتكار تجارة الشركة مع الهند ، وفى 1833 ثم الغاء احتكارها للتجارة مع الصين ،فى 1958 ثم حل الشركة نهائيا . ماركس-انجلز ، فى الاستعمار ، ترجمة فؤاد ايوب دار دمشق للطباعة والنشر هامش 8 ص370. انظر ايضا مقالة ماركس :شركة الهند الشرقية . تاريخها ونتائجها . ص46 من نفس المرجع .
 
[30] Capital, vol, III, part 4, Chapter XX, P. 334, Moscow , 1974.
[31] وبغض النظر عن مسألة نشوء هذا الاقتصاد بفعل الضغط الاجنبي أو وجود عناصر نمو رأسمالى سابقة عليه فالنتيجة كانت واحدة؛ تحطيم التشكيلة الاجتماعية السابقة وإقامة بناء اجتماعى اقتصادى تابع متخلف وُيعاد إنتاجه من خلال التبادل الخارجى.


[32] حتى لو كان هذا الفائض هو فائض قيمة منتج فى الخارج فهو لا يدخل السوق المحلى بوصفه كذلك ، بل بوصفه قيمة فحسب، بالضبط مثلما يدفع العامل من أجره ثمن السلع التى يقتنيها فهو يدفع قيمة لا أجر.


[33] يكفى أن نسبة كبيرة من العمالة المنتجة للفائض (زراعة صناعة كهرباء- تشييد) تعمل فى قطعة الأرض الصغييرة والورشة.


[34] انظر بهذا الصدد Marx, Capital, vol. II, part 1, Chapter v. Moscow, 1974


[35] لنقارن بين مصر وأوروبا فى فترة صعود الرأسمالية : فى أوربا لعبت الرأسمالية دورا مباشرا فى تنظيم الإنتاج والاشراف المباشر على إقامة الصناعات وتطويرها وخلق الترابط بين فروع الإنتاج ، اما فى مصر فالنشاط الأساسى لرجال الأعمال هو استيراد المصانع ، استيراد التكنولوجيا ، الإدارة المالية من بعيد لوحدات الإنتاج الصغيرة ، التجارة ، المقاولات .. الخ اى انهم يتعاملون مع النشاط الإنتاجى كمجرد تجار مقاولين لا كرجال صناعة حقيقيين.
وهذا الفرق الدقيق يوضح لنا مغزى وصف ماركس " للمنتج" الذى يصبح تاجرا ورأسماليا "بالطريق الثورى حقا" مقابل تحول التاجر إلى تاجر صناعى بتمويل الصناعة وإدارتها من الخارج ، ذلك انه فى الحالة الاولى يكون الرأسمالى الصناعى الحقيقى . ونسجل ملحوظة أخرى ؛ ان مصر لا تخلو من المنظمين الصناعيين خاصة فى الصناعات المتوسطة الحجم ، الذين يعملون بكل اجتهاد على تنظيم وتشغيل مصانعهم ، الا انهم يظلون مع ذلك مجرد تجار صناعيين ، ذلك ان فرقا مهما يظل قائما بينهم وبين نظرائهم فى أوربا : ففى أوربا لعبت المشاريع الصغيرة الدور الأكبر فى تطوير القوى المنتجة بينما لعبت فى مصر دورا معاكسا تماما ومعاديا للتطور إلى أقصى حد، بل انها تكتفى بتحقيق الأرباح فى حماية الاحتكارات الضخمة بل وتعمل أساسا فى خدمة الأخيرة . كما انها تعتمد كلية تقريبا على شراء التكنولوجيا والمعدات من الخارج .


[36] سبق ان طرح هذه الفكرة مهدى عامل : نمط الإنتاج الكولونيالى .


[37] انظر بهذا الخصوص : نبيل عبد الفتاح ، المصحف والسيف - صراع الدين والدولة فى مصر . مكتبة مدبولى القاهرة 1984. كما طرح نفس القضية احمد صادق سعد فى محاضرة ألقاها بكلية الاداب (قسم الاجتماع) جامعة عين شمس فى 26/4/1987 بعنوان : "آثار المجتمع الماضى فى المجتمع الحاضر فى مصر " حيث أضاف فكرة ازدواج الوجود الاجتماعى عموما فى مصر الحديثة ؛ قطاع قديم شرقى وقطاع حديث ، على صعيد الفكر والتنظيم والاقتصاد، واستطاع ان يرصد الكثير من مظاهر وجود "النظام الشرقى" فى مصر المعاصرة مختلطا بأشكال المجتمع الحديث.


