هذه دعوة للعمل على تطوير مصر والشرق الأوسط ومناهضة قوى الظلام

والانضمام إلى ركب الحضارة الحديثة



الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

بنية التخلف



عادل العمرى وشريف يونس

        نشرالمقال لأول مرة عام  1988 فى مجلة "الراية العربية" وأعيد نشره هنا لاقتناعى بأنه يتناول موضوعا مازال حيا خصوصا فى ظروف العملية الثورية الدائرة فى مصر- عادل

المقدمة

اشتد الاهتمام فى العقدين الأخيرين من جانب عديد من الكتاب والمفكرين بقضية التخلف، وأسهم فى النقاش الدائر عديد من الاقتصاديين من مختلفى المذاهب والتوجهات. ويبدو أن النقاش قد بدأ مع تبدى فشل الحكومات "الثورية" فى العالم الثالث ، والتى تعلقت بهاللأسفآمال غالبية المثقفين الراديكاليين فى حل مشكلة التخلفالتبعية فى أواسط الستينات. ولا شكمن ثمأن أهمية النقاش تتجاوز الحقل النظرى البحت، لتمتد إلى تحديد مستهدفات الاتجاهات الراديكالية فى البلدان المتخلفة، فى الخطوط العريضة على الأقل.
ومع تعاظم المساحة التى تحتلها الظاهرة فى خريطة المناقشة النظرية العالمية يزداد بالضرورة تأثرها بالأزمة المنهجية العامةونعنى بها الافتقار إلى أدوات تحليلية دقيقة. وتظهر هذه الأزمة فى غموض المصطلحات وعدم توخى الدقة فى استخدامها وغياب تحليل منهجى لمفهوم التخلف .. بل والقصور فى إدراك مفهوم "المفهوم" ذاته أحيانا.
ويعد وضع إطار نظرى (أى بناء من المفاهيم) لظاهرة التخلف أهم مستهدفات هذا العمل، ومن ثم ينبغى التعرض أولا بشكل مختصر لأهمية المفهوم : تتراوح أى ظاهرة تاريخية حول مفهومها، الذى يمكن بواسطته وحده فهم الظاهرة فى سيرورتها والتنبؤ بمستقبلها. هذا المفهوم واحدى بالضرورة. فلو تصورناه متعدد الأوجه والمكونات لكان علينا أن نتساءل عن القوة التى توحد هذه الأوجه وتطرد ما عداها ؛ ومن ثم نسترجع مرة أخرى مبدأ واحادية المفهوم. هذا لا يتنافى مع حقيقة أن الظاهرة التاريخية متعددة الجوانب، وبالتالى ضرورة العمل على استكشافها، واستكشاف أشكال التشابك بين هذه الجوانب. بيد أن التوقف عند هذا الحد واعتباره تحليلا ناجزا للظاهرة كفيل بأن يوقعنا فى مصيدة التحليل العاملى، الذى ، وأن كان ذا فائدة فى توصيف الظاهرة إلا أنه عاجز تماما عن إشباع رغبتنا فى فهم صيرورتها. أن تعقد الظاهرة التاريخية العينية يعود فى رأينا إلى نمو أشكال التوسط بين مفهوم الظاهرة ووجودها العينى، وتشابك هذه الأشكال. ومن ثم نقرر أن التحليل الجدلى لأى ظاهرة تاريخية إنما يعنى التوصل إلى بنية محكمة من المفاهيم وأشكال التوسط، وصولا إلى الواقع العينى الملموس.
ونظرا لطبيعة هذا المقال سنغض النظر عن التحليل العينى الملموس الذى نقر أهميته باعتباره المرجع الأخير لكل تصور نظرى ، وسنركز على مناقشة مجموعة من المفاهيم الرئيسية التى نعتبرها جوهرية فى تحديد الإطار النظرى لتحليل ظاهرة التخلف.
وإذا ما تتبعنا تأثير الأزمة المنهجية العامة بخصوص إشكالية التخلف، سنجدمثلاأن منظرا ماركسيا كبيرا كبول باران يجارى الاقتصاد السياسى [1] فى استخدام معيار كمىوهو الدخل القومى / الفردكمقياس للتخلف ، بما يعنى اختصار الفارق بين الدول الرأسمالية والدول المتخلفة إلى مجرد درجة من "النمو" أو "الثراء"، وبالتالى إهمال مجمل التفاعلات العينية على المستوى الاقتصادىالاجتماعى لصالح تجريد يفتقر لكل عمق تحليلى. ويترتب على ذلك بالضرورة اعتبار التخلف مجرد حالة خاصة من النمو الرأسمالى ، مع بعض الفروق الكمية التى تفسر عادة بوجود آليات معيقة إلى هذا الحد أو ذاك لعملية التراكم الرأسمالى.
وبصرف النظر عن الاختلافات الجزئية ، يستند كل من باران وس. أمين وج. فرنك وغيرهم، إلى التصور القائل باعتبار التخلف حالة خاصة أو (مشوهة) من النمو الرأسمالى وبالتالى يحددون بنية التخلف كتشكيلة اقتصادية اجتماعية رأسمالية متخلفة : socio-economic formation ، أو .. الطرف المتخلف من "تشكيلة اقتصاديةاجتماعية رأسمالية عالمية" ويستهدف هذا المقال بالدرجة الأولى إثبات أن هذا الإطار النظرى يتغاضى بالضرورة عن خصوصية بنية التخلف وأنه يتبنى فى نهاية المطاف التحليل الكموى للظواهر الاجتماعية وأن الاستناد إليه يتضمن بالضرورة التضحية بجملة من المفاهيم العلمية الجدلية، أو لى عنقها.
كذلك ينطوى هذا الإطار على الوقوع فى فخ تبنى وجهة نظر أوروبية eurocentric ، بمعنى تحليل الظاهرة من خارجها استنادا إلى معايير مستمدة من التجربة التاريخية لأوروبا الغربية، وذلك بمقارنة التخلف بما يسمى "الرأسمالية المتقدمة". فى مثل هذا التحليل يظهر التخلف بالضرورة كالصورة السالبة لبعض مقولات التشكيلة الرأسمالية، الأمر الذى يترتب عليه إحلال تعبيرات أدبية محل المفاهيم، على نمط "البراجوازية المتخلفة" و"الرأسمالية التابعة" و"البرجوازية الرثة" و"المركز والمحيط" .. وهى فى أفضل أحوالها أسماء وصفية، تنجح فى مهمة الوصف بدرجات متفاوتة، وتزداد إمكانية النجاح مع ازدياد غموض التعبير.
لسنا بصدد إدانة هذه المحاولات المتتالية لوصف وتحليل بنية التخلف، بل نقر على العكس، بفضلها فى اكتشاف وتوصيف الكثير من مظاهر بنية التخلف وتحليل الآليات الرئيسية لإنتاجها وإعادة إنتاجها، وفى إيضاح بعض أسباب التخلف التاريخية. أن طموح هذا المقال يتركز فى تحديد مفهوم للتخلفبالاستناد إلى تلك الإنجازاتكأساس منهجى لا غنى عنه للانطلاق فى تحليل نهائى للظاهرة.
**********************


أدى تفكك الإقطاع فى أوروبا إلى ازدياد الأهمية السياسية والاجتماعية لسكان المدن. وسرعان ما أعيد بناء السياستين الداخلية والخارجية لصالح تشجيع التجارة، وتحولت الحروب الإقطاعية القديمة إلى حروب قومية للسيطرة على التجارة الدولية. وفى هذا السياق قامت إمبراطوريات تجارية ضخمة. بيد أن السيطرة على هذه التجارة الدولية المجزية حسم فى النهاية وفقا لمعيار تطور القوى المنتجة ، فقد آلت السيطرة فى نهاية المطاف إلى الأراضى المنخفضة فإنجلترا لأسباب اقتصاديةاجتماعية، ألا وهى التحولات التى حدثت فى بنية الإنتاج ونشأة المانيفاكتورة أول أشكال التراكم الرأسمالى[2].
لقد عجل نمو التجارة الخارجية من نمو التجارة الداخلية وأسهم فى تفكك الإقطاع ، دون أن يعنى ذلك على الإطلاق نشوء الرأسمالية. لم يكن نمو التجارة فى حد ذاته هو الذى أقام نمط الإنتاج الرأسمالى فى أوروبا الغربية ، بل التراكم البدائى الناتج عن تطور قوى الإنتاج. لا شك أن عملية التراكم البدائى قد استفادت من سيطرة الأساطيل "القومية" على التجارة الدولية. ولكن لا يمكن اعتبار هذه الفائدة حاسمة على الإطلاق، فنمو التجارة والإنتاج من أجل السوق لا يعنى فى حد ذاته رسملة الإنتاج ولا يؤدى بالضرورة إلى تأسيس نمط الإنتاج الرأسمالى.[3] وفى هذا الإطار لا يمكن إقرار تأكيدات بعض المنظرين أن نمط الإنتاج الرأسمالى قد أقيم على حساب المستعمرات التجارية فى الفترة ما بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر، نظرا لأنها تنطوى على إهدار مفهوم نمط الإنتاج وعلى الخلط بين النقود والرأسمال، كما أنها تقع ضحية لأفكار الاقتصاد السياسى المتشيئة بحيث ينظر للرأسمال كمحض تراكم كمى للقيمة وليس كعلاقة اجتماعية. آخذين ذلك بعين الاعتبار نقرر أن دور النهب الخارجى فى إنشاء نمط الإنتاج الرأسمالى لا يتعدى كونه معجلا ثانويا.
من جهة أخرى قامت التجارة الدولية الأوروبية الجديدة على مدى تلك القرون بإفقار بشع لشعوب القارات التى سيطرت عليها. ومن أجل الربح تم استرقاق 60 مليون أفريقى كانوا نقطة البداية فى مثلث التجارة الدولية آنذاك[4]. ومع التأثير الضاغط للتجارة الأوروبية الصاعدة المدعمة عسكريا تغلغلت المصالح التجارية داخل (البلدان التى صارت متخلفة) بدرجات متفاوتة وبدأ تأثير التجارة المعتاد فى تقويض أشكال الاقتصاد الطبيعى إلا ان تفسير نشأة التخلف كنتيجة للنهب التجارى يتجاهل التحولات فائقة الأهمية فى البنية الاقتصاديةالاجتماعية (تحولات أشكال التوزيع والإنتاج والتبادل والاستهلاك) لصالح معيار كمى مجرد ينتمى إلى جعبة أفكار الاقتصاد السياسى. لقد لعب تغلغل المصالح التجارية الجديدة دورا تمهيديا فقط فى إنشاء التخلف. ومن حيث الجوهر، ليس النهب سوى نتاج ثانوى لهذا الدور.
خلقت الثورة الصناعية السوق الدولى خلقا جديدا، فأنهت مرحلة الاستعمار التجارى (الماركنتالى) بعد أن نجحت فى الداخل فى القضاء على سيطرة الرأسمال التجارى على الرأسمال الإنتاجى بتحقيقها سيادة الرأسمال المنتج على بنية الإنتاج الداخلية، وإقامة السوق القومى[5]. ترتب على ذلك تصفية الشركات الاحتكارية الكبرى (مثل شركات الهند الشرقية التى أقيمت تحت رعاية عدة دول أوروبية) كما اختفى مقياس النهب التجارى ضيق الأفق، والذى عبرت عنه النظريات التجارية التى كانت تقيس نجاح التجارة الخارجية بقدرتها على تحويل الذهب للبلد المعنى فى عملية التبادل. وصار هدف التجارة الخارجية خدمة عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج الرأسمالى وإخضاع السوق الدولى لمتطلباته من المواد الخام والسوق. كان لابد أن يصاحب ذلك تراجع أشكال النهب المباشر باعتباره شكل غير ملائم للرأسمالية الناشئة، فشكل النهب يحدده شكل الإنتاج وكان لابد للنهب إذن   – فى هذه الحالةأن يأخذ أرباح قائمة على تبادل ما، أى على آلية اقتصادية معينة. أما ما صاحب تلك العملية من عنف عسكرى وقهر غير اقتصادى، فلم يتعد دوره التمهيد لهذا التبادل (بتحطيم أشكال الاقتصاد الطبيعى المقاومة للتبادل)، أو تحديد شروطه. ورغم أن النهب المباشر لم يختف تماما إلا أنه تراجع إلى الظل؛ فالرأسمالية تميل دائما إلى ابتلاع أشكال الاستغلال غير الاقتصادى.
أن معركة التشكيلات الرأسمالية فى السوق الدولى، إنما تدور حول توفير أفضل الشروط لإنتاج فائض القيمة وتحقيقه .. وفى هذا الإطار تم إنشاء بنية التخلف، ولم يتم ذلك بالطبع وفقا لخطة معينة، أو كنتيجة للنوايا الشريرة للرأسمالية، وإنما تكونت بنية التخلف كنتاج لاصطدام التشكيلات الرأسمالية مع بنى اقتصاديةاجتماعية أخرى ذات مميزات محددة .. وفى حالة عدم توفر هذه المميزات، أدى الاصطدام إلى إدخال الرأسمالية فى تلك المجتمعات (مثل أمريكا الشمالية واستراليا). لا شك أن الرأسمالية هىإن جاز التعبير "الفاعل الأصلى" فى قضية التخلف، ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن البلدان التى صارت متخلفة لم تكن مفعولا به مجردا ولكن مفعولا به متعينا : أى بنية اجتماعية محددة. أن كون الرأسمالية هى "الفاعل الأصلى" فى قضية التخلف يتضح من شمول ظاهرة التخلف لكيانات اجتماعية كانت ذات خصائص وبنى مختلفة لحظة اصطدامها بالبنى الرأسمالية : مجتمعات مشاعية، حضارات نهرية، مناطق شبه رعوية الخ. أما طبيعة الخصائص المشتركة بين تلك البنية والتى أهلتها للتحول إلى بنية متخلفة فستتضح لنا عند تناول بنية التخلف نفسها.
قامت الثورة الصناعية بإغراق السوق الدولى بكمية هائلة من المنتجات وبأسعار لا تنافس. وبعد تحطيم العوائق السياسية والحدود الجمركية حطم هذا الفيض السلعى الرخيص الصناعات الحرفية، كذلك فككت الاقتصاد الطبيعى فى (البلدان التى صارت متخلفة)، عبر قيامها بتنقيد يزداد تغلغلا لاقتصاديات تلك البلدان. على أن أهم نتائج ذلك الغزو هى إقامة نمط استهلاك جديد بجانب الأنماط الموروثة السابقة، وهو نمط ليست له أسس فى البنية الداخلية للإنتاج. لم يقتصر ذلك على مجرد الاستهلاك الفردى بل تعداه للاستهلاك العام (قطاعات النقل، التسليح). وعلى أساس نمط الاستهلاك الجديد توسعت التجارة الخارجية بسرعة كارثية وصار توفير صادرات للأسواق الخارجية مسألة حيوية .. من أجل تسديد مقابل لحاجات الاستهلاك الداخلى بنوعية من البضائع الأجنبية. كذلك نشأت فئات اجتماعية جديدة يعتمد وجودها على هذه التحولات؛ إذ تحولت قطاعات معينة ونشأت قطاعات أخرى لتلبى حاجة الإنتاج للسوق الدولى. ولما كانت البلدان الرأسمالية بفضل إنتاجيتها المرتفعة صاحبة أكبر طلب فعال فى السوق الدولى .. كان معنى التحولات التى ذكرناها إقامة علاقة اعتماد من جانب هذه القطاعات الجديدة والمتحولة على البلدان الرأسمالية بتوسط السوق الدولى.
نستطيع ان نقرر إذنعلى عكس التصور الشائعأن التحول الحاسم حقا فى عملية نشوء بنية التخلف هو تحول قطاعات إنتاجية لخدمة السوق الدولى، أى "تحول" البلدان الرأسمالية إلى سوق للبلدان المتخلفة. أما مختلف أشكال الإفقار والنهب وتحطيم الحرف فلا تعد على الإطلاق أكثر من نتائج ثانوية لذلك التحول .. فالتاريخ يشهد أن مثل هذه الظاهرات قد حدثت مرارا فى تاريخ الشعوب بفعل الغزو دون أن يترتب فى ذلك نشوء علاقة التخلفالتبعية.
سرعان ما أعيد إنشاء البنية التحتية لخدمة تلك القطاعات التصديرية الجديدة ولتوسيع التجارة الخارجية، فأنشئت الموانىء العملاقة والسكك الحديدية ووسائل النقل والاتصالات الحديثة والجهاز المصرفى الضرورى (الذى هو فى الحقيقة بيوت مقاصة كبيرة). كذلك نشأت حرف وصناعات جديدة مخصصة لخدمة القطاعات الجديدة (مثل التعليب والتغليفة وحلج وكبس القطنالخ). وباختصار : ترتب على هذا التماس مع البنى الرأسمالية إعادة إنشاء أشكال الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك للتلاؤم مع احتياجات تلك البنى ،وافق ذلك التحولبالطبعتوسع التجارة المحلية كحلقة وصل ضرورية بين الإنتاج والاستهلاك وبين السوق الدولى. ولما كان تنقيد الاقتصاد الداخلى هذا قد تم فى إطار إنشاء قطاعات الإنتاج للتصدير، وليس فى إطار رسملة (تصنيع) البنية المحلية .. فقد ظل تابعا لتوسيع التجارة الخارجية وذيلا له، وأدنى من حيث المعدل.
ج- لا يمكن اعتبار هذه التحولات تطويرا للبنى الداخلية للإنتاج. وعلى العكس نجد استمرارية للبنى القديمةبشكل محورفى قطاع الإنتاج الموجه للداخل والمعتمد على نمط الاستهلاك القديم. [6]كما يلاحظ أن قوى الإنتاج فى ذلك القطاع بالغة التدنى، حتى أن جزءا هاما منها يمارس كإنتاج منزلى. ويعمل على استمرار ذلك التدنى ضيق السوق المحلى الذى يعود أيضا لبقاء علاقات الإنتاج "قبل الرأسمالية" [7]، حتى بالنسبة لجزء هام من القطاعات التصديرية. كان سوق البلدان المتخلفة من الضيق بحيث أحجمت الرأسمالية عن تصنيع بنيتها الداخلية. وقد ساعد على ضيقها أيضابالإضافة لاستمرار أشكال الاقتصاد الطبيعى وبقاء علاقات الإنتاج "قبل الرأسمالية" تركز القوة الشرائية فى القطاع الحديث من بنية التخلف، ومن جهة أخرى أدى عدم تصنيع القطاعات الموجهة للداخل إلى استمرار مقاومة أنماط الإنتاج "السابقة على الرأسمالية" وإعادة إنتاجها باستمرار، الأمر الذى يؤدى إلى ضيق السوق، وهكذا
لعب ازدواج نمط الاستهلاك إذن دورا جوهريا فى عملية نشوء التخلف، ونلاحظ إنه قد استند لازدواج : بنية الإنتاج الرأسمالى فى البلدان الرأسمالية ( وامتداداتها فى البلدان المتخلفة) والإنتاج قبل الرأسمالى فى البلدان المتخلفة. ونادرا ما يحظى الجانب الخاص بنمط الاستهلاك القديم بالاهتمام رغم أهميته المحورية، أن أشكال نمط الاستهلاك القديم وأشكال تمفصله مع النمط الحديث للاستهلاك هى المسئولة عن الطابع الخاص لكل بنية متخلفة بل وطابع أجزاء البنية الواحدة، فلو حزفنا هذا القطاعفرضامن بنية التخلف لما تبقى لنا سوى قطاع حديثيعتبر جزء من بنية الرأسمالية الأوروبية والأمريكية واليابانية. ولا نستطيع فى هذه الحالة المفترضة توصيف ذلك البلد كبلد متخلفمن الناحية الاقتصاديةرغم تبعيته وافتقاره لبنية داخلية للإنتاج.
يترتب على ما سبق تقريره حقيقة هامة : أن تنقيد بعض قطاعات الاقتصاد المحلى لم يأت ضمن صيرورة تراكم بدائى، بل ضمن صيرورة بناء قطاع مرتبط بالسوق الدولى الذى أنشأته البلدان الرأسمالية وسيطرت عليه. وكان ذلك التحولإذنإنقطاعا فى الصيرورة التاريخية للبنى الاقتصادية القديمة ترتب عليه تفكيك بعض قطاعاتها وإقامة الازدواج المشار إليه ، ولم يكن على الإطلاق تحققا تاريخيا للبنى القديمة.
د- هناك تصور شائع يعتبر كل عملية تنقيد للاقتصاد كعملية رسملة للبنية الاجتماعية وترتب على ذلك التصور اعتبار نتاج تلك العملية دائما وبالضرورة إقامة نمط الإنتاج الرأسمالى (أى اعتبار الإنتاج من أجل السوق إنتاجا رأسماليا)، وكذلك اعتبار البلدان المتخلفة بنى رأسمالية متخلفة، أو طرف فى منظومة رأسمالية عالمية. وفى رأينا أن تلك التصورات كفيلة بإفقاد ظاهرة التخلف أى تميز ووضوح، وكفيلة بالإخلال بمجمل المفاهيم الماركسية الأساسية وبالتالى لى عنق المنهج العلمىالماركسى.
تتألف البنية التحتية لأى نمط إنتاج من وحدة قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (علاقات الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك) ضمن شروط معينة.[8] ويعنى تطور قوى الإنتاجعند مستوى معينقيام تقسيم اجتماعى جديد للعمل. والحال ان تقسيما اجتماعيا جديدا للعمل يعنى بالتحديد نشوء طبقات جديدة[9]، سرعان ما تجد تمثيلها المناسب على المستويين السياسى والأيديولوجى لتتحول إلى قوة اجتماعية فعالة. وتتم عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج بمتوسطات معينة على مستوى التوزيع والتبادل والاستهلاك وتتحدد أشكال تلك الأخيرة والعلاقات بينها على مستوى الإنتاج. [10]وعلى عكس ذلك التصور نجد أطروحة (إنتاج من أجل السوقالإنتاج الرأسمالى) تحدد مقولة نمط الإنتاج على مستوى التبادل، أى على مستوى العلاقات بين المنتجات، فتقع بالتالى فى فخ التشيوء وتتبنى مفاهيم الاقتصاد السياسى.[11] أما النظرية الماركسية فإنها تضع مقولة نمط الإنتاج على مستوى العلاقات الاجتماعية بين البشر.
تدل الخبرة التاريخية على أن الإنتاج من أجل السوق يمكن أن يصاحب مستويات مختلفة تماما من تطور القوى المنتجة وأشكال مختلفة من العلاقات الاجتماعية للإنتاج (مثل العبودية فى أثينا و روما و الزراعة التجارية الإقطاعية فى القرن 14، 15،16م فى أوروبا) ويمتد التشيوء ليأخذ أبعادا أخرى، فعلى سبيل المثال، يجرى اعتبار إنتاج الفلاحين للقطن من أجل السوق الخارجى إنتاجا رأسماليا. وبالطبع لا يمس هؤلاء المنظرون النقطة الحرجة القائلة باستحالة وجود البرجوازية كطبقة دون وجود بروليتاريا، مثل هذه النظرة تقفز بالضرورة على مجمل الوضع الاجتماعى للجماهير لصالح تجريد اقتصادى فقير.
يتحدد نمط الإنتاج الرأسمالى، مثل أى نمط إنتاج، بالشكل الاجتماعى لإنتاج الفائض الاجتماعى وإعادة إنتاجه. ويتخذ الفائض فى حالة نمط الإنتاج الرأسمالى شكل فائض القيمة. الإنتاج الرأسمالى إذنكما حددت روزا لوكسمبورجهو إنتاج فائض القيمة. وبمجرد تحديد مفهوم نمط الإنتاج بهذه الكيفية يتضح تماما أن عمليه نشوء بنية التخلف ليست عملية رسملة لبنية الإنتاج، لسبب بسيط، إن إنتاج البروليتاريا والبرجوازية الصناعية لا يشكل محورا لعملية إنتاج التخلف أو محورا لبنيتهكما سنثبت لاحقا. ونكتفى الآن بتوجيه انتباه القارئ إلى أن صيرورة التخلف العينية تثبت أن الإنتاج من أجل السوق (الخارجى بصفة خاصة) كان هو التحول الجذرى فى صيرورة إنشاء التخلف.
** ترافق أيضا مع نشوء بنية التخلف توسع السوق المحلى وزيادة التبادلات الداخلية ونشأة نظام نقدى محلى، يجرى تصويرهتأثرا بمفاهيم الاقتصاد السياسىعلى أنه سوق قومى. ونلاحظ أن تعبير (السوق القومى) يستخدم بمعان مختلفة .. ولكننا سنستخدمه هنا بمعنى محدد تماما؛ السوق القومى هو السوق الرأسمالى ، أى سوق الرأسمالية القومية الداخلى. وشرط تحققه هو وجود تشكيلة اقتصاديةاجتماعية رأسمالية فى البلد المعنى .. أى سيادة نمط الإنتاج الرأسمالى على سائر أنماط الإنتاج الأخرى فى بنية الإنتاج المحلية.
سنتعرض لاحقا لشروط سيادة نمط الإنتاج الرأسمالى، ونفند دعوى تحقق هذه السيادة مع إقامة قطاع صناعى فى البلدان المتخلفة، ونكتفى الآن بالإشارة إلى أن السوق الذى رافق نشوء بنية التخلف (وكانت إقامته سابقة على إنشاء قطاعات صناعية فى البلدان المتخلفة) هو سوق محلى وليس قوميا طالما أخذنا بعين الاعتبار أن الإنتاج من أجل السوق لا يعنى على الإطلاق نمطا رأسماليا للإنتاج، وبالتالى فإن ذلك السوق سابق على إدخال نمط الإنتاج الرأسمالى فى البلدان المتخلفة، وإنه نشأ كتابع لتوسع التجارة الخارجية فى إطار إنشاء قطاع التصدير*.
كذلك لوحظ نمو سكان المدن والمدن نفسها وتطورها، والأكثر أهمية من ذلك تزايد العلاقات بين الريف والمدن فى إطار سيطرة الأخيرة ضمن عملية التنقيد، ولكن لا يمكن أن نعد كل نمو للمدن نموا للرأسمالية، وكل سيطرة للمدن على الريف سيطرة للرأسمالية على أنماط الإنتاج الأخرى. ففى البلدان المتخلفة كان نمو المدن من حيث الجوهر انعكاسا لنمو قطاع التصدير. والمدن هنا تشكل مراكز لتجميع وتخزين المنتجات وإعدادها للتصدير (صناعات التعليب والحفظ والتغليف الخ)، بالإضافة إلى المضاربات التجارية ومجمل أنواع المقاصة والوساطة والتحويلات المالية والمضاربات اللازمة لتسيير تلك العمليات. يتسق مع تصورنا هذا كون الموانىء هى بصفة عامة ، أكبر المدن فى الدول المتخلفة وأكثرها تطورا.
************************
سبق أن ذكرنا أن التحول الرئيسى فى إنشاء بنية التخلف هو إنشاء قطاعات تنتج للسوق الدولى، وما يترتب عليه من فقدان البنية لأى اتجاه تاريخى للتطور[12] . لقد صار تطور تلك البنى المتخلفة تطورا تابعا لاحتياجات السوق الدولى الذى تسيطر عليه التشكيلات الرأسمالية. وعند تحليل هذا الرصد اتضح أن ذلك التحول البنيوى ليس تحولا لإنشاء بنية رأسمالية، بل تحول ضمن صيرورة مختلفة تماما .. رغم أنه تحول يفترض بالضرورة وجود التشكيلات الرأسمالية، باعتبارها "الفاعل الأصلى" فى قضية التخلف.
يكاد كل المتعرضين لقضية التخلف فى حدود علمنا يرون أن الدول المتخلفة هى بمعان مختلفة دولا رأسمالية متخلفة. وحالما وضعت القضية فى هذا الإطار، صار من الضرورى توضيح الفارق بين "الرأسمالية المتقدمة" و"الرأسمالية المتخلفة". لقد كان الاقتصاد السياسى متسقا مع نفسه ومع مفاهيمه حين نفى أى فارق جوهرى بين "الرأسماليتين"، لأنه يحدد الرأسمالية بصفة عامة كظاهرة تقع على مستوى التبادل ، أما التقدم والتخلف فيجرى قياسهما بواسطة عدة معايير كموية اشهرها الدخل القومى / الفرد.
ينطوى تعبير "الرأسمالية المتخلفة" ضمنا على تصور مؤداه، أن إشكالية التخلف لا تتميز على مستوى تحديد نمط الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، بل على مستوى أدنى .. لأنها تندرج ضمن إطار التشكيلة الرأسمالية. وحين يتبنى الماركسيون هذا التصور، فإنهم يواجهون حتما مشكلة عويصة إذا ما أصروا فى نفس الوقت على وجود فوارق جوهرية إلى هذا الحد أو ذاك بين البنى الرأسمالية وبنى التخلف. تلك المشكلة هى تحديد مفهوم التخلف بحيث يختلف جوهريا عن مفهوم التشكيلة الرأسمالية "المتقدمة" ولا يختلف جوهريا عنها فى نفس الوقت (باعتبار أن كليهما بنيتين رأسماليتين). واستتبع الوقوع فى هذا المأزق اللجوء إلى قلب المفاهيم، صارت الرأسمالية هى الإنتاج من أجل السوق بينما تميز التخلف على مستوى علاقات الإنتاج الفعلية (وجود أشكال الإنتاج السابقة على الرأسمالية)، وغياب العديد من آليات الرأسمالية وقوانينها وهو الخطأ الذى سبق لنا نقده.
أما النظرية الثالثة فهى اعتبار بنى التخلف رأسمالية من حيث هى أجزاء من بنية رأسمالية عالمية مزعومة، وأن تلك الرأسمالية العالمية، إذ تسيطر على بنى التخلف، تحولها إلى جزء من "عالم رأسمالى" ومن السوق الرأسمالى العالمى. لنقم إذن بفحص هذه الفكرة.
تشكل الأطر القومية الأطر الحقيقية للرأسمالية ، فلا رأسمالية بلا وطن ، ورغم أن تطور قوى الإنتاج فى ظل الرأسمالية ينزع لتحطيم الأطر القومية ، إلا أن ذلك النزوع لا يتحقق أبدا فى ظل الرأسمالية، فالرأسمالى فى البنى الرأسمالية يسعى إلى السيطرة على السوق المحلى عبر وسائل اقتصادية مختلفة تنظمها قوانين معينة تسود داخل الدولة المعنية وتعبر عن مصالح البرجوازية القومية ككل. أما فى الخارج ، فإن ذلك الرأسمالى يحطم منافسيه استنادا إلى جهاز الدولة التى ينتمى إليها. وبقدر قوة الاقتصاد القومى والقوة العسكرية للدولة، بقدر ما يستطيع الرأسمالى فرض مزاحمته على منافسيه فى السوق الخارجى ويستند هذا الإطار القومى للرأسمالية إلى أسباب عميقة كامنة فى تاريخ نشوء وتطور نمط الإنتاج الرأسمالى؛ فقد نشأت الرأسمالية ثم تحققت سيادتها على أنماط الإنتاج الأخرى ضمن أطر قومية معينة، وبين النشوء والتسيد كان عليها أن تحطم أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية دون أن تحطم نمط الاستهلاك القومى الذى قامت عليه، بل كان عليها على العكس القيام بتطويره واستخدامه لمصلحتها. هكذا قامت الرأسمالية بتصنيع بنى قومية معينة، ثم ما لبثت أن رفعت مبدأ الانتماء القومى إلى مستوى المبدأ السياسى والإيديولوجى الأول. ولعل مما يوضح مدى قوة نزوع الرأسمالية لإقامة بنى قومية، الأثر المسرع لها فى إنشاء النزوع القومى .. كما هو الحال فى جنوب أفريقيا والولايات المتحدة واستراليا مثلا.
فى السوق الرأسمالى يجرى تحقيق فائض القيمة بفضل توفر حرية الرأسمال و العمل المأجور، وتتحقق فيه من ثم قوانين حركة الرأسمال وأهمها بهذا الصدد الميل لتساوى معدل الربح وتحقيق سعر الإنتاج. مثل هذه الظواهر لا تتحقق خارج السوق القومى، ومن ثم لا توجد رأسمالية عالمية أو "المعسكر الرأسمالى" كوحدة اقتصادية. فطالما وجدت السوق القومية والحدود القومية ليس تعبير "السوق العالمى" سوى تعبير خاطئ، فما يطلق عليه تعبير السوق العالمى   world market، هو فى الحقيقة سوق دولى  inter - national، يتكون من علاقات ثنائية أو متعددة بين الدول طبقة للاتفاقات والمعاهدات والحدود الجمركية والمساومات السياسية والقوى العسكرية .. وفى بعض المنتجات السلعية دون بعضها الأخر الخ، مما لا يمكن رده لعامل متجانس فى كل قطاعات السوق الدولى. وتنطبق نفس الملحوظة على منظمات التعاون الاقتصادى مثل السوق الأوروبية المشتركة التى لا تزيد عن كونها اتفاقا بتنازلات مختلفة متجددة من قبل الاقتصاديات القومية المختلفة، يعاد النظر فيها طبقا لمختلف الاعتبارات الاقتصادية والسياسية القومية الخاصة بالدول المشتركة فيها. ومن ثم يمكن فقط الحديث عن سوق عالمى من حيث وجود أسعار عالمية لبعض المنتجات مثل البترول والمعادن والمنتجات الزراعية، وحتى فى هذه الحدود يتدخل تلاعب الدول الرأسمالية المعروف بالأسعار العالمية لنهب الدول المتخلفة أو لتصفية صراعات معينة بين البلدان الرأسمالية، بالإضافة إلى وجود الحواجز الجمركية وغير ذلك.
وإذا كنا لا نستطيع الحديث عن حرية كاملة لانتقال السلع على مستوى العالم، فبالأحرى لا نستطيع الحديث عن سوق رأسمالى عالمى حين نأخذ بعين الاعتبار غياب حرية انتقال الرأسمال والعمل المأجور. أذن لا نستطيع الحديث عن عملية إنتاج و إعادة إنتاج عالمية. كل ذلك لا ينفى أن السوق الدولى تسيطر عليه البنى الرأسمالية .. فهو "رأسمالى" من حيث القوى المسيطرة عليه وليس من حيث آلياته وجوهره.
تؤثر البنى الرأسمالية على البنى المتخلفة عن طريق حفز قطاعات معينة وخلق طلب فعال عليها. تلك هى الآلية الاقتصادية الرئيسية من جانب البنى الرأسمالية، أما باقى سلسلة التبعية الاقتصادية، فأنها تتم باليات تعود إلى التركيب الداخلى التابع للبنى المتخلفة والآلية الأولى تعود لكون البنى الرأسمالية تشكل شرطا أساسيا لوجود بنى التخلف وهى تقوم على القدرة الإنتاجية العالية للبنى الرأسمالية والقادرة بالتالى على استيعاب إنتاج الدول المتخلفة فى عملية التبادل. فهى أذن آلية تعود إلى مستوى التبادل (أو الطاقة العالية للبنى الرأسمالية على هذا المستوى)، ولا يمكن مطلقا إرجاعها إلى مستوى الإنتاج (أو تشابه بنى الإنتاج من حيث الجوهر).
ويتضح من ذلك أن علاقة التبعية ووجود بنى التخلف لا ينطويان على أى ضرورة تاريخية بالمعنى الجدلى. فرغم أن المجتمعات المتخلفة تتمتع بوجود عينى ملموس لاشك فيه، إلا أنه وجود لا يشكل خطوة ضرورية فى مسيرة المجتمع نحو التحرر والتحقق .. أنه مجرد وجود فرعى ناتج كما أسلفنا عن اصطدام البنى الرأسمالية ببنى ذات خصائص معينة : (ضيق السوق بنى إنتاج متخلفة). وحيث أن الاصطدام وقع على مستوى التبادل، فإنه لم يستند إلى البنية الاجتماعية الداخلية ولم يشكل تحققا تاريخيا لإمكاناتها.
وبهذا الصدد، نتفق مع الفكرة القائلة أن نمو التخلف يجرى وفقا لقانون التطور المتفاوت والمركب، وهو قانون يفترض أصلا تحديد طبيعة البنى الاجتماعية الداخلة فى علاقة صراع وتنافس مع بعضها البعض فى ظل شروط تاريخية معينة. هذه التحديدات لا يفسرها القانون المذكور، وإنما تفسرها مفاهيم جدلية أخرى (نمط الإنتاج، علاقات الإنتاج الخ). وبالأحرى تعد بنية التخلف هى الحالة التى ينطبق عليها تماما قانون التفاوت والتركب : أى تركب أنماط الإنتاج لا سيادة أحدها على الآخر، وهذا ما سيتضح لنا لاحقا.
من وجهة نظر البنى الرأسمالية تتركز الفائدة المرجوة من العلاقات مع البنى المتخلفة فى كل من المستوى التقنى (إمدادها بمواد حيوية للصناعة مثلا)، ومستوى التبادل (حيث تفيد فى رفع معدل الربح وتقليل أثر الميل لهبوطه). أما البنى المتخلفة، فأنها تعتمد فى وجودها نفسه "ماهيتها" وتركيبها الاجتماعى على البنى الرأسمالية. لكل ذلك نرى أن صياغة "المركز المحيط" والتى يمكن اعتبارها من أفضل الصيغ الوصفية فى حدود وجهة النظر القائلة بالرأسمالية المتخلفة تتغاضى عن لا تاريخية بنية التخلف فى السياق التاريخى العينى، وتحاول إعطائها دورا متميزا فى هدم نمط الإنتاج الرأسمالى وسيادته العالمية. وبالمقابل كان لابد لها من أن تهدم مفاهيم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الرأسمالية ونمط الإنتاج الرأسمالى.
ب- تؤدى بنا فكرة توجيه البنى الرأسمالية لعملية الإنتاج فى البلدان المتخلفة (القطاع الحديث)، إلى فكرة تكوين مجموعات مصالح جديدة وضخمة تستند إلى التحول الجديد فى البنية الاقتصادية (نشوء التخلف)، وتزداد أهمية هذه المصالح مع تعاظم ثقل قطاع التصدير وزيادة اندراج اقتصاد البنى المتخلفة فى التبادل الخارجى وإغراقه فىالسوق الدولى. تقف على رأس هذه الفئات الاجتماعية البرجوازية التجارية التى تهيمنعلى رأس شركائها على آلة الدولة ويزداد ثقلها الاجتماعى والسياسى مع ازدياد الالتواء فى عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج لتصبح مرتبطة بالبنى الرأسمالية، وما يصاحب ذلك من تنقيد قطاعات الاقتصاد بدرجات متفاوتة.
والبرجوازية التجارية ليست طبقة اجتماعية لأن وجودها قائم على مستوى التبادل، ولا تمثل طرفا فى عملية الإنتاج، ولكنها تستمد قوتها الاجتماعية السياسية من دورها فى بنية التخلف ذاتها، لأنها تعكس كلا من علاقة التبعية للبنى الرأسمالية وتفكك البنية الداخلية للإنتاج المميز لبنية التخلف، وتوطد سيطرتها بناء على دورها فى إعادة إنتاج كلتا الظاهرتين.
يقوم الرأسمال التجارى بدور الوسيط فى العلاقة بين البنى الرأسمالية وقطاعات التصدير داخل البلد المتخلف، وينقل آليات عمل تلك البنى إلى داخل بنية التخلف كما يدخل أنماط الاستهلاك الحديثة ويطورها (مع تطورها فى البنى الرأسمالية) ليحافظ على القوة الدافعة لإعادة إنتاج التخلف. أن تعاظم الطلب الدولى على سلعة معينة، نتيجة لحدوث ثورة تكنولوجية أو تحول تقنى معين فى البنى الرأسمالية يؤدى إلى حفز تطور قطاعات معينة داخل البلدان المتخلفة وتحولها إلى قطاعات تصديرية .. وكل هذا يتم بتوسط الرأسمال التجارى. هذا الأخير يقوم أذن بتفكيك البنية الإنتاجية ويعيد إنتاج ذلك التفكك بشكل موسع بربطه لقطاعات التصدير كل منها على حدة بالسوق الدولى، ممزقا بذلك الروابط بين قطاعات الإنتاج على المستوى المحلى.
كذلك يقوم الرأسمال التجارى، عن طريق سيطرته على التجارة الداخلية وتجارة الجملة، بنهب قطاعات الإنتاج السابقة على الرأسمالية بقدر اقتراب الأخيرة من السوق الدولى ومن السوق المحلى، الذى هو فى الحقيقة فرع للسوق الدولى، إن نهب القطاعات قبل الرأسمالية يعد من أهم مصادر دخل الرأسمال التجارى (والصناعى أيضا كما سنرى)، ليس فقط من حيث الكم ولكن أساسا من حيث أن هذا المصدر هو الذى يمنحه استقلاله عن الرأسمال الإنتاجى[13]، ويحافظ على طابعه قبل الرأسمالى المسئول فى ظل شروط بنية التخلف عن سيطرة الرأسمال التجارى على البنية الاقتصادية وكل الأنماط القائمة بها.
عرف التاريخ نوعين من الرأسمال التجارى : الرأسمال التجارى الرأسمالى والرأسمال التجارى قبل الرأسمالى. ورغم أن النوعين كليهما ينقسمان إلى رأسمال يتجر فى السلع ورأسمال يتجر فى النقود. إلا أن هناك فوارق جوهرية بينهما. فى حالة الرأسمال التجارى الرأسمالى يكون الاتجار فى السلع اتجارا بمنتجات الصناعة وموادها الخام ومستلزماتها المختلفة بصفة أساسية .. ويعمل بالتالى على تقليل فترة دوران الرأسمال الصناعى، بينما يقوم الرأسمال البنكى بنفس المهمة عن طريق تسليف الرأسمال الإنتاجى وتشغيل فوائض الرأسمال فى القطاعات التى تحتاج إلى رؤوس أموال، فيعجل بذلك من تطور القوى المنتجة. وتتبدى تبعية الرأسمال التجارى للرأسمال الإنتاجى فى كون ربح الأول عبارة عن جزء من فائض القيمة الذى ينتجه الأخير، وفى تحديد معدل فائض القيمة لمعدل الربح الوسطى الذى يحدد بدوره معدل ربح الرأسمال التجارى.[14] ترتبط مصلحة الرأسمال التجارى الرأسمالى أذن بتوسيع السوق ونمو الإنتاج الرأسمالى، كما يلتصق بالتجارة الداخلية، بينما يتقلص دور التجارة الخارجية النسبى ويصبح تابعا للتجارة الداخلية.[15] 
أما الرأسمال التجارى فى البلدان المتخلفة، فهو على العكس رأسمال تجارى قبل رأسمالى يعتمد على آليات الاحتكار والمضاربة[16]، والتى ينتزع بواسطتها دخله من عملية التبادل، أن ذلك الرأسمال التجارى يراهن على ضيق السوق وتصاعد حمى المضاربة وكافة العوامل المدعمة للاحتكار، ومعدل ربحه لا علاقة له بمعدل فائض القيمة لأن الأخير لا يشكل أصلا الشكل السائد [17]، اقتصاديا واجتماعيا للفائض الاجتماعى .. وسوف نرى كيف ان إدخال الصناعة فى بنية التخلف لن يغير شيئا من هذا الوضع.
نخلص من كل ما سبق إلى أن التبادل هو الذى يسيطر على الإنتاج ويوجهه فى بنية التخلف، كنتيجة لتبعيتها للبنى الرأسمالية. ويظهر ذلك على مستوى الإنتاج فى تفكك بنية الإنتاج وازدواجها، وعلى مستوى التبادل فى سيطرة التجارة الخارجية على التجارة الداخلية وضيق السوق المحلى وإغراق الاقتصاد المتخلف فى السوق الدولى، وعلى مستوى الاستهلاك فى ازدواج نمط الاستهلاك (الفردى والعام). لقد تعرضنا للدور المحورى للرأسمال التجارى فى إنتاج هذه الظواهر وإعادة إنتاجها، لذا نجده يحوز نصيب الأسد على مستوى التوزيع.
واستخلاصنا الأساسى من ذلك أن مفهوم التخلف هو : بنية اقتصادية اجتماعية لا يسودها نمط إنتاج معين (وذلك لأن سيادة أى نمط إنتاج تقع بالضرورة وقبل كل شئ على مستوى الإنتاج، وهو مستوى خاضع لمستوى التبادل فى بنية التخلف ولا يقوم بدور المحدد لآليات إنتاج وإعادة إنتاج التخلف)؛ وأن الرأسمال التجارى هو الذى يسود مجمل البنية اجتماعيا واقتصاديا مستندا لدوره الجوهرى على مستوى التبادل ، المستوى "الحاكم" فى بنية التخلف. مفهوم التخلف إذن هو نقيض مفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، والذى يعنى بالمقابل سيطرة نمط إنتاج معين على مستوى الإنتاج، تنسب إليه البنية (التشكيلة) بمجملها. أن البنية المتخلفة تتحرك من الخارج، وهى إذ تشكل جزءا من "كل" أكبر منها، على مستوى التبادل الحاكم فيها، تعجز بالضرورة عن تفسير حركتها بنفسها، بل يفهم تطورها ضمن الإطار العام الذى يحركه
فى تقديرنا أن الفصلين السابقين من هذه الدراسة قد اشتملا على المحددات الجوهرية لبنية التخلف وآليات حركتها. أما الصناعة فلا يتعدى دورها مجرد كونها قطاع جديد فى بنية التخلف وأحد قطاعات الإنتاج الخاضعة لسيطرة الرأسمال التجارى ولمجمل ما ذكر من آليات بصدد إعادة إنتاج التخلف، مع بعض التعديلات الطفيفة.
رصدت بعض الكتابات الحديثة أن الصناعة لا تشكل نقيضا لبنية التخلف .. غير أن المشكلة تكمن فى تحديد : لماذا ؟ لا شك أن القائلين بأن انتشار الإنتاج من أجل السوق والإندراج فيما يسمى السوق الرأسمالى العالمى سيوافقون بالطبع على هذه الفكرة، ولكن انطلاقا من وجهة النظر القائلة بأنه فى كلتا الحالتين وجود قطاع صناعى أو غيابه يسود نمط الإنتاج الرأسمالى، وفى كلتا الحالتين تكون البنية متخلفة. وقد سبق لنا ان ناقشنا هذا التناقض. وعلى العكس اعتبرت كتابات أخرى أن إقامة "مصنع ما" تولد آلية معاكسة هادمة لبنية التخلف (وخاصة ما يسمى "تصنيع" عبد الناصر). أن انتشار وجهة النظر هذه فى صفوف اليسار بدرجات متفاوته يعد تبريرا كافيا للتصدى لتلك المسألة وإيضاح خطورتها.
ونود أولا أن نوضح أننا نعنى بكلمتى "الصناعة" و"التصنيع" شيئين مختلفين تماما فنستخدم الكلمة الثانية على الصعيد الاجتماعى الاقتصادى ونعتبر تحققها هدما لبنية التخلف ونشوءا لتشكيلة اقتصادية اجتماعية بالقضاء على سيطرة الرأسمال التجارى، أما الكلمة الأولى فنستخدمها على الصعيد التقنى وتعنى بها إقامة عدد من المصانع أو القطاعات الصناعية .. وهذه كما سنرى ليست شرطا كافيا لتحطيم بنية التخلف بل تندرج فى إطاره، ويعبر انتشارها عن ظاهرة مختلفة تماما، هى نمو التخلف ذاته. من الصحيح تماما أن إقامة أى مصنع داخل إطار بنية التخلف أو غيرها باستثناءات نادرة يعنى إقامة رقعة من نمط الإنتاج الرأسمالى، إذ يكون الشكل الاجتماعى للناتج الفائض هو فائض القيمة، كما تنشا بروليتاريا صناعية. ولكن ذلك لا يعنى على الاطلاق سيطرة الرأسمال المنتج على بنية الإنتاج الداخلية وإقامة تشكيلة اقتصادية اجتماعية رأسمالية تستند إلى سوق قومى.
تعنى سيادة نمط إنتاج معين على أنماط الإنتاج الأخرى فى أى مجتمع متعين. [18] تحويل الآلية العامة فى ذلك المجتمع التى تتوسط الإنتاج وإعادة الإنتاج بحيث تستجيب لمتطلبات استمرار ونمو نمط الإنتاج السائد. وتتضمن تلك الآلية آليات اقتصادية واجتماعية وسياسية وايديولوجية، ويتم إنتاج وإعادة إنتاج الأنماط الأخرى للإنتاج فى حدود من الشكل والحجم المناسبين لإنتاج وإعادة إنتاج النمط السائد، فى إطار تلك الآلية العامة. والتشكيلة الرأسمالية هى تلك التى يسود فيها نمط الإنتاج الرأسمالى، بالمعنى الذى وصفناه للسيادة، وشرط تحقق هذه السيادة تصنيع البنية الاقتصادية المحلية، بمعنى رسملتها[19].
لا يمكن أن يتم ذلك التحول إلا بسيطرة النمط الرأسمالى على القطاعات المحورية فى بنية الإنتاج المحلية. وليس المقصود بالقطاعات المحورية القطاعات التى تلبى أهم حاجات الاستهلاك الضرورى (كالغذاء مثلا)، بل تلك التى تخلق طلبا متعاظما على القطاعات المنتجة الأخرى .. مما يدفع الأخيرة لتجاوز مستوى قوى الإنتاج القائم بها. ويؤدى تكرار وانتشار هذه الآلية إلى توسع نمط الإنتاج الرأسمالى على حساب الأنماط الأخرى وتصنيع البنية المحلية للإنتاج. كذلك تتكون قطاعات صناعية متشابكة على مستوى الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك .. وتشكل هذه التشابكات أساس السوق القومى أى السوق الرأسمالى. نسمى هذه العملية التصنيع الرأسمالى (لأن التصنيع فى بلدان المعسكر الشرقى لم يقم على هذا الأساس بل على أساس تحكم الدولة فى الموارد الإنتاجية ووضع خطة موحدة لتنميتها)، وينتج عن ذلك بالضرورة خضوع الرأسمال التجارى للرأسمال المنتج. وبالتالى تحوله لرأسمال تجارى رأسمالى[20].
ونسمى القطاع المحورى الذى أوضحنا دوره توا القطاع القائد، والذى يتبدل مع كل ثورة تكنولوجية. والقطاع القائد يوجد على المستوى القومى، بحيث يكون لكل اقتصاد قومى متعين قطاع قائد محلى متعين يقود عملية التصنيع أو إعادة التصنيع (الثورة التكنولوجية). والقطاع القائد ينحو لأن يكون عالميا باستمرار لكونه أكبر القطاعات وأكثرها ديناميكية فى البنية الرأسمالية، ويعد لذلك أكثرها قدرة على القفز فوق الحدود القومية إلا أن الطابع القومى للبرجوازية يؤدى إلى استنساخ قطاعات قائدة رأسمالية قومية بدلا من إقامة سوق عالمى ذى قطاع قائد واحد.
تدخل الصناعة بنية التخلف كقطاع جديد يعمق من التبعية، فهى أما أن تقوم على أساس نمط الإنتاج الحديث الذى أنشأه الاستعمار فى البنىالمتخلفة (مثل نمط إحلال الواردات) بسبب النمو النسبى للسوق فى هذا القطاع، وإما أن تتوجه بانتاجها إلى السوق الدولى الذى تسيطر عليه البنى الرأسمالية. وهكذا نرى أنه فى كلتا الحالتين يستمد نمو الصناعة فى البنى المتخلفة قواه ويضرب بجذوره فى تربة التخلف نفسها ويحفظ تماسكها. وقد يحدث أن يقوم الرأسمال بتصنيع بعض المنتجات المحلية دون أن يعنى ذلك تصنيع البنية المحلية لخدمة القطاع الحديث صاحب الطلب الفعال فى السوق المحلى (أى فى نفس إطار بنية التخلف). أما الصناعات المنزلية والقطاعات الكبرى فى البنية المحلية للإنتاج، فتقف دون تصنيعها حوائل ضخمة[21]. وسنقوم الآن بفحص الأشكال الأساسية لإدخال الصناعة فى بنى التخلف، ونحلل دورها داخلها.
أ احلال الواردات :
فعليا .. يعتبر إحلال الورادات احلالا للواردات من السلع الرأسمالية والوسيطة محل الواردات من السلع الاستهلاكية (ومنها المعمرة). وبالطبع تختم هذه الصناعة نمط الاستهلاك المستورد وتقوم بدعمه وتوسيعه وتزيد من النقل الداخلى لقطاع التصدير، إذ يؤدى نمو الاستيراد من السلع الرأسمالية والوسيطة إلى تزا يد الحاجة لتنمية قطاع التصدير لمعادلة ميزان المدفوعات. كذلك أدت هذه السياسة إلى زيادة معدلات الاستهلاك الترفى وفشلت فى اجتذاب الفائض المحلى واستثماره بسبب استنادها إلى نفس السوق الضيق المميز لبنية التخلف ومحاولتها توسيعه هو ذاته. لقد ضاعفت تلك الصناعة من تأثير التجارة على الاقتصاد الطبيعى (أو بقاياه). وكان دورها الاجتماعى الرئيسى هذا هو الذى نالت من أجله تصفيق "اليسار" باعتباره دورا "تصنيعيا". وفى واقع الأمر كان ذلك القطاع يعمل محتميا خلف الحواجز الجمركية ورافعا الشعارات الوطنية البراقة على جنى ربحه بواسطة الاحتكار المدعم من قبل الدولة والمضاربة بالأسعار، بل والغش التجارى .. وما السلعة التى ينتجها سوى وسيلة للدخول شريكا صغيرا للرأسمال التجارى فى عالمه : الاحتكار والمضاربة. ليربح الرأسمالى فى تلك الصناعة مجرد تحقيق لفائض القيمة الذى ينتجه، فالجزء الهام من هذا الربح مصدره المباشر التبادل وليس الإنتاج، كتحويل للقيمة من أشكال الإنتاج السابقة على الرأسمالية[22].
ب- الصناعة التصديرية:
ليست الصناعة التصديرية سوى جزء من صناعة البنى الرأسمالية أعيد زرعه فى البنى المتخلفة لأسباب مختلفة : الصناعة كثيفة العمالة (للتغلب على مشكلة تدنى معدل ربحها وارتفاع الأجور فى البنى الرأسمالية)، وتلك التى تستهلك طاقة كبيرة أو كميات ضخمة من مواد خام معينة (للتغلب على مشاكل تكاليف النقل والحماية الجمركية)، أو الملوثة للبيئة (للتغلب على القوانين المضادة للتلوث المطبقة فى البلدان الرأسمالية). فى كل هذه الحالات تقام الصناعة المعنية فى البنى المتخلفة كصناعة تصديرية .. إذ تحول انتاجيتها العالية وحجمها الكبير بالنسبة للمستوى المتدنى للإنتاجية العامة وضيق السوق الداخلى وتفككه فى البنى المتخلفة دون توجهها للداخل على عكس نمط احلال الواردات. وبالاضافة إلى نزح جزء هام من الفائض وتحويله للبلد الأم يجرى استنزاف بنية التخلف بالانفاق على البنية التحتية اللازمة للنمو الرهيب فى قطاع التصدير، ويزيد الالتواء لصالح القطاعات غير المنتجة.
هكذا نرى أنه فى جميع الأحوال تقوم الصناعة فى البنى المتخلفة بتوسيع السوق الدولى باغراق البلدان المتخلفة فيه، كما تزيد من الالتواءات لصالح القطاع غير المنتج بسبب ما يرافقها من توسع الأنشطة الهامشية غير المنتجة والانفاق على نمط معين من البنية التحتية لا يخدم الإنتاج المحلى، والتوسع فى تنقيد البنية وإدماج قطاعات متزايدة منها فى السوق الدولى وامتداداته فى السوق المحلى، والفشل فى رسملة قطاع الإنتاج الداخلى[23].
يتضح لنا أذن أن الصناعة فى جميع الأحوال تدخل بنية التخلف كجزء من القطاع الحديث خارج البنية الداخلية للإنتاج، وإنها تعجز عن القضاء على أشكال الإنتاج "السابقة على الرأسمالية" فتتعايش معها ولا تؤثر فيها من حيث الجوهر، سوى تأثير التجارة المعتاد، تحطيم أشكال الاقتصاد الطبيعى وربط عملية الإنتاج بالقيمة التبادلية، أن هامشية هذه الصناعة تجعلها عاجزة عن استيعاب نتاج تحطيم أشكال الاقتصاد الطبيعى، فتنتشر البطالة. وبسبب عجزها عن إقامة قطاع قائد تفشل فى استيعاب حتى المواد الخام التى تنتجها البنية، وبالعكس يزداد ثقل قطاع التصدير كما سلف الذكر.
وقد يرى البعض أن تحويل القيمة من القطاعات السابقة على الرأسمالية كما أوضحنا إلى الصناعة، والمدعوم فى كثير من الأحيان بإجراءات حكومية، إنما يشكل تعبيرا عن سيطرة الرأسمال الصناعى على أنماط الإنتاج الأخرى، ويشكل نوعا من التراكم البدائى، بحيث تصير تلك الأنماط مجرد" بقايا أنماط إنتاج قبل رأسمالية.فلنتداول هذه الفكرة قليلا : تحول الرأسمالية أنماط الإنتاج الأخرى إلى مجرد "بقايا" بأن تطور قوى الإنتاج فى نفس قطاعات تلك الأنماط المعينة؛ أى بتصنيع رسملة تلك القطاعات بحيث تواجه أنماط الإنتاج المذكورة عقبات متزايدة فى عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج وتعجز تدريجيا عن البقاء. وأذن يجب أن يكون النمط الجديد قادرا على انتزاع الامكانات البشرية والمادية التى تشكل أساس أنماط الإنتاج "السابقة". وعلى العكس من ذلك نجد قطاع الصناعة عاجزا عن ابتلاع البطالة الضخمة فى البلدان المتخلفة، وعن تدمير الركود المعتاد فى الريف ورسملة الزراعة، وعن القضاء على أساليب الإنتاج قبل الرأسمالية فى المدن.
والمعروف أن أهم معالم بنية التخلف هو إعادة إنتاج الأنماط السابقة على الرأسمالية باستمرار. ليس هناك أذن تراكم بدائى بالمعنى الدقيق للكلمة فى البلدان المتخلفة (أى تلك الصيرورة التى أنشأت الأسس الاقتصادية الاجتماعية لنمط الإنتاج الرأسمالى)؛ فقط هنا نهب يترتب عليه "تراكم" البروليتاريا الرثة من جهة، والمال فى قبضة الرأسمال التجارى من جهة أخرى. فى هذا الإطار يأتى نهب الأشكال السابقة على الرأسمالية فهو يأتى فى الحدود التى لا تهدد الوجود الاجتماعى الكثيف لتلك الأنماط (بدليل إعادة إنتاجها). وفضلا عن ذلك، فحصة الرأسمال الذى يعمل فى القطاع الصناعى من نتاج ذلك النهب يأتى من وضعه كعقدة فى الرأسمال التجارى بتعبير كوهاشيرو تاكاهاشى وليس نتيجة لدوره الثورى فى تطوير القوى المنتجة غير الحادث اصلا على مستوى بنية الإنتاج الداخلية.
أن النتيجة التى نخرج بها من ذلك هى : أن قطاع الصناعة لا يختلف أى اختلاف جوهرى عن القطاعات الأخرى قبل الرأسمالية فى خضوعه للرأسمال التجارى. وكجزء من القطاع الحديث فى بنية التخلف يمارس دوره فى تعميق التبعية وإغراق بنية التخلف فى السوق الدولى. وباعتباره قطاعا رأسماليا، يتقاسم مع الرأسمال التجارى نتاج نهب قطاعات الإنتاج المتخلفة، تبعا لمدى مناعة وضعه الاحتكارى وليس كنتيجة لدور مزعوم له فى تطوير القوى المنتجة. لابد لنا الآن من التعرض للجوانب السياسية لأطروحة "التشكيلة الرأسمالية المتخلفة"، آخذين فى الاعتبار أن ادخال الصناعة فى البنى المتخلفة، خاصة فى صورة احلال واردات، قد ضلل اليساريين فى البلدان المتخلفة واستولى وهم "البورجوازية الوطنية" أو "القومية" فى الستينات على وعيهم، بشكل أدى لنتائج كارثية على صعيد حركة الجماهير السياسية.
 **************************                                                  

سنضع هنا مفهومنا حول التخلف، كنقيض لمفهوم التشكيلة الرأسمالية المتخلفة على الصعيد السياسى. والنظرية الأخيرة تستتبع حتما القول بوجود بورجوازية قومية، سائدة على المستوى الاقتصادى الاجتماعى، ولكن دون أن يستتبع ذلك استلاؤها فى كل الأحوال على جهاز الدولة. وفى هذا الإطار تجرى محاولة هذه النظرية حل معضلة تفسير التخلف على المستوى السياسى.
والمعضلة الأولى التى تواجهها تلك النظرية وهى معضلة محرجة حقا هى غياب الصناعة الكبيرة وتدنى درجة نمو المدن بشكل عام فى بعض البلدان المتخلفة .. أى غياب الحد الأدنى من الصناعة الحديثة اللازم لإسقاط وهم "البورجوازية القومية" على ملاكها. والاسوأ من ذلك أن بعض الثورات "الاشتراكية" وقعت فى بلدان متخلفة تتميز بهذه الخصائص (أهمها : فيتنام). والمعضلة هنا ناتجة عن الاطروحة الأساسية القائلة بأن بنية التخلف هى تشكيلة رأسمالية متخلفة.
أما إذا توفرت للبنية المتخلفة صناعة حديثة، حتى لو كانت مؤممة (مصر فى عهد عبد الناصر)، فسرعان ما يتم إسقاط مقولة البرجوازية القومية عليها. تنبع كل هذه الاخطاء من عدم فهم دور الصناعة داخل بنية التخلف كعقدة فى الرأسمال التجارى، بحيث تشكل دورة الرأسمال الصناعى جزءا من دورة الرأسمال التجارى المهيمنة داخل بنية التخلف، وبدلا من ذلك يتم إسقاط نتاج التجربة التاريخية للبلدان الرأسمالية على البلدان المتخلفة، فيصاغ كل الإشكال فى نهاية الأمر فى عبارة واحدة : أما أن تكون الصناعة رأسمالية وأما أن تكون اشتراكية، فإذا ما استبعدنا الفرض الأخير، لن يتبقى لنا سوى الفرض الأول.
ولكن اسقاط فكرة البرجوازية القومية على الصناعة داخل بنية التخلف لا يكفى لحل مشاكل نظرية التشكيلة الرأسمالية المتخلفة .. فالمعضلة الكبرى هى ايجاد حل للتناقض القائم بين الإدعاء بوجود تلك الطبقة وسيادتها على المستوى الاقتصادى - الاجتماعى (على أقل تقدير)، وبين الظاهرة المعلنة والمتفق عليها : عدم انجازها ما يسمى "مهام الثورة البرجوازية" [24] حتى لحظة كتابة هذا المقال، إننا نجد أنفسنا هنا فى وضع غريب : طبقة سائدة على المستوى الاقتصادى الاجتماعى ولكنها لا تتحقق تاريخيا، إذ أنها بشهادة كل الأطراف – "لم تنجز مهامها". ونلاحظ هنا فورا أن اطروحة "الرأسمالية المتخلفة" عاجزة بحكم منطقها ذاته عن ايجاد مهرب من تلك المشكلة: فعليها، أما أن تعزو "فشل البرجوازية القومية" إلى أسباب ذاتية تخص ذات "الطبقة" ويعنى ذلك بالضرورة أن البرجوازية المتخلفة طبقة مختلفة تماما تاريخيا عن البرجوازية المتقدمة" فى البلدان الرأسمالية، وبالتالى لا يوجد مبرر لترسيمها طبقة برجوزاية أصلا .. ناهيك عن وصف مسيرتها التاريخية بالفشل .. لأننا نكون فى هذه الحالة بصدد طبقة جديدة لم توجد تاريخيا قبل إنشاء بنية التخلف، ومن المنطقى اذن ألا توكل إليها مهام لا تخص دورها "التاريخى" ..أو أن تعزو ذلك الفشل إلى اسباب خارجية مختلفة (الخوف من الحركة الجماهيرية، ضراوة الصراع مع الإمبريالية الخ)، بما يعنى فى التحليل الأخير أن البرجوازية القومية "تمتاز" بأنها طبقة منفصلة بشكل تاريخى عن شروط تحققها التاريخى !! أى أنها "على وجه الدقة" طبقة دون كيشوتة ! أما بالنسبة للاتجاهات التى تؤكد أيضا ان البرجوازية القومية المزعومة ستعجز فى المستقبل عن تحقيق هذه المهام .. فالأمر يبدو فكها للغاية، لأن هذا التوكيد يعنى ضمنا أن "دور الطبقة التاريخى" قد انتهى قبل أن يبدأ ..
يبدو لنا ذلك النقد كافيا، ولكن لا بأس من بعض التوضيح، كى تتاح لنا مناقشة الأسباب المختلفة التى يعزى إليها ما يسمى "فشل" البرجوازية القومية:
أ فى كثير من البلدان المتخلفة سبقت البروليتاريا البرجوازية الصناعية المحلية من حيث النشأة، بسبب دخول الرأسمال الأجنبى فى البلاد وإنشائه لصناعات حديثة (كالصناعة الاستخراجية) قبل إنشاء صناعة محلية. ويرى البعض، بسبب هذا الظرف التاريخى، أن البرجوازية المحلية عاجزة عن انجاز مهامها خوفا من الجماهير، ومن البروليتاريا تحديدا. بيد أن ذلك التفسير لا يبدو مقنعا :

* فالطبقة مقولة أساسية من مقولات الماركسية تمتد بجذورها العميقة إلى تطور قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج، ومنها تستمد وجودها الحقيقى .. ومقولة هذا شأنها، يصبح من السخف إرجاع" عدم تحققها" إلى آلية سياسية كهذه، تلك الآلية التى تعجز فى عالمنا المعاصر عن ايقاف جماعة ضغط سياسية فى الكونجرس الأمريكى ! وفضلا عن ذلك فقد وفر التاريخ للبرجوازيات القومية المزعومة أحيانا فترات طويلة من الاستقرار السياسى فى البلدان المتخلفة، دون أن تتحقق النتيجة المأمولة، وهى تحقق البرجوازية القومية (مثل مصر فى عهد عبد الناصر، الهند، البرازيل ..(.
إن الطبقة السائدة فى النظرية الماركسية تقوم بتشكيل مجمل البنيتين التحتية والفوقية وإعادة تشكيلهما، بفعل وجودها نفسه، كـ "التجسيد" الفعلى لنمط الإنتاج السائد. والمستوى السياسى بمجمله شاملا جهاز الدولة لا يعدو أن يكون أحد آلياتها فى إنتاج وإعادة إنتاج التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التى تسودها. كل ذلك يتم تجاهله ببساطة مع اعتناق مقولة (الخوف من الجماهير).
ب- أما التفسير الآخر فهو مقاومة الإمبريالية لتحقق البرجوازية القومية، ذلك التفسير الذى يتجاهل أن إنتاج وإعادة إنتاج تلك "البرجوازية القومية" المزعومة، أى ملاك المصانع، يجرى عبر السوق الدولى وبفضل الإمبريالية التى تقدم الطلب الفعال الضرورى لاستمرار ونمو هذه الصناعة، وتمدها بالتجهيزات الحديثة والخبرة التقنية عالية المستوى، وتوفر لها أسواقها أيضا.
يكمن حل تلك المعضلة ببساطة فى إدراك أن البرجوازية الصناعية فى البلدان المتخلفة، كعقدة فى الرأسمال التجارى، تمارس أسلوبها فى التراكم، وما يرافقه من أساليب الإنتاج والتوزيع والتبادل فى إطار ذلك الوضع، وأنها إذن لا تشكل طبقة بالمعنى العلمى، لأنها على مستوى البناء التحتى تحصل على أرباحها كجزء من الرأسمال التجارى. وانعكاس ذلك على المستوى القومى، "رفضها" إيجاد إيديولوجيا مستقلة .. فلا ترفع شعارات العلمانية والقومية الخ، بصورة جذرية. باختصار إذن إن عجزها عن "تحقيق المهام البرجوازية" يكمن فى كونها ليست طبقة بالمعنى العلمى.
ج- أما عن علاقتها بالبرجوازية الكمبرادورية والملاك العقاريين، فهى علاقة الشركاء تحت سيطرة الرأسمال التجارى، فالبرجوازية التجارية هى شريان الحياة بالنسبة لها، والملاك العقاريون هم أشقاؤها الذين يمدونها بالمواد الخام ويشترون سلعها المعمرة. ولا ننفى بالطبع الاحتكاك الحاصل بين مصالح هذه الفئات الاجتماعية وبين كل منها وبين المصالح الإمبريالية بدرجات متفاوتة فى أزمنة مختلفة، ولكن ذلك لا يمثل أكثر من الضجة المعتادة الناتجة عن طقوس المساومة المقدسة التى تصم أدنى كل مواطن تدفعه للمرور عبر أى سوق قروى !
وبقدر تقسيم العمل فى البلدان الرأسمالية، وانعكاس هذا على الطلب الفعال فى السوق الدولى، بقدر ما تنشأ صناعات حديثة فى البلدان المتخلفة، وبقدر ما يزداد دور "البرجوازية القومية" فى دورة الرأسمال التجارى فى البلد المتخلفة وبالتالى يزداد ثقلها السياسى النسبى، بيد أن ذلك الثقل كما استنتج القارئ، ليس ثقلها باعتبارها طبقة اجتماعية سائدة.
د- تضيف الاتجاهات الماركسية الراديكالية فكرة أخرى بصدد العلاقة مع الإمبريالية وهى تبعية البرجوازية القومية لتلك الإمبريالية، لدرجة وصف الحكم فى بعض الدول المتخلفة بعد انتهاء الاحتلال الإمبريالى العسكرى، بأنه حكم الإمبريالية غير المباشر. بيد أن ذلك "الحل" لا يبدو موفقا .. لأن الطبقة الاجتماعية، طبقا لمفهومها (لها دور مباشر فى إنتاج وإعادة الفائض الاجتماعى)، لا يمكن أن تكون تابعة، أى لا يمكن أن تلعب دور الوسيط لطبقة أخرى، أو أن تمارس دور الوكيل لها. وحتى البروليتاريا فى البلدان الرأسمالية ليست طبقة تابعة،بل مضطهدة[25].

** ليست الإمبريالية فقط، بل والثوريون أيضا يعانون من ظاهرة هشاشة الاستقرار السياسى والذى تعرف به البلدان المتخلفة، فقليلا ما استمر أى توازن سياسى اجتماعى فى البلدان المتخلفة لفترات ممتدة من الزمن فى القرن العشرين. وكالمعتاد يجرى البحث خلف كل إنعطاف سياسى عن طبقة اجتماعية، بدلا من فهم طبيعة البنية الاجتماعية نفسها، حتى صارت الكتابات السياسية الماركسية كالبورصة، تصعد وتهبط فيها أسهم مختلف الطبقات بسرعة البرق. تعود تلك المادية الفجة جزئيا للخلط بين الصناعة والرسملة بحيث ينظر على سبيل المثال لحقبتى عبد الناصر والسادات فى تاريخ مصر المعاصر كحقبتين تسيران فى خطين متناقضين : الأولى نحو "الاستقلال" والثانية نحو "التبعية"، وجزئيا لاعتبار التخلف تشكيله اقتصادية اجتماعية، يتحكم فيها بالتالى الصراع الداخلى وفى كل الأحوال تعود تلك المادية الفجة لاختلاط المفاهيم وغياب المحددات المنهجية الواضحة.
أن بنية التخلف، كنقيض للتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، عاجزة بالضرورة عن إنتاج آلية سياسية للتوازن وإعادة إنتاجه، وعلى العكس تتفاقم الأزمات السياسية والتناحرات الاجتماعية داخل إطار التخلف بالضرورة، كما يكون الجهاز السياسى ككل عرضه للتأثر العنيف بالتوازنات السياسية الدولية.
أن إنعدام توازن بنية التخلف ككل( نتيجة لغياب نمط إنتاج سائد)، يخلق ويعيد خلق توترات اجتماعية بالغة الشدة، فتزداد البطالة العادية والمقنعة بابعاد هائلة غير مسبوقة. كما أن عمليات إعادة بناء الاقتصاد المتلاحقة مع كل تغير فى موقع البلد المعنى من تقسيم العمل التقنى الدولى يؤدى لحراك اجتماعى سريع وعنيف. كذلك فإن إزدواج بنية التخلف يجعل القطاع المتأخر "قبل الرأسمالى" يفرز جماعات معادية للتحديث يفاقم من تأثيرها البعد القومى إذا وجد.
إن تعدد أنماط الإنتاج وهيمنة الرأسمال التجارى يحيل الثقل فى توزيع الفائض الاجتماعى إلى آليات الرأسمال قبل الرأسمالى (كالاحتكار والمضاربة). وهى آليات غير اقتصادية بالمعنى الضيق للكلمة تعتمد بالضرورة على مقدرة كل طرف من أطراف الفئات الحاكمة على الإمساك بجهاز الدولة وتوجيهه لمصلحتها. وبذلك يكتسب صراع المصالح المتضاربة بعدا سياسيا هاما، إذ تعمل الجماعات المختلفة على تكوين اوليجاركيات توجه جهاز الدولة لصالحها بالذات[26].
أن كل تبدل يحدث لاقتصاديات البلدان المعنية فى موضعها من تقسيم العمل التقنى الدولى، يغير بسرعة من الوزن النسبى لمختلف الفئات الحاكمة، لصالح تلك التى تشترك بنصيب أعظم فى دورة الرأسمال التجارى مع إنشاء القطاعات الجديدة[27].
تؤثر التوازنات السياسية الدولية تأثيرا جوهريا على التوجه السياسى الداخلى والخارجى للبلدان المتخلفة، لأن استمرار بنية التخلف مشروط باستكمال دورة الرأسمال فى الخارج (أى فى البلدان الرأسمالية). أن كل تغير فى موازين القوى بين البلدان الإمبريالية، وكل ما يطرأ على تطورها الخاص بحيث يغير من شروط سيطرتها على السوق الدولى يؤدى لتبديل الشروط السياسية التى يعمل فى ظلها نظلم الحكم. كل تلك المتغيرات تؤدى لعدم استقرار نظام الحكم لفترة ممتدة كما تضعف كثيرا من إمكانية تطبيق أى صيغة سياسية سلمية لفترة طويلة. ولا نكون أذن مبالغين إذا قلنا أن الفئات الحاكمة فى البلدان المتخلفة تجلس على برميل بارود، ناهيك عن كون هذه الفئات نفسها معبأة به حتى أنوفها.
نود هنا تأكيد استنتاج رئيسى .. هو غياب طبقة اجتماعية سائدة كنتيجة منطقية لغياب نمط إنتاج سائد فى بنية التخلف. أما البرجوازية التجارية، فهى لا تشكل طبقة إذ ليس لها دور مباشر فى عملية الإنتاج الاجتماعى وإعادة الإنتاج. أنها تستمد قوتها من تفكك بنية التخلف، وتسيطر على الفئات الاجتماعية المالكة الأخرى باعتبارها التجسيد الاجتماعى لعلاقة التبعية؛ العلاقة التى تشكل محور بنية التخلف. (بينما يشكل نمط الإنتاج السائد محور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية). وبهذه الصفة تمثل سيطرتها القاسم المشترك الأعظم فى كل البلدان المتخلفة، سواء كانت حضارات زراعية قديمة أورعوية أو مشاعية، وأيا كانت درجة تطور الصناعة بها، وكذلك على مستوى البلد الواحد فى كل العهود "التقدمية" و"الرجعية"، وعبر كل الانقلابات العسكرية والسياسية.
****************************                                                    

حاولنا فى الاطروحة التى فرغنا على التو من عرضها، أن نعيد عرض ظاهرة التخلف، واضعين إياها فى السياق التاريخى العينى، وخلق المقولات التى تعبر عن جوهر الظاهرة ومسارها كظاهرة تتميز ببنية اقتصادية اجتماعية لها خصائص معينة، فضلا عن بناء فوقى متميز فى خطوطه العريضة، فى مواجهة نظرية الرأسمالية المتخلفة (او الرثة أو المشوهة). لقد عرضنا الظاهرةعرضا ايجابيا ، وليس سلبيا يستند إلى الفحص المقارن بحثا عن جزئيات الاختلاف عن ما يسمى الرأسمالية المتقدمة. تلك فى رأينا هى الشروط الأساسية لأى أطروحة تدعى محاولة تأصيل المنهج العلمى الماركسى فى واقع عينى.
ليست بنية التخلف مشوهه .. بل هى نتاج ظروف تاريخية معينة، ويعاد إنتاجها كل يوم بواسطة مئات الملايين من الكادحين فى البلدان المتخلفة وعلى حسابهم. ويدخل هؤلاء خلال هذه العملية فى علاقات اجتماعية متعينة وضرورية ومستقلة عن ارادتهم، تحدد مجمل ظروف معيشتهم وافكارهم وطموحاتهم.
ان نظرية تدعى أن هذه الشعوب تعيش منذ قرن على الأقل فى ظل علاقات رأسمالية مشوهه، وأخرى قبل رأسمالية لا تقل تشوها .. يعاد إنتاجها بشكل مشوه فى ظل بنية اجتماعية اقتصادية تعانى من تشوهات أو التواءات معينة، هى فى واقع الأمر نظرية رجعية دوجمائية تحكم على نفسها بحكم جمودها ازاء الواقع بالعقم، بل والتشوه. أن هذه الأشكال الاجتماعية العينية التى يعاد إنتاجها باستمرار فى إطار بنية التخلف تشكل الحقيقة بعينها .. الحقيقة الملموسة. الحقيقة دائما نسبية لأنها ظرفية، لكنها ليست مشوهه، أن نظرية تسقط عجزها بهذا الوضوح على الواقع "التاريخى" ليست سوى نظرية معادية للواقع والتاريخ، وبالتالى للجماهير، التى لا يحدد هذا الواقع حياتها فحسب ولكنه يشكل أيضا شرط تحررها من هذه الحدود.

(*) المقصود هو القطاعات التى تنتج للتصدير، وليس قطاع التجارة الخارجية.

 [1] من وجهة النظر الجدلية، لا يمكن اعتبار الاقتصاد السياسى علما قائما بذاته، سواء من حيث موضوعه أو منهجه، على عكس وجهة النظر الوضعية التى تقيم حوائط فاصلة بين مختلف العلوم الاجتماعية، ومن ثم سيرد هذا التعبير دائما بمعنى الاقتصاد السياسى الوضعى.

 [2]يعد الاعتماد على العمل المنزلى للحرفيين والفلاحين فى الريف – السابق لمرحلة المانيفاكتورة – أحد أشكال سيطرة الرأسمال التجارى على نمط الإنتاج الصغير، ولا يعد بأى حال نمطا رأسماليا للإنتاج.

[3] على مستوى المفهوم يكون نمط الإنتاج الرأسمالى – كماا قالت روزا لوكسمبورج – هو "إنتاج فائض القيمة" أى أنه العملية التى يتم بها إنتاج الفائض الاجتماعى بواسطة العمل المأجور .. وهذا يميزه عن أنماط الإنتاج الأخرى جوهريا. ليس هذا فحسب بل أنه – بما هو كذلك – يحدد نفسه بهذه الآلية، فبغض النظر عن المقارنة بينه وبين أنماط الإنتاج الأخرى فإن إنتاج فائض القيمة هو الذى يحدد جوهريا آليات عمل وسيروة الرأسمالية .. فهو يقوم بالنسبة لها بدور (العامل الأول) .. الحاسم.

[4]  هو مثلث العبيد – السكر والذهب – المنتجات المانيفاتورية بالإضافة إلى توابل شرق آسيا وغير ذلك.

[5] "وبمجرد أن تكتسب الصناعة الكبيرة قوة كافية فإنها تخلق بدورها سوقها لنفسها بالاستيلاء عليها عن طريق سلعها. عند هذه النقطة تصبح التجارة خادمة الإنتاج الصناعى الذى يصبح توسع السوق بالنسبة له ضرورة حيوية (كارل ماركس، رأس المال، ج 3. ص 358، ترجمة راشد البراوى).

[6] منها فى مصر مثلا : الماكولات الشعبية والزى الشعبى والمسكن القروى المعتاد وأدوات الإنتاج التقليدية … الخ.

[7] يفتقر تعبير (قبل الرأسمالية) هنا إلى الدقة، لأن تلك العلاقات لا تفضى على الإطلاق، ضمن سيرورة التخلف، إلى نمط الإنتاج الرأسمالى، ولكنها حالة يعاد إنتاجها باستمرار ضمن هذه السيرورة. فاستخدامه يعود لافتقارنا إلى مصطلح أكثر تحديدا.
[8] ستكشف خلال هذا المقال أن تكامل البنية الإنتاجية فى أى مجتمع متعين شرط أساسى لوجود تشكيلة اقتصادية اجتماعية، وهى التى تكفل وحدة قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. أما فى بنية التخلف، ونتيجة لغياب هذا الشرط تتفكك هذه الوحدة بين مختلف علاقات الإنتاج بفعل السيطرة الامبريالية. هذه الوحدة إذن مشروطة، وإن كانت شروطها متوفرة تلقائيا فى مراحل التاريخ المختلفة عدا الحالة الخاصة المسماه "بنية التخلف".

[9] هذا بالنسبة لتقسيم العمل على مستوى المجتمع ككل، وليس بالنسبة لتقسيم العمل على مستوى الوحدة الإنتاجية، فالتقسيمات الجديدة للعمل داخل المصنع (مثلا)، والتى تتغير بمعدلات سريعة، لا تسفر عن علاقات اجتماعية جديدة على مستوى مجمل عملية الإنتاج، أى علاقات طبقية جديدة، وأن كانت تسفر عن تحولات معينة فى العلاقات الاجتماعية على مستويات أقل جذرية : نشوء ارستقراطية عمالية مثلا.


.[10]  يحدد نمط معين من الإنتاج نمطا محددا للاستهلاك والتوزيع والتبادل، بالإضافة إلى علاقات معينة بين هذه العمليات المختلفة.
[11] ترتبط تلك الرؤية فى الاقتصاد السياسى بالبحث عن أسس الرأسمالية فى أى تبادل نقدى (الذى يقوم بالطبع على الإنتاج من أجل السوق) ويجرى البحث عن تلك الأسس – إذن – فى الحضارة اليونانية – الرومانية.

[12] الاتجاه التاريخى لتطور مجتمع معين هو الاتجاه الذى يتطور عضويا عن التركيب الداخلى (الطبقى) للمجتمع، بحيث يكون وجود المجتمع المعنى بالفعل يعنى فى جوهره وجودا أخر للمجتمع بالقوة.


[13]  كذلك قد توجد حالات استثنائية، يقوم فيها الرأسمال التجارى بالاعتماد على مصادر خارجية للدخل، مثل البترول والسياحة (أو تحويلات العاملين خارج البلاد مثل مصر والمغرب فى السبعينات والثمانينات)، حتى فى ظل غياب أو تراجع أنماط الإنتاج قبل الرأسمالية. هنا أيضا يكون لدينا بنية تابعة يسودها الرأسمال التجارى الذى يتوسط آليات التبعية.

[14] انظر بهذا الصدد : كأول ماركس، رأس المال، ج 3، ترجمة راشد البراوى، الفصول 16 – 19.

[15] رغم أن نسبة التجارة الخارجية / الدخل القومى فى الدول المتقدمة تفوق نفس النسبة لدى اغلب الدول المتخلفة، ألا أن نسبة التجارة / الداخلية أكبر فى الدول المتخلفة بمراحل بسبب ضيق السوق الداخلى .. أيضا، فإن تفكك البنية المحلية للإنتاج يعطى وزنا جوهريا للتجارة الخارجية باعتبارها الشريان الحيوى الضرورى لعملية إعادة الإنتاج فى القطاعات المختلفة يفوق حتى وزنها الكمى الضخم أصلا.

[16] تتخذ الرأسمالية المعاصرة طابعا احتكاريا، ولكن فى إطار مختلف تماما، فالاحتكار هنا يتحرك ضمن حدود قوانين نمط الإنتاج الرأسمالى، وينتزع أرباحه الزائدة من فائض القيمة الذى تنتجه المشاريع الأخرى. وحتى فى هذا الإطار فإن دوره تحكمه المنافسة الرأسمالية بين الاحتكارات. ناهيك عن أن الشركات الاحتكارية هى بالدرجة الأولى شركات صناعية، وليست تجارية.
[17] لا نقصد بالنمط السائد، الأكبر من حيث مدى مشاركته فى الدخل القومى – أى السائد حسابيا. وسنشرح لاحقا شروط سيادة نمط الإنتاج عموما والنمط الرأسمالى خصوصا.
[18] المجتمع هو مجموعة من البشر يشتركون فى عملية واحدة لإنتاج وإعادة إنتاج شروط استمرار الجماعة الاقتصادية والاجتماعية شاملة إعادة إنتاج البشر.

[19] راجع هامش (10).
[20] فى هذا الوضع يصبح رأس المال التجارى مجرد رأس مال صناعى متحور – الجزء من رأس المال الذى يعمل فى مجال التبادل ويحصل بالتالى على معدل الريح الوسطى. بالمقابل نستطيع القول أن رأس المال الصناعى فى بنية التخلف يشكل جزءا من رأس المال التجارى. واسبقية رأس المال الصناعى أو رأس المال التجارى فى الحالتين هى أسبقية منطقية وليست بالضرورة أسبقية زمنية.


[21] راجع فقرة (9 ، ج) ص 77 ، 78.

[22]  مازالت توجد أشكال إنتاج قبل رأسمالية فى البنى الرأسمالية، وبالطبع يجرى تحويل القيمة منها بواسطة التجارة أيضا، بيد أن هناك فارق جوهرى : أن تلك الأشكال تتحرك من خلال آليات سيادة نمط الإنتاج الرأسمالى، ولا تتمتع بدور اقتصادى- اجتماعى مستقل .. كذلك فإن تأثيرها على معدل ربح الصناعة لا يذكر فيظل المحرك الأساسى للرأسمال هو انتزاع فائض القيمة من العمال (لاحظ أن الفروق كيفية).
[23]  هناك شكل آخر لهيمنة الرأسمال التجارى على الصناعى، وهو التاجر الصناعى "الذى يحول … صغار الأسطوات إلى وسطاء له، أو يشترى مباشرة من المنتج تاركا إياه مستقلا بالاسم، وتاركا أسلوبه فى الإنتاج دون تغير"، كارل ماركس، المرجع السابق ج 3، 58. ونستطيع أن نرصد تلك الظاهرة فى أغلب الصناعات الحرفية الكبرى _الجلود، الاثاث) وفى صناعات موجهة للسوق الداخلى، ويلجم الرأسمال التجارى تطورها وينهيها بالسيطرة على منافذ التوزيع.

[24]  ان تسمية المهام (تحقيق الديموقراطية والتصنيع وحل المشكلة الزراعية والمسألة القومية) مهام برجوازية يكاد أن يكون سمة مشتركة لليسار الماركسى بكافة مدارسه – على قدر علمنا – بما فيهم أولئك الذين ينحون البرجوازية المحلية فى البلدان المتخلفة عن انجاز تلك المهام ويضعونها فى معسكر الثورة المضادة ! وتلك حالة توضح لنا ارتباط تلك النظرية باسقاط تجربة البنى الرأسمالية على بنى التخلف. بل أن عملية إحالة تحقق "مهام الثورة البرجوازية" إلى البروليتاريا نفسها، توضح مدى عجز مجمل ذلك الاتجاه عن تأصيل الماركسية فى الواقع فى البلدان المتخلفة. وارتباطه بالأطروحة المستندة إلى التاريخ (الأوروبى) : أما البرجوازية أو البروليتاريا.

[25]  البرجوازية الأوروبية "تابعة" للبرجوازية الأمريكية من حيث النظام النقدى مثلا ولكنها ليست تبعية بنيوية، ولا تقوم البرجوازية الأولى بدور الوكيل للأخيرة.


[26] يلاحظ كل المشتغلين بدراسة اقتصاديات التخلف – بهذا الصدد – تعاظم دور جهاز الدولة فى تركيز الموارد وتوزيعها. ونلاحظ أن "الفساد الإدارى" المشهور فى كل البلدان المتخلفة، جزء لا يتجزأ من آلية عمل الجهاز نفسه، إذ أن الفساد بالتحديد هو الوسيط الأهم والحاسم للتوفيق بين مصالح الأوليجاركيات المختلفة والتعبير عن نفوذها النسبى، مما لا تستطيعه أية قوانين أو لوائح.

[27]  كذلك يترتب على هذه الظاهرة إنخداع اليسار بطبيعة هذه الصراعات، لذا عادة ما ينسب إلى أحد الأطراف دور وطنى لمجرد أنه قد أظهر معارضة أكبر لتوجهات اقتصادية معينة تحبذها الامبريالية، وان كانت لا تعادى بالكامل بدائل هذا الطرف.































إرسال تعليق

يسمح بالاقتباس شرط الإشارة إلى المصدر- عادل