[38] عالج طارق البشرى هذه الظاهرة فى كتابه : المسلمون والاقباط فى إطار الجماعة الوطنية ص 233 250 القاهرة 1980 م، الهيئة المصرية العامة للكتاب .


[39] من السهل جدا على المرء ان يتخيل موقف رجل الأعمال من آلاته إذا تبين أنه يستطيع ان يزيد ربحه باستمرار ، وما يعطيه هذه الميزة هو وجود قوة شرائية مرنة جدا ، تنمو بفعل التحويلات الخارجية أو نمو نمط الإنتاج الصغير بالاضافة إلى تخصص رجل الاعمال هذا فى إنتاج سلع لا يتمتع الطلب عليها بمرونة كبيرة (وهى احدى خواص الصناعة المصرية) وبوضع احتكارى ممتاز وبدعم الدولة الكبير.


[40] الاسلام والرأسمالية : ترجمة نزيه الحكم . ط 4 بيروت 1982 ، ص 43.
ونجد فكرة مماثلة متضمنة فى "رأس المال" حيث حلل ماركس الدور التاريخى لرأس المال التجارى ، مشيرا للفرق بين دوره الرأسمالى ودوره قبل الرأسمالى : "فى المراحل قبل الرأسمالية هيمنت التجارة على الصناعة أما فى المجتمع الحديث (يقصد الرأسمالى) فان العكس هو الصحيح".
Capital, Vol, III, PART IV, CHAPTER XX, P. 330, Moscow, 1974.
"داخل الإنتاج الرأسمالى ُينتزع رأس المال التجارى من وجوده المستقل السابق إلى مرحلة خاصة فى توظيف رأس المال".. ibid,p.327
و نحيل القارىء كذلك إلى : موريس دوب، المرجع السابق، الفصل الرابع.


[41] عادة ما ـتفهم كلمة "مطلق " هنا فهما خاطئا ، بمعنى صوفى او لاهوتى .. الخ والمعنى المقصود هو تحديد معايير من داخل الظاهرة لا من خارجها . معايير تنسب الظاهرة إلى التاريخ الإنسانى العام لا إلى ظواهر جزئية أخرى ، وبمعنى أبسط : تحديد أكثر المفاهيم عمومية و شمولا ..


[42] هذا العرض هو جزء من دراسة عادل : "الناصرية فى الثورة المضادة" وهى منشورة فى www.ahewar.org/debat/files/3925.doc


[43] قدم سمير رضوان دراسة ضخمة بعنوان :Capital Formation In Egyption Industry and Agriculture, 1884 –1967, London, 1974.
ولكنه لم يقدم تحليلا وافيا لآليات وتوجهات عملية التراكم ككل.


السنة معدل نمو قوة العمل معدل نمو عدد السكان
1960 1.23 % 2.38 %
1966 1.22 % 2.54 %
1976 2.6 % 2.31 %
عبد النبى الطوخى . بحث مقدم إلى المؤتمر العلمى الثالث للاقتصاديين المصريين القاهرة 23 25 مارس 1978.


[45] على أساس معطيات فتحى عبد الفتاح : القرية المعاصرة .


[46] Samir Radwan, op. Cit, p. 209.




[47] مابرو الاقتصاد المصرى 1952 1972 .
ترجمة : د. صليب بطرس .
الهيئة المصرية العامة للكتاب.


[48] حُسبت على أساس معطيات رضوان ، مابرو، هانسن مرزوق .


[49] على صبرى . سنوات التحول الاشتراكى .
[50] مابرو المرجع السابق .
 
[51] B. Hansen and G. Marzouk , Development and Economic policy in U.A.R. Egypt . Amesterdam, 1968.
[52] مابرو المرجع السابق.
[53] نقدرها بأكثر من 50 % من العمالة الجديدة وبذلك تتخفض النسبة المذكورة إلى أقل من 1.3%.
 
[54] عبد النبى الطوخى . المرجع السابق .
[55] حُسبت على أساس معطيات عمرو محى الدين ، عبد الفتاح قنديل : المؤتمر العلمى الثانى للاقتصاديين المصريين . وكذلك مابرو . المرجع السابق . ومن الملاحظ ان معدل البطالة فى مصر حتى خلال أهم فترات الانتعاش يفوق معدل البطالة فى البلدان الراسمالية حتى فى أشد الفترات ركودا !
[56] ُحُسبت على أساس معطيات سمير رضوان ، المرجع السابق . وهو يخصم 6.5 % كاستهلاك سنوى للآلات ، 2% كاستهلاك سنوى للمبانى ، ولا يشمل أرقامه النقل والتشييد والكهرباء والتخزين . وكل هذه الأرقام ُحُسبت بأسعار سنة 1960.
 
[57] حُسبت على أساس معطيات سمير رضوان . و هو بالنسبة للزراعة يخصم استهلاك آلات ومبانى بمعدل 10% 3.3،% سنويا على التوالى وبأسعار سنة 1960.
 
[58] حُسبت على أساس معطيات سمير رضوان بأسعار 1960.
 
[59] روبرت مابرو سمير رضوان . التصنيع فى مصر من 1939-1973 ، ترجمة د.صليب بطرس . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1981 ص 62.
 
[60] حُسبت على أساس معطيات سمير رضوان.


[61] حُسبت على أساس معطيات سمير رضوان.
[62] أولا لأن العلاقة بين حجم رأس المال وكمية القيمة المضافة ليست واحدة فى كل القطاعات، وثانيا لأنه لا يمكن وضع الثقة فى طريقة الاحصاء الرسمية خاصة ان هناك قطاعات يصعب المام بكامل نشاطها مثل التجارة.
[63] مابرو رضوان ،المرجع السابق ،ص 62.
[64] حُسبت على أساس معطيات عيسوى ، مابرو رضوان ، أوبريان . كما قدر هانسن ومرزوق هذه النسبة كما يلى:
1937 1939 57 % (بالاسعار الجارية للعوامل ناتج محلى).
1945 55% (بأسعار 54 ناتج محلى ).
1954 44% (بأسعار 54 ناتج محلى ).
1962 1963 44% (وبأسعار 53 1954 (ناتج قومى اجمالى)
.. op.cit
[65] حُسبت هذه النسب على أساس معطيات سمير رضوان ، وهى لا تشمل النقل والتخزين والكهرباء والتشييد ، كما حُسبت على أساس أسعار 1960 .
والنسب التى أوردناها لايمكن مقارنتها بالنسب التى أوردها الكاتب لأننا حسبناها على أساس رأس المال الدائم وحده وليس مجموع الاستثمارات وهى تبين حقيقة أكيدة أردنا توضيحها : تزايد نصيب المبانى فى الصناعة التحويلية خلال العهد الناصرى.
[66] بدأت هذه الظاهرة فى مصر الحديثة منذ تحقيق الاستقلال الجزئى فى 1923 . طارق البشرى المرجع السابق ص 252 . أما خلال الفترة من 1952 66 / 1967 فقد بلغت زيادة الموظفين نحو 300%
وارتفعت نسبة حصتهم من الدخل القومى من 8.6 إلى 13% ، مابرو المرجع السابق ص 339.
[67] مابرو المرجع السابق ص 261
[68] Samir Radwan, op. cit .
[69] مابرو رضوان ، التصنيع فى مصر 1939 1973 ص 212.
[70] مابرو رضوان صـ 114.
[71] (33 samir Radwan, op. Cit ., p.p. 98 – 99 (Table
[72] الطاقة العاطلة فى الصناعة الهندية (%)
1592 41.9
1955 44.9
1960 35.6
1965 33.1
1966 36.7
وجديد بالملاحظة ان هذه النسب تزيد كثيرا على نسب الطاقة المعطلة فى البلدان الرأسمالية عدا أوقات الكساد الحاد حيث بلغت الطاقة العاطلة أعلى معدل لها خلال الكساد العظيم وتجاوزت رقم الـ 50% عام 1932. انظر بول باران بول سويزى : رأس المال الاحتكارى ، ترجمة حسين فهمى مصطفى . صـ251.
[73] تناولنا السياسة الاقتصادية للناصرية بالتحليل فى دراسة عادل : الناصرية فى الثورة المضادة . راجع هامش 42.
إرسال تعليق

يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